رواية كلاشينكوف الفصل الثامن8 بقلم ملكة الحكايات والروايات ساحرة القلوب

رواية كلاشينكوف الفصل الثامن8 بقلم ملكة الحكايات والروايات ساحرة القلوب
​لم ينتظر أسامة أوامر القيادة؛ فقد كان يعلم أن كل ثانية تمر تعني تعذيباً جديداً لشقيقه. بفضل خبير تقني في المديرية، استطاع تتبع إشارة الهاتف الذي أرسل الفيديو، ليصل إلى "مخزن قديم" يقع في منطقة مهجورة خلف الجبال.
​تحرك أسامة وحيداً في البداية، متسللاً كالظل بين الصخور، بينما كانت قواته تتحرك في صمت مطبق لتطويق المكان. كان هدفه واضحاً: الوصول إلى الغرفة التي يُحتجز فيها سليمان قبل أن يدرك الزعيم وجوده.
​في الداخل، كان سليمان يصارع قيوده بكل ما أوتي من قوة. كان يعلم أن أسامة لن يتركه، فبدأ يتظاهر بالإغماء ليوهم الحراس بأنه فقد وعيه تحت وطأة التعذيب. عندما اقترب منه أحد الحراس ليتفقد حالته، انقض سليمان عليه بحركة خاطفة وسريعة رغم قيوده، وأطبق بذراعيه على عنق الحارس حتى خارت قواه.
​خطف سليمان مفاتيح القيود من جثة الحارس، وبمجرد أن فكّ يده، انقض على سلاح الحارس وبدأ في فتح النار على الحراس الآخرين الذين اقتحموا الغرفة. كان يقاتل بغضب السنين، صرخته كانت تتردد في أرجاء المكان: "لن أكون دميتكم بعد الآن!"
​في تلك اللحظة، اقتحم أسامة الغرفة من الباب الخلفي، ليجد سليمان وسط دائرة من المرتزقة. انضم أسامة إليه فوراً، وشكلا درعاً بشرياً لبعضهما. كانت الرصاصات تتطاير في كل مكان، وأسامة يصرخ: "سليمان! نحو المخرج، القوة في الخارج بانتظارنا!"
​لم يكن الزعيم بعيداً، فقد كان يراقب المشهد من شاشات المراقبة وهو يزمجر غضباً. ضغط على زر "التفجير الذاتي" للمبنى، آملاً في التخلص من الشقيقين ومن أدلة إجرامه في آن واحد.
​بدأت الأرض تهتز، وتصاعدت ألسنة اللهب في أرجاء المبنى. ركض الشقيقان نحو باب الخروج وسط الركام المتساقط. وقبل أن يصلا إلى الأمتار الأخيرة، دوّى انفجار هائل خلفهما. قفز أسامة بسليمان خارج المبنى، ليقعا على الأرض بينما تحول المخزن إلى كرة من النار خلفهما.
​استيقظ سليمان وهو يسعل وسط الغبار، ونظر إلى أسامة الذي كان يلهث بجانبه، والدم يغطي وجههما. لم يعد الصارم هنا؛ كان سليمان فقط، الشقيق الذي عاد للحياة. نظر أسامة إلى أخيه وقال بصوت مبحوح: "لقد عدت يا سليمان.. عدت إلى بيتك."
​أومأ سليمان برأسه، ولأول مرة منذ عقود، ابتسم ابتسامة حقيقية، لكنها ابتسامة ممزوجة بمرارة الماضي. المعركة انتهت هنا، لكن الحرب ضد الزعيم الذي لا يزال طليقاً قد بدأت للتو.

