رواية نارين بين الحب والوجع الفصل التاسع عشر19 بقلم ليلي طاهر

رواية نارين بين الحب والوجع بقلم ليلي طاهر
رواية نارين بين الحب والوجع الفصل التاسع عشر19 بقلم ليلي طاهر
خرج بهاء من المكتب، تاركًا عاصم وحده.

ظل عاصم واقفًا للحظات، يتابع بهاء بعينيه، ثم زفر بضيق واستدار وغادر المكتب هو الآخر.

مرّ أسبوع كامل على المواجهة التي حدثت بين عاصم وبهاء، وكان أسبوعًا ثقيلًا على كليهما.

منذ ذلك اليوم، لم تستطع لينا رؤية عاصم أو حتى الاطمئنان عليه كما كانت تفعل من قبل، فقد أصدر بهاء تعليماته بألا تخرج من القصر إلا برفقته.

أما عاصم، فكان أكثر ضيقًا؛ حاول الاتصال بها أكثر من مرة، لكنه لم يجد فرصة واحدة يراها فيها.

وفي أحد الأيام، كانت لينا جالسة في غرفتها، وقد ضاقت ذرعًا بالبقاء داخل القصر، فنهضت واتجهت إلى مكتب جدها.

طرقت الباب، ثم دخلت.

رفع بهاء عينيه عن الأوراق أمامه، ونظر إليها بهدوء:

ـ خير يا لينا؟

وقفت أمام مكتبه وقالت بضيق:

ـ هو أنا محبوسة ولا إيه يا جدو؟

رفع بهاء حاجبه، ثم وضع القلم جانبًا:

ـ إنتِ عارفة أنا بعمل كده ليه.

تنهدت لينا وقالت بهدوء:

ـ عارفة يا جدو... وعشان كده أنا تقبلت قرارك.

صمتت للحظات، ثم تابعت:

ـ بس مش معقول أفضل محبوسة كده. أنا أسبوع كامل مخرجتش من القصر.

ظل بهاء صامتًا، ينظر إليها بجدية، ثم تنهد وقال بهدوء:

ـ هسيبك تخرجي يا لينا... أنا بثق فيكي، وأتمنى تكوني قد الثقة دي.

ابتلعت لينا ريقها بصعوبة، ثم هزت رأسها بالموافقة:

ـ حاضر يا جدو.
خرجت لينا من القصر، وكانت تعرف طريقها جيدًا. استقلت سيارتها واتجهت مباشرةً إلى شركة الرشيد.

ما إن وصلت إلى الشركة، صعدت إلى مكتب عاصم، وتقدمت من السكرتيرة قائلة:

ـ عايزة أقابل الدكتور عاصم.

أجرت السكرتيرة اتصالًا داخليًا، ثم قالت:

ـ دكتور عاصم، الآنسة لينا موجودة وعايزة تقابل حضرتك.

جاءها صوته من الطرف الآخر:

ـ دخليها.

أغلقت السكرتيرة الهاتف، ثم أشارت إلى الباب:

ـ اتفضلي يا آنسة لينا.

فتحت لينا الباب، وما إن وقعت عينا عاصم عليها حتى تبدلت ملامحه، وكأن وجودها أمامه أعاد إليه شيئًا افتقده طوال الأسبوع.

وقبل أن يقول كلمة، أسرعت نحوه، وارتمت في أحضانه، وأحاطت خصره بذراعيها وهي تقول بصوت يحمل كل اشتياقها:

ـ وحشتني أوي... أوي يا عاصم.

تجمد عاصم للحظة من المفاجأة، ثم ابتسم وضمها إليه بحنان:

ـ وإنتِ كمان وحشتيني.

أمسك عاصم يدها برفق، وقادها إلى الأريكة المريحة في زاوية مكتبه، ثم جلس إلى جوارها وهو لا يزال ينظر إليها بابتسامة.

نظرت إليه لينا بجدية وقالت:

ـ عاصم... أنا فكرت كويس، ولقيت حل.

رفع حاجبه باهتمام:

ـ حل لإيه؟

قالت بحسم:

ـ إحنا لازم نتجوز حالًا.

اتسعت عيناه بدهشة:

ـ حالًا؟!

أومأت لينا بسرعة:

ـ أيوه. نتجوز ونحط جدو قدام الأمر الواقع، وساعتها هيضطر يوافق.

تنهد عاصم وقال بهدوء:

ـ أنا مش عايز أتجوزك بالطريقة دي يا لينا. أنا عايز أعمل لك أحلى فرح، وأشوفك عروسة زي ما تستحقي.

عقدت لينا حاجبيها، وقالت بغضب مصطنع:

ـ يعني إنت مش موافق؟

ابتسم عاصم وقال بسرعة:

ـ بتقولي إيه يا حبيبتي؟ أنا عايز أتجوزك حالًا، ومن غير أي تردد.

رفعت حاجبها وقالت:

ـ مفيش بس يا عاصم... مفيش حل غير كده. نتجوز، وفي الوقت المناسب نقول لجدو.

نظر إليها عاصم للحظات، ثم أمسك يدها وقال:

ـ خلاص... طالما ده قرارك، يبقى مفيش وقت نضيعه.

