
صوت صرخة سهير المبحوح الذي شق سكون الليل لم يكن مجرد صرخة استغاثة؛ بل كان بمثابة إعلان بعث للروح في قضية ظن الجميع أنها باتت مجرد بحث عن جثة هامدة في الملاحات.
تصلب مهران في مكانه لكسر من الثانية، ثم التفت إلى بهاء الذي دخل الشقة مذهولًا وخلفه طاقم الإسعاف:
"بهاء! خليك مع رويدا والإسعاف هنا، مفيش مخلوق يقرب من الشقة دي!"
وقبل أن ينتظر ردًا، استدار مهران وركض هابطًا درجات السلم بسرعة فائقة، يقفز فوق درجتين وثلاثة في آن واحد، ومسدسه مثبت بقبضة يده اليمنى. كان قلبه يقرع صدره بعنف، ليس خوفًا، بل إثارة ورغبة عارمة في كشف هذا اللغز الذي بات يتلوى بين يديه كالأفعى.
خرج من الباب الخلفي للعمارة المؤدي إلى زقاق ضيق ومظلم يربط بين شارعين رئيسيين. كانت الرياح تعصف ببعض الأكياس البلاستيكية وصناديق القمامة الملقاة على الجانبين. تطلع مهران يمينًا ويسارًا، ليمح من بعيد، تحت ضوء المصباح الأصفر الخافت للشارع الخلفي، خيال رجلين يجران بقوة فتاة ترتدي عباءة داكنة، كانت تقاومهما بكل ما أوتيت من قوة وتضرب الأرض بقدميها الحافيتين
"اثبت مكانك منك له! اللي هيتحرك هنسفه!" صرخ مهران بصوت هز أرجاء الزقاق، وهو يتخذ وضعية الإطلاق مصوبًا مسدسه نحو الرجلين.
توقف الرجلان للحظة. التفت أحدهما وكان يحمل في يده سلاحًا ناريًا (فرد خرطوش)، وبدون تردد أطلق طلقة باتجاه مهران. دوت الفرقعة في الزقاق الضيق، وتطايرت شظايا الرصاص لتصيب الجدار الطوبي بجوار مهران مباشرة، مخلّفة غبارًا أبيض كتم الرؤية لثوانٍ.
انحنى مهران بسرعة خلف حاوية قمامة حديدية، ورد بثلاث رصاصات متتالية بدقة وثبات. أصابت الرصاصة الأولى كتف الرجل المسلح، ليسقط سلاحه على الأرض وهو يصرخ متألمًا. أما الرجل الثاني، وبمجرد رؤية زميله يسقط، أفلت الفتاة بقسوة لترتطم بالأرض، وركض بأقصى سرعته نحو سيارة جيب سوداء أخرى كانت تنتظره عند مخرج الزقاق، ليركبها وتفر السيارة بسرعة جنونية محددة صريرًا حادًا.
انطلق مهران نحو الفتاة الملقاة على الأرض والمسلح المصاب الذي كان يتلوى ألمًا محاولًا الزحف بعيدًا.
انحنى مهران أولًا نحو الفتاة، ونفض خصلات شعرها المتربة عن وجهها. وتحت ضوء عمود الإنارة، التقت عيناه بعينيها. كانت هي.. بوجهها الشاحب، وعينيها الزرقاوين الغارقتين بالدموع والذعر، وجسدها الهزيل الذي تبدو عليه بوضوح معالم الحمل في شهوره الأولى.
"سهير..." همس مهران وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة.
"مهران باشا.. الحقني.. هيموتوني.. هيموتوا ابني.." همست سهير بصوت واهن للغاية قبل أن تفقد وعيها تمامًا بين يديه.
في المستشفى — الرابعة فجرًا
كان الرواق المؤدي إلى غرفتي العناية المركزة محاطًا بحراسة مشددة من رجال الشرطة. في الغرفة الأولى كانت رويدا تخضع للعلاج من ارتجاج في المخ إثر الضربة التي تلقتها على رأسها، وفي الغرفة الثانية كانت سهير تحت الملاحظة الطبية الدقيقة بعد إصابتها بجفاف شديد وانهيار عصبي حاد، لكن جنينها كان بخير.
