
خرج فارس من البرج وعينيه بتلمع بقرار هيقلب الموازين كلها، بس الدنـيا ما بتمشيش بدفء المشاعر وبس لما تكون المليارات هي اللي بتتحرك في الكواليس.
في نفس اللحظة اللي كانت يارا واقفة فيها قدام شباك مكتبها بتحاول تستوعب اللي حصل، كان في عربية مرسيدس سوداء مظللة واقفة في الشارع المقابل لبرج الشركة. جوة العربية، كان قاعد مراد الألفي—رجل الأعمال اللي بيعتبر الخصم الأشرس لفارس ولعيلة يارا في نفس الوقت، ومعه نيرة، الأخت غير الشقيقة ليارا من الأب، اللي عاشت طول عمرها بتكره يارا وشايفة إنها خدت شو الأضواء والشركة منها.
نيرة كانت بتبص على باب البرج بعيون مليانة غل وهي بتمسك تليفونها:
"شفت يا مراد؟ فارس بنفسه كان طالع من عندها دلوقتي! يعني الكلام اللي اتسرب صح.. يارا بتلعب على الحبلين، بتهدد مجموعته بالصحافة وفي نفس الوقت بتستدرجه عشان يحميها!"
بتسم مراد ابتسامة خبيثة وهو بيولع سيجاره، ودخانها غطى وشه الماكر:
"يارا أذكى من إنها تسلم بسهولة يا نيرة، وفارس أعتى من إنه يقع في غرام منافسة.. بس اللي هما مش فاهمينه، إن اللعبة كبرت عنهم هما الاتنين. الملفات اللي إنتي جيبتيهالي من مكتب باباكي القديم فيها الكارت اللي يكسر يارا ويحبس فارس في قضية غسيل أموال ملهاش أول من آخر!"
نيرة لفت له بشغف وشر:
"المهم الشركة يرجعلي فيها حصة الإدارة.. ويارا تطلع بره المشهد خالص!"
مراد بص لها ببرود:
"يارا هتطلع بره المشهد.. وفارس هيتدمر، بس بشرط.. تسلميني باقي أوراق الصندوق الأجنبي اللي أبوكي كان شايلها في الخزنة السرية."
على الجانب التاني، وفي إحدى الكافيهات الهادية على أطراف القاهرة، كان قاعد تامر—سكرتير يارا المخلص اللي كان ماسك كل ملفاتها—مع شخص مجهول لابس كاب ومغطي وشه.
تامر كان بيترعش وهو بيمسك ظرف أسود تقيل: "أنا عملت كل اللي طلبتوه.. غيرت أرقام التقرير المالي اللي يارا هانم هتسلمه للبنك المركزي الصبح! بس أوعدوني إن يارا هانم مش هيحصل لها حاجة، أنا بعمل كده عشان خايف على اختي اللي المحامين بتوعكم ماسكين عليها القضايا!"
الشخص المجهول أخد الظرف ببرود وقام وقف، وهامس بصوت جاف:
"إنت نفذت دورك يا تامر.. والباقي على البورصة الصبح. يارا هانم هتبص تلاقي نفسها بتتهم بتزوير أوراق رسمية، وساعتها مش فارس بيه ولا غيره هيقدر ينقذها من السجن!"
الصبح طلع، وكانت الساعة بتشاور لثمانية ونص. يارا كانت قاعدة في مكتبها بتراجع أوراق الملف المالي الأخير اللي أعده تامر قبل ما تنزل للبنك المركزي، وحاسة بنغزة غريبة في قلبها. التليفون رن، وكان المتصل هو المحامي الخاص بـ فارس.
ردت يارا بنبرة متأهبة: "أهلاً يا متر.. خير؟"
جاء صوت المحامي جاد ومباشر: "يارا هانم.. بناءً على تعليمات فارس بيه الشخصية، أنا حالياً واقف قدام مكتب النائب العام وبقدم طلب التنازل الرسمي عن دعوى الحراسة القضائية، وبفك الارتباط بمديونيات شركتكم."
اتسعت عيون يارا، وأنفاسها اتلخبطت.. هو عملها بجد! فارس وفى بوعده وسحب سيفه من على رقبتها في أكتر لحظة حاسمة!
وقبل ما تستوعب اللحظة، دخل تامر المكتب ووشه أصفر زي الليمون، والتليفون الأرضي رن بصوت مرعب! رفعت يارا السماعة، وجاء صوته هو.. فارس، بس النبرة المرة دي ما كانتش دافية زي امبارح، كانت مليانة طوارئ وخطورة تهز الجبال:
"يارا! إنتي فين دلوقتي؟!"