ابتسمت لينا بدهشة:

ـ يعني موافق؟

نهض عاصم من مكانه، ومد يده إليها:

ـ موافق. يلا.

ضحكت لينا وهي تنهض:

ـ دلوقتي؟

ابتسم عاصم بثقة:

ـ دلوقتي.

وبعد وقت قصير، كانا داخل سيارة عاصم في طريقهما إلى المأذون.

نظرت لينا إليه بتوتر:

ـ عاصم... إحنا فعلًا هنتجوز النهارده؟

أمسك يدها للحظة وقال:

ـ أيوه يا لينا... النهارده هتبقي مراتي.

وبعد وصولهما إلى المأذون، جلس عاصم إلى جوار لينا، وبدأت إجراءات عقد القران، بينما كانت لينا تنظر إليه وقلبها يخفق بشدة.

وبعد أن انتهى المأذون من عقد القران، ابتسم لهما وقال:

ـ ألف مبروك.

ابتسمت لينا بخجل، بينما ظل عاصم ينظر إليها للحظات، ثم اقترب منها وهمس:

ـ أخيرًا... بقيتي مراتي.

خفضت لينا عينيها بخجل شديد، بينما ابتسم عاصم بسعادة.

وبعد أن ودّعا المأذون، خرج الاثنان معًا من المكتب.

وما إن وصلا إلى أسفل العمارة، حتى أمسك عاصم بيد لينا وأوقفها، ثم نظر إليها بحنان:

ـ لينا... أنا هاجي معاكي القصر وأقول لجدك بنفسي.

اتسعت عيناها، وسارعت بالرد:

ـ لأ!

ابتسم عاصم بدهشة:

ـ لأ إيه؟

قالت بسرعة:

ـ أنا اللي هكلمه يا عاصم.

ـ ليه؟ ما أنا جوزك، ومش هخاف أواجهه.

هزت رأسها بإصرار:

ـ عارفة، بس دي حاجة لازم أعملها أنا. جدو أصلًا متضايق، ولو روحت معايا دلوقتي ممكن الموضوع يكبر أكتر.

ظل عاصم ينظر إليها للحظات، ثم قال:

ـ ماشي... بس متأخريش في إنك تقوليله.

هزت لينا رأسها بخجل:

ـ حاضر.

اقترب منها عاصم، واحتواها بين ذراعيه وقبّلها قبلة سريعة، ثم ابتعد عنها وهو يقول:

ـ لينا... تعالي نروح أوتيل لحد ما أشتري الشقة اللي تعجبك.

احمرّ وجهها بشدة، وقالت بخجل:

ـ عاصم... مينفعش، لازم أمشي. جدو مستنيني.

نظر إليها عاصم برجاء:

ـ طب ساعتين بس... عشان خاطري.

هزت لينا رأسها بإصرار:

ـ لأ يا عاصم... لازم أمشي دلوقتي.

تنهد عاصم بضيق، ثم قال:

ـ خلاص... نتقابل بكرة، ماشي؟

هزت لينا رأسها بخجل شديد:

ـ ماشي.

ابتسم عاصم، وأمسك يدها وقبّلها برفق، ثم قال:

ـ روحي بقى... عشان مش ضامن نفسي.

ضحكت لينا بخفة، ثم سحبت يدها منه واتجهت نحو سيارتها، بينما ظل عاصم يتابعها بعينيه حتى ابتعدت.

بعد أن غادرت لينا، ظل عاصم واقفًا للحظات يراقب سيارتها حتى اختفت عن نظره، ثم أخرج هاتفه واتصل بمدير أعماله.

ما إن جاءه الرد حتى قال عاصم بجدية:

ـ محتاجك تشوفلي شقة في مكان كويس جدًا، أو فيلا صغيرة... المهم تكون مناسبة لينا.

رد مدير أعماله:

ـ حاضر يا دكتور عاصم، تحب في أي منطقة؟

قال عاصم بحسم:

ـ مش فارقة المنطقة، المهم المكان يكون راقي وآمن ومناسب. وعايزك تخلص الموضوع النهارده.

ـ حاضر يا دكتور، هبدأ أدور فورًا.

ـ مستني منك الاختيارات قبل نهاية اليوم.

أنهى عاصم المكالمة، ووضع هاتفه جانبًا، ثم ابتسم وهو يتخيل لينا في بيتها الجديد.

عادت لينا إلى القصر، وما إن دخلت حتى أسرعت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بقدمها.

ثم ألقت حقيبتها جانبًا، وركضت نحو سريرها، وارتمت فوقه وهي تحتضن وسادتها بقوة، وابتسامة واسعة تملأ وجهها.

قالت بسعادة وهي تدفن وجهها في الوسادة:

ـ أنا بقيت مراته... مش مصدقة إني بقيت مرات عاصم!

ضحكت بخجل، ثم رفعت رأسها وهي تتذكر لحظة عقد القران، وكلماته التي همس بها لها:

ـ أخيرًا... بقيتي مراتي.

وضعت يدها على وجهها، وازداد خجلها وهي تبتسم بسعادة:

ـ ياااه... عاصم بقى جوزي!

لكن فجأة، اختفت الابتسامة من على وجه لينا.

تذكرت كلمات جدها قبل أن يسمح لها بالخروج:

«أنا بثق فيكي... وأتمنى تكوني قد الثقة دي.»