بعد أن انقشع غبار الانفجار، وقفت قوات العمليات الخاصة تطوق المكان، كان المشهد لا يصدق: أسامة، الضابط الذي فقد الأمل، يضم شقيقه سليمان الذي عاد من الجحيم. لكن الصمت كان سيد الموقف؛ فلم تكن هذه نهاية الطريق، بل كانت بدايةً لرحلة البحث عن الحقيقة المفقودة.
​اصطحب أسامة شقيقه إلى بيتٍ آمن بعيداً عن أعين الناس، كان المكان يعبق برائحة الهدوء التي لم يعرفها سليمان طوال عمره. وبينما كان أسامة يضمد جراح أخيه بيدٍ مرتعشة، كان ينظر في عينيه اللتين لا تزالان تحملان بريقاً حاداً، بريق "الصارم" الذي لم يختفِ تماماً.
​قال سليمان بنبرة خافتة، وهو يحدق في فراغ الغرفة: "أسامة.. أنا لا أعرف كيف أعيش. كل ما تعلمته هو كيف أقتل، كيف أكون سلاحاً في يد ذلك الشيطان. كيف سأواجه الناس؟ كيف سأواجه نفسي؟"
​توقف أسامة عن التضميد، ووضع يده على كتف أخيه بثبات، وقال بصوت واثق: "سليمان، أنت لم تكن يوماً قاتلاً بطبعك. أنت كنت ضحية، والمجرم الحقيقي هو من سرق براءتك. نحن معاً الآن، وسنحاسب كل من تسبب في ضياع سنين عمرك."
​في تلك الأثناء، وفي قبوٍ سري تحت الأرض في قلب الصحراء، كان الزعيم يجلس أمام خريطة كبيرة، يخطط لخطوته التالية. لم يكن غاضباً من فشل العملية، بل كان يبتسم ببرود. وضع يده على صورة أسامة وسليمان وقال لنفسه: "الدم لا يكذب.. والآن سأجعل الأخوين يدمران بعضهما البعض دون أن أحرك ساكناً."
​كان يدرك أن أسامة يعيش الآن في صراع داخلي، بين كونه ضابطاً يحكمه القانون، وبين كونه أخاً يسعى للانتقام. وبدأ الزعيم في إرسال أدلة كاذبة وتلفيقات تشير إلى أن سليمان، أثناء عمله كـ "صارم"، كان مسؤولاً عن مقتل أصدقاء أسامة في العمل، في محاولة لإشعال نار الشك بينهما.
​كانت الساعات التالية حاسمة، حيث بدأ الشقيقان في تجميع شتات حياتهما، لكنهما لم يدركا أن "الزعيم" قد زرع في طريقهما ألغاماً نفسية، وأن المواجهة القادمة لن تكون بالرصاص، بل بكشف حقائق الماضي التي قد تفرق بينهما للأبد.

داخل البيت الآمن، كان التوتر يلف المكان كالغبار العالق. بدأ أسامة يواجه معضلته الكبرى؛ فبينما كان يحاول إعادة تأهيل أخيه، بدأت ملفات قديمة تظهر على مكتبه، ملفات سرية تُسربها أيدي مجهولة من داخل المديرية، توثق عمليات قام بها "الصارم" سابقاً، وعمليات شملت تصفية ضباط كانوا أصدقاء مقربين لأسامة.
​في إحدى الليالي، بينما كان سليمان نائماً، وقعت عينا أسامة على ورقة تحتوي على تفاصيل عملية اغتيال لضابط شهيد كان أسامة يعتبره أخاه. كانت البصمات والأدلة تشير بوضوح إلى "الصارم". أصيب أسامة بذهول؛ فكيف سيواجه سليمان؟ وكيف سيبرر ذلك لنفسه كضابط؟
​في الصباح، واجه أسامة أخاه بالملف. وقف سليمان ينظر إلى الأوراق بيدين ترتجفان، والدموع تحتقن في عينيه. قال بصوت مكسور: "أسامة، أنا لا أذكر تفاصيل كل عملية.. لقد كانوا يبرمجوننا كأننا آلات. كانوا يضعون صوركم، صور ضباط الشرطة، ويخبروننا أنكم من دمرتم حياتي. كنت أقتل بناءً على أوامر، كنت مقتنعاً أنني أنتقم لنفسي!"
​ساد صمت طويل، ثم أضاف سليمان وهو يلقي بالملف بعيداً: "إذا كنت تريد تسليمي للعدالة، فافعل. أنا مستعد لدفع الثمن، لكن أرجوك، لا تطلب مني أن أعتبر نفسي ذلك الوحش الذي صنعوه. أنا سليمان، أنا أخوك، ولست ذلك القاتل."
​في تلك اللحظة، رن هاتف أسامة برسالة من الزعيم: "الآن عرفت الحقيقة؟ أسامة، أنت تحمي قاتل أصدقائك. هل ستنتصر للعدالة أم للدم؟"
​أدرك أسامة أن الزعيم لا يريد القضاء عليهما بالرصاص فقط، بل يريد تدميرهما من الداخل. وضع أسامة يده على كتف أخيه، وقال بنبرة مليئة بالألم واليقين: "أنا لن أسلمك لأحد. سننتقم من الزعيم، وسنقدمه هو للعدالة، وسنثبت للعالم أنك كنت ضحية هذا النظام الإجرامي. سنبدأ حربنا الأخيرة، ليس بالثأر العشوائي، بل بضرب رأس الأفعى."
​بدأ الشقيقان يضعان خطة لاقتحام المعقل الأخير للزعيم، حيث بدأت الحقيقة تنجلي؛ فالزعيم لم يكن مجرد تاجر سلاح، بل كان يمتلك وثائق تدين كبار الفاسدين الذين ساعدوه في اختطاف الأطفال وتجنيدهم.
​المواجهة اقتربت، وسليمان أخذ عهداً على نفسه أن ينهي ما بدأه، حتى لو كلفه ذلك التكفير عن ذنوبه بدمه.
تعليقات



<>