
لم تدوم لحظات السلام الطافية على السطح
طويلاً؛ فالهدوء الذي يسبق الإعصار غالباً ما يكون أشد حلكة وأكثر خداعاً
في نفس الليلة التي ظن فيها الجميع أن الأغلال قُيدت حول أيدي الخصوم، كانت هناك خيوط تُنسج في الخفاء تحت رعاية قوى لا ترحم. في إحدى العزائم المغلقة على أطراف القاهرة، كان مراد الألفي يجلس خلف مكتبه العتيق وهو يبتسم ابتسامة هادئة ومريبة، وبجانبه نيرة التي تمكنت من الخروج بكفالة مالية ضخمة صبيحة اليوم التالي بفضل تدخل شخصية نافذة.
لكن المائدة هذه المرة لم تكن تضم مراد ونيرة فقط؛ بل كان يجلس قبالتهما رجل ستيني ذو هيبة صارمة وشعر أبيض كالثلج، يُدعى السفير والي—رئيس مجلس إدارة التكتل المالي العربي-الأوروبي، والشخصية التي تمتلك المفاتيح الحقيقية للتمويلات الأجنبية في الشرق الأوسط.
قال مراد وهو يسكب المشروب في كأس السفير:
"شايف يا سعادة السفير؟ فارس الألفي جازف باستثمارات التكتل كلها، وعرّض أصول الشريك الأجنبي للتجميد، كل ده عشان يحمي بنت 'الراوي' ويغطي على بلاغات التزوير!"
أخذ السفير والي رشفة ببطء، وتحولت عيناه إلى ثقبين من الجليد:
"فارس تمرد وتجاوز حدوده يا مراد. الظاهر إن العاطفة عمته عن الأرقام. التكتل مش هيسمح إن استثماراته تبقى لعبة في إيد واحدة سحبت رجل رئيس مجموعتنا للهواية. القرار اتأخد خلاص.. سيتم سحب الثقة من إدارة فارس للمجموعة في الاجتماع المغلق، والبديل جاهز."
التفتت نيرة بنظرة يتأكلها الغل والشغف بالانتقام:
"ويارا؟ الشركة اللي أخدتها تحت حمايته لازم ترجع لأصحابها.. أبويا ساب حظر تام على أوراق الصندوق السرية، وأنا معايا المفتاح اللي يثبت إن يارا أدارت الشركة بدون صفة قانونية من يوم وفاة أبونا!"
ابتسم مراد بثقة وقال بنبرة قطرت سماً:
— "يارا مش هتلحق تدافع عن نفسها المرة دي يا نيرة.. لأن الضرب المرة دي مش هييجي من السوق ولا من النيابة.. الضرب هييجي من جوة بيتها!"
وفي نفس اللحظة، وفي القصر القديم الخاص بعائلة يارا، كانت يارا تجلس والدموع تطارد عينيها أمام الدكتورة سوسن—زوجة أبيها الراحل ووالدة نيرة—التي عادت فجأة من الخارج بعد غياب طويل.
قالت الدكتورة سوسن بنبرة قاسية كالحديد وهي تضع ملفاً أسود أمام يارا:
"فاكرة إنك لما تحتمي بـ فارس بيه هتكوني حميتي نفسك يا يارا؟ الملف ده فيه وصية أبوكي المسجلة قبل وفاته بأسبوع.. الوصية اللي كتمتها عنك كل السنين دي، واللّي بتجردك من أي حق في إدارة الشركة وتعيين نيرة وصية كاملة على الأصول!"
اتسعت عيون يارا بصدمة هزت كيانها، وأنفاسها اترددت وهي بتبص للوصية:
"أنتِ بتكذبي! بابا عمره ما يعمل فيا كده! إنتِ ونيرة زورتوا الوصية دي بعد وفاته!"