يارا بقلق:
"في مكتبي.. في إيه يا فارس؟"
فارس بصوت حاد وسريع: "إياكي تسلمي أي ورق للبنك المركزي! في كمين منصوب لكِ دلوقتي! مراد الألفي ونيرة أختك اخترقوا فريقك، والملف اللي في إيدك ده متزور وفيه أختام مزيفة هتوديكي في داهية خلال دقائق!"
تجمّد الدم في عروق يارا، وبصت لتامر اللي خطى خطوة لورا بخوف ووشه اتملى عرق. يارا رفعت عينيها لتامر وهي مش مصدقة، وقالت في التليفون بصوت متهدج:
"أنت بتقول إيه يا فارس؟! الملف ده تامر هو اللي جهزه بنفسي!"
فارس بحدة وهو بيدور محرك عربيته وبيسوق بأقصى سرعة في شوارع القاهرة:
"تامر بايعك يا يارا! وقوة من مباحث الأموال العامة طالعة لبرج الشركة دلوقتي بناءً على بلاغ من مراد الألفي! اقفلي على نفسك المكتب وما تسلميش الورق لأي حد لحد ما أوصل لك.. أنا مش هسمح لـ حد يلمس شعرة منك!"
قفل فارس الخط، ويارا وقفت مشدودة القامة، ضربات قلبها بتدق زي الطبول، وعينيها مثبتة على تامر اللي حاول يجري ناحية الباب، بس يارا رفعت صوتها بنبرة ملكية حادة هزت الأوضة: "اقف مكانك يا تامر! لو حركت خطوة واحدة تانية.. هسفك دمك هنا قبل ما الأموال العامة توصل!"
في الشارع بره، كان صوت سرينات الشرطة بيبدأ يعلى ويقرب من المبنى، بينما عربية فارس كانت بتتفادى العربيات بسرعة جنونية وهو حاطط إيده على الدريكسيون وبيهمس بغضب وشغف مرعبين:
"المرة دي الحرب مش بيني وبينك يا يارا.. المرة دي الحرب ضد أي حد يفكر يأذيكي، والسيوف اللي كانت متوجهة لقلبك.. أنا اللي هصدها بصدري!"
الشمس غطت الشوارع بنور ساطع، والكل محبوس الأنفاس.. مراد ونيرة بيراقبوا السقوط من بعيد، والشرطة بتملا المدخل، وفارس بيسابق الزمن عشان يوصل للمرأة اللي سرقت عقله وقلبه قبل ما الهاوية تبلعها!
وقفت يارا في نص المكتب زي التمثال، وعينيها بتطق شرار ومصدومة من خيانة أكتر شخص كانت بتثق فيه وشايفاه إيدها اليمين. تامر كان بيترعش ووشه جاب ألوان، وبص للأرض وهو بيلعثم:
"يارا هانم.. والله العظيم غصب عني! اختي كانت هتضيع، مراد الألفي هددني بيا وإني هلبس قضايا لو ما نفذتش!"
ما لحقتش يارا ترد عليه، لما دوت أصوات خطوات سريعة وصرخات مكتومة في الممر بره. انفتح باب المكتب بقوة، ودخل ضابط مباحث الأموال العامة ووراه قوة مسلحة، ومعه مراد الألفي ببدلته الفاخرة وابتسامته الماكرة، وجنبه نيرة اللي كانت بتبص ليارا بنظرة انتصار مسمومة!
قال الضابط بنبرة حاسمة ورسمية:
"يارا هانم.. عندنا إذن من النيابة العامة بالتفتيش والقبض عليكِ بتهمة التزوير في أوراق رسمية وتقديم مستندات مالية مضللة للبنك المركزي."
ابتسم مراد الألفي بتهكم وخطا خطوة للأمام:
"يا خسارة يا يارا.. كان نفسك تلعبي مع الكبار، بس للأسف طمعك ودفاعك المستميت عن شركة أبوكي أوردوكي الموارد. ورقة التزوير اللي في إيدك دي هي شهادة وفاتك المهنية."
نيرة كملت بشر وهي بتبص لأختها:
"قلت لك زمان يا يارا.. الشركة دي كبيرة عليكي، وكان لازم تسبيها لأصحابها الحقيقيين بدل ما تودي اسم العيلة في داهية."
رفع الضابط إيده عشان يأمر العساكر يقربوا من يارا ويقبضوا عليها.. وفي اللحظة اللي كانت يارا حاسة فيها إن الأرض بتهتز تحت رجليها وإن كبرياءها بيتهان، انفتح الباب الخارجي بضربة مدوية هزت أركان البرج!
دخل فارس.
