
على شاطيء الإسكندرية
وقف آسمر ينظر للسماء الصافية ثم نزل بنظرة للمياة المتلاطمة بفعل الهواء ليجد نفسه تائه كالبحر وكم تمنى أن يغرقه هذا، وكأي شخص حين تضيق به الدنيا يأتي للبحر ويرمي به همه وهذا ما فعله
"ست شهور هونت عليكي فيهم يا جنان .. ست شهور وأنا بتعذب كل يوم اسوأ من اللي قبله طب لو محبتنيش اسمه ايه اللي عشناه سوا
أكمل بحزن مرير : اسمه ايه أنك كنتِ عايزة تسلميني نفسك كمان طب دا ايه ... محدش يقدر يهددك تسبيني ليه كدا ولا فعلا ناني معاها حق أنتِ محبتنيش "
آسمر بصراخ قوي مجلجل : جناااااااااان جناااااااان
مرر يده في خصلاته مخرجاً تلك بعض الطاقة السلبية التي سيطرت عليه وقرر العودة حيث أتى، عاد للمنزل مشياً ولمح من بعيد روز أمام ناني ويبدو على ملامحها العدائية الشديد فاقترب من الاثنتين ليجد روز تصرخ عليها بحدة
روز بصراخ : اتكلمي وإلا وربي هقتلك وأة بهدد وأعرفي إني قد تهديدي يا ناني
ناني بضيق : معرفش
زاد غضب روز أضعاف مضاعفة حين أنكرت ناني لتنفجر بها : بت شغل العيال ده ميلعبش معايا بالله لو ما قولتي جنان عاملة أيه الوقتي لأكون طالعة وفضحاكي قدامهم كلهم وأدمرلك حياتك اللي مش موجودة أساساً
لتكمل بشماتة : ولكِ ان تتخيلي اللي آسمر هيعمله فيكي لو عرف
ناني بعصبية وقلق : قولتلك معرفش هي عايشه ولا لا معرفش والله ما اعرف
روز بشر وتوعد : أنتِ اللي اجبرتيني وخرجتي الروح الشريرة
ظنت ناني أنها سوف تصعد لأعلى إلا أنها اقتربت وجذبتها من شعرها تعتدي على بالضرب لتبدأ صرخات ناني المستغاثة
ناني بوجع وصراخ : أه ابعدي ايدك أه شعري .. حد يلحقني
روز بغل : أنتِ اللي جبتيه لنفسك وعنيدتي قصادي وأحب أعرفك لا أنتِ تهميني ولا اللي في بطنك فأنقذي نفسك من إيدي بنفسك
مسكت ناني يدها بتعب تحاول دفعها قائلة : روز سبيني مش قادرة .. اة والله حرام عليكي
صرخت روز بها قائلة : إنشالله تموتي ولا تهزي فيا شعرة ومش هسيبك إلا أما أعرف منك جنان فين وحصلها أيه وأتأكد فعلاً ذي ما سمعت من أمك أنكم وهمتوها أنها مريضة كانسر وخلتوها تبعد عن آسمر ولا حقيقة .. أنجدي نفسك مني يا ناني
نظر آسمر لروز كأنها فضائية فهي تبدو من الخارج شيء ومن الداخل شيء أخر وحين كان يتابعها شعر بجنان حوله تضحك على أفعال روز فلم يعد يستوعب ما يحدث ويشعر أن الكلام الذي تقوله روز من وحي خياله، مرر يده على وجهه ثم عقد حاجبيه ينظر لهما يحاول استيعاب ما تقوله روز
ناني بتعب واضح : سبيني يا روز تعبانه
روز بحدة وغضب : وهي كانت أيه ؟! أختك كانت بتموت يوم فرحك قدام القاعه كانت بتتدمر ردي وإلا وربي ل.......
ناني بخوف فهي تعرف ربما تقتلها هي وابنها وكم هي شيطانه يكفي ما نالته من ضرب حتى الأن : هقولك حاضر هقولك
لمحته روز ليتجه بسرعة خلف سور البناية لتظن أنها تتوهم ثم نظرت لناني بحدة قائلة : انطقي
ظهرت الدموع في أعين ناني وكذلك الشحوب لتردف : مامي قالت انها قعدت عند خالتو شهر بعدين قالت إنها راحه لدكتور وأما رجعت اتغيرت تمام بقت تجري في الشوارع بجيتار ذي المتشردين واكلها قل ونومها وأصلا شبه مش بيشوفوها بس دا اللي اعرفه وسبيني أنا ا.ت.تعبا.......
