رواية قهوة بالبندق الفصل الاول1 بقلم ملكة الحكايات والروايات ساحرة القلوب

رواية قهوة بالبندق الفصل الاول1 بقلم ملكة الحكايات والروايات ساحرة القلوب 

​رائحة البن المحوج بالبندق كانت تفوح في أرجاء المكان، دافئة وحميمة، لكنها لم تكن كافية لتلطيف البرودة التي جمدت الدماء في عروق "رويدا".

​كان فنجان القهوة أمامها قد برد تمامًا، ووجه "سهير" الشاحب يعكس انكسارًا لم ترَ مثله من قبل. كانت سهير تشبك أصابعها المرتجفة ببعضها البعض، تفرك جلدها بقسوة كأنها تحاول جاهدة التخلص من ذنب يلتصق بجلدها، ودموعها المتلاحقة ترسم مسارات لامعة على وجنتيها الشاحبتين.


​نبضات قلب رويدا كانت تتسارع وهي تحاول استيعاب ما تسمعه. همست بصوت مخنوق بالصدمة والغضب، محاولة ألا تلفت أنظار الطاولات المجاورة في الكافيه الهادئ:

— "أنتِ اتجننتي؟! ازاي تتجوزي عرفي وأنتِ في السن ده؟ وكمان... كمان حامل?!"

​انفجرت سهير في بكاء صامت، غطت وجهها بكفيها المرتعشتين وقالت بنبرة متوسلة مخنوقة:

— "أنا بحب ساهر يا رويدا.. وهو بيحبني! هو مش هيتخلى عني أبدًا، صدقيني..."

​عقدت رويدا حاجبيها بقلة حيلة وضيق، ونفضت يد صديقتها برفق لعلها تفيق من غيبوبتها:

— "حب؟ وساهر؟! يا بنتي انتم لسه في الكلية! لسه متخرجتوش ومصروفكم بتاخدوه من أهاليكم! هتعملوا ايه بالطفل ده؟ هتعيشوا فين؟"


​هزت سهير رأسها يمينًا ويسارًا بهستيرية، وعيناها الزرقاوان المتورمتان تائهتان في الفراغ:

— "مش عارفة.. مش عارفة أعمل إيه.. أنا جيتلك أنتِ بالذات عشان تدبريني، ماليش غيرك يا رويدا."

​تنهدت رويدا بمرارة، وشعرت بعبء العالم كله يقع فوق كتفيها:


— "أدبرك ازاي بس يا سهير؟ دي مصيبة!"

​نظرت إليها سهير فجأة بنظرة غريبة، نظرة يائسة وخائفة، وهمست بكلمات نزلت كالصاعقة على مسامع رويدا:

— "نروح لدكتور.. ينزل اللي في بطني يا رويدا. مفيش حل تاني."

​انتفضت رويدا في مقعدها، واتسعت عيناها برعب حقيقي، وشعرت ببرودة تجتاح جسدها بالكامل:

— "أنتِ اتجننتي رسمي؟! عاوزاني أشترك في جريمة زي دي؟! دي مووت.. قتل! مستحيل أوافقك على الجنان ده!"

​بعد مرور أسبوعين..


​لم تكن تلك الكلمات والرجفات مجرد ذكرى عابرة؛ بل كانت تدور وتتعاظم داخل رأس رويدا وهي تجلس الآن في نفس الكافيه، لكن على مقعد مختلف، وأمام شخص مختلف تمامًا.

​كانت ترتجف بقوة، ليس من برودة الطقس، بل تحت وطأة النظرات الحادة والمليئة بالشك التي يوجهها إليها الضابط "مهران"، معاون مباحث القسم.

​كان مهران رجلًا في أواخر الثلاثينيات، يتمتع ببنية قوية وعينين صقريتين لا تفوتهما شاردة ولا واردة. كان يمسك بقلم في يده، يطرق به بانتظام وبطء شديد على سطح الطاولة الخشبية، صوت الطرقات كان يتغلغل في رأس رويدا كأنه ناقوس خطر.


