رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الثامن عشر18 بقلم ليلي طاهر

رواية نارين بين الحب والوجع بقلم ليلي طاهر
رواية نارين بين الحب والوجع الفصل الثامن عشر18 بقلم ليلي طاهر
دوت صفارات سيارة الإسعاف لتخترق الصمت المتجمد الذي غلف عقل لينا.

كانت ما تزال جاثية على ركبتيها، وعاصم فاقد الوعي مستندًا إليها، بينما عيناها معلقتان به في ذهول تام، وملابسها غارقة في دمائه.

اندفع طبيب الإسعاف مع المسعفين نحوه، وأمسك بمعصمه ليفحص نبضه سريعًا.

قال بحزم:

ـ النبض ضعيف! دخلوه الإسعاف فورًا!

تحرك المسعفون بسرعة، ورفعوا عاصم على المحفة، بينما ظلت لينا في مكانها كأنها لم تسمع شيئًا.

تحركوا به نحو سيارة الإسعاف، وفتح أحد المسعفين الباب الخلفي، ثم بدأوا في إدخاله.

وفجأة...

استفاقت لينا من صدمتها.

انتفضت واقفة، واندفعت خلفهم تركض بكل قوتها وهي تصرخ:

ـ عاصم!

ثم أسرعت نحو سيارة الإسعاف، وقبل أن يغلق المسعف الباب، صعدت خلفه دون تردد.

ـ أنا جاية معاكم! مش هسيبه!

أُغلق باب الإسعاف، وانطلقت السيارة بأقصى سرعة نحو أحد مستشفيات الإسكندرية.

وفي الوقت نفسه، كان شريف قد أخرج هاتفه واتصل بمراد، يخبره بما حدث لعاصم.

وما إن سمع مراد الخبر حتى أصابه الذعر، وأسرع بإخبار والدته وشقيقته.

في قصر المصري...

كانت ياسمين تقف في الطابق العلوي ممسكة بهاتفها، حين وقعت عيناها على خبر صادم ينتشر كالنار في الهشيم على فيسبوك.

شهقت برعب، وتيبست ملامحها وهي ترى صور الحادث، وتلمح لينا بوضوح وسط الفوضى، بملابس غارقة في الدماء.

لم تتمالك نفسها، فاندفعت تهبط الدرج بسرعة وهي تصرخ:

ـ ممدوح! ممدوح!

دوى صراخها في أرجاء القصر، فهرع الجميع نحو البهو، وخرج ممدوح من مكتب الجد مسرعًا، بينما ظهر بهاء الدين عند باب مكتبه، يتابع الموقف بوجوم.

وصلت ياسمين إليهم وأنفاسها متلاحقة، ومدت يدها المرتجفة بالهاتف نحو ممدوح:

ـ شوف الخبر ده... دي لينا! لينا في إسكندرية وحصلت مصيبة!

انتزع ممدوح الهاتف من يدها، وقرأ عنوان الخبر بسرعة:

«إصابة خطيرة للدكتور عاصم الرشيد، صاحب شركة الرشيد للدعاية والإعلان، إثر حادث بقرية سياحية في الإسكندرية، بعد محاولته إنقاذ إحدى المتدربات».

وما إن وقع اسم «شركة الرشيد» على مسامع بهاء، حتى تجمدت ملامحه.

انقبض فكه، وقبض يده بشدة حتى ابيضت مفاصل أصابعه، لكنه لم ينطق بكلمة واحدة.

ظل صامتًا لثوانٍ، ثم التفت إلى ممدوح وقال بصوت حاسم:

ـ ممدوح... احجزلي طيارة خاصة حالًا لإسكندرية!

أسرع ممدوح يهز رأسه:

ـ حاضر يا جدي.

استدار بهاء الدين نحو الباب بخطوات سريعة، بينما ظل الغضب الغامض يشتعل في عينيه.

كان عليه أن يصل إلى الإسكندرية... وبأسرع وقت.

مرت ساعتان ثقيلتان كأنهما دهر، بينما ظلت لينا جالسة أمام باب غرفة العمليات، شاردة تمامًا، لا تستجيب لكلام سارة ولا شريف.

وبعد وقت، خرجت ممرضة من الممر القريب، فتقدمت منها سارة بسرعة:

ـ لو سمحتي... الدكتور عاصم حالته إيه؟

ابتسمت الممرضة مطمئنة:

ـ الحمد لله، العملية خلصت وحالته مستقرة، ونقلوه لغرفة الإفاقة تحت المراقبة.

رفعت لينا عينيها إليها بسرعة، وقالت بصوت مرتجف:

ـ ممكن أشوفه؟

وفي تلك اللحظة، مر الطبيب من أمامهم، فأسرعت لينا نحوه:

ـ يا دكتور... ممكن أشوف عاصم؟

توقف الطبيب وأومأ:

ـ ممكن، بس خمس دقايق بس.

ثم التفت إلى الممرضة:

ـ دخليها بعد ما تتعقم.

ـ حاضر يا دكتور.

وبعد دقائق، اصطحبت الممرضة لينا إلى غرفة الإفاقة، حيث كان عاصم مستلقيًا على السرير، محاطًا بأجهزة المراقبة.

اقتربت منه لينا بخطوات مرتجفة، وجلست إلى جواره، ثم أمسكت يده بين يديها.

انهمرت دموعها وهي تهمس:

ـ عاصم... قوم عشان خاطري، متسبنيش.

سكتت لحظة، ثم ابتسمت وسط دموعها:

ـ أنا دلوقتي اتأكدت... اتأكدت إني بحبك.

وضغطت على يده برفق:

ـ بحبك يا مغرور... ومقدرش أعيش من غيرك.
اقتربت الممرضة منها بهدوء:

ـ خلاص يا آنسة، الوقت انتهى.

