
الجزء السابع:
بل حياة جواد كما هي.
سريعة.
مزدحمة.
ومليئة بعلاقات سطحية لا يوقفها عند حد.
كانت ليل تقف من بعيد في البداية، تراقب بصمت.
رأت فتيات يدخلن حياته ويخرجن منها بسهولة، وكأن المشاعر هناك بلا وزن.
لم يقل لها أحد شيئًا صادمًا.
ولم يبرر لها أحد شيئًا.
حتى هو…
كان يتصرف معها ببساطة غريبة.
كأنها شخص يعرفه منذ زمن، وليس فتاة جاءت من خلفه آلاف الكيلومترات.
في أول لقاء بينهما هناك…
لم تكن هناك مواجهة ولا عتاب.
بل جلسا يتحدثان في مقهى عادي.
قال جواد وهو يضحك:
فرنسا ليست كما تخيلتها، أليس كذلك؟
ردّت ليل بهدوء:
ولا أنت كما تخيلتك أيضًا.
ابتسم فقط.
ربما هذا أفضل.
وسكت.
مرت الأيام بعدها على نفس الوتيرة.
ليل لا تدخل حياته كـ"حبيبة".
وجواد لا يعيد تعريفها كـ"استثناء".
بل كـوجود ثابت وسط فوضى حياته.
يريان بعضهما بين الحين والآخر.
خروجات بسيطة.
أحاديث طويلة بلا وعود.
ضحك مفاجئ في أماكن غريبة.
وفي أحد الأيام…
رأته ليل مع فتاة أخرى.
في شارع مزدحم.
كانت اللحظة عادية بالنسبة للعالم.
لكنها لم تكن عادية لها.
توقفت.
لم تقل شيئًا.
لم تقترب.
فقط شعرت بشيء ينكسر بداخلها بهدوء.
بعد ساعات…
وجدها جواد جالسة وحدها.
اقترب منها.
هل أنت بخير؟
نظرت إليه مباشرة:
أنا لم آتِ إلى هنا لأغيّرك.
سكت لحظة.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة مع إستغراب :
كيف !
وهنا لم يكن هناك صدام.
بل فهم غريب.
أن كل واحد منهما يعيش عالمه، ومع ذلك يلتقيان في نقطة واحدة فقط: الهدوء عندما يكونان معًا.
ومع الوقت…
لم يعد الأمر متعلقًا بالغيرة أو التوقعات.
بل أصبح شيئًا آخر.
شيئًا يشبه الاعتياد العاطفي الصامت.
وجوده صار يؤثر عليها.
وصمتها صار يزعجه أكثر مما يتوقع.
لكن دون أي اعتراف.
ثم جاء قرار العودة.
ليل لم تعد قادرة على البقاء في هذه الدائرة المفتوحة.
فهمت أنها لا تستطيع أن تغيّر أحدًا.
ولا أن تنتظر أحدًا ليصبح نسخة من توقعاتها.
فغادرت.
بهدوء.
بدون مشهد وداع كبير.
فقط عودة ثقيلة.
بعد عودتها إلى الوطن، لم تعد ليل كما كانت.
لم يكن التغيير مفاجئًا… بل كان هادئًا، ثقيلًا، وكأنه تراكم أيام طويلة من التفكير وحدها.
اختفت الضحكة السريعة.
واختفت العفوية التي كانت تملأ المكان.
حتى خطواتها أصبحت أبطأ.
أهدأ.
كأنها تمشي داخل وعي جديد تمامًا.
لم تعد تخرج كثيرًا كما في السابق.
ولم تعد تهتم بنظرات الآخرين.
بل بدأت تهتم بشيء آخر… لا أحد فهمه في البداية.
هدوءها.
صلاتها.
طريقة كلامها المختصرة.
ومسافة خفية وضعتها بينها وبين الجميع.
حتى أقرب الناس إليها شعروا أن “ليل القديمة” لم تعد موجودة.
كان أبناء خالها يتحدثون عنها بدهشة:
ما الذي حدث لها في فرنسا؟
عادت مختلفة تمامًا.
لكن أحدًا لم يكن يملك إجابة واضحة.
في يوم من الأيام…
كان ابن خالها جالسًا مع صديقه جواد.
قال له بحماس:
عندي خبر رح يخليك تجي للبيت فورًا.
رفع جواد نظره باستغراب:
مرة أخرى مفاجآتكم؟
هذه المرة مختلفة… لن تصدق ما سترى.
ضحك جواد ساخرًا:
آخر مرة قلت لي نفس الشيء ووجدتكم تأكلون فقط.
هذه المرة صدقني.
حين دخل جواد إلى البيت، كان واثقًا أن شيئًا مختلفًا سيحدث.
كان ينتظر مفاجأة، نظرة، حتى صدمة.
لكن كل ما رآه…
كان العادي.
الضجيج نفسه.
الأحاديث نفسها.
الأجواء العائلية نفسها.
توقف مكانه، ونظر إلى صديقه بانزعاج واضح:
أنت كذبت علي.
ابتسم صديقه بهدوء:
انتظر فقط.
إلى ماذا أنتظر؟ لا شيء هنا!
الظهر.
مرت الساعات ببطء ثقيل.
جواد بدأ يفقد صبره.
حتى اللحظة التي تغيّر فيها الجو قليلًا… لا أكثر.
دخول عادي.
خطوات هادئة.
لا إعلان.
لا اهتمام.
دخلت ليل.
لم يلاحظها أحد في البداية إلا بعد ثوانٍ.
لأنها لم تدخل كحدث.
بل كإنسانة عادية جدًا داخل بيتها.
ملابس بسيطة و محتشمة .
مظهر طبيعي.
خطوات مستقرة.
نظرة مستقيمة.
جواد التفت فورًا.
تجمد.
هي…؟
اقترب خطوة نحو صديقه:
هذه ليل؟
أجاب صديقه بهدوء:
نعم.
تقدم نحوها بسرعة:
ليل!
لم تلتفت بسرعة.
وكأن الصوت لا يعني لها شيئًا.
ثم التفتت أخيرًا.
نظرت إليه.
نظرة قصيرة جدًا.
محايدة تمامًا.
نعم؟
وقف للحظة، مرتبكًا.
أنا جواد.
هزت رأسها بخفة:
أعرف.
صمت.
حاول أن يجد أي شيء في ملامحها.
أي أثر.
أي اختلاف.
لا شيء.
كأنها تتعامل مع شخص تعرف اسمه فقط، لا أكثر.
لم أرك منذ فترة طويلة.
قالها وهو ينتظر أي رد مختلف.
فجاء صوتها ثابتًا:
صحيح.
صمت مرة أخرى.
ثم قال:
كنت أظن أن هناك شيء مهم سيحدث اليوم.
ردت بهدوء:
لا يوجد شيء.
جملة بسيطة.
لكنها أنهت كل التوقعات في داخله دفعة واحدة.
اقترب خطوة أخرى:
هل أنتِ غاضبة مني؟
نظرت إليه مباشرة:
لا.
إذن لماذا تتصرفين هكذا؟
كيف؟
كأنك لا تعرفينني.
ردت بنفس الهدوء:
أنا أعرفك.
توقفت لحظة.
ثم أضافت:
وأنت تعرفني.
وسكتت.
لم يكن في كلامها برود عدائي.
ولا غضب.
ولا حتى محاولة لإيصال رسالة.
فقط… حياد كامل.
كأن العلاقة بينهما ليست قصة طويلة، بل اسمين في ذاكرة عادية.
تراجع جواد خطوة دون أن يشعر.
ولأول مرة…