استرخى جسد ناني فكادت روز تصرخ وهي تمسكها لكن آسمر اقترب مسرع ورفعها عن الأرض، عقدت روز حاجبيها ليشير لها برأسه
آسمر : يلا
فكر آسمر أن يأخذها للمستشفى أفضل فهي حامل ويختلف الوضع عم الإغماء الطبيعي، أخذها متجة خارج العمارة وقبل أن يصل لسيارته وجد إياد يأتي بسيارته فأشارت له روز، وضع آسمر ناني بالخلف وجلست روز بجانبها بينما هو بجانب إياد
آسمر بهدوء يغلفه قلق : اطلع علي اقرب مستشفى
إياد وهو يسرع بالقيادة : ايه اللي حصل ؟
آسمر ببرود : ناني كانت نازله ومسكت في الباب ووقعت وأنا طالع من تحت شوفتها وناديت علي روز
حسنا سمع يا روز لا محال وربما لا ولا يريد من إياد أن يعنفها، بالرغم من كرهه الواضح لتلك ناني إلا أنه ليس عديم الرحمه وأيضاً روز ليس لها ذنب أن تتحمل غضب أخاه
تنهدت بصوت مسموع ونظرت للخارج أما آسمر كان تفكيره مع جنيته الصغيره ليست صغيره وحسب بل غبيه لما لم تأتي له، لما لم تخبره حسناً وإن فعلت لما لم تعود .. الآن لا ينكر فهو سعيد بوجود هذا السبب الذي يجعله يصفح عنها بنفس راضية ويعيدها لحضنة مرة أخرى ثم يعاقبها على غباءها هذا
أوقف إياد السيارة أمام بوابة المستشفى فنزل آسمر وفتح الباب ليحمل ناني مرة أخرى ودخل يسير خلفه إياد مع روز، وضعها على ترولي واتجهوا بها لغرفة ثم قاموا باستدعاء طبيب نسا وتوليد، أتى الطبيب أخيراً وخرج الكل ليبدأ بفحصها جيداً
الطبيب بعمليه : هي كانت متابعه مع دكتور او دكتورة ؟
نظر الثلاثة لبعضهم لتكون الإجابة واحدة وهي لا فلم يهتم أحد بهذا ولم يوجهها أيضاً فيما يجب فعله، ظهر الحزن على ملامح آسمر فهو لم ينبه أحد لهذا حتى لو كان يكرهها
تفهم الطبيب من نظرتهم ليردف : دا غلط كبير في حقها البنت باين عليها صغيرة يعني مش عارفين توجهوها
الفصل العاشر
أنطلقت جنان جرياً بإتجاه القسم المراد ودموعها لا تتوقف عن التساقط فهذا ما اعتادت عليه منذ فترة طويلة، وجدت جدتها في البداية فاتجهت لها تمسك يدها وتحدثت ببكاء
جنان بلهفه : فين ناني يا ناناه ؟ هي كويسه صح ؟
تحدثت شيرين بلهفة وهي تندفع بإتجاهها : جنان
نظرت لها جنان لترى الكل أخيراً فمسحت دموعها وكادت تشير لهم لكنها تذكرت انهم لا يروها سوا توأم حبيبة آسمر، آسمر ! أين هو ؟
حين استمع لنطق شيرين لاسمها التفت بلهفة لاحظتها أمه وأخاه ليشعر بعودة نبضات قلبه لتوها بينما وقعت عيناها عليه لتحاول رفع يدها تشير له لكنها تراجعت، فاقت على لمسة شيرين لذراعها فدفعت يدها عنها
جنان بحدة : ابعدي عني متلمسنيش فين اختي ؟
شيرين بدموع : جوه في العناية
الممرضه : يا جماعة لو الأنسه جنان وصلت تدخل المدام ناني كل شوية تسأل عليها
نظرت جنان لها لتردف : موجودة أهو ينفع أدخل ليها الوقتي
الممرضة : لازم الأول أجهزك اتفضلي معايا
جنان بهدوء : تمام
أخذت الممرضة جنان وجهزتها لتتجه بها حيث أختها، انهمرت دموع جنان حين رأت أختها شاحبة شحوب الموتى فقد أشتد بها المرض كثيراً بعدما ذهبت جدتها وتركتها أمس لينتهي بها الأمر في المستشفى، جلست جنان بجانب أختها تتابعها تمسك يدها وتقبلها
ناني بإبتسامه شاحبة وهي تنظر لأختها : جنان
جنان بدموع تنهمر رغماً عنها : وحشتيني يا ناني
ناني بصوت ضعيف : جيتي عشاني بجد
مررت جنان يدها على شعرها لتردف : وأنا عندي أغلي منك قولي عايزة أيه يا حبيبتي وأنا انفذهولك
ناني بحزن : متكرهيش آسمر فيا يا جنان أكتر