نظرت لينا إلى عاصم، وضغطت على يده للمرة الأخيرة، ثم همست:

ـ هفضل مستنياك... متتأخرش عليا.

انسحبت من جواره بخطوات ثقيلة، ثم خرجت من غرفة الإفاقة.

وما إن وصلت إلى الممر حتى وجدت سارة وشريف ورانيا في انتظارها.

كانت عيناها حمراوين من شدة البكاء، لكنها بدت أكثر هدوءًا بعدما اطمأنت عليه.

وفي تلك اللحظة، وصلت عائلة عاصم إلى المستشفى، فاندفعت نجاة ومديحة وشاهندة نحو الممر بقلق شديد.

وما إن وقعت عينا نجاة على لينا بملابسها الملطخة بالدماء، حتى أسرعت إليها وأمسكت بكتفيها:

ـ عاصم فين؟! ابني جرى له إيه؟!

ظلت لينا صامتة، عاجزة عن الرد، بينما خرج الطبيب في تلك اللحظة من الممر، فتوجهت إليه نجاة بسرعة:

ـ يا دكتور... طمنا على ابني.

وبينما انشغلت نجاة بالطبيب، ابتعدت لينا عن المكان برفقة سارة.

لكنها لم تكن تعلم أن شخصًا آخر كان قد وصل إلى المستشفى في تلك اللحظة...

بهاء الدين المصري.

كان برفقة ممدوح، وما إن وقعت عيناه على لينا حتى توقف مكانه للحظات.

أما لينا، فما إن رأته حتى انهارت كل مقاومتها، واندفعت نحوه، وارتمت في أحضانه وهي تبكي بحرقة.

ضمها بهاء الدين إليه بقوة، وراح يربت على ظهرها دون أن يسألها شيئًا.

ثم أخذها معه وغادر المستشفى.

وبعد وصولهما إلى الفندق، دخلت لينا غرفتها لتغير ملابسها، بينما ظل بهاء وممدوح في الخارج.

وبعد دقائق، خرجت لينا بملابس نظيفة، فتوجه إليها بهاء:

ـ يلا يا لينا.

نظرت إليه باستغراب:

ـ على فين يا جدو؟

ـ هنرجع القاهرة.

هزت لينا رأسها فورًا:

ـ لأ... أنا مش هرجع.

عقد بهاء حاجبيه باستغراب:

ـ يعني إيه؟

قالت لينا والدموع تلمع في عينيها:

ـ عايزة أفضل هنا.

ـ وليه؟

أخذت نفسًا مرتجفًا وقالت:

ـ عشان عاصم... أنا لازم أفضل لحد ما أطمن عليه.

ظل بهاء ينظر إليها باستغراب، غير قادر على فهم سبب تمسكها الشديد بالبقاء.

فأكملت لينا بصوت مكسور:

ـ إزاي أسيبه وأمشي يا جدو؟ هو ضحى بحياته عشاني... كان ممكن يموت عشان ينقذني أنا.

صمت بهاء، وظلت عيناه معلقتين بوجهها.

أما لينا فمسحت دموعها وقالت بإصرار:

ـ أنا مش هسيبه... لازم أفضل هنا لحد ما يفوق.
ــــــــ
فى المستشفى بعد مرور يوم كامل واستقرار حالته تمامًا، زال أثر التخدير وبدأ عاصم يستعيد عافيته وقدرته على الكلام.

كانت عائلته تلتف حول سريره في غرفته بالمستشفى، بينما كانت عيناه تتنقلان بلهفة وقلق بين أركان الغرفة والباب، وكأنه يبحث عن شخص بعينه.

فمنذ أن أفاق، وصدى ذلك الهمس الباكي والدافئ يتردد في عقله كالحلم:

«أنا بحبك... ومقدرش أعيش من غيرك.»

لاحظت والدته نجاة نظراته الحائرة، فاقتربت منه وقالت بقلق وحنان:

ـ مالك يا عاصم؟ من ساعة ما فُقت وأنت مش معانا خالص، ومُسَهِّم وباصص ناحية الباب... أنت لسه تعبان يا حبيبي؟ أنده لك الدكتور؟

حرّك عاصم رأسه ببطء وقال بصوت متحشرج:

ـ لا يا أمي... مفيش حاجة، أنا كويس.

نظرت إليه نجاة بعدم تصديق، وقالت:

ـ أومال مالك؟ كأنك مستني حد أو بتدور على حد!

قاطعتها شاهندة بغيظ وتهكم:

ـ أكيد مستني الست هانم خطيبته!

التفت عاصم إليها باستغراب واضح:

ـ خطيبتي؟

قالت شاهندة بسخرية:

ـ أيوه، خطيبتك... دي ما كلفتش خاطرها حتى تستنى لما تفوق.

ثم أضافت:

ـ أول ما صاحبتها جت وقالت لها: «يلا يا لينا... نرجع الأوتيل عشان تغيري الهدوم دي»، ما صدقت ولفت وشها ومشيت معاها.

اتسعت عينا عاصم بذهول ما إن سمع اسمها.

ـ لينا؟

تبادلت نجاة ومديحة وشاهندة النظرات، بينما ظل عاصم صامتًا للحظات.

تجمعت خيوط الصورة في عقله فجأة.

لينا...

هي إذًا المقصودة.

تذكّر ذلك الصوت الباكي والدافئ الذي وصل إلى سمعه وهو لا يزال تحت تأثير التخدير، دون أن يعرف وقتها صاحبة الصوت.

الآن فقط فهم أن ذلك الصوت كان صوتها.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، ثم اتسعت تدريجيًا حتى غمرت ملامحه فرحة لم يستطع إخفاءها.

راقبته نجاة باستغراب، بينما تبادلت مديحة وشاهندة النظرات في حيرة.

أما عاصم، فلم يقل شيئًا.