شعرت بغصة في حلقها، وبدأت عيناها تدمعان.

جلست على طرف السرير، ومسحت دموعها بأطراف أصابعها، ثم همست بحيرة:

ـ هقول لجدو إزاي؟

صمتت للحظات، ثم هزت رأسها وهي تحاول إقناع نفسها:

ـ مش هقدر أقوله دلوقتي...

تنهدت بعمق، ثم تمتمت:

ـ هأجل المواجهة شوية... لحد ما أعرف أقول له.

ظلت للحظات غارقة في صراعها بين فرحتها بزواجها من عاصم وخوفها من مواجهة جدها.

ثم أمسكت هاتفها، وبعد تردد قصير، اتصلت بعاصم.

ما إن سمع عاصم صوتها على الخط، حتى تنهد براحة وقال مباشرة:

ـ وحشتيني.

ضحكت لينا بخفة:

ـ هو أنا لحقت؟

قال عاصم بابتسامة:

ـ إنتِ بتوحشيني حتى وإنتِ معايا.

ابتسمت لينا، وشعرت أن صوته وحده قادر على إخراجها من كل صراعها.

واستمر الحديث بينهما طويلًا، حتى مر أكثر من ساعة دون أن يشعر أي منهما بالوقت.

وقبل أن ينهي عاصم المكالمة، قال لها بنبرة غامضة:

ـ على فكرة... أنا محضر لك مفاجأة بكرة.

سألته بفضول:

ـ مفاجأة إيه؟

ضحك:

ـ بكرة تعرفي.

ـ طب اديني تلميح.

ـ ولا كلمة... استني لبكرة.

وفي اليوم التالي، ذهبت لينا إلى المكان الذي حدده لها عاصم.

وما إن دخلت حتى توقفت في مكانها بدهشة، فقد كانت أمام فيلا صغيرة راقية، بتصميم أنيق وهادئ، اختار عاصم كل تفاصيلها بعناية.

اقترب منها وقال بابتسامة:

ـ عجبتك؟

جالت لينا بعينيها في المكان، ثم التفتت إليه بسعادة:

ـ جميلة أوي يا عاصم... إنت عملت كل ده عشاني؟

أمسك يدها وقال:

ـ عشانك إنتِ وبس.

ومنذ ذلك اليوم، أصبحت الفيلا مكانهما السري، يلتقيان فيه بعيدًا عن أعين الجميع.

لكن رغم سعادة عاصم، كان هناك شيء يضايقه في داخله.

كان يريد أن يعلن زواجهما أمام الجميع، وأن تعيش لينا معه دون خوف أو اختباء.

وفي إحدى المرات، قال لها بضيق:

ـ أنا تعبت من إني أشوفك تمشي كل مرة. أنا عايز الناس كلها تعرف إنك مراتي، وعايزك تفضلي معايا على طول.

نظرت إليه لينا بحزن، وأمسكت يده:

ـ وأنا كمان نفسي في ده يا عاصم... بس أنا مش قادرة أقول لجدو دلوقتي.

ـ لحد إمتى يا لينا؟

خفضت عينيها وقالت:

ـ خايفة عليه من الصدمة... مش عارفة هيكون رد فعله إيه لما يعرف إننا اتجوزنا من غير ما أقول له.

ظل عاصم صامتًا للحظات، ثم تنهد واستسلم لقرارها.

ومرت الأيام، ثم الأسابيع، حتى مرّت ثلاثة أشهر كاملة على زواجهما السري.

وخلال تلك الفترة، بدأت ملامح التعب تظهر على لينا تدريجيًا.

أصبحت شاحبة أكثر من المعتاد، وبدأت شهيتها تقل، وأحيانًا كانت تشعر بدوار مفاجئ، لكنها كانت تتجاهله.

وفي أحد الأيام، كانت تجلس إلى جوار جدتها على مائدة الطعام، التي ظلت تراقبها بقلق.

قالت جدتها:

ـ لينا... إنتِ مالك اليومين دول؟ وشك شاحب وتعبانة على طول.

ابتسمت لينا محاولة طمأنتها:

ـ مفيش حاجة يا تيتا، بس الفترة دي مكنتش باكل كويس.

قالت جدتها بقلق:

ـ لأ، أنا مش مطمنة. لازم نروح لدكتور ونطمن.

أسرعت لينا بالرفض:

ـ لا يا تيتا، والله أنا كويسة.

ـ ما إن حاولت لينا النهوض من على مائدة الغداء، حتى وضعت يدها على طرف الكرسي، وشعرت بدوار شديد.

قالت جدتها بقلق:

ـ مالك يا لينا؟

ابتسمت لينا محاولةً طمأنتها:

ـ مفيش حاجة يا تيتا... أنا بس هطلع أوضتي أرتاح شوية.

تحركت نحو السلم، لكنها ما إن وصلت إليه حتى ترنحت فجأة، وحاولت أن تتشبث بحاجز السلم، إلا أن جسدها خانها، فسقطت أرضًا، وارتطم جسدها بقوة.

دوّى صوت الارتطام في أرجاء القصر، فانتفض الجميع من أماكنهم، واندفعوا نحوها في فزع.

