
رواية قلبي لم يكن لي الفصل الثامن والعشرون28 بقلم منه الوكيل
صرخت الممرضة برعب:بسرعة! نادوا الدكتور حمدي حالا! المريضة في نص العملية والدكتور اغمى عليه!
في ثوانٍ، فتح باب غرفة العمليات ودخل الدكتور حمدي الطبيب المقيم بسرعة، وبص لمنظر زين الملقى على الأرض بذهول، وبعدين بص لشمس اللي كانت لسه تحت تأثير البنج وحالتها حر..جة. زعق الدكتور حمدي بصوت عالي للممرضين: شيلوا الدكتور زين بره على أوضة فوراً، وتعالوا ورايا بسرعة نتابع الحالة!
اتحرك الممرضين بسرعة، شالوا زين وحطوه على سرير وخرجوه بره العمليات، وفضلوا يحاولوا يفوقوه لحد ما فتح عيونه بالعافية. كانت الرؤية قدامه منغوشة ومش واضحة، ولسه الوعي بيرجعله ببطء، فبص حواليه بهستيريا وبصوت بينهج وتعبان قال: ليلي.. ليلي فين؟.. هاتولي ليلي..
الممرضين بصوا لبعض بقلق واستغراب من اسم اللي بينادي بيه وهو في حالة إغماء، وقال أحدهم بتوتر: حضرتك.. أنت في المستشفى.. حاسس بحاجة؟ إنت كويس؟
زين خد ثواني عقبال ما استوعب، مسك دماغه اللي كانت بتكاد تـ..نفجر من الصداع، وفجأة فتح عيونه بصدمة وجمع أفكاره وقال: المريضة..! المريضة اللي جوه.. أنتم سيبتوها؟! دي كانت بتمو..ت!
حاول يقوم بسرعة من على السرير، فجرى الممرض مسكه وقال بلهفة: هدي نفسك يا دكتور زين! إنت لسه طالع من الإغماء.. وبعدين الدكتور حمدي دخل يكمل عمليه الحالة، حضرتك محتاج ترتاح!
لكن زين، اللي كان جواه صوت تاني بيأنبه ويقوله إنه السبب، زق الممرض بعزم ما في إيده وقال بصوت كله إصرار وغضب من نفسه: ملكوش دعوه أنا كويس.. أنا لازم أكمل! ابعد عني بقولك!
ما استناش يسمع ردهم، حرك رجليه بصعوبة بالغة ومشي ملوّح في طرقة المستشفى لحد ما وصل لأوضة العمليات، وفتح الباب ودخل بخطوات مهزوزة.
شاف الدكتور حمدي واقف شغال بس العرق كان علي وشه، والتوتر مالي الأوضة. قرب زين منه بصعوبة وقال بصوت متهدج: دكتور حمدي.. إيه الوضع؟
بصله الدكتور حمدي بقلق وقال بسرعة: يا دكتور زين! أنت إيه اللي جابك وأنت بالمنظر ده؟! إنت لسه دايخ وكنت واقع من شوية!
زين بص لشمس اللي كانت بين الحياة والمو..ت، وقال بصوت مهزوز بس فيه إصرار حاسم:أنا بقيت كويس.. وسع يا حمدي، دي مريضة بتاعتي وجاتلي العيادة وقالتلي إنها عايزاني مخصوص اعملها العمليه.. سيبني أنا أخلص.
دكتور حمدي اتنهد بارتياح وتنحى على جنب فوراً، وقال وهو بيتنفس الصعداء: يا ريت والله يا دكتور.. أنا مكنتش فاهم تفاصيل حالتها ولا إيه سبب المشكلة دي بالظبط، اتفضل حضرتك أكمل، أنا معاك.
قرب زين من السرير، أخد نفس عميق وحاول يتجاهل الصداع الرهيب اللي في دماغه وزغللة عيونه. ركز بكل ذرة طاقة باقية عنده، وبدأ يتعامل مع الوضع بخبرة وتركيز شديد.. كان بيحارب عشان يسيطر على النز..يف اللي حصل بسبب اللي جرى بينه وبينها، وهو مش عارف أصلاً إيه المشكلة الصحية الدقيقة اللي عندها وزادت الطينة بلة، بس كان بيتحرك بإحساس مرعب من تأنيب الضمير.
بعد دقائق طويلة من التوتر والصمت التام في غرفة العمليات، قدر زين بمهارته يسيطر على الوضع تماماً وينقذ الموقف ويوقف النز...يف.
تنفس زين بصوت عالي، وحس إن روحه رجعت لجسمه، وبص للممرضة وقال بصوت متعب: اتأكدي إن الضغط والحيوية استقروا.. وانقلوها العناية تحت الملاحظة.
لف وشافه دكتور حمدي وهو شايف حالة الإرهاق الشديد اللي واصل لها زين، فقرب منه بقلق وقال: أنت شكلك مش قادر توقف على رجلك يا دكتور زين روح ارتاح وسيب البنت عليا.
هز زين راسه بتعب ووجهه أصفر تماماً، وقال بصوت ضعيف: أنا كدا كدا ماشي عشان خلاص مش قادر، بس الحاله في رقبتك.. البنت دي دخلت في نز..يف حاد، وأنا معرفش إيه المشكلة الصحية الأساسية اللي عندها
كمل زين كلامه وهو بيحاول يتماسك: كلم صاحبتها اللي جت معاها دي، واطلب منها كل الملفات والتقارير الطبية القديمة بتاعتها عشان نعرف تفاصيل حالتها بالظبط وإيه سبب المشكلة دي.. وأنا ماشي، ولو حصل أي تطورات جديدة أو خطـ..يرة، بلغني فوراً على التليفون، مفهوم؟
هز حمدي راسه باهتمام وقال: مفهوم يا زين.. متقلقش خالص، روح انت ارتاح وسيب البنت عليا وأنا هجيب التقارير من صحبتها اول لما شوفها.
خرج زين من المستشفى فوراً، وهو حاسس إن روحة مسحوبة وجسمه متكـ..سر، ركب عربيته وساق ببطء لحد ما وصل بيته. دخل الشقة بخطوات بطيئة وتعبة، ودخل أوضته وقفل الباب وراه. رمى نفسه على الكرسي بتعب شديد، وطلع تليفونه من جيبه بايد بتترعش.
فتح الشاشة وفضل يقلب في صور لحد ما لقى صورتها، وقف باصص ليها بتمعن.. عيونه دمعت وحس بغصة حار..قة في حلقه، وظهرت على شفايفه ابتسامة مكـ..سورة وحزينة وهو بيلمس الشاشة بصباعه كأنه بيلمسها بجد.
من غير تردد، حس إن قلبه هيقف لو مسمعش صوتها، ففتح سجل الاتصال وضغط على رقمها، وحط التليفون على ودنه وهو بيستمع لرنّات الاتصال بقلب بينبض بعـ..نف.
في الوقت ده، كانت ليلي قاعدة في أوضتها على مكتبها بتحاول تذاكر بس الكتاب قدامها مجرد سطور غامضة وعقلها كله معلق به. فجأة النور بتاع التليفون ينور واسم زين يظهر على الشاشة. قلبها دق بجنـ..ون ومن غير تفكير مدت إيدها بسرعة وفتحت الخط وقالت بصوت مكسـ..ور ومهزوز: ز.. زين...
جه صوت زين من الناحية التانية، صوت مليان وجع، تعب، واشتياق أكل روحه: وحشتيني يا ليلي.. وحشتيني أوي يا ليلي.
جمعت ليلي دموعها اللي خانتها ونزلت على خدودها بغزارة، وقالت بصوت خافت بيترعش: إنت.. إنت كويس يا زين؟ صوتك ماله؟ تعبان؟
تنفس زين بصعوبة وقال بوجع ودموعه نازلة على لحيته: أنا آسف.. آسف على كل كلمة قولتها، وعلى كل دمعة نزلت من عيونك بسببنا.. بس غصب عني، كنت فاكر إن لما أبعد هقدر أعيش حياتي الطبيعية، وإني أقدر أتحمل.. بس مقدرتش يا ليلي! مقدرتش.. كل ثانية وأنا بعيد عنك كأنها كسـ.رت ضهر. أنا تعبان أوي.. تعبان من غيرك ومش قادر أتنفس.
سمعت كلامه فقلبها وجعها أكتر، وقالت بدموع وعتاب محبوس: ولما إنت كنت تعبان كده.. بعدت ليه؟ ليه رضيت تكسـ...رني بالطريقة دي وتسمح لبابا يقول عنك وعني الكلام ده؟!
رد عليها بصوت مخنوق ومرتجف: عشان كنت خايف عليكي.. كنت غبي وفاكر إن البعد هيحمينا، بس لقيت نفسي بمو..ت بالبطيء.. أنا مش عايز حاجة من الدنيا دي غيرك إنتي وبس.
سكتت ليلي لحظات وهي بتنهج من كتر العياط، وفجأة لمعت في دماغه فكرة جريئة وقالت بصوت قاطع ومليان شوق: أنا.. أنا لازم اشوفك يا زين.. أنا عايزة أشوفك.
اتخض زين وعدل قعدته وقال برفض وقلق: تشوفيني إزاي بس يا ليلي؟! أبوكي مراقب كل خطوة، وأنا مش عايز أسبب لك مشاكل أكتر من كده، خصوصاً بعد اللي حصل.. لو عرف هيقـ...تلنا!
قالت ليلي بسرعة وهي بتفكر في طريقة تخلصهم من الحصار ده: اسمعني.. بابا مش بيخليني أخرج في أي حتة، خروجي الوحيد بيكون على الجامعة ورجوعي للبيت.. فكرة إننا نتقابل برا مستحيلة، بس... بس ممكن تيجي بكرة قدام باب الكلية ، استنى في الشارع الجانبي القريب من المحاضرة الأخيرة، وأنا أول ما المحاضرة تخلص هطلع اقف معاك،.. محدش هيحس بينا ولا بابا هيدري بحاجة، المهم أشوفك وأطمن عليك!
سكت زين لحظات بيوزن الفكرة في عقله، ورغم خطورتها وخوفه عليها، إلا إن شوقه ليها كان أكبر بكتير من أي خوف.. اتنهد بتنهيدة طويلة وقال بصوت مهزوز: موافق.. بكره استيني، هكون مستنيكي في نفس المكان..وحشتيني يا ليلي.
قالت بصوت دافئ ومرتجف: وأنتَ كمان يا زين.. سلام.
قفلت الخط، وهي حاطة إيدها على قلبها اللي بينبض بخوف وسعادة في نفس الوقت، بينما زين نزل تليفونه وبص قدامه بشرود، وقلبه بيميل للهدوء شوية وهو مستني بكرة بفارغ الصبر.
بعد ما قفل زين المكالمة مع ليلي، قام ودخل الحمام ووقف تحت الدوش ونازل عليه مايه بارده، وكان قلبه مرتاح وبيدق بفرحة شعور إنه هيشوفها تاني أخيرًا، وكأن الأيام القاسية بدأت تفرج.
مر الوقت، وجه اليوم اللي زين هيقابل فيه ليلي. بس قبل ما يروح لها، عدى الأول على المستشفى عشان يطمن على حالة شمس. دخل مكتبه وطلب دكتور حمدي وجيه حمدي فوراً ومعاه الملف الطبي.
بصله زين بجدية وقال: ها يا حمدي.. طمني، إيه تفاصيل حاله المريضه؟ الملف بيقول إيه بالظبط؟
فتح حمدي الملف وبص لزين وقال بتركيز: الملف بيوضح إنها كانت بتعاني من بطانة الر..حم المها..جرة، ودي مسببة ضعف كبير في جدار وأنسجة الر..حم.. وعشان كده، أي ضغط أو مجهود شديد كان ممكن يسبب لها نز..يف حاد، وتقريبا حصل معاها حاجه.
كلمات حمدي نزلت على قلب زين زي السكـ..ين، حس بغصة حار..قة في زوره وإحساس مرعب بالذنب والندم بيعصره من جوه، مدرك إن المجهود اللي ذكره حمدي هو اللي تسبب في تد..ميرها وإدخالها العمليات بين الحياة والمو..ت. حاول يتماسك بكل قوته عشان ملامحه متخونوش أمام حمدي، بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت حاول يخليه ثابت ومجرد من المشاعر: تمام يا حمدي.. أنا هروح أطمن عليها بنفسي دلوقتي، وجهز الترتيبات عشان نبدأ في العملية بتاعتها بكرة الصبح.
تحرك زين بخطوات ثابتة وراح على أوضتها في العناية، فتح الباب ودخل لقاها صاحية وقاعدة بتعب، وجنبها صاحبتها سميرة. أول ما شافته سميرة، وقفت باحترام وقالت: حمد لله على سلامتك يا دكتور.. أنا هستأذن أنا برا عشان أسبكم لوحدكم. وهزت راسها وطلعت بره قفلت الباب وراها.
قرب زين من السرير بخطوات بطيئة وقال بصوت هادي: حاسة بإيه دلوقتي ؟
بصت له شمس بتوتر وقلق ولسه هتقوم، فرفع إيديه الاتنين بهدوء عشان يهديها وقال بسرعة: اهدي.. اهدي خالص، متتحركش. أنا جاي أطمن عليكي، إنتي كويسة دلوقتي؟
جمعت شمس دموعها وقالت بصوت مكـ..سور ومرتجف: أنا.. أنا آسفة يا دكتور.. والله العظيم كنت هقول لحضرتك على كل تعبي وحالتي، بس معرفش إيه اللي حصل.. لما لاقيت نفسي ادبست قدامك وتوترت، نسيت كل حاجة.
تنهد زين بحزن وقال بنبرة واعية: اللي حصل ما بينا مكنش ينفع يحصل أصلاً.. ولو كنتي جيتي طلبتي فلوس بطريقة طبيعية أو قلتيلي محتاجة مساعدة كنت ساعدتك لوجه الله، من غير ما نوصل للكار..ثة دي.
سكتت شمس وهي بتبص له بندم، فاشار زين للممرضة اللي كانت واقفة بعيد عشان تيجي ومعاها العلاج والحـ..قنة المقوية، وقال للممرضة: جهزي الجرعة.
شافت شمس الحـ..قنة فخافت، ومدت إيدها بترجي مسكت طرف أكمام قميص زين وقالت بدموع: لا.. والنبي أنا بخاف من الحـ..قن دي، مش قادرة!
بص لها زين وقال بنبرة حانية بس حاسمة: لفي وشك للجنب التاني، ومش هتحسي بحاجة خالص، ثواني وتخلصي.
هزت شمس رأسها ببطء ولفت وشها وهي مغمضة عيونها بخوف. قرب زين ومركز بكل دقة عشان يديها الحـ...قنة، وفي اللحظة دي فتحت عيونها وبصت في عيونه بتركيز وسرحان طويل.. وفجأة مدت إيدها الناعمة ولمست وش زين ببطء وقالت بصوت همس وساحر: زين.. أنا معجبه بيك.. معجبه بشجاعتك وطريقتك، حتى وأنت بتنقذني حسيت إنك رجلي اللي خايف عليا...
حس زين بصدمة وكهربا سرت في جسمه من كلامها، وبدأت الكلمات تتداخل جوه عقله ويزيد توتره.. قربت من وجهه أكتر، وحس زين بنفَسها قريب منه أوي، وهنا ضعف لحظة وغفله شعور غريب، وقفل عينه وهو بيستسلم للموقف ثواني.. بس قبل ما يقرب منها أو يكمل، استوعب نفسه ورجع لوعيه بصدمة، فابعد عنها فجأة ووقف مكانه وقلبه بيدق بعنـ..ف وصعوبة، وبلع ريقه بضيق شديد وقال بصوت حاد: إنتي بتقولي إيه؟! اللحظة اللي حصلت ما بينا دي مينفعش تتكرر نهائي، ومتحاوليش تفكري اني اقربلك تاني من النهاردة صفحة واتقفلت ومش هفتحها تاني أبدًا.
كمل كلامه بجمود وعملية: أنا عرفت تفاصيل مرضك وكل حاجة عن بطانة الر..حم، وبكرة الصبح هنبدأ في العملية الجر..احية العلاجية وهتبقي كويسه.. استعدي كويس.
ما استناش يسمع ردها، لف ضهره ومشي بخطوات سريعة وعقله مش مصدق الضعف اللي حس بيه ثواني، ودخل مكتبه قعد على كرسيه بيحاول يستجمع نفسه.
وفي الناحية التانية.. داخل أسوار الجامعة.
كانت ليلي قاعدة في المدرج والمحاضرة لسه خالصة حالا. لمت كشكولها وخرجت برا ، فنادى عليها الدكتور بجدية وهو شايفها خرجه: آنسة ليلي.. عايزك ثواني في مكتبي.
بصت له ليلي بضيق وقالت: معلش يا دكتور، والله مستعجلة وصحابي مستنيين بره.
رد بجمود وقسوة مخفية: مش هياخدوا دقيقتين من وقتك، وتعالي ورايا فوراً وبعدين اعملي اللي انتي عاوزاه.
اتنهدت بضيق ومشيت وراه وهي مرعوبة، دخلوا المكتب وقفل الباب وراه بإحكام، ووقف قصادها مباشرة وقال ببرود:أنا لحد دلوقتي بكل ذوق مخدتش منك معاد عشان أدخل البيت وأتقدم لك.. ايه مشكلتك في التاخير؟!
بصت له ليلي بشجاعة مصطنعة وقالت: يا دكتور، أنا قولت لحضرتك بوضوح قبل كده، أنا مش عاوزاك ولا ينفع أقبل بكده.. وبعدين أنا بحب واحد تاني!
اشتعلت عيون الدكتور بالغضب، وجزّ على سنانه بقوة وقال بصوت عصبي ومرتفع: بتحبي مين؟! هو مين ده اللي تتمنيه وتفضيليه عليّا؟!
خافت ليلي من نبرته المرعبة وبدأت ترجع لورا بخطوات مرتعشة وقالت بخوف: لو سمحت.. عن إذنك، لازم أخرج دلوقتي أصحابى بره.
لسه بتلف عشان تجري، مد إيده الخشنة وشد دراعها بقوة وعنـ..ف وقربها منه فجأة، وقال بصوت فحيح وتهديد صريح: انتي فاكره اني هسيبك؟! اسمعي مني.. أنا هاجي أتقدم لك يعني هاجي، ورجل دبتي في بيتكم هتبقى واقعة يعني واقعة!
قالت ليلي وهي مرعوبه منه الخوف في صوتها وبتعيط:
قولتلك مش عايزك! ابعد عني.. انت إنسان مريض ومش بالعافيه هي! سيب دراعي بقولك!
من شدة غضبه ، رجعها لورا بعـ...نف لحد ما خبطت ضهرها في الحيطة بقوة، واتألمت وطلعت صرخة وجع خفيفة من شفا..يفها. قرب وجهه منها جداً وبص بعيون شريرة على شفا..يفها وقال بصوت مرعب: مفيش راجل في الدنيا دي هياخدك غيري.. إنتي فاهمة؟! إنتي بتاعتي أنا، وهفضل أعافر لحد ما أدخلك بيتي وتبقي ملكي لوحدي.
قرب أكتر عشان يقرب من شفا..يفها بطريقة مقر..فة، وهنا انفجر كل خوف ليلي وغضبها؛ دمعت عيونها بشدة، ومن غير تردد جمعت كل قوتها وزقته بعزم ما في إيدها، ورفعت ايدها وضر..بته بقلم قوي على وجهه صوت دويّه رن في المكتب، وقالت بصوت مرتجف وعصبية بتبكي: إياك تقرب مني تاني! ولا تلمسني ولا تطلب مني حاجة أنا مش طايقاها.. انت قليل الأدب وما تستاهلش الاحترام!
وقف الدكتور متصنّم مكانه من صدمة القلم وشدته، ووجهه احمر بغضب أعمى. وقبل ما تتحرك، هجم عليها وشدها من دراعها بقوة ولفها لورا وخلى ضهرها ملتصق بصد..ره، وقرب فمه من ودنها وبقى يضغط على دراعها بغل وشر وقال بصوت واطي ومرعب: عشان القلم ده.. هتشوفي مني أيام سودة، وهتتجوزيني ذوق أو عافية، واليوم اللي هتدخلي فيه بيتي هخلیکي تندمي على اللحظة اللي اتولدتي فيها!
قالت ليلي وهي منهارة في العياط وبتتوجع: سبني بقا والنبي.. حرام عليك، ابعد عني!
دفعها بعـ..نف وقرف لورا وقال بحدة: غوري من وشي.. برا!
بصت له ليلي نظرة كلها كره ودموعها سايله بغزارة على خدودها، وفتحت باب المكتب وجريت بره الكلية كلها وهي منهاره تماماً.
في اللحظة دي بالضبط، كان تليفون ليلي بيرن في شنطتها..
طلعت التليفون وهي بتعيط، شافت اسم زين، فبلعت عياطها بصعوبة بالغة ومسحت دموعها بكم هدومها عشان صوتها ميبانش، وفتحت الخط وقالت بصوت متهدج:ألو يا زين...
قال زين باستغراب وقلق: مال صوتك يا ليلي؟ في إيه؟ صوتك غريب أوي!
قالت بسرعة وهي بتحاول تضبط نفسها: مفيش.. مفيش أي حاجة يا حبيبي، ده بس صوتي متعب شوية عشان منمتش كويس طول الليل من كتر ما أنا متحمسه وعايزه أشوفك!
تنفس زين بصوت مريح وقال بخوف لطيف: بجد؟ أنا حسيت إن فيه حاجة.. تمام، أنا خلاص جاي، مستنيكي قدام باب الكلية زي ما اتفقنا.
قالت بلهفة وشوق حبس أنفاسها خلاص.. انا مستنيا. وقفلت الخط.
مسحت آخر دمعة على خدها، وراحت قعدت ثواني في الكافيه القريب تهدد أنفاسها المقطوعة وتستعد.
بينما زين كان خلص كل شغله في المستشفى، ظبط نفسه وطلع ركب عربيته الفخمة واتحرك بسرعة ناحية جامعة ليلي. وصل ووقف قدام البوابة، واتصل بيها عشان تطلع.
أول ما شافت رقمه، خرجت من الكافيه وجريت على الشارع الجانبي، شافت عربيته فوقفت، ففتح باب العربية ونزل بسرعة وهو بيجري بعيونه عليها. وجريت ليلي عليه ومن غير أي تفكير رمت نفسها في حضـ..نه وشدت عليه وقالت بصوت عياط من الفرحة والشوق: وحشتني أوي.. أوي يا زين!
ابتسم زين برقة، وحضـ..نها بإيديه الاتنين بحنان ورجّع خصلات شعرها الطويل لورا أذنها بحب وقال: وأنتي أكتر بكتير.. أنا كويس قوي دلوقتي عشان شوفتك قدامي، كأن الدنيا كلها رجعت تضحك لي.
رفعت ليلي وجهها وبصت لعيونه بحزن وقالت بإيدها اللي مسكت وجهه بحرارة: وشك تعبان أصفر كده ليه يا زين؟ إنت بجد كويس؟ متعبش نفسك تاني عشان خاطري.
ميل زين وباس خدها برقة وقال بابتسامة دافئة: أنا بقيت أحسن إنسان في العالم كله بشوفتك دي.. أنا آسف مرة تانية على كل وجع سببته لك وكل لحظة بعدتك فيها عني.
رفعت إيدها ولمست شفا..يفه بأصابعها بحنان وقالت بابتسامة وسط دموعها: انسى اللي فات كله.. مش مهم عندي أي حاجة في الدنيا غيرك إنت وبس، ومش عايزه غير إننا نفضل مع بعض.
مسك زين إيدها وبا..س كفها بعمق ووفاء وقال بصوت دافئ وواثق: وأنتي أهم حاجة عندي في كل وقت.. ومستحيل أسيبك مهما حصل، هعافر الدنيا كلها لحد ما نبقى في بيت واحد ومع بعض للأبد.
حضـ..نته ليلي تاني بكل قوة وشوق وهي مغمضة عينها وحاسة بالأمان لأول مرة من ساعات.
وفي الناحية التانية، ومن بعيد خالص، كان الدكتور واقف جنب عربيته بيبص عليهم بغل وعيونه بتطلع شرار ونظرات الحقد والغيرة واكلة, وركب عربيته وراقبهم وهو بيتوعد ليها بنظرات كلها انتـ..قام!
عند حور كانت قاعدة في الصالون بتتابع بعض الترتيبات، وفجأة رن تليفونها، كان أدهم. ابتسمت حور بمجرد ما شافت اسمه وردت بحب: ألو.. يا حبيبي، وحشتني يا أدهم.
رد أدهم بنبرة مليانة دفا وشوق: وانتي كمان وحشتيني يا روح قلبي.. كنت بكلمك عشان أقولك إني بخلص شغلي دلوقتي، ومخطط إني النهاردة هجيب الواد زين عندنا العشا.. وحشني ابن الكـ..لب ده، وبصراحة كنت بفكر في حاجة كده بخصوصه.
اتحمسست حور وقالت بفرحة واضحة في صوتها: بجد يا أدهم؟! يا خبر.. أوعى تقولي إنك أخيراً وافقت على جواز زين وليلي؟ يا ريت والله يا أدهم، يا ريت تكون وافقت!
رفع أدهم حاجبه بحدة رغم إنه مش شايفها، وقال بنبرة قاطعة: لا يا حور.. انسي! مفيش الكلام ده. ليلي أخت زين، ده اللي أعرفه، ومفيش أكتر من كده. المهم فكك منهم دلوقتي، وحشاني! عايزك النهاردة تجهزي نفسك وتكوني عروسة بعد ما زين يمشي.. عاوز أجيب سيف أخ ليهم.
ضحكت حور بخجل وقالت بدلع: أدهم! لا كفاية كده.. أنا معايا بنت وولد، نكتفي على كده يا حبيبي.
ضحك أدهم بصوته الرجولي القوي وقال: وعشان بحبك أوي، وعشان حياتنا حلوة بيكي، عايز منك عيال كتير يملوا البيت.
اتحرجت حور وسكتت، فحس هو بخجلها وقال بصوت حنون: بمو..ت فيكي وانتي خجولة كده.. جهزي نفسك، المسا هكون عندك.
وفي نفس الوقت
قدام بوابة الجامعة، كان زين واقف قدام عربيته بيبص لليلي بإعجاب، وقال بنبرة هادية: تعالي أوصلك البيت يا ليلي.
ليلي بصت حواليها بقلق وقالت بسرعة: لا يا زين، بلاش.. بابا لو شافنا راجعين مع بعض هيشوفنا، وأنت عارفه كويس هيعمل ايه، أرجوك بلاش.
زين ابتسم بثقة وهو بيقرب منها خطوة وطمنها: متخافيش خالص.. أنا هسيبك قبل الفيلا بمسافة كافية عشان محدش يلاحظ حاجة، اطمني.
اقتنعت ليلي بكلامه وركبت معاه، وأثناء ما زين سايق، التليفون رن فجأة.. كان أدهم. زين شاف الاسم على الشاشة وبلع ريقه بتوتر ووقف العربيه، وبص لليلي وقال بصوت مخنوق:
ده أبوكي بيرن يا ليلي!
ليلي اتجمدت في مكانها ووشها جاب ألوان من الرعب وقالت بصوت مهزوز: نزلني يا زين.. أرجوك نزلني، بابا لو عرف إني معاك هيقتـ...لني!
زين مسك دراعها بإيد واحدة عشان يهديها، وبالإيد التانية كان ماسك الموبايل، وعمل بإصبعه على بوقه عشان تسكت، وبص قدام بجمود وثبات، وكان ماسك إيدها التانية تحت في صمت وهو بيقول بصوت ثابت: أهلاً يا أدهم بيه.. إزيك؟
أدهم من الناحية التانية كان قاعد في مكتبه بجدية: الحمد لله يا زين.. كنت بكلمك عشان أعزمك على العشا النهاردة، فيه موضوع مهم عايز أتكلم فيه معاك.
زين بص لليلي بلمعة فرح في عينه، وحاول يغير نبرة صوته عشان ميبانش عليه أي توتر: ده شيء يشرفني جداً يا أدهم بيه.. أكيد طبعاً، موجود.
أدهم حدد الميعاد وقفل السكة. زين بص لليلي وقال بابتسامة خفيفة: أبوكي عازمني النهاردة.
ليلي بصدمة وفرحة: بجد؟ يعني هشوفك النهاردة؟
زين ابتسم لها ابتسامة حنونة ومطمنة وكمل سواقه، ورد عليها وهو بيبص للطريق بثقة: مش بس هتشوفيني، ده أنا هقعد قدامك النهاردة وأشوفك براحتي، لحد لما اشبع منك.
بعد شوية وصل زين قريب من الفيلا، قبل ما ليلي تنزل، شدها من إيدها بحب وبا..س خدها بخفة وقال بهمس: خلي بالك من نفسك.. أنا هروح أجهز نفسي وأجيلك، كل حاجة هتبقى تمام.
نزلت ليلي وهي ماشية مكسوفة، وزين فضل مراقبها بعينه لحد ما دخلت البيت، وبعدين اتحرك بعربيته.
بعد ساعات، كان زين واقف قدام المرايا بيظبط نفسه، البدلة كانت مفصلة على عضلاته، وشكله كان يوحي بالهيبة والوسامة وبعدين خرج من الشقه وركب العربيه. وصل فيلا أدهم، خبط وهو حاسس بتوتر شديد. أدهم فتح الباب وبص لزين بجمود: إيه.. مش ناوي تسلم على أبوك يا استاذ ولا إيه؟
زين ارتاح واتنفس براحة وحضـ..ن أدهم، وأدهم طبطب على ضهره وهو بيهزر:إيه الشياكة دي؟ ناوي تقابل مين وأنت لابس كده وجايب حاجات في ايدك؟
زين بابتسامة متوترة: دي أقل حاجة عندي يا أدهم بيه.
دخل زين وقعد، وسلم على حور اللي كانت مبتسمة، وأدهم أشار لحور: تعالي يا حور اقعدي جنبي.
أدهم قطع الصمت بنبرة مرحة ومشاكسة: ها يا دكتور زين.. طمني، عامل إيه في شغلك؟ قـ..تلت كام واحد النهاردة؟ ولا لسه الدنيا ماشية معاك بالستر؟
حور ضحكت بخفة وضربت أدهم على كتفه بدلع: بطل ترخم عليه يا أدهم، زين دكتور شاطر ومحترم.
زين ابتسم بتوتر وهو بيمسح على شعره:
— لا ، سيبيه.. أدهم بيه دايماً بيحب يهزر معايا، والحقيقة النهاردة كانت أيام شغل كتير بس الحمد لله كله عدى على خير.
في اللحظة دي ليلي جت، وأدهم شاور لليلي اللي كانت واقفة بتفرك في إيديها بتوتر: تعالي يا ليلي، سلمي على زين.. واقفة بعيد ليه؟
قربت ليلي بخطوات مترددة، وزين قام وقف، وبمجرد ما مدت إيدها تسلم، زين لمس إيدها بسرعة وبحرارة وهو بيضغط عليها ضغطة حب خفية تحت نظر أدهم الملاحظ، وبعدين أدهم قال بجدية: تعالي يا ليلي اقعدي جنبي هنا.
أدهم اتنحنح وبدأ يغير نبرته للجدية، وقال وهو بيبص لزين: بص يا زين أنا هقول كلام كبير ولازم انت تسمعه كويس.. أنا قعدت مع نفسي، وحسبتها صح. أنت ابني ومتربي على إيدي، وليلي محبتش أجوزها لحد غريب عننا أو برا البيت.. وأنت اللي أعرفك وأثق فيك.
زين حاسس إن العالم كله بيضحك له، بص لليلي اللي عنيها كانت بتلمع بفرحة ودموع مكنتش مصدقة نفسها. أدهم كمل بابتسامة غامضة: أنا بس حبيت أعاقبكم الفترة اللي فاتت دي عشان تتعلموا إن مفيش حاجة تتعمل من ورا ضهري تاني، وعشان أعرف قيمتكم عند بعض.. الخطوبة إن شاء الله هنحدد معادها قريب، وهتبقى ليلة ما تتنسيش.
زين فرح بلهفة وقال: أنا أسعد إنسان في الدنيا يا أدهم بيه.. وعد مني هصون الأمانة دي، ليلي دي روح قلبي ومش هتندم أبداً على قرارك ده.
حور قامت زغرطت من الفرحة، وأدهم ابتسم وهو بيغير نبرته عشان يداري تأثره وقال:
— اقعدي يا حور وبطلي دوشه.. إحنا لسه في بيت!
فجأة، رنة خبط على الباب قاطعـ..ت أجواء الفرحة. أدهم استغرب وقال: مين ده اللي جاي دلوقتي؟ هو أنتي عازمة حد يا حور؟
حور هزت راسها باستغراب:لا والله يا أدهم، ما عنديش علم بأي حد.
قام أدهم وفتح الباب، وفجأة صوته اتغير تماماً وبقى فيه نبرة صدمة وغضب: عز؟! أنت بتعمل إيه هنا وايه اللي جابك اصلا؟!
الاسم نزل كالصاعقة.. ليلي اتخضت ووشها اتخطف، وإيدها بدأت ترتعش، وزين لاحظ رد فعلها العنيـ..ف ده، فرفع حاجبه وبص لأدهم ثم للباب، وعلامات الاستغراب والشك بدأت تترسم على وشه: عز؟! مين ده؟ ومالك خايفه كدا ليه يا ليلي؟!
ليلي بلعت ريقها برعب وهي بتقول في نفسها بصوت مرتجف شكلها مش هتعدي على خير النهاردة.