فقط ظل يبتسم، وكأن كلمة «خطيبته» لم تزعجه هذه المرة...

بل أسعدته أكثر مما ينبغي.
أما في الفندق...

تصلبت ملامح الجد بهاء بمجرد أن سمع جملتها، وضيق عينيه وهو ينظر إلى حفيدته بنظرات ثاقبة، كأنه يقرأ أعماقها.

تراجع خطوة إلى الوراء، وساد صمت ثقيل وهو يزن هذا العناد الغريب في عقله؛ فلينا طوال عمرها لم تقف في مواجهته أو تكسر له كلمة بمثل هذا الإصرار المستميت.

ظل يتأملها للحظات، يراقب دموعها ونبرة صوتها وهي تتحدث عن عاصم، وإصرارها الشديد على البقاء إلى جواره حتى يفيق.

وفي تلك اللحظات من التفكير، تبددت شكوك الجد وبدأ يفهم حجم المشكلة الحقيقي؛ أدرك أن الموضوع لم يعد مجرد «امتنان» لشخص أنقذ حياتها، بل تطور وأصبح أكبر وأخطر من ذلك بكثير.

لقد فهم يقينًا أن حفيدته وقعت في حب هذا الفتى، وأن هذا الأمر يجب أن يوضع له حد فورًا قبل أن يتفاقم.

كتم ثورته وغضبه العارم بذكاء داهية، وبدأ يرتب في ذهنه ما سيفعله.

سيذهب بنفسه إلى المستشفى...

سيطمئن على عاصم، ثم سيطلب منه الابتعاد عن حفيدته نهائيًا، وسيضع حدًا لهذه العلاقة قبل أن تتجاوز أي حدود أخرى.

ظل يفكر للحظات، ثم أخفى كل ما يدور بداخله خلف ملامح هادئة، ونظر إليها وقال بصوت منخفض حاد:

ـ ماشي يا لينا... أنا كمان هروح المستشفى عشان أطمن عليه بنفسي... يلا بينا.

تحركوا جميعًا فورًا نحو المستشفى، وما إن توقفت السيارة أمام المدخل حتى فتحت لينا الباب ونزلت بسرعة.

التفتت إلى جدها وقالت:

ـ أنا هسبقكم على ما تركنوا العربية.

لم تنتظر ردًا، وأسرعت نحو مدخل المستشفى بخطوات متلهفة، بينما تحرك بهاء وممدوح خلفها بعد أن أوقفا السيارة.

صعدت لينا إلى الطابق الذي توجد به غرفة عاصم، وقلبها يخفق بشدة.

وقفت أمام الباب للحظات، ثم رفعت يدها وطرقت بخفة.

جاءها صوت من الداخل:

ـ ادخل.

فتحت لينا الباب ودخلت بخطوات مترددة، وما إن وقعت عيناها على عاصم المستلقي على السرير حتى شعرت بغصة في حلقها.

كان عاصم مستلقيًا بهدوء، وملامحه لا تزال تحمل أثر التعب، لكنه بدا أفضل بكثير.

تعلقت عيناه بها فور دخولها، وظل ينظر إليها للحظات، بينما شعرت هي بحرج شديد تحت نظرات نجاة ومديحة وشاهندة.

لاحظت نجاة نظرات ابنها نحو لينا، وفهمت على الفور أنه يريد أن يخلو بها.

لم تُظهر أي تعاطف زائد، واكتفت بأن قالت بهدوء:

ـ يلا يا جماعة... ننزل نشرب حاجة تحت.

تحركت نجاة، وتبعها الجميع، بينما بقيت لينا مكانها.

وما إن أُغلق الباب حتى تقدمت نحو عاصم بخطوات مترددة، وجلست إلى جواره، ثم مدت يدها المرتجفة وأمسكت بكفه.

قالت بصوت متهدج:

ـ عاصم... طمني عليك، أنا عشت أصعب ساعات في حياتي وأنا مستنية الباب ده يفتح ويقولوا لي إنك بخير.

نظر عاصم إلى عينيها المتورمتين من البكاء، وضغط على يدها برفق.

ـ أنا كويس يا لينا... متخافيش.

ساد الصمت للحظات، قبل أن يقول بصوت خافت:

ـ بس أنا مش مستوعب اللي حصل لي يا لينا... ولا مستوعب نفسي.

رفع عينيه إليها، وتابع:

ـ أنا طول عمري إنسان عقلاني، كل خطوة في حياتي بحساب، وعمري ما تخيلت إن فيه شخص ممكن يملك القدرة إنه يقلب كياني وتفكيري بالشكل ده.

تنفس ببطء، ثم قال:

ـ مكنتش متوقع أبدًا إن الخناقات والعناد وكل اللي مر بينا كان بيحفر جوايا حاجة تانية خالص... حاجة أنا كنت بتجاهلها وعامل نفسي مش شايفها.

تعلقت عيناه بعينيها، وقال بصوت أكثر صدقًا:

ـ بس لما لقيت نفسي في لحظة بين الحياة والموت، وفكرة إني ممكن أفتح عيني والدنيا دي ملقيكيش فيها... حسيت برعب حقيقي وعرفت قيمتك في قلبي.

ضغط على يدها برفق:

ـ خفت أروح من الدنيا قبل ما أصلح كل اللي انكسر بينا... أنا مفيش حد قدر يهد دفاعاتي ويبعثر ثباتي زيك... أنا...

تعلقت عيناه بعينيها، وارتعشت شفتاه وهو يهمس:

ـ بح...

قاطعه طرق قوي على الباب.

انتفضت لينا في مكانها، بينما التفت عاصم نحو الباب بضيق، قبل أن يُفتح فجأة، وظهر بهاء الدين أمامهما بملامحه الصارمة.

نظر بهاء إلى حفيدته وقال بنبرة حاسمة:

ـ لينا... سيبيني أنا والدكتور عاصم لوحدنا شوية.