قامت سوسن ببرود وقالت وهي بتعدل وشاحها:
"التزوير هو اللي إنتِ عشتي فيه يا يارا.. والمحكمة هتنظر في الصحة والنفاد بكرة الصبح بذات الشق المستعجل. وريني فارس بيه هينقذك إزاي من وصية أبوكي الموثقة بحكم محكمة!"
وفي المقر الرئيسي لمجموعة فارس، كان الجو يغلي بإنذار عاصفة جديدة. دخل فارس مكتبه ليجد سكرتيره الخاص يقف وشاحب الوجه، وجانبه ضابط رفيع المستوى من التحريات المالية.
قال الضابط بجدية حاسمة:
"فارس بيه.. أتقدمت في حقك عريضة اتهام رسمية من السفير والي بصفتة الممثل القانوني للتكتل الأجنبي، بتتهمك فيها بإهدار المال العام وتسهيل استيلاء أطراف غير ذي صفةوالمقصود بيها يارا هانم—على ديون البنوك. وصدر قرار بمنعك من السفر وتجميد حركتك المالية الشخصية لحين انتهاء التحقيق!"
تجمّدت ملامح فارس لثانية، لكن عينيه الصقريتين لم ترمشا. شعر ببركان من الغضب يشتعل في صدره، ليس بسبب الحظر أو خسارة النفوذ، بل لأنه أدرك أن الشبكة التي حيكت هذه المرة أوسع وأشرس وأعمق مما يتخيل.. خيوطها تمتد من أحقاد العائلة، إلى تحالفات المال والأثرياء في الخارج!
طلّع فارس تليفونه الشخصي، وضغط على رقم يارا التي كانت في نفس اللحظة تخوض معركتها الخاصة مع زوجة أبيها. ردت يارا بصوت متهدج ومخلوط بالخوف والذهول:
"فارس.. الحقني، المخطط أكبر مننا.. الوصية المزوّرة خرجت للنور، وسوسن ونيرة عاوزين يجرّدوني من كل حاجة!"
رد فارس بصوت حاسم، صوت مدوٍّ أذاب كل الخوف في قلبها، وقال بنبرة مليانة تحدي وشغف مرعب:
"اهدي يا يارا.. متخافيش. السفير والي ومراد الألفي تحالفوا مع نيرة وسوسن، وجمدوا حركتي المالية ومنعوني من السفر.. فاكرين إنهم زنقونا في الزاوية الميتة."
اتسعت عيون يارا وقالت بصوت متهدج:
"جمدوا حركتك أنت كمان؟! يا فارس كده المعبد بيقع علينا إحنا الاثنين!"
ابتسم فارس ابتسامة خطيرة وهو يرتدي سترته من جديد، وقال بنبرة هزت أرجاء المكان:
"المعبد يقع لما نكون بنلعب بقواعدهم يا يارا.. بس هما نسوا إن النار اللي ولدنا فيها هي اللي هتولع في القفص بتاعهم كله. هكون عندك في ظرف عشر دقايق.. والمرة دي الحرب مش هتكون دفاع.. المرة دي هنهاجم الإمبراطورية بتاعتهم من الجذور!"
انطلقت سيارة فارس في شوارع القاهرة كالسهم، يقطع الزحام برعونة رجل لم يعد لديه ما يخسره سوى المرأة التي أصبحت نضاله الوحيد. في نفس الوقت، كانت يارا تقف في صالة القصر القديم، تواجه نظرات الشماتة في عيني زوجة أبيها سوسن، والخراب يعصف بأركان روحها.
وصل فارس إلى القصر، ودخل بهيبته الطاغية التي أربكت حراس الباب. خطا خطوات ثابتة حتى وقف بجانب يارا، وأمسك يدها بضغطة قوية نقلت إليها كل الشجاعة والتحدي، ثم نظر إلى سوسن بنظرة حادة كالمشرط وقال:
"الوصية المكتوبة دي بلّيها واشربي مايتها يا سوسن هانم.. لأن الأستاذ الراوي قبل ما يموت بأسبوع، ما كانش مسافر في رحلة علاج زي ما فهمتي الناس.. كان قاعد معايا في مكتبي، وموثق عقد بيع ونقل ملكية نهائي لجميع أسهمه في الشركة باسم يارا!"