كان ممدوح أول من وصل إليها، وانحنى بسرعة، وما إن رأى أنها فاقدة الوعي حتى حملها بين ذراعيه دون تردد، وصعد بها الدرج مسرعًا نحو غرفتها.

وفي أثناء صعوده، التفت جدها إلى شاكر وقال بقلق:

ـ شاكر، كلم دكتور فخري بسرعة... خليه ييجي فورًا.

أخرج شاكر هاتفه على الفور، وبدأ يجري الاتصال بالطبيب، بينما واصل ممدوح صعود الدرج ولينا بين ذراعيه، والقلق يسيطر على وجوه الجميع.
بعد ربع ساعة من التوتر والقلق، وصل الدكتور فخري إلى القصر، فقد كان يسكن في المنطقة نفسها.

صعد إلى غرفة لينا، وأجرى لها الفحص، ثم خرج من الغرفة، فاقترب منه بهاء بسرعة، وعلامات القلق واضحة على وجهه:

ـ طمّنا يا دكتور... لينا مالها؟

نظر الدكتور فخري إليه للحظات، ثم قال بصوت هادئ:

ـ دكتور بهاء... أنا آسف في اللي هقوله، بس لازم تعرف الحقيقة.

ظل بهاء صامتًا، يحدق فيه دون أن ينطق.

أكمل الدكتور فخري:

ـ لينا حامل.

تجمد بهاء في مكانه، واتسعت عيناه في صدمة، بينما انعقد لسانه عن الكلام تمامًا.

ظل واقفًا بلا حركة، وكأن عقله توقف عن استيعاب ما سمعه.

انتظر الدكتور فخري لحظات، ثم قال بهدوء:

ـ عن إذنك يا دكتور بهاء، أنا هستأذن.

ثم غادر القصر، تاركًا بهاء واقفًا في مكانه، غارقًا في صدمة الخبر.
ما إن غادر الدكتور فخري القصر، حتى ظل بهاء واقفًا للحظات في مكانه، عاجزًا عن استيعاب ما سمعه.

اشتعل الغضب في عينيه، وتمتم بمرارة:

ـ ليه عملتي كده يا لينا؟

ثم اتجه بخطوات سريعة نحو غرفتها.

دخل الغرفة، فوجد جدتها وياسمين وممدوح يحيطون بلينا بقلق.

قال بهاء بصرامة:

ـ لو سمحتوا... سيبونا لوحدنا.

تبادلوا النظرات، ثم خرجوا من الغرفة وأغلقوا الباب خلفهم.

اقترب بهاء من السرير، وظلت لينا تنظر إليه بخوف، بينما كان الغضب يسيطر على ملامحه.

قال بصوت حاد:

ـ ليه يا لينا؟

ابتلعت لينا ريقها بصعوبة، وبدأت دموعها تنهمر:

ـ أنا آسفة يا جدو...

اشتد غضبه:

ـ آسفة؟!

انخفض صوت لينا وهي تبكي:

ـ أنا مكنتش أقصد أزعلك...

نظر إليها بألم وقال:

ـ يا خسارة ثقتي وتربيتي فيكي... وكمان تغضبي ربنا!

انتفضت لينا من مكانها، وقالت بسرعة وسط بكائها:

ـ لا يا جدو! أنا مغضبتش ربنا!

نظر إليها بهاء بحدة، بينما أسرعت تقول:

ـ إحنا متجوزين... عند مأذون يا جدو. والله متجوزين رسمي.

ساد الصمت للحظات، وكأن اعترافها زاد الصدمة بدلًا من أن يخففها.

اقتربت منه لينا بخطوات متعثرة، والدموع تغرق وجهها:

ـ عشان خاطري سامحني... أنا عارفة إني غلطت إني خبيت عليك، بس أنا كنت خايفة عليك من الصدمة. عاصم ملوش ذنب في اللي حصل بين عيلتنا...

ظل بهاء ينظر إليها بجمود، ثم قال بصوت قاطع:

ـ إنتِ فاكرة إنك كده هتحطيني قدام الأمر الواقع؟

ارتجفت لينا:

ـ جدو...

قاطعها:

ـ لأ يا لينا. اللي عملتيه مش هقدر أسامحك عليه.

اتجه نحو الباب، ثم توقف واستدار إليها، وقال بصوت موجوع:

ـ اطلعي من بيتي... روحي له.

شهقت لينا، وانهمرت دموعها بغزارة.

أكمل بهاء:

ـ وانسي إن ليكي جد... أو أهل.

انهارت لينا جاثية على الأرض، وأمسكت بقدميه وهي تبكي بحرقة:

ـ عشان خاطري يا جدو... متعملش فيا كده. أنا مقدرش أعيش من غيركم... ولا أقدر أبعد عنه.

ظل بهاء صامتًا، محاولًا أن يخفي ارتجاف ملامحه.

استدار بعيدًا عنها، لكن دمعة فرت من عينيه رغمًا عنه، فمسحها سريعًا.

ثم قال بصوت حاول أن يجعله قاطعًا:

ـ الكلام انتهى.

خرج من الغرفة، تاركًا لينا على الأرض تبكي بانهيار.

وبعد نحو نصف ساعة، كانت لينا لا تزال تبكي وتصرخ من شدة الألم، حتى اجتمع أفراد القصر حولها.