نظرت لينا إلى عاصم بقلق وخيبة أمل، ثم إلى جدها، لكنها لم تجرؤ على مخالفته.

نهضت بهدوء، وخرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها.

التفت بهاء إلى عاصم، وتحولت ملامحه إلى كتلة من الجليد.

تقدم نحوه وقال بصوت حاد:

ـ اسمع يا ابن الرشيد... أنا عمري ما هحط إيدي في إيد ابن الراجل اللي كان السبب في موت ابني وبنتي وجوزها، اللي كنت بعتبره زي ابني.

اتسعت عينا عاصم في صدمة، وحاول أن يتحدث:

ـ بس أنا...

قاطعه بهاء بصرامة:

ـ مش عايز أسمع منك حاجة.

ثم قال بحدة:

ـ أنا مش هسمح لك تقرب من حفيدتي، ولا هسمح للعلاقة دي تستمر.

ثبت عينيه في عينيه وأضاف:

ـ ابعد عن لينا... واعتبر ده أول وآخر تحذير ليك.

استدار بهاء وغادر الغرفة دون أن ينتظر ردًا.

ظل عاصم مكانه، يحدق في الباب بذهول، عاجزًا عن استيعاب ما سمعه للتو.

خرج بهاء إلى الممر، وأمسك بذراع لينا بحزم، ثم التفت إلى ممدوح وقال:

ـ ممدوح! جهز العربية والطيارة فورًا... هنرجع القاهرة حالًا ومفيش قعاد هنا دقيقة واحدة تانية!

ـ حاضر يا جدي.

سحب بهاء لينا معه، بينما ظلت تنظر إليه بدموع وحيرة، غير قادرة على فهم ما دار خلف الباب المغلق.

أما عاصم، فبقي وحده في الغرفة، وكلمات بهاء تتردد في رأسه، بينما كان الماضي الذي لا يعرف عنه شيئًا يقترب منه لأول مرة بكل ثقله.
خرج بهاء من غرفة عاصم، وأغلق الباب خلفه، ثم التفت إلى ممدوح بنظرة حاسمة وقال:

ـ ممدوح... خد لينا وحصلني على العربية.

ـ حاضر يا جدي.

ثم نظر بهاء إلى لينا:

ـ يلا.

هزت لينا رأسها بسرعة، وقالت بإصرار:

ـ لأ يا جدو... أنا هفضل هنا.

ثبت بهاء عينيه عليها للحظات، ثم قال ببرود:

ـ لأ. هترجعي معايا.

ـ بس يا جدو...

قاطعها بحسم:

ـ مفيش بس.

ثم التفت إلى ممدوح:

ـ ممدوح.

فهم ممدوح الأمر فورًا، واتجه نحو لينا:

ـ يلا يا حبيبتي.

تراجعت لينا خطوة وقالت بضيق:

ـ ـ ممدوح... أنا مش هقدر أرجع دلوقتي.
تنهد ممدوح وقال لها بحنان:

ـ يا حبيبتي، ما تعمليش فيا كده. إنتِ عارفة إني معنديش بديل... لازم ترجعي.

ظلت لينا تنظر ناحية باب غرفة عاصم، بينما قال ممدوح:

ـ يلا يا لينا... جدك مستني.
بمجرد أن انغلق الباب بعنف خلف بهاء، ساد الغرفة صمت خانق.

ظل عاصم مستلقيًا على سريره، جسده لا يزال منهكًا من أثر الجراحة، لكن الألم الجسدي لم يعد يعني له شيئًا أمام الكلمات التي أخذت تتردد في رأسه بلا رحمة:

«ابن الراجل اللي كان السبب في موت بنتي وجوزها...»

فتح عينيه ببطء، وعقد حاجبيه في حيرة.

والده...

كيف يمكن للرجل الذي عرفه طوال حياته بالهدوء والحكمة أن يكون سببًا في موت شخصين؟

ضغط عاصم على زر استدعاء الممرضة، وما إن حضرت حتى قال بصوت متعب:

ـ لو سمحتي، ممكن تنادي والدتي نجاة هانم؟ عايزها ضروري.

بعد دقائق، دخلت نجاة الغرفة بخطوات سريعة، واقتربت منه بقلق:

ـ مالك يا عاصم؟ طلبتني ليه؟

ثبت عاصم عينيه عليها للحظات، ثم سأل مباشرة:

ـ أمي... بابا زمان كان يعرف واحد اسمه محمود الجابري؟

تغيرت ملامح نجاة، وحاولت استرجاع ذكريات قديمة تعود لأكثر من خمسة وعشرين عامًا.

ـ محمود الجابري؟

أومأ عاصم:

ـ أيوه.

فكرت قليلًا، ثم قالت:

ـ أيوه، أعرف الاسم ده. كان شاب سوري، مش مصري... وأمه كانت روسية. جه مصر عشان كان بيحب بنت مصرية، وأبوها رفض جوازهم، فقرر يستقر هنا بدل ما يرجع بلده.

صمتت لحظة، ثم تابعت:

ـ على حد علمي، هو وأبوك دخلوا في شراكة زمان، وكان بينهم شغل كبير... لكن بعد فترة، سمعت إن محمود تعب فجأة ومات.

تعلقت عينا عاصم بها:

ـ ومات إزاي؟

هزت نجاة رأسها:

ـ معرفش. أبوك عمره ما كان بيحب يحكي تفاصيل شغله، وأنا مكنتش بتدخل في أموره.
ثم نظرت إليه بقلق:

ـ بس إنت بتسأل ليه؟ إيه اللي فكرك بمحمود الجابري دلوقتي؟

أخفض عاصم عينيه للحظة، ثم قال باقتضاب:

ـ ولا حاجة... مجرد حاجة افتكرتها.