لم تركز جنان في كلمة "أكتر" فهي ظنت أنها تقصد ألا تخبره الحقيقة كلها وهي بالأساس لم تكن لتفعل فهي تظن أن حياة ناني مع أخاها على ما يرام
جنان بهدوء حزين : آسمر بقى حاضرك ومستقبلك والماضي بتاعي مش أكتر يا ناني
تحدثت ناني بدموع تلتمع في عيناها : لا مستقبلك أنتِ يا توأمي .. جنان الدكتور قالي في خلايا سرطانية في الرحم محاوطة الجنين وأنا خايفة عليه ممكن عشان خاطري تاخديه في رحمك يا جنان حتى لو هتعرفيه إنك أمه أنا موافقة بس مخسروش
بدأت بالبكاء لتردف : بالله عليكي يا جنان
جنان وهي تمسح دموعها : اهدي هعملك اللي عايزاه بس أهدي
أكملت ناني قائلة : ربنا عاقبني، أنا وهمتك انك مريضة سرطان وأنتِ مكنتيش كدة أنتِ كنتِ كويسة .. استنيت كتير اللحظة اللي ترجعي فيها كنت ناوية علي شر بس حكمة ربنا كدة انا حبيت آسمر يا جنان وكنت عارفه انك مش هتسبيه لو قولتلك عايزاه
جنان بشرود : متقلقيش في كل الأحوال مكناش ننفع سوا
تنهدت بقوة لتجد أختها تقول : هتاخدي ابني يا جنان
كادت تتحدث لكن قاطعها دخول الطبيب وبدأ بفحص ناني ليحرك رأسه بأسف فنظرت ناني لأختها تترجاها بنظرتها
ناني : جنان
جنان وهي تغمض عيناها بقوة : ماشي
ناني بفرحة : دكتور الأم البديله جاهزه جهز العملية
وقفت جنان وقررت الأنتظار في الخارج حتى يخبروها ما عليها فعله لتجد آسمر أمامها مباشر يقف على الباب فقررت تجاهله والخروج لتجد أختها تتحدث
ناني بلهفة وسعادة : آسمر جنان وافقت تاخد ابننا
آسمر بهدوء : ويا ترى عرفتيها بالمخاطر ولا واخداها على عماها
ناني متجاهلة : لا مفيش مخاطر ولا حاجة هتعدي إن شاء الله وليا طلب عندك لو سمحت يعني لو جرالي حاجة تتجوزها يا آسمر لأن الوقتي جنان هتبقى أم ابني اللي جاي في السكة
كاد يقول لها : ولو مجرالكيش هتجوزها برضو
لكنه قال بعصبية مصطنعة : اتهبلتي مستحيل أتجوز من العينة دي فاهمه ؟
ناني : لا متهبلتش ..
وقبل أن تكمل حديثها اندفعت جنان للخارج ثم بحثت بعيناها عن جدتها وحين وجدتها اندفعت لحضنها بقوة تبكي بمرارة وحزن
جنان : ناني هتروح مني يا ناناه .. ناني هتسبني مش كفاية بعدنا عن بعض الوقتي كمان هتبعد عني
جميلة وهي تمسد على شعرها : اهدي يا جنان إن شاء الله تبقى كويسه متخافيش عليها
شيرين بخوف : اهدي يا جنان
جنان بصراخ وحدة : متكلمنيش أنتِ بالذات اطلعي من حياتي وسبيني في حالي .. أنا فعلا بكرهك أنتِ مستحيل تكوني ام قوليلي ذنبي ايه تبعديني عنها، عملت ايه مش انا السبب في موت بابا افهمي بقى
كادت شيرين تخبرها أنها تفهم كل هذا وتغيرت لكنها فضلت الصمت بحزن وهي ترى فلذة كبدها تخبرها صريحة بكرهها لها، بداخلها الكثير من الأشياء التي تريد قولها لها لكن ...
في الداخل
كاد آسمر يخرج ويتركها فهو لا يعلم لما أتى لتلك حقاً يشعر بالغضب والاشمئزاز كلما رأى وجهها لكنها نادت عليه قبل أن يذهب ..
ناني بتعب : آسمر .. دي جنان
سخر بنظرته ليردف ببرود : وأنا هتوه عنها منا عارف إنها جنان ومش محتاج اسمعها منك لا شماتة في المريض بس تصدقي بالله كله من ذنبك وأنا لا طايق أبص في وشك ولا في وشها يا ناني
اغمضت عيناها بقوة تحاول ابتلاع الغصة التي تشكلت في حلقها، حسناً لن تقدر علي قول الحقيقه فهي لا تريد أن يزداد كرهه لها اضعاف حين يعلم الحقيقة وأيضاً لم تعد تريده يكره أختها بدون سبب فيكفي قبول أختها بأخذ ابنها في رحمها لا تريد أن تكون أنانية معها مرة أخرى، كل هذا ولا تعلم بمعرفة آسمر بالحقيقة فهي تظنه لا يعلم