​اختفت سهير.. اختفت في ظروف غامضة تمامًا منذ عشرة أيام، وانقلبت الدنيا رأسًا على عقب. تحول البحث عنها من قلق عائلي إلى قضية جنائية مثيرة للريبة، وكان مهران يقلب في دفتر علاقاتها، مستجوبًا كل من يعرفها.

​نظر مهران إلى رويدا، متأملًا يديها اللتين تقبضان على حقيبتها بقوة تبيض معها مفاصل أصابعها، وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل تهديدًا مبطنًا:

— "يا آنسة رويدا.. حضرتك كنتِ أقرب صديقة لسهير. قعدتكم الأخيرة هنا في الكافيه ده قبل اختفائها بكام يوم، مكنتش قعدة عادية. شهود العيان والويترز هنا أكدوا إنكم كنتوا بتتخانقوا، وإن سهير كانت بتعيط بحرقة.. ممكن تقوليلي بوضوح، إيه اللي دار بينكم في اليوم ده؟"

​ابتلعت رويدا ريقها بصعوبة، وشعرت بقطرة عرق باردة تهبط على جبينها. كان سر صديقتها يثقل كاهلها، والبوح به قد يدمر سمعة عائلة كاملة، لكن الصمت.. الصمت قد يجعلها المتهمة الأولى في جريمة اختفاء غامضة.


​تأتأت بتردد والظابط مهران يضيق عينيه مراقبًا حركة شفتيها:

— "يا فندم.. احنا.. احنا كنا بنتكلم في موضوع عادي.. مشاكل في الكلية والامتحانات.."

​قطع مهران حبل كذبها بابتسامة باردة متشككة، ثم مال بجسده إلى الأمام لتقترب ملامحه الحادة منها وقال بصوت منخفض وحاسم:

— "امتحانات؟ ومشاكل كلية تخلي واحدة تعيط بالطريقة الهستيرية دي، والتانية تتهمها بالجنان وتقولها 'دي جريمة مستحيل أشترك فيها'؟ أنا مبحبش الاستغفال يا آنسة رويدا.. لآخر مرة بسألك.. سهير راحت فين؟ وإيه السر اللي كانت مخبياه وعاوزاكي تشتركي فيه؟"


​شعرت رويدا أن جدران الكافيه تضيق عليها، ورائحة قهوة البندق التي كانت تعشقها، تحولت فجأة إلى رائحة خانقة تذكرها بأولى خطوات السقوط في الهاوية.


انقبضت أصابع رويدا حول حقيبتها الجلدية بقوة كادت تقطع نسيجها، ونظرت حولها بذعر؛ الكافيه الهادئ الذي لطالما كان ملاذها الآمن، تحول في عينيها إلى قاعة محكمة ضيقة، وجدرانه الخشبية باتت كقضبان سجن توشك أن تغلق عليها.

​مسح الضابط مهران وجهه بيده، متمتمًا بقلة صبر، ثم أخرج سيجارة وأشعلها ببطء، وعيناه لا تفارقان عيني رويدا المرتعبتين. نفث دخانًا كثيفًا تداخل مع رائحة قهوة البندق في الهواء، وقال بنبرة هادئة لكنها تقطر حسمًا:

— "شايفك ساكتة.. والسكوت في موقف زي ده معناه حاجة من الاتنين؛ يا إما شريكة في المصيبة وخايفة تتكلمي، يا إما بتدوري على كذبة جديدة تليق بالمقام. بس أحب أنبهك.. أنا مبحبش الكذب، وبوليس المباحث مبيسبش خيط مقطوع. لو مصلحة صاحبتك تهمك، اتكلمي."


​انفجرت رويدا بالبكاء، ولم تعد قادرة على تمثيل التماسك. انسابت دموعها بغزارة وهي تهز رأسها جاهدة لتلتقط أنفاسها:

— "والله العظيم ما أعرف هي فين يا باشا! أنا مليش ذنب في أي حاجة.. أنا كنت بحاول أحميها من جنانها!"