لم تقتنع نجاة تمامًا، لكنها لم تضغط عليه.

أضاف عاصم:

ـ ممكن تسيبيلي تليفونك شوية؟ تليفوني ضاع، وعايز أعمل مكالمة ضرورية.

ناولته نجاة هاتفها، ثم خرجت من الغرفة بعد أن اطمأنت عليه.

وما إن انغلق الباب، حتى أمسك عاصم بالهاتف، وظل يبحث عن الرقم الذي يريده حتى وجده.

ضغط على زر الاتصال.

بعد لحظات، جاءه صوت سليم من الطرف الآخر:

ـ ألو... نجاة هانم؟

جاءه صوت عاصم بدلًا منها، هادئًا لكنه حازم:

ـ سليم... أنا عاصم.

ـ أهلًا بحضرتك يا دكتور عاصم.

قال عاصم بنبرة حاسمة:

ـ اسمعني كويس يا سليم.

ـ حاضر يا دكتور.

ـ عايزك تدورلي على أي موظف قديم اشتغل مع والدي من حوالي خمسة وعشرين سنة.

صمت سليم لحظة، ثم قال:

ـ موظفين قدام؟ دكتور عاصم، الشركة القديمة اتقفلت من سنين، والناس دي أكيد...

قاطعه عاصم بحسم:

ـ دور.

ـ حاضر، بس...

ـ دور في كل حاجة. الدفاتر القديمة، ملفات الموظفين، التأمينات، السجلات... أي مكان ممكن يوصلك لحد كان موجود وقت شراكة والدي مع محمود الجابري.

ساد الصمت للحظات.

ثم قال سليم:

ـ حاضر يا دكتور... هعمل اللي أقدر عليه.

أغمض عاصم عينيه، وقال بصوت منخفض:

ـ مش عايز اللي تقدر عليه يا سليم... عايز الحقيقة.

ثم أضاف بنبرة قاطعة:

ـ وأي حد تعرف إنه كان موجود وقتها، توصلهولي فورًا.

ـ حاضر يا دكتور.

بمجرد أن أنهى عاصم مكالمته مع سليم، وضع الهاتف جانبًا، ثم أطلق زفيرًا طويلًا.

لم يعد يحتمل البقاء في المستشفى أكثر من ذلك. كان يشعر أن الوقت يمر ببطء، بينما الأسئلة تتكاثر في رأسه دون إجابة.

ضغط على زر الجرس، وما إن دخلت الممرضة حتى قال بصوت متعب لكنه حاسم:

ـ اطلبيلي الدكتور المعالج لو سمحتي.

ـ حاضر يا دكتور.

وبعد دقائق، دخل الطبيب الغرفة، فتوجه إليه عاصم مباشرة:

ـ أنا عايز أخرج من المستشفى النهارده.

نظر إليه الطبيب بدهشة، ثم قال بحزم:

ـ تخرج فين يا دكتور عاصم؟ إنت لسه خارج من عملية كبيرة، وحالتك محتاجة متابعة.

حاول عاصم الاعتدال في فراشه، رغم الألم الذي شعر به في جرحه:

ـ يا دكتور، أنا كويس... وعندي موضوع مهم لازم أخلصه.

وضع الطبيب يده على كتفه وأعاده برفق إلى وسادته، ثم قال بصرامة مهنية:

ـ مفيش خروج قبل أسبوع على الأقل، وده قرار نهائي. الجرح محتاج متابعة، وأي مجهود دلوقتي ممكن يسبب لك مضاعفات إحنا في غنى عنها.

زفر عاصم بضيق، وقال:

ـ أسبوع؟

ـ أيوه... أسبوع كامل، ولو حالتك استقرت ومفيش أي مضاعفات، ساعتها نقدر نتكلم في الخروج.

ظل عاصم صامتًا للحظات، ثم أومأ على مضض:

ـ تمام.

غادر الطبيب الغرفة، بينما أسند عاصم رأسه إلى الوسادة، وأطلق زفيرًا حادًا.

أسبوع كامل...

بالنسبة لشخص مثله، اعتاد أن يسيطر على كل تفاصيل حياته، كان البقاء مقيدًا داخل غرفة المستشفى أمرًا لا يُحتمل.

لكن لم يكن أمامه خيار سوى الانتظار، بينما ظلت كلمات بهاء واسم محمود الجابري يترددان في رأسه بلا توقف.
مرّ أسبوع كامل كأنه دهر على عاصم، حتى وافق الطبيب أخيرًا على خروجه من المستشفى.

عاد إلى منزله بجسد لا يزال يئن من أثر الجراحة، لكن عقله كان يشتعل رغبة في الوصول إلى إجابات للأسئلة التي كادت تفتك به من شدة الحيرة.

لم يكد يستقر في صالون منزله، حتى رن جرس الباب.

فتحت الخادمة، ليدخل المحامي سليم، وخلفه رجل مسن بدت تجاعيد السنين واضحة على وجهه، وكان يتحرك بخطوات بطيئة مستندًا إلى عصاه.

تقدم سليم منه، ثم قال بهدوء:

ـ دكتور عاصم، أنا كده أديت مهمتي وقلبت الدنيا لحد ما وصلت للأستاذ عبد الحميد. كان المحاسب الرئيسي لشركة والدك الله يرحمه، وكان موجود وقت الشراكة بينه وبين محمود الجابري من خمسة وعشرين سنة. 
وهو تقريبًا أكتر شخص عاصر الفترة دي وعارف تفاصيل كتير عنها.

ثم التفت إلى عبد الحميد:

ـ هسيبكم براحتكم، ولو احتجت أي حاجة أنا في المكتب. وحمد الله على سلامتك يا دكتور.

هز عاصم رأسه شاكرًا:

ـ تسلم يا سليم... تعبتك معايا.

غادر سليم، وبقي عاصم مع الرجل المسن.