قالت وهي تنتحب:

ـ حد يكلمه... أنا مقدرش أبعد عنكم، ومقدرش أبعد عنه. بلاش يعمل فيا كده!

كانت ياسمين وجدتها تبكيان من أجلها، بينما وقف ممدوح حزينًا عاجزًا عن تغيير قرار بهاء.

أما فريدة ونهلة، فكانتا تتابعان المشهد بابتسامات خفية تحمل الشماتة.

اقترب ممدوح من لينا، وانحنى أمامها وقال بحزن:

ـ قومي يا حبيبتي... أوصلك.

ثم التفت إلى ياسمين وقال:

ـ ياسمين، لمي حاجتها.

لم تجبه ياسمين، وظلت دموعها تنهمر، لكنها بدأت تجمع أغراض لينا، فلا أحد يستطيع مخالفة أوامر الجد.
خرجت لينا من القصر برفقة ممدوح، ودموعها تنهمر بغزارة، بينما كانت خطواتها مثقلة بالحزن والانكسار.

فتح لها ممدوح باب السيارة، ثم انطلق بها نحو الفيلا التي جمعتها بعاصم.

كان قد أخبر عاصم بما حدث، وما إن علم بحالة لينا حتى أسرع إلى الفيلا وانتظر وصولها.

وبعد دقائق، توقفت سيارة ممدوح أمام الفيلا.

ما إن ترجلت لينا من السيارة، حتى أسرع عاصم إليها، واحتضنها بقوة.

انهارت لينا في أحضانه، وراحت تبكي بحرقة.

ظل عاصم يضمها إليه ويمسح على شعرها بحنان، بينما ابتعد ممدوح بهدوء وتركهما وحدهما.

حملها عاصم إلى الداخل، ووضعها برفق على الأريكة، لكنها ظلت تبكي وتتشبث به.

ضمها إليه وقال بحنان:

ـ حبيبتي... بطلي عياط.

رفعت لينا عينيها إليه وسط دموعها.

ابتسم عاصم محاولًا إخراجها من حزنها:

ـ إحنا لازم نحتفل.

نظرت إليه باستغراب:

ـ نحتفل؟

ضحك عاصم بسعادة:

ـ طبعًا... عشان إنتِ هتبقي أحلى أم في الدنيا.

ثم تابع بفرحة واضحة:

ـ وأنا عايز بنوتة حلوة زيك... شعرها أحمر وعيونها زرقاء.

رغم حزنها، ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه لينا.

ثم تشبثت به أكثر ودفنت وجهها في صدره، وهمست بصوت مرتجف:

ـ متسبنيش يا عاصم... ماليش غيرك.

شدد عاصم احتضانه لها وقال بحنان:

ـ إنتِ عمري كله... أهدى يا حبيبتي.

ثم قبل رأسها برفق:

ـ ونامي شوية.

---

مرّ أسبوع كامل.

خلاله حاولت لينا الاتصال بالقصر مرات كثيرة، واتصلت بجدها وجدتها وياسمين وممدوح، لكنها لم تجد أي رد.

ومع كل محاولة فاشلة، كان حزنها يزداد.

بدأت شهيتها تقل أكثر، وأصبحت بالكاد تتناول الطعام، رغم محاولات عاصم المستمرة للاهتمام بها.

وفي أحد الأيام، كانت لينا تجلس في الفيلا، حين شعرت فجأة بألم شديد أسفل بطنها.

وضعت يدها على بطنها وانكمشت ملامحها:

ـ آه... عاصم!

أسرعت الدادة إليها واتصلت بعاصم.

عاد عاصم مسرعًا، وما إن رأى وجهها الشاحب حتى اقترب منها بقلق:

ـ مالك يا حبيبتي؟

قالت بصوت متقطع:

ـ بطني بتوجعني أوي...

طلب عاصم من الدادة الاتصال بالطبيب فورًا.

وبعد دقائق، وصل الطبيب وبدأ في فحصها، لكن ملامحه تغيرت فجأة عندما لاحظ النزيف.

قال بحزم:

ـ لازم المستشفى فورًا.

حمل عاصم لينا بين ذراعيه، وانطلق بها إلى أقرب مستشفى.

وبعد الفحوصات، أخبرهم الطبيب أن الحمل توقف، وأن الجنين توفي منذ نحو يومين، وأن النزيف الشديد يستدعي تدخلًا عاجلًا.

نُقلت لينا إلى غرفة العمليات، بينما وقف عاصم خارجها، وقلبه يرتجف خوفًا عليها.

وبعد فترة خرج الطبيب، فتقدم إليه عاصم بسرعة:

ـ طمّني يا دكتور... لينا عاملة إيه؟

قال الطبيب بجدية:

ـ الحمد لله، قدرنا ننقذ حياتها... لكن للأسف الحمل انتهى.

تجمد عاصم في مكانه.

ـ والجنين؟

خفض الطبيب عينيه بحزن:

ـ للأسف... فقدناه.

ظل عاصم صامتًا، عاجزًا عن استيعاب الخبر.

منذ أسبوع فقط كان يحتضن لينا ويخبرها أنه يتمنى طفلة تشبهها...