كان داخل كأنه إعصار جارف، شعره متطاير وقميصه مفتوح منه أول زرارين، وعينيه الصقريتين بتتوهج بنار مرعبة جعلت الضابط والرجال يتراجعوا خطوة لورا تلقائياً من هيبته الطاغية. مشي بخطوات واثقة وسريعة لحد ما وقف قدام يارا مباشرة، حاطط ظهره ليها وصدره في وش القوة كلها.. كأنه سد من حديد بيحميها من كل شرور العالم!
بص فارس لمراد الألفي بنظرة احتقار قاتلة، وبعدين ألتفت للضابط وقال بصوت رنان هز الأوضة:
"حضرة الضابط.. البلاغ ده كاذب، والأوراق اللي مع يارا هانم دي مالهاش أي قيمة قانونية ولا كانت هتقدم للبنك المركزي أصلاً!"
مراد اتنرفز وصرخ:
"أنت بتقول إيه يا فارس؟! المتهم متلبس بالأوراق في إيدها، وسكرتيرها اعترف بلسانه!"
ابتسم فارس ابتسامة ساخرة وشديدة الخطورة، وطلع من جيب سترته ملف أسود مختوم بأختام رسمية حديثة، ورماه بثقة على المكتب الرخامي، وقال ببرود يستفز الحجر:
"الملف اللي في إيد يارا هانم ده كان النسخة الملغية اللي تم استبدالها من ساعتين! لأن مجموعة 'فارس' اشترت رسمياً 51% من أصول شركة يارا هانم بالاتفاق مع مجلس الإدارة، وأصبحت الشريك المتضامن والرئيس التنفيذي للمجموعة! والملف الرسمي اللي أتقدم للبنك المركزي باسم مجموعتي أنا.. بأوراق سليمة 100%!"
اتسعت عيون مراد ونيرة بصدمة مجنونة! نيرة صرخت:
"مستحيل! أنت بتجازف بإمبراطوريتك عشان تحميها؟!"
لف فارس ببطء، وبص ليارا اللي كانت واقفة وراه، عينيها متسعة بذهول غير مسبوق، وأنفاسها متلاحقة من المفاجأة. نزل فارس برأسه لمستوى أذنها، وهامس بصوت دافئ وجميل ينساب كالعسل في وسط العاصفة:
"قلت لك امبارح.. القفص اللي كنتِ خايفة منه، أنا اللي هكسر أقفاله بإيديا. من النهاردة مش هسمح لأي حد يمسك أو يقلل منك.. حتى لو هحارب الدنيا كلها عشانك."
انقبض قلب يارا بمزيج مرعب من الذهول وشغف حارق، وشعرت بكبرياء سنين وبيحرق قدام صدق الرجل ده اللي حط اسمه وثروته على المحك عشان ينقذها!
التفت فارس للضابط ومراد الألفي، ورجع لنبرته الحادة كالسيف:
"ودلوقتي يا حضرة الضابط.. تقدر تقبض على تامر بتهمة الخيانة العظمى وتزوير أوراق خاصة، وعلى مراد الألفي بتهمة التآمر والتقديم بلاغات كاذبة والابتزاز! والمحامين بتوعي مستنيينكم تحت في النيابة."
اتغيرت ملامح مراد للأصفر، والعساكر حوطوه هو وتامر ونيرة وسط صراخ نيرة وهي بتبص ليارا بغل وحقد قبل ما ينزلوا بيهم.
ساد الصمت في المكتب بعد ما الكل خرج، وما فضلوش في البرج غير فارس ويارا.. والمسافة بينهم بقت معدومة.
بصت يارا لفارس بعيون مليانة دموع محبوسة وشك أخير بيحتضر، وقالت بصوت متهدج وناعم:
"أنت عملت كل ده ليه يا فارس؟ أنت جازفت بكل حاجة تملكها.. عشان تنقذني؟"
قرب فارس منها بخطوات موزونة، ومد إيده ببطء وحنان شديد، ولمس وجنتها بأطراف أصابعه الدافئة، وقال بصوت خفيض وصل لأعمق نقطة في روحها:
"عشان اكتشفت إن ثروتي وإمبراطوريتي ما يسواش حاجة لو مش هشوف اللمعة دي في عينيكي يا يارا.. أنا ما أنقذتش منافستي.. أنا أنقذت المرأة اللي ملكت عقلي وقلبي، واللي من غيرها الميدان كله ملوش طعم."
أغمضت يارا عينيها واستسلمت لمسته، وشعرت لأول مرة في حياتها إن الحرب انتهت، وإن شعلة الحب اللي اتولدت وسط النار.. هي الحقيقة الوحيدة اللي باقيالهم!