التفت إليه عاصم، محاولًا إخفاء توتره، وقال بلطف:

ـ منور يا أستاذ عبد الحميد... تشرب إيه؟

أجابه الرجل بصوت خافت:

ـ بنور حضرتك يا بني... ممكن قهوة سادة لو مفيش إزعاج.

أشار عاصم إلى الخادمة:

ـ اعملي للأستاذ عبد الحميد قهوة سادة.

ـ حاضر يا فندم.

ثم التفت إلى الرجل، وقال:

ـ اتفضل معايا يا أستاذ عبد الحميد... نقعد في المكتب عشان ناخد راحتنا في الكلام.

تحرك عبد الحميد ببطء خلفه، بينما كان عاصم يحاول إخفاء الألم الذي ما زال يضرب جرحه مع كل خطوة.

وما إن دخلا المكتب وأُغلق الباب خلفهما، حتى جلس الاثنان.

وضعت الخادمة فنجان القهوة أمام عبد الحميد، ثم انسحبت بهدوء.

ساد الصمت لثوانٍ، قطعه عاصم وهو يثبت عينيه في عيني الرجل:

ـ أستاذ عبد الحميد... أنا مش عايز أضيع وقت حضرتك. عايز أعرف كل تفاصيل الشراكة اللي كانت بين والدي الله يرحمه وبين محمود الجابري... وعايز أعرف محمود الجابري مات إزاي؟

ارتجفت يد عبد الحميد قليلًا وهو يمسك فنجان القهوة، ثم وضعه أمامه دون أن يرتشف منه.

تنهد تنهيدة ثقيلة، وقال:

ـ ياااه يا بني... إنت بتفتح دفاتر قديمة أوي. دفاتر اتقفلت من سنين، واتقفلت وراها أسرار وخراب.

ظل عاصم صامتًا، ينتظر.

تابع عبد الحميد:

ـ الحكاية بدأت لما والدك ومحمود أسسوا الشركة سوا. في الأول كانوا أكتر من إخوات، وكل واحد فيهم كان واثق في التاني ثقة عمياء. الشركة بدأت تكبر بسرعة، ونجاحها كان ملفت جدًا.

توقف لحظة، ثم قال:

ـ لكن كان فيه بند خطير في عقد الشراكة.

عقد عاصم حاجبيه:

ـ بند إيه؟

ـ كان بيدي أحد الطرفين الحق في الاستحواذ على حصة الطرف التاني بالكامل لو حصلت أزمة مالية خانقة للشركة، والطرف التاني مقدرش يسدد التزاماته خلال المهلة المحددة.

نظر إليه عاصم بعدم تصديق:

ـ بس يا أستاذ عبد الحميد... محمود الجابري كان رجل أعمال، مش شخص ساذج. إزاي يوافق على بند بالشكل ده؟

اعتدل عبد الحميد في جلسته وقال:

ـ سؤالك في محله... محمود الله يرحمه مكنش مغفل.

صمت قليلًا، ثم تابع:

ـ محمود كان سوري، مش مصري، والقوانين وقتها كانت بتفرض قيود وصعوبات كبيرة على تملك الأجانب وإدارة الشركات وتراخيصها. كان محتاج شريك مصري عشان يقدر يأسس الشركة ويضمن استمرارها بشكل قانوني.

أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال:

ـ عشان كده البند ده اتحط في العقد كإجراء صوري، وباتفاق ودي بينهم. كان المفروض يبقى مجرد حبر على ورق، ولو حصلت أي أزمة أو مشكلة قانونية، يقدروا يستخدموه كغطاء يحمي الشركة من الإغلاق.

تجمدت ملامح عاصم.

أكمل عبد الحميد بحزن:

ـ محمود وافق وهو مطمن تمامًا. كان واثق في والدك، ومعتبر إن البند ده مجرد إجراء لحماية الشركة.

خفض عينيه للحظات، ثم تابع:

ـ لكن اللي حصل بعد كده كان مختلف تمامًا.

قال عاصم بصوت منخفض:

ـ إيه اللي حصل؟

ـ حصلت هزة مالية كبيرة في السوق، والشركة دخلت في أزمة وخسائر ضخمة. وقتها كان لازم كل شريك يضخ مبلغ كبير عشان ينقذ الشركة.

توقف عبد الحميد، ثم قال:

ـ محمود مكنش معاه السيولة المطلوبة في الوقت المحدد... ووالدك استغل البند اللي كانوا متفقين إنه مجرد إجراء صوري.

اتسعت عينا عاصم:

ـ يعني... استولى على حصة محمود؟

أومأ عبد الحميد ببطء:

ـ أيوه.

ثم قال بأسى:

ـ نقل ملكية الأسهم كلها لنفسه بشكل قانوني، ومحمود فقد كل حاجة... الشركة، فلوسه، وشغله، وكل اللي بناه في سنين.

ظل عاصم صامتًا، وكأنه عاجز عن استيعاب ما يسمعه.

ثم سأل بصوت خافت:

ـ ومحمود... عمل إيه بعد ما خسر كل حاجة؟

خفض عبد الحميد عينيه، وقال بحزن:

ـ محمود ما استحملش الصدمة يا بني...

صمت للحظات، ثم تابع:

ـ الراجل اتدمر في أيام. خسر شركته وفلوسه وكل اللي بناه، وفوق ده كله اكتشف إن الشخص اللي كان واثق فيه وخدعه هو أقرب الناس ليه.

تنهد عبد الحميد:

ـ وبعد كام يوم، حالته النفسية والصحية ساءت بشكل مفاجئ... ومات.

اتسعت عينا عاصم:

ـ مات؟

أومأ عبد الحميد بأسى:

ـ أيوه... محمود بيه مات، واللي سمعته وقتها إن مراته كمان ما استحملتش اللي حصل بعده وماتت هي كمان بفترة قصيرة.