والآن أصبح عليه أن يواجه معها أقسى خبر يمكن أن يسمعاه.
بعد مرور شهر على خروج لينا من المستشفى، ازدادت حالتها سوءًا، وأصبحت أكثر انعزالًا وحزنًا.

كان عاصم يشعر بالعجز أمام حالتها، فقرر أن يأخذها إلى باريس لمدة أسبوعين، بعيدًا عن كل ما يذكرها بالألم الذي عاشته.

حاول خلال السفر أن يخرجها من الحالة التي تعيشها، وقضى معها كل وقته، يأخذها للتنزه ويحرص على أن تستعيد ابتسامتها.

وبالفعل، بدأت لينا تستعيد حيويتها تدريجيًا، وعادت ضحكتها من جديد.

وعندما عادا إلى مصر، طلب عاصم من لينا أن يعيشا مع والدته في الفيلا الكبيرة، حتى لا تبقى وحدها أثناء انشغاله.

وافقت لينا، وانتقلت معه إلى الفيلا.

لكن الحياة مع نجاة لم تكن سهلة.

كانت والدته تسمعها من وقت لآخر كلمات تضايقها وتجرحها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالإنجاب.

ومع ذلك، كانت لينا تخفي الأمر عن عاصم، لأنها تعلم جيدًا مدى حبه لوالدته، ولم تكن تريد أن تكون سببًا في حدوث خلاف بينهما.

مرت سنة كاملة دون أن يحدث حمل.

لم يستسلم عاصم، فأخذ لينا إلى الأطباء واحدًا تلو الآخر، داخل مصر وخارجها، ولم يترك طبيبًا يمكن أن يمنحهما أملًا إلا وذهب إليه معها.

لكن كل المحاولات باءت بالفشل.

مرت سنتان...

ثم ثلاث سنوات كاملة.

ثلاث سنوات من الانتظار، والأمل، والخذلان.

وفي النهاية، جلس عاصم إلى جوار لينا، وأمسك يدها بحنان.

نظر إليها طويلًا، ثم قال بهدوء:

ـ كفاية يا لينا... مش هنروح لدكاترة تاني.

نظرت إليه بدهشة:

ـ ليه؟

ابتسم عاصم ابتسامة هادئة، وضغط على يدها:

ـ لأننا عملنا كل اللي نقدر عليه. سيبيها على ربنا... لو ربنا أراد، هيحصل.

امتلأت عينا لينا بالدموع، لكنها ابتسمت وهي تشد على يده.

ـ عندك حق.

ضمها عاصم إليه، وقال بحنان:

ـ أنا مش محتاج حاجة غير إنك تكوني بخير. إنتِ أهم عندي من أي حاجة في الدنيا.
مرت الأيام بعد قرار عاصم، واستقرت حياتهما على هدوء حذر، حتى جاءت سارة ذات يوم وجلست إلى جوار لينا.

ترددت سارة للحظات، ثم قالت:

ـ لينا... أنا سمعت عن دكتور جديد، بيشتغل مع حالات زي حالتك، وناس كتير بتشكر فيه.

نظرت إليها لينا بتردد:

ـ دكتور تاني؟

أومأت سارة:

ـ أيوه، بس أنا عارفة إنك تعبتِ من الدكاترة والعلاج، عشان كده بقولك براحتك.

سكتت لينا للحظات، ثم قالت:

ـ عاصم خلاص قرر إننا مش هنروح لدكاترة تاني... وقال هنسيبها على ربنا.

ابتسمت سارة بهدوء:

ـ وأنا مش بقولك تعملي حاجة غلط. ومش لازم تقولي لعاصم أصلًا.

رفعت لينا عينيها إليها بدهشة.

أكملت سارة:

ـ جربي لوحدك. ولو محصلش حمل، مش هتخسري حاجة... على الأقل هتعرفي إنك حاولتي للمرة الأخيرة.

ظلت لينا صامتة، تفكر في كلامها.

كانت تخشى أن تتمسك بأمل جديد ثم ينكسر قلبها مرة أخرى، لكنها في الوقت نفسه لم تستطع تجاهل الفرصة.

وبعد لحظات، أومأت برأسها ببطء.

ـ ماشي... هجرب.

بدأت لينا رحلة العلاج في سرية تامة، وكانت تذهب إلى الطبيب دون أن تخبر عاصم بأي شيء.

مر شهر...

ثم شهر آخر...

ثم شهر ثالث.

وخلال تلك الفترة، كانت تلتزم بالعلاج والمتابعة، حتى بدأت تشعر بتغيرات غريبة في جسدها.

وفي أحد الأيام، أجرت الفحوصات، لتظهر النتيجة التي لم تكن تتوقعها.

ظلت تحدق في التقرير، وعيناها تمتلئان بالدموع.

كانت النتيجة إيجابية.

لينا... حامل.

وضعت يدها على فمها، وانهمرت دموعها من شدة الفرح، بينما ارتجفت ابتسامتها.

بعد ثلاث سنوات من الانتظار...

عاد الأمل من جديد.

ذهبت لينا فورًا إلى الشركة لتخبر عاصم بالخبر بنفسها، فقد كانت تريد أن ترى الفرحة في عينيه لحظة يعرف أنه سيصبح أبًا من جديد.