كان مهران يقف في الممر، واضعًا يديه في جيبي معطفه، وعيناه معلقتان على جهاز الهارد ديسك (كاميرات المراقبة) الذي تحفظ عليه في الحقيبة القماشية، والذي أرسله فورًا لقطاع التكنولوجيا بالوزارة لتفريغه.
دنا منه بهاء بوجوم، حاملًا كوبين من القهوة الساخنة:
"اتفضل يا فندم.. القهوة دي عشان تصحصح. التحقيقات مع الواد المسلح اللي قبضنا عليه بدأت تجيب نتيجة."
أخذ مهران الكوب، وارتشف منه رشفة مريرة، ثم سأل ببرود:
"الواد ده تبع مين يا بهاء؟"
"اسمه 'حامد'، شغال بودي جارد وسواق خاص لشركات شريف علام. اعترف إن شريف بيه هو اللي كلفهم بخطف سهير من اللحظة الأولى اللي كلمته فيها تطلب منه يحل مشكلة ساهر."
ضيق مهران عينيه:
"والدم اللي في الملاحات؟ والشنطة؟"
"كل ده كان تمثيلية وتضليل من شريف علام يا فندم! لما عرف إننا بدأنا ندور في علاقات سهير، خاف إن الفضيحة تلمس ابنه وتلمسه هو شخصيًا. فقرر يخفي البنت في مكان سري تبع شركته، ورمى شنطتها في الملاحات بعد ما دلق عليها شوية دم (فصيلة مطابقة) عشان يوهمنا إنها اتقتلت هناك، ويلبس التهمة كلها لساهر ابنه! كان مستعد يضحي بابنه المستهتر ويدخله السجن بتهمة قتل عشان يقفل القضية ومحدش يدور ورا نفوذه وعلاقاته، ويضمن إن سهير والطفل يختفوا للأبد!"
تنهد مهران بعمق، لكن ملامحه لم تسترخِ بعد. تطلع إلى فنجان القهوة في يده وتمتم:
"لعبة قذرة من أب ملوش غالي غير اسمه ونفوذه.. بس لسه فيه حلقة مفقودة يا بهاء."
"حلقة إيه يا فندم؟ البنت ورجعت، والمتهمين تحت إيدينا."
نظر مهران نحو باب غرفة سهير وقال بنبرة غامضة:
"رويدا.. رويدا كانت مخبية حاجة. والحقيبة اللي الملثم كان عاوز يسرقها من شقتها كانت فيها ملابس سهير وهارد ديسك الكاميرات.. تفتكر رويدا جابت الحاجات دي منين؟ وليه الملثم راح يسرقها من بيتها بالذات في الوقت ده؟"
قبل أن يجيب بهاء، فتح باب غرفة سهير ببطء، وخرجت الطبيبة المعالجة مصلحة نظارتها الطبيبة، ونظرت إلى مهران قائلة:
"سيادة الضابط.. المريضة سهير فاقت.. وبتطلب تقابلك فورًا. بس أرجوك، بلاش ضغط عليها، حالتها النفسية صعبة جدًا."
ألقى مهران كوب القهوة في سلة المهملات، وأصلح سترته وقال بصوت حازم:
"متقلقيش يا دكتورة.. أنا مش هضغط عليها. أنا بس عاوز أسمع منها.. القصه من اولها
خطا مهران إلى داخل الغرفة بخطوات هادئة هدوءًا مقصودًا لامتصاص الذعر الذي كان يملأ المكان. كانت الأجهزة الطبية تصدر رنينًا رتيبًا وهادئًا، وسهير ترقد فوق الفراش الأبيض، وجهها كشجرة ذبلت أوراقها قبل الأوان، ويداها ترتجفان تحت الغطاء.
بمجرد أن رأته، حاولت الاعتدال، فتقدم نحوها مشيرًا بيده برفق لتبتعد عن الحركة:
— "ارتاحي يا سهير.. مفيش أي خطر عليكي دلوقتي، المكان كله تحت حراستنا، وشريف علام ورجالته نهايتهم بقت مسألة وقت."