ظل عاصم صامتًا، عاجزًا عن استيعاب ما سمعه.

أما عبد الحميد، فتنهد بحزن، ثم نهض ببطء مستندًا إلى عصاه.

ـ أنا آسف يا بني... بس دي الحقيقة اللي عشتها وشوفتها بعيني.

نظر إليه عاصم دون أن يجيب.

قال عبد الحميد بهدوء:

ـ عن إذنك يا دكتور... أنا استأذن.

أومأ عاصم بصمت.

اتجه عبد الحميد نحو الباب بخطوات بطيئة، 
ثم فتح الباب وغادر.
بقي عاصم وحده في المكتب، غارقًا في صمت ثقيل.

ظل يحدق أمامه، بينما كانت كلمات عبد الحميد تتردد في رأسه من جديد...

محمود الجابري مات بعد أن خسر كل شيء.

ومراته لم تستطع الاستمرار بعده.

أما والده...

فكان السبب في كل ذلك.
بعد ثلاثة أسابيع من العملية، سَئِمَ عاصم البقاء في المنزل، وقرر النزول إلى الشركة لمتابعة العمل الذي تغيب عنه طوال الفترة الماضية.

في المقابل، كانت لينا تعيش حالة من الضيق والحيرة، ولم تعد قادرة على البقاء صامتة دون أن تعرف شيئًا عن حالته الصحية، فحسمت أمرها وقالت لنفسها بإصرار:

ـ أنا لازم أروح له وأطمن عليه.

وفي مكتب عاصم، قطع تركيزه رنين الهاتف الداخلي، فرفعت السكرتيرة السماعة وقالت:

ـ دكتور عاصم... الآنسة لينا موجودة برة وعايزة تقابل حضرتك.

توقفت أنفاسه للحظة، ثم أجاب بصوت متوتر:

ـ دخليها فورًا.

انفتح الباب، ودخلت لينا بخطوات مترددة، تبدو على ملامحها آثار القلق والإرهاق.

وما إن وقعت عيناه عليها، حتى نهض عاصم من مقعده ببطء، متحاملًا على بقايا الألم الذي لا يزال يسكن جرحه، ثم وقف أمامها.

تعلقت عيناه بعينيها طويلًا، وكأن الأسابيع الماضية كلها مرت أمامه في لحظة واحدة.
كان يعلم أن الوقت قد حان...

فإن ظل صامتًا أكثر من ذلك، ربما يخسرها إلى الأبد.

تقدم نحوها، وأمسك يديها بين كفيه، ثم قال بصوت دافئ وحاسم:

ـ لينا... أنا مش كويس، ومفيش حاجة في الدنيا هتبقى كويسة من غيرك.

ارتجفت عيناها، وظلت تنظر إليه في صمت.

أكمل عاصم:

ـ اسمعيني كويس... أنا بحبك. بحبك أكتر من أي حاجة في حياتي، ومستعد أحارب الدنيا كلها عشانك.

توقفت أنفاس لينا، بينما شد عاصم على يديها برفق.

ـ أنا مش هسيبك تضيعي مني... أنا مصدقت ألاقيكى... تتجوزيني؟!

اتسعت عينا لينا، وانهمرت دموعها بغزارة، بينما عجزت عن إخراج كلمة واحدة.

أما عاصم، فظل ممسكًا بيديها، ينتظر ردها وقلبه يخفق للمرة الأولى بهذا العنف.
ظلت لينا صامتة للحظات، والدموع تنساب على وجنتيها، عاجزة عن إخراج كلمة واحدة من شدة تأثرها.

ثم هزت رأسها ببطء موافقة.

اتسعت ابتسامة عاصم، وكأن تلك الحركة البسيطة كانت أثمن إجابة انتظرها طوال حياته.

ظل ممسكًا بيدها للحظات، ثم قال بصوت هادئ:

ـ خلاص... يبقى من النهارده أنا هبدأ أخد خطواتي رسمي.

ابتسمت لينا وسط دموعها، وقالت:

ـ وأنا مستنياك.

نظر إليها عاصم بحنان، ثم قال:

ـ روحي دلوقتي وارتاحي... وأنا هتصرف.

أومأت لينا، ثم تراجعت خطوة واستدارت نحو الباب.

وقبل أن تخرج، التفتت إليه مرة أخيرة، فوجدته لا يزال ينظر إليها بابتسامة هادئة.

بادلته ابتسامته، ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها.

ــــــــــــــــــــــــــــ

بعد فترة، وصلت لينا إلى المنزل، وما إن دخلت الصالون حتى وجدت بهاء الدين جالسًا في مكانه، ينتظرها.

رفع عينيه إليها وقال بنبرة هادئة وحازمة:

ـ كنتِ فين يا لينا؟

توقفت لينا مكانها، وارتبكت للحظة.

ـ أنا... كنت...

ظل بهاء يراقبها بصمت، ثم أعاد سؤاله:

ـ كنتِ فين؟

خفضت لينا عينيها وقالت بتلعثم:

ـ أنا... خرجت شوية.

عقد بهاء حاجبيه:

ـ خرجتي فين؟

صمتت لينا، ولم تجد ما تقوله.

ظل ينظر إليها للحظات، ثم قال ببرود:

ـ عند ابن الرشيد... مش كده؟

رفعت لينا عينيها إليه في ارتباك، ولم تستطع الإجابة.

ظل بهاء ينظر إليها بثبات، ثم قال:

ـ أنا مستني ردك يا لينا.

ترددت لينا للحظات، ثم قالت:

ـ جدو... أنا...

قاطعها بهدوء:

ـ استني.

اقترب منها، ووضع يده على كتفها، وقال بصوت هادئ:

ـ إنتِ طول عمرك بتسألي ماما وبابا ماتوا إزاي... وأنا كل مرة كنت بأجل إني أقولك الحقيقة.