ما إن وصلت إلى الشركة، توجهت إلى مكتب السكرتيرة غادة، وسألتها:

ـ عاصم جوه؟

أجابتها غادة باحترام:

ـ أيوه يا مدام لينا، بس عنده اجتماع وهينتهي بعد ربع ساعة تقريبًا.

قالت لينا:

ـ تمام، أنا هستناه في مكتبه.

ثم اتجهت إلى مكتب عاصم ودخلت، وأغلقت الباب خلفها.

لم تمر سوى لحظات حتى رن هاتفها.

نظرت إلى الشاشة، فوجدت اسم سارة.

أجابت بسرعة، وما إن جاءها صوت صديقتها حتى قالت بفرحة لم تستطع إخفاءها:

ـ أنا لحد دلوقتي مش مصدقة اللي حصل يا سارة!

ضحكت سارة بسعادة:

ـ ألف مبروك يا حبيبتي! أنا فرحانة لكِ أوي.

جلست لينا على الأريكة، ووضعت يدها على بطنها:

ـ أنا كمان... مش عارفة أصدق إن بعد كل السنين دي، ربنا عوضني.

ثم قالت بحماس:

ـ أنا عند عاصم في المكتب... أول ما يخلص اجتماعه هقوله. هيطير من الفرحة لما يعرف إنه هيبقى أب.

صمتت سارة للحظة، ثم قالت فجأة:

ـ استني... عندي فكرة أحلى.

ـ إيه؟

قالت سارة بحماس:

ـ ما تقوليش له دلوقتي.

عقدت لينا حاجبيها باستغراب:

ـ يعني إيه؟

ـ خليها مفاجأة عيد ميلاده. تخيلي وشه هيكون عامل إزاي لما يعرف في اليوم ده إن أمنيته اللي استناها سنين اتحققت!

اتسعت عينا لينا، ثم قالت بحماس:

ـ عندك حق... فكرة جنان!

وأضافت بضحكة خفيفة:

ـ أنا من الفرحة مش عارفة أفكر أصلًا.

قالت سارة:

ـ طيب يلا تعالي قابليني، نخطط للمفاجأة سوا.

ردت لينا:

ـ دقائق وهكون عندك.

أنهت المكالمة، وأخذت حقيبتها، ثم خرجت من مكتب عاصم.

توقفت أمام مكتب غادة وقالت:

ـ غادة، مفيش داعي تقولي للدكتور عاصم إني جيت. أنا هبلغه بنفسي لما يحين الوقت.

أومأت غادة:

ـ حاضر يا مدام لينا.

خرجت لينا مسرعة من الشركة، متجهة إلى سارة، وهي تفكر بحماس في المفاجأة التي ستجهزها لعاصم بمناسبة عيد ميلاده.

وفي اللحظة نفسها تقريبًا، كانت خطوات شخص آخر تتجه نحو الشركة...

شخص لم تكن لينا تعلم أنه على وشك أن يضع نهاية مأساوية لكل تلك الفرحة.
خرجت لينا مسرعة من الشركة، دون أن تنتبه إلى العيون التي كانت تراقب تحركاتها منذ فترة.

استقلت سيارتها، واتجهت إلى أحد المقاهي التي اتفقت مع سارة على مقابلتها فيه.

وبعد دقائق، وصلت لينا إلى المكان، فوجدت سارة في انتظارها.

اقتربت منها وهي تقول بفرحة لم تستطع إخفاءها:

ـ سارة!

نهضت سارة من مكانها، واحتضنتها بسعادة:

ـ ألف مبروك يا لينا!

جلستا معًا، وسرعان ما أخرجت سارة بعض الأوراق وقلمًا من حقيبتها، ثم قالت بحماس:

ـ يلا بينا نبدأ نخطط للمفاجأة.

ضحكت لينا:

ـ أنا لحد دلوقتي مش مصدقة إني هفاجئ عاصم بالحمل يوم عيد ميلاده.

ابتسمت سارة وقالت:

ـ عشان كده لازم الهدية تطلع على مستوى المفاجأة.

أخرجت لينا نتيجة التحليل، وظلت تنظر إليها بسعادة، ثم قالت:
ـ دي لازم تكون أول حاجة في الظرف.

أومأت سارة:

ـ طبعًا، ومعاها صور السونار.

وضعت لينا يدها على قلبها، وقالت بحماس:

ـ وصورة السونار دي هتبقى أهم حاجة عنده.

ثم أخذت القلم وبدأت تكتب في ورقة أمامها حتى لا تنسى أي تفصيلة.

قالت وهي تعدد الأشياء:

ـ تحليل الحمل... صور السونار... والرسالة.

سألتها سارة:

ـ والرسالة هنكتب فيها إيه؟

فكرت لينا للحظات، ثم ابتسمت:

ـ عايزة أكتب له حاجة تخليه يفهم المفاجأة من أول ما يفتح الظرف.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم بدأت تكتب:

ـ «كل سنة وأنت طيب يا حبيبي...»

توقفت لحظة، ثم أكملت:

ـ «السنة دي عيد ميلادك مختلف... لأن أجمل هدية في حياتنا جاية في الطريق.»

نظرت إلى سارة، ثم أضافت بسعادة:

ـ وفي الآخر أكتب: «بابا... أنا جاي.»