​اعتدل مهران في جلسته، ووضع سيجارته في المنفضة ببطء، ثم مال للأمام وقال:

— "جنان إيه؟ احكيلي بالتفصيل.. من أول كلمة لحد آخر كلمة دارت بينكم في القاعدة دي."

​أخذت رويدا شهيقًا عميقًا وهي تحاول تهدئة روعها، وبدأت تتحدث وصوتها يرتجف ويهتز مع كل كلمة:

— "سهير.. سهير كانت واقعة في مصيبة يا فندم. كانت متجوزة عرفي من زميلنا في الكلية.. اسمه ساهر. ولما جت تقابلني هنا، كانت منهارة تمامًا.. قالت لي إنها حامل."

​ارتفع حاجبا مهران بدهشة ممزوجة بالاهتمام الجنائي، والتقط قلمه مجددًا ليكتب في مفكرته الصغيرة، متمتمًا:

— "حامل؟ وساهر ده يعرف؟"


​أومأت رويدا برأسها وهي تمسح دموعها بطرف كمها:

— "أيوة.. بس هي قالت لي إنها خايفة ومصروفهم لسه من أهاليهم ومش عارفين يتصرفوا ازاي. ولما سألتها هتعملوا إيه، لقيتها بتقولي بمنتهى الجنان إنها عاوزه تروح لدكتور ينزل البيبي! أنا اترعبت.. خفت عليها وخفت على نفسي. قلت لها إن دي جريمة ومستحيل أساعدها في حاجة زي دي ولا يمكن أروح معاها لأي مكان. اتخانقنا.. وسابتني ومشيت وهي بتعيط.. ومن ساعتها تلفونها اتقفل، ومظهرتش في الكلية تاني!"

​صمت مهران لثوانٍ، كان يحلل كلمات رويدا، يزن نبرة صوتها، ويقارنها بلغة جسدها. لم تبدُ كاذبة، فالرعب الذي في عينيها كان حقيقيًا وعفويًا.

​أطفأ مهران سيجارته تمامًا، ثم نظر إليها بجدية شديدة:

— "وساهر؟ تفتكري ممكن يكون ليه يد في اختفائها؟ أو ممكن يكونوا هربوا سوا؟"

​هزت رويدا رأسها نافية بحدة:

— "ساهر لسه بيحضر في الكلية عادي جدًا يا فندم! أنا شفته أول امبارح في المحاضرة، وكان شكله طبيعي ومفيش عليه أي علامات قلق، وده اللي هيجنني! لو هي اختفت، ازاي هو عادي كده؟!"


​لمعت عينا مهران ببريق غامض، ووقف فجأة، مصلحًا سترة بدلته الرسمية، ثم نظر إلى رويدا وقال بصوت يحمل نبرة الآمر المطمئن في آن واحد:

— "تمام يا آنسة رويدا.. كلامك ده هيتسجل في المحضر. تقدري تتفضلي دلوقتي، بس تليفونك مبيتقفلش، ورجلك متخطيش برة المحافظة من غير إذن مني. إحنا هنحتاجك تاني.. وقريب قوي."

​نظرت إليه رويدا برعب دفين، وهي تشعر أن هذه القضية لن تنتهي عند هذا الحد، وأن فنجان القهوة البارد الذي تركته وراءها، هو مجرد بداية لرحلة طويلة ومظلمة في أعماق سر "سهير" الغامض.

​بينما خطى مهران خارج الكافيه، أخرج هاتفه وضغط على زر الاتصال، وقال بلهجة آمرة وصارمة لطاقم حراسته: "هاتوا لي الواد اللي اسمه 'ساهر' ده فورًا.. عاوز أشوفه في مكتب التحقيق قبل ما الليل يليل.

يتبع
       الفصل الثاني من هنا
لقراءة باقي الفصول من هنا
تعليقات



<>