
خرج شريف علام من مكتب التحقيق يحيطه محاموه كالأشباح، لكن خطواته الواثقة التي دخل بها كانت قد تخلت عنه؛ بدا جسده متصلبًا، وملامح وجهه تحمل مزيجًا من الغضب المكبوت والذعر الكامن.
في تلك الأثناء، كان مهران يقف خلف زجاج المكتب ذي الاتجاه الواحد، يراقب خروجهم وعيناه تلمعان ببريق صياد يعرف تمامًا متى يطلق رصاصته. التفت إلى معاون المباحث بهاء الذي كان يراجع بعض الأوراق على عجل:
"بهاء.. السواق بتاع شريف علام ييجي هنا في خلال ساعة، مش عاوز أي تأخير."
"تمام يا فندم، القوة جاري تحركها لبيته حالًا.. بس تفتكر يا مهران باشا، شريف علام ممكن يسكت؟ الراجل ده نفوذه واصل، وممكن يقلب القضية ضدنا في ثانية لو ملحقناش نمسك دليل قاطع."
أطفأ مهران سيجارته في المنفضة بقسوة وتمتم بصوت خفيض:
"النفوذ مبيحميش من ريحة الدم يا بهاء.. شريف علام مرعوب، والرجفة اللي شفتها في عينه لما جبت سيرة فحص العربية بـ 'الليزر' أكدت لي إن السر كله جوا العربية دي. البنت متقتلتش في الملاحات.. البنت اتنقلت فيها."
قطع حديثهما رنين هاتف مهران الشخصي. نظر إلى الشاشة بوجوم؛ كان المتصل هو "رويدا".
أجاب مهران بسرعة ونبرة جافة:
"أيوة يا رويدا.. فيه جديد؟"
جاءه صوت رويدا من الطرف الآخر باكيًا، مرتجفًا، وصوت أنفاسها متلاحق كأنها تركض في ماراثون أنفاس:
"مهران باشا.. ألحقني يا فندم! أنا.. أنا فيه حد بيراقبني تحت بيتي! عربية جيب سوداء.. نفس مواصفات العربية اللي قولتلي عليها! أنا شفت واحد نزل منها وواقف بيبص على شباك أوضتي.. أنا خايفة قوي يا فندم، حاسة إنهم هيقتلوني زي ما عملوا في سهير!"
تصلب جسد مهران، وصرخ في الهاتف بصوت أرعب كل من في المكتب:
"رويدا! اقفلي النور بتاع الأوضة حالًا، والزمي الأرض.. متقربيش من الشبابيك! أنا جايلك حالًا.. بهاء! اطلب قوة دعم فورًا على عنوان رويدا!"
أمام مبنى رويدا — الحادية عشرة مساءً
كانت شوارع الحي الهادئ قد خلت من المارة تقريبًا، والظلام يلقي بظلاله الكئيبة على واجهات المباني. انطلقت سيارة مهران بسرعة جنونية وتوقفت قبل المبنى بمسافة قصيرة لتجنب لفت الأنظار، وتبعتها سيارة شرطة أخرى محملة بالرجال.
ترجل مهران من السيارة ممسكًا بمسدسه الميري، وبحركة سريعة من يده أشار لرجاله بتطويق المربع السكني. من بعيد، وتحت ضوء عمود إنارة خافت، كانت تقف سيارة جيب سوداء معتمة الزجاج بالكامل، ومحركها يدور بصوت منخفض أشبه بهدير وحش متهيئ للانقضاض.
وفجأة، لمحت عينا مهران حركة سريعة؛ انفتح الباب الخلفي للبناية التي تسكن بها رويدا، وخرج منه رجل ملثم يحمل حقيبة قماشية ضخمة بدت ثقيلة الوزن، وكان يسرع الخطى نحو السيارة الجيب!
— "سلم نفسك! شرطة!" صرخ مهران بصوت رعدي وهو يركض باتجاه المتهم مصوبًا سلاحه نحوه.
انتفض الرجل الملثم ذعرًا، وألقى بالحقيبة على الأرض بقوة ليركض نحو السيارة الجيب. صعد إلى المقعد الخلفي، وانطلقت السيارة بأقصى سرعتها، محدثة صريرًا حادًا لإطاراتها فوق الأسفلت، متجاوزة سيارات الشرطة التي حاولت سد الطريق عليها.
أطلق مهران رصاصتين تحذيريتين في الهواء، وركض نحو الحقيبة التي ألقاها الرجل. انحنى وبحذر شديد فتح سحاب الحقيبة الثقيلة.. ليحبس أنفاسه لثوانٍ معدودة ويشعر بصدمة عمره.
لم تكن الحقيبة تحتوي على متفجرات أو مسروقات.. بل كانت تحتوي على ملابس نسائية غارقة بالدماء، وبطاقة هوية أخرى تخص سهير، وجهاز هارد ديسك (كاميرات مراقبة)!
وفي تلك اللحظة بالذات، انتبه مهران لصوت صراخ مكتوم وحاد يأتي من داخل مدخل البناية. ركض مهران لداخل العقار، متتبعًا الصوت صعودًا نحو الطابق الأول، ليجد باب شقة رويدا مفتوحًا على مصراعيه.
دخل والمسدس في يده، ليجد رويدا ملقاة على الأرض، رأسها ينزف بغزارة جراء ضربة قوية، وهي تشير بيد مرتجفة نحو الشرفة المفتوحة وتقول بصوت متقطع واهن:
"سهير... سهير... ممتتش... هما... هما خدوها..."
قبل أن يستوعب مهران الكلمات، دوت صرخة أنثوية مرعبة ومألوفة للغاية من الشارع الخلفي للعقار، صرخة هزت أرجاء المكان الشاخص في الظلام:
— "الحقوووني!! مهران باااااشا!!"
كان الصوت بلا شك.. صوت سهير!