اتسعت ابتسامة سارة:

ـ حلوة أوي! دي هتخليه ينهار من الفرحة.

ضحكت لينا وهي تمسح دمعة فرح فرت من عينيها:

ـ أنا عايزة أشوف وشه لحظة ما يقرأها.

قالت سارة بحماس:

ـ خلاص، نجيب ظرف شيك جدًا، ونخلي المحل يغلف الهدية بطريقة مميزة، ويحط الكارت بخط مزخرف.

أومأت لينا بسرعة:

ـ أيوه... وعايزة الظرف يكون أنيق ومميز، لأنه هيحتفظ بيه.

قالت سارة:

ـ أنا أعرف محل هدايا بيعمل تغليف تحفة، وكمان ممكن يكتبوا الكلام بخط جميل ويحطوا الهدية كلها في بوكس شيك.

ابتسمت لينا:

ـ تمام... يلا بينا نروح لهم.

جمعت لينا الأوراق والتحليل والصور، ووضعتها بعناية داخل حقيبتها.

ثم نظرت إلى سارة وقالت:

ـ بس أهم حاجة... محدش يعرف حاجة عاصم لازم تكون مفاجأة عيد ميلاده.

ابتسمت سارة:

ـ متقلقيش، السر هيفضل بينا.

نهضتا من مكانهما، واتجهتا معًا إلى محل الهدايا، بينما كانت لينا تحمل في قلبها فرحة لم تكن تعلم أن هناك من يراقب خطواتها ويترقب تلك المفاجأة منذ اللحظة التي خرجت فيها من الشركة.
وما أن وصلا محل الهدايا 

دخلتا المحل، وبدأتا تختاران تفاصيل الهدية بعناية.

اختارت لينا بوكسًا أنيقًا، وكارتًا مناسبًا، ثم شرحت للعامل طريقة التغليف التي تريدها.

قالت سارة:

ـ أهم حاجة الكارت يتكتب بنفس الخط اللي اخترناه.

أومأت لينا:

ـ أيوه، عايزاه يبقى مميز جدًا.

ثم أعطته الورقة التي كتبت عليها نص الرسالة، وقالت:

ـ الكلام ده يتكتب في الكارت، بنفس الترتيب.

أخذ العامل الورقة منها:

ـ حاضر يا مدام.

سألته لينا:

ـ والهدية هتكون جاهزة إمتى؟

أجابها العامل:

ـ تحبي تستلميها إمتى؟

قالت دون تردد:

ـ بعد أسبوعين... يوم عشرين.

أومأ العامل:

ـ حاضر، هتكون جاهزة يوم عشرين.

ابتسمت لينا وهي تنظر إلى سارة:

ـ يوم عيد ميلاده.

قالت سارة بسعادة:

ـ يبقى كده كل حاجة تمام.

غادرت لينا وسارة المحل، بينما احتفظت لينا بنتيجة التحليل وصور السونار داخل حقيبتها، وهي لا تزال تفكر في اللحظة التي ستضع فيها الهدية بين يدي عاصم.

لكنها لم تكن تعلم أن هناك عينًا كانت تتابع كل خطوة.

---

بعد مغادرتهما بدقائق، دخل الرجل إلى المحل.

توجه إلى العامل ووضع أمامه مبلغًا كبيرًا من المال.

ـ عايز نفس البوكس اللي الست اختارته من شوية.

نظر إليه العامل باستغراب:

ـ نفس البوكس؟

ـ نفس البوكس، نفس الكارت، نفس التغليف... كل حاجة بالظبط.

ثم أخرج ورقة من جيبه ووضعها أمامه.

ـ والكلام ده يتكتب بنفس الخط اللي طلبته المدام للكارت.

تردد العامل:

ـ بس حضرتك...

وضع الرجل مبلغًا آخر أمامه وقال:

ـ الفلوس مش مشكلة. المهم ما يكونش فيه أي اختلاف.

نظر العامل إلى الورقة، ثم إلى المال، وأومأ:

ـ حاضر.

ـ والهدية تكون جاهزة يوم عشرين.

ـ حاضر.

غادر الرجل المحل، بينما بدأ العامل في تنفيذ طلبه.

---

مرّ الأسبوعان سريعًا، حتى جاء يوم عشرين...

يوم عيد ميلاد عاصم.

وصلت لينا إلى محل الهدايا لاستلام الهدية التي أعدتها لعاصم.

تسلّمت البوكس، وتأكدت من التغليف والكارت، ثم غادرت وهي تضم الهدية إلى صدرها بسعادة.
كانت نتيجة التحليل وصور السونار معها، وستضعهما داخل البوكس بنفسها قبل أن تقدمه لعاصم.
لم تكن تعلم أن نسخة أخرى مطابقة تمامًا لبوكسها قد خرجت من المحل قبلها...
نسخة تحمل داخلها شيئًا آخر تمامًا.
وبينما كانت لينا تتجه إلى حفلة عيد ميلاد عاصم، كانت تحمل بين يديها مفاجأة ظنت أنها ستكتب بها بداية أجمل فصل في حياتهما.
لكنها لم تكن تعلم أن تلك الهدية ستكون بداية النهاية...
تعليقات



<>