نظر إلى عينيها وأضاف:

ـ بس آن الأوان تعرفي.

أخبرها بهاء بالحقيقة كاملة، وكيف كان والد عاصم السبب في كل ما حدث لوالديها، ثم ساد الصمت بينهما.

وبعد أن انتهى، ظل ينظر إليها للحظات قبل أن يقول:

ـ عرفتي ليه ببعدك عنه يا حبيبتي؟

رفعت لينا عينيها إليه وقالت بهدوء:

ـ بس عاصم ماله ومال والده؟

تجمد بهاء في مكانه.

أكملت لينا بإصرار:

ـ والده هو اللي كان السبب... مش عاصم. وأنا هتجوز عاصم، مش والده.

نزلت كلماتها على بهاء كالصاعقة، واتسعت عيناه وهو يحدق بها غير مستوعب.

ـ هي وصلت للجواز كمان؟!

هزت لينا رأسها بثبات:

ـ أيوه يا جدو... عاصم هيحدد ميعاد وييجي يتقدم لي رسمي.

ظل بهاء صامتًا، يحدق فيها بصدمة، وكأن الأمر تجاوز كل الحدود التي كان يتوقعها.

اشتد الغضب في عينيه، وقال بحسم:

ـ يستحيل يا لينا... يستحيل أحط إيدي في إيد حد من عيلة الرشيد.

اقتربت منه لينا، والدموع تلمع في عينيها:

ـ بس يا جدو، عاصم مش أبوه...

قاطعها بصرامة:

ـ مفيش بس يا لينا. الأمر انتهى.

ـ بس أنا بحبه يا جدو...

تجمد بهاء للحظة، ثم قال بغضب:

ـ وأنا مش هقدر أوافق على جوازك من ابن الراجل اللي كان السبب في موت بنتي!

تدخلت جدتها بصوت حزين:

ـ متقساش عليها كده يا بهاء... دي حفيدتك.

التفت إليها بهاء بانفعال:

ـ يعني عايزاني أوافق على اللي قتل بنتي؟!

لم تجد الجدة ما ترد به، بينما انفجرت لينا في البكاء، ثم ركضت إلى غرفتها.

جلست على سريرها، وأخرجت هاتفها بيد مرتجفة، ثم اتصلت بعاصم.

ما إن أجاب حتى جاءها صوته القلق:

ـ لينا؟ مالك؟

لم تستطع الكلام، واكتفت بالبكاء.

ـ لينا... ردي عليا، حصل إيه؟

قالت بصوت متقطع:

ـ جدو... رفض يا عاصم.

ساد الصمت للحظات، ثم قال عاصم بثبات:

ـ متقلقيش... أنا هحل كل حاجة.

ـ إزاي؟

ـ سيبيها عليا يا لينا. بعد يومين هاجي بنفسي وأتكلم مع جدك.

***

بعد يومين...
توقفت سيارة عاصم أمام قصر المصري.

ترجل منها بثبات رغم التوتر الذي يعتمل داخله، ثم دخل القصر وطلب مقابلة بهاء الدين.

بعد دقائق، كان ينتظر داخل مكتب بهاء.

انفتح الباب، ودخل بهاء بخطوات هادئة، ثم توقف أمامه.

لم يجلس أيٌّ منهما.

ظل الاثنان واقفين، تفصل بينهما خطوات قليلة، والجو مشحون بتوتر واضح.

نظر بهاء إليه ببرود:

طلبك مرفوض يا ابن الرشيد.

  عاصم بثبات:

ـ ليه  حضرتك رافض تسمعني.
رد عليه بهاء ببرود شديد:

ـ الكلام خلص.
شد عاصم فكه محاولًا كتم غضبه:

ـ اسمعني الأول يا دكتور بهاء.

قاطعه بهاء ببرود قاطع:

ـ مش عايز أسمع... لأن مفيش حاجة هتتغير.

قال عاصم بإصرار:

ـ لازم تسمعني. أنا مش جاي أدافع عن اللي والدي عمله، ولا جاي أطلب منك تنسى اللي حصل.

صمت لحظة، ثم تابع:

ـ أنا جاي أصلح الغلط اللي والدي عمله.

ظل بهاء صامتًا، فاستطرد عاصم:

ـ وأنا مستعد أدفع أي تعويض مادي عن اللي حصل... حتى لو هاخد كل فلوسي، بس متحرمنيش من لينا.

ارتسمت على شفتي بهاء ابتسامة ساخرة:

ـ أنت فاكر الملاليم اللي تملكها دي تفرق معايا؟

اختفت ابتسامة عاصم، وقال بجدية:

ـ أنا عارف إن الفلوس مش هترجع اللي فقدته... وعارف إن وجعك مش بيتعوض بفلوس.

ثم ثبت عينيه عليه:

ـ بس أنا بحب لينا، ومستعد أعمل أي حاجة عشان أتجوزها.

اشتدت ملامح بهاء، وقال بغضب مكتوم:

ـ أنت عايز تطفّي نار حرقة قلبي على بنتي بجواز حفيدتي من ابن الراجل اللي كان السبب في موتها؟
خفض عاصم عينيه للحظة، ثم رفعهما بثبات:
ـ أنا مش والدي يا دكتور بهاء.
ظل بهاء ينظر إليه بصرامة، ثم اقترب منه خطوة وقال بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
ـ عاصم... أنا رفضت طلبك، وقراري مش قابل للنقاش. أتمنى تحترم قراري ومتقربش من لينا تاني.
ثم استدار بهدوء وقال:
ـ المقابلة انتهت.
خرج بهاء من المكتب، تاركًا عاصم وحده.
ظل عاصم واقفًا للحظات، يتابع بهاء بعينيه، ثم زفر بضيق واستدار وغادر المكتب هو الآخر
تعليقات



<>