اتسعت عيون سوسن بصدمة لجمت لسانها، وتراجعت خطوة للخلف وهي تتمتم:
"أنت كذاب! ده مجرد تمثيل منك عشان تنقذها!"
أخرج فارس من جيبه أصل العقد الموثق بالشهر العقاري وبصمة والدها، ورماه على الطاولة بينهما بثقة مطبقة:
"العقد ده كان محفوض في خزانتي السرية بطلب من والدها شخصياً، لأنه كان عارف كويس الغل اللي جواكم وجوا نيرة، وكان عارف إن اليوم ده جاي لا محالة. يارا مش بس مالكة الشركة.. يارا هي المالك الوحيد والشرعي لإرث آل الراوي بالكامل!"
سقطت الأوراق من يد سوسن وهي تشعر بالهزيمة الساحقة، بينما نظرت يارا إلى فارس بذهول ودموع حب امتنان تجتمعت في عينيها. لم تكن تصدق أن الرجل الذي كان أعتى أعدائها، كان يحمي ظهرها وسر والدها قبل أن تعرفه حتى!
لم ينتهِ الليل عند هذا الحد؛ أخرج فارس هاتفه واتصل مباشرة بمدير مكتب التحقيقات المالي، وقدم له تسجيلات صوتية حصرية ووثائق مسربة تؤكد تورط مراد الألفي والسفير والي في عمليات تبييض أموال ودفع رشاوي دولية للسيطرة على أسواق الشرق الأوسط.
خلال ساعات قليلة وقبل طلوع الفجر:
تغيرت الأحداث كالإعصار! أُلقي القبض على مراد الألفي في مطار القاهرة قبل هروبه للخارج، وصدر قرار عاجل من التحالف الدولي بإقالة السفير والي والتحفظ على أمواله وممتلكاته، بينما تمت برئ ساحة فارس ويارا تماماً أمام القانون وأمام الرأي العام.
ومع إشراقة شمس يوم جديد، كان الشاطئ الإسكندري يكتسي بلون الذهبي الدافئ. تقف يارا يسند ظهرها إلى سور الكورنيش، والرياح تداعب شعرها، بجانب فارس الذي أبعد كل حراسه وشغله ليكون معها وحدهما.
لفت يارا وجهها ونظرت إلى عينيه الصقريتين اللتين أصبحت تملأهما الحنية والشغف، وقالت بنبرة عذبة وصافية:
"أنا طول عمري كنت فاكرة إن القوة هي إنك تحارب لوحدك وما تسمحش لحد يقرب منك.. بس معاك أنت يا فارس، عرفت إن القوة الحقيقية هي إنك تلاقي الشخص اللي تسند عليه وأنت مغمض عينيك."
ابتسم فارس ابتسامة دافئة وساحرة، واقترب منها حتى تلاقت أنفاسهما، ومسك يديها الاثنتين بين يديه بحنان ورغبة صادقة:
"أنا لم أهزم في المعارك يا يارا، لكني انهزمت بكل حب قدام عينيكي. أنتِ مش بس شركتي وحبيبتي.. أنتِ العاصفة اللي غيرت مجرى حياتي كله."
ضحكت يارا ضحكة صافية خرجت من أعماق قلبها، وقالت وهي تنظر إلى البحر الممتد أمامهما:
"واللعبة يا فارس بيه؟ أظن كده اللعبة انتهت خلاص؟"
رد فارس وهو يحضن يديها بقوة ويقبل جبينها برقة أذابت كل مرارة الماضي:
"اللعبة انتهت يا يارا.. وبدأت مع العاصفة حكايتنا الحقيقية،