انسابت دمعة حارة من عينيها، وهمست بصوت متحشرج:
— "رويدا.. رويدا كويسة يا فندم؟"
— "رويدا بخير.. تلقت ضربة شديدة على دماغها بس الدكاترة طمنونا عليها. بس قوليلي يا سهير.. إيه اللي دخل رويدا في اللعبة دي تاني بعد ما سيبتيها في الكافيه؟"
أخذت سهير نفسًا متقطعًا، وبدأت تسرد ما حدث بنبرة تملؤها الحسرة:
— "لما ساهر رماني من العربية في الليلة دي على المحور.. الدنيا اسودت في عيني. اتصلت بوالده شريف بيه.. كنت بصرخ وبقوله إني هفضح ابنه وهروح لأهلي وهخليهم يبلغوا الشرطة بورقة الجواز العرفي. هو كلمني بهدوء غريب.. هدوء خوفني، وقالي إنه هيحل كل حاجة، وطلب مني أستناه في مكان قريب من المحور عشان يبعتلي عربية تاخدني شقة تبع شركته نقعد فيها ونتفاهم."
توقفت للحظة وتنهدت بألم قبل أن تكمل:
— "أنا صدقته.. ركبت مع السواق بتاعه، وبمجرد ما ركبت لقيتهم بيسحبوا مني تليفوني وشنطتي بالقوة، وأخدوني على مخزن مهجور في منطقة مقطوعة.. وهناك شريف بيه جالي بنفسه. قالي ببرود مرعب إن مفيش جواز، وإن الورقة العرفي اتفرمت، وقالي: 'أنا مستعد أضحي بساهر وألبسه قضية قـتلك لو فكرتي تظهري تاني وتلوثي اسم عيلتي'.. كان ناصبلي فخ عشان يخلص مني ومن ابني!"
ضيق مهران عينيه وقال:
"بس أنتِ هربتي إزاي من المخزن ده؟"
"مقتدرتش أهرب لوحدي.. السواق بتاعه 'حامد'، اللي اتمسك برة، قلبه رق ليا لما شافني بنزف وبموت من الخوف والتعب. حامد اتصل بروايدا من ورا شريف بيه.. رويدا كانت بتموت من الرعب عليا بعد ما عرفت باختفائي. اتفقت مع حامد إنها تديله مبلغ كبير من فلوسها عشان يهربني ويسلمني ليها في السر."
لمعت عينا مهران بفهم، وتابع الخيوط في عقله:
"عشان كده رويدا كانت محضرة لكِ هدوم بديلة في شقتها.. بس الهارد ديسك اللي كان في الشنطة ده إيه؟"
"ده هارد الكاميرات بتاعة المخزن اللي كنت محبوسة فيه!" قالت سهير بلهفة، "حامد سرقه قبل ما يهربني عشان يكون دليل إدانة ضد شريف بيه ويحمي نفسه ويحميني.. بس الظاهر شريف علام كشف غياب حامد، وعرف بطريقته إننا بنخطط لتهريبي، فبعت رجالته يراقبوا شقة رويدا عشان يستردوا الهارد ديسك ويخلصوا مننا إحنا الاتنين سوا!"
ارتشف مهران من الصمت السائد في الغرفة قوة جديدة. الآن، كل قطع الأحجية تلاحمت بالكامل؛ شريف علام لم يكن يخطط لحماية ابنه، بل كان يخطط لدفن الحقيقة وتصفية كل من يهدد إمبراطوريته ونفوذه، حتى لو كان الثمن ابنه المستهتر "ساهر"، وصديقتها "رويدا"، وجنين سهير البريء.
أخرج مهران هاتفه وضغط على زر الاتصال بالمعاون بهاء، وقال بصوت حازم يملؤه التحدي والانتصار:
"بهاء.. اطلب قوة من العمليات الخاصة.. إحنا طالعين على قصر شريف علام حالًا. الليلة دي مش هتنتهي إلا والكلب ده في الحديد.. وخليه يحضر جيش المحامين بتوعه، عشان حبل المشنقة المرة دي متفصل على مقاسه بالظبط."
التفت مهران إلى سهير، ووضع يده على كتفها مطمئنًا، ثم خرج من الغرفة بخطوات ثابتة، بينما بدأت خيوط الشمس الأولى لليوم الجديد تشق ظلام القاهرة، معلنةً نهاية كابوس بدأ بفنجان قهوة بالبندق.. وانتهى بانتصار العدالة.