في الصالة البسيطة والنظيفة لبيت الخال "عزت"، كان الصمت ثقيلاً لا يقطعه سوى صوت أنفاس الأم "أمينة" المتهدجة وهي تراقب ابنتها الوحيدة. كانت صابرين تقف أمام المرآة، ترتدي قميصاً رجالياً واسعاً باللون الأبيض، وتشد فوقه جاكيت بدلة كحلية فضفاضة، تخفي وراء قماشها الصارم كل معالم أنوثتها.
التفتت صابرين إلى أمها وهي تلم شعرها الأسود الطويل بقسوة لتخفيه تحت غطاء الرأس، وقالت بنبرة حاولت جعلها جامدة:
"أنا نازلة الشركة يا ماما.. محتاجة حاجة قبل ما أمشي؟"
نظرت إليها أمينة بعينين ملأتهما الدموع، واهتز صوتها بقهر السنين:
"نسيتي إنك أنثى يا صابرين؟ يابنتي مش عشان أبوكي اتخلى عننا وطلقني لما عرف إني خلفت بنت يبقى كل الرجالة كده! حوالينا رجالة كتير عايشين مع أولادهم سواء بنات أو أولاد ومخلصين لعيلتهم.. ليه دافنة نفسك في السجن ده؟"
توقفت يد صابرين للحظة، لكن ملامحها لم تلن. التفتت إلى أمها وقالت ببرود مصطنع:
"يا ماما أنا مرتاحة كده."
صاحت أمينة والدموع تحفر مجراها على وجنتيها:
"إزاي مرتاحة وأنتي عاملة نفسك ولد وبتلبسي لبسهم؟! أنتي بتحرمي نفسك من الدنيا يا بنتي!"
ابتسمت صابرين ابتسامة باهتة مليئة بالمرارة، وقالت بثقة جامدة:
"عشان كده كل الموظفين في الشركة بيحترموني وبيخافوا مني.. الرجالة القريبين مني في الشغل دول مسميني 'الأستاذ صابر' مش صابرين! ومحدش فيهم بيجرؤ يرفع عينه فيا أو يتعامل معايا على إني صيد سهل."
حزنت الأم بشدة لما سمعت، وقالت بقلب مكسور:
"وده كويس في نظرك؟ إنك تلغي نفسك عشان الناس تخاف منك؟"
ردت صابرين بحسم وهي تلتقط حقيبتها الجلدية الضخمة:
"أيوه يا ماما.. أنا كده كويسة، وعايشة مرتاحة، ومستحيل البس فستان في يوم من الأيام! أنا تنكرت لذاتي ونسيت إني بنت من يوم ما الإنسان اللي المفروض يكون سندي اتخلى عني وأنا في أمسّ الحاجة ليه.. سابك لا حول ليكي ولا قوة لمجرد إني جيت الدنيا بنت! لولا خالي عزت، الله يبارك في عمره، وضع محبتي في قلبه ورباني وأخدنا في بيته معززين مكرمين، كان زماننا أكلونا كلاب الشوارع.. فانسي أي كلام ممكن يغيرني يا أمي.. صابرين ماتت، واللي عايش دلوقتي هو الأستاذ صابر."
نزلت كلمات صابرين كالسياط على قلب أمها، بينما غادرت صابرين المنزل بخطوات واسعة وسريعة، متجهة إلى مقر شركة "عزت للإنشاءات والتعمير".
في الممر الطويل المؤدي إلى مكتب الإدارة العامة، كان الصوت الوحيد المسموع هو ضربات حذاء صابرين الغليظ والمنتظم. دخلت مكتبها، جلست خلف المكتب الخشبي الضخم، وتنفس الصعداء وهي تحاول طرد كلمات أمها من رأسها. قاطعت حبل أفكارها السكرتيرة "نