رواية لا تقترب كثيرا الفصل التاسع9 بقلم إيمان بلقاسم

رواية لا تقترب كثيرا الفصل التاسع9 بقلم إيمان بلقاسم
الجزء التاسع: 
رآه الإمام.

ابتسم له بهدوء.

تفضل.

رد جواد بتلقائية:

أنا… لا أعرف لماذا أنا هنا.

ابتسم الإمام بخفة:

كثيرون يبدأون من هنا.

جلس.

وتحدث.

وتكلم لأول مرة عن نفسه دون قناع.

عن فراغه.

عن ليل.

عن التناقض الذي يعيشه.

عن حياته التي تبدو ممتلئة لكنها لا تشبه شيئًا بداخله.

لم يكن هناك حكم.

ولا نقد.

فقط استماع.

وكلمات بسيطة لكنها أثقل من أي نصيحة سمعها في حياته.

ومع مرور الوقت…

خرج من المسجد وهو ليس “شخصًا جديدً
بالكامل”.

بل شخص بدأ يرى أن حياته السابقة لم تعد كافية له.

في طريقه…

توقف فجأة.

يجب أن أراها مرة أخيرة.

قالها بصوت منخفض لنفسه.

ليس لأعيدها… بل لأغلق هذا الباب.

وصل إلى بيتها.

وقف أمام الباب.

تردد.

ثم اقترب ببطء من الممر المؤدي لغرفتها.

وفجأة…

توقف.

صوتها.

من خلف الباب.

كانت تصلي.

لكن ليس كصلاة عادية في سمعه.

بل كانت تبكي.

بصوت مكسور خفيف.

تدعو…

بكلمات واضحة:

اللهم أزل تعلقي بجواد .

ذكرت إسمه !

تجمد جواد في مكانه.

كأن الهواء توقف.

كأن الأرض لم تعد ثابتة.

لم يكن يتوقع ذلك.

لم يكن يعرف أنها كانت تقاتل داخليًا بنفس الاتجاه الذي كان ينهار فيه هو.
وقف صامتًا.

لا يستطيع الدخول.

ولا يستطيع العودة.

وفي داخله…

شيء واحد فقط تكوّن فجأة:

"هي لا تحتاجني… وأنا لم أكن أملكها أصلًا."

ثم لأول مرة…

لم يشعر بأنه خسرها.

بل شعر أنه يجب أن يتركها تكمل طريقها.

حتى لو كان هذا الطريق يبتعد عنه للأبد.

استدار ببطء.

وخرج دون أن يطرق الباب.

لكن هذه المرة…

لم يكن هروبًا.

بل بداية مختلفة تمامًا.

عند باب الغرفة…

رفع جواد يده ببطء.

كان على وشك أن يطرق الباب.

أو أن يفتحه دفعة واحدة.
لم يكن يفكر.

كان شيء داخله يدفعه فقط.

لحظة اندفاع كاملة.

لكن في آخر ثانية…

توقف.

يدُه بقيت معلّقة في الهواء.

تذكر كل شيء فجأة.

تذكر طريقه الطويل.

تذكر قراره في السيارة.

تذكر المسجد.

وتذكر شيئًا أهم:

وعده لنفسه.

أن لا يكون عقبة في حياة بدأت تستقيم.

خفض يده ببطء.

كأنه يسحبها من قرار لم يكتمل.

وقف لحظة صامتًا أمام الباب.

ثم استدار.

ومشى.

دون أن يطرق.

ودون أن يُسمع صوته.

وفي تلك اللحظة…
لم يكن انسحابه ضعفًا.

بل قرارًا مؤلمًا بالابتعاد رغم الرغبة في البقاء.

في الجهة الأخرى من القصة…
كانت العائلة تتحرك بهدوء كالعادة.

قرارات.

ترتيبات.

اتفاقات.

لا أحد يسأل كثيرًا عن المشاعر.

ولا أحد ينتظر التفاصيل.

فالأهم لديهم أن كل شيء “يتم بشكل رسمي”.

تم الاتفاق.

العقد الشرعي والمدني معًا.

بعد شهر.

لم يكن هناك ضجيج.

ولا نقاش عاطفي كبير.

فقط إعلان قرار.

كأنه إجراء إداري.

أما الخاطب…

فلم يكن يملك رفاهية الجهل.
كان يريد أن يدخل حياة واضحة، بلا ظلال.

فبدأ يسأل.

بهدوء في البداية.

ثم بعمق أكبر.

ثم بحث فعلي.

ومع الوقت…

بدأت الصورة تتشكل أمامه.

ليست صورة “فتاة سيئة” كما قد يتخيل البعض.

بل صورة حياة سابقة كاملة.

صداقات.

خروجات ليلية.

مغامرات شبابية.

وشخص واحد كان موجودًا في قلب كل تلك التفاصيل بشكل متكرر.

جواد.

جلس الخاطب وحده.

أغلق الملفات التي جمعها.

ونظر أمامه طويلًا.

لا غضب.

ولا اندفاع.
لكن انزعاج واضح.

ليس من الماضي…

بل من حجم تأثير هذا الماضي على المستقبل الذي يستعد له.

تمتم لنفسه:

هل أنا داخل حياة مكتملة فعلًا… أم داخل قصة لم تُغلق بعد؟

لم يتخذ قرارًا بعد.

لكن لأول مرة…

لم يعد الموضوع “زواجًا فقط”.

بل أصبح سؤالًا عن:

هل يستطيع بناء بداية نظيفة فوق ذاكرة مزدحمة؟

وأغلق الملف بصمت.

وبقي يفكر.

جلس الخاطب وحده طويلًا.
الملفات أمامه مغلقة.

لكن الصور في ذهنه لم تُغلق.

كان يحاول أن يكون عقلانيًا.

يقول لنفسه مرارًا:

"كل إنسان له ماضٍ."

"لا أحد بلا أخطاء."

"وهي لم تصل إلى شيء يُدينها فعليًا."

لكن شيئًا آخر كان يتحرك داخله بصمت.

ليس حكمًا.

بل شعورًا ثقيلًا بالانزعاج.

كأن فكرة الزواج بالنسبة له لم تعد صفحة بيضاء، بل صفحة كُتبت عليها سطور قبل أن يصل هو إليها.

حاول أن يقاوم هذا الإحساس.

قال لنفسه:

"أنا أستطيع أن أتجاوز."

"أستطيع أن أبدأ من جديد معها
لكن كلما كرر هذا الكلام…

زاد شعوره أنه يُجبر نفسه على قبول شيء لا ينسجم معه داخليًا.

لم يكن يراها “سيئة”.

ولا كان يكرهها.

بل على العكس…

كان يرى أنها إنسانة تغيّرت فعلاً، واستقامت، وتحاول أن تبني حياة جديدة.

لكن المشكلة لم تكن فيها.

بل فيه هو.

في قدرته على التقبّل.

في صورته الداخلية عن الزواج.

عن “البداية الأولى”.

أخذ نفسًا عميقًا.

ثم أغلق الهاتف.

وظل صامتًا.

بعد وقت…

أعاد الاتصال.

لكن هذه المرة بصوت مختلف.
هادئ.

واضح.

بدون لفّ أو تردد.

أنا فكرت جيدًا.

لن أستطيع الاستمرار.

لم يزد.

لم يشرح كثيرًا.

لأنه كان يعلم أن التبرير لن يغيّر النتيجة.

انتهت المكالمة.

بقي جالسًا مكانه.

لا فرح.

ولا انتصار.

فقط شعور ثقيل بأن قرارًا كبيرًا اتخذ… لكنه لم يخرج منه منتصرًا.

بل مثقلًا.

وفي مكان آخر…

كانت حياة ليل تدخل منعطفًا جديدًا آخر، أكثر هدوءًا، وأكثر وحدة، لكنها هذه المرة بلا صدمات خارجية… بل قرارات من الناس من حولها.

في الخطوبة…

كان الجو مختلفًا تمامًا عن أي مرحلة سابقة.

ليس فقط لأن العلاقة وصلت إلى نقطة رسمية…

بل لأن الجميع شعر أن “القصة الطويلة” أخيرًا وصلت إلى فصلها الهادئ.

ليل دخلت القاعة بهدوء.

لكن هذه المرة لم تكن تلك الفتاة الفوضوية القديمة.

كانت هادئة… مرتبة… وفيها نضج واضح يجعل ملامحها أكثر ثباتًا.
جواد كان يراقبها بصمت.

هذه ليست ليل التي كان يركض خلفها بالمشاعر المتناقضة.
ولا ليل التي تهرب منه دون تفسير.
بل شخص آخر… اختار هدوءه بنفسه.
اقترب منها مبتسمًا:
لم أتوقع أنكِ ستوافقين بهذه السرعة.
رفعت حاجبها:
وأنا لم أتوقع أنك ستتقدم أصلاً.
ضحك:
إذن نحن متساويان في الصدمة.
جلسا.
وصمت ثانيتين فقط.

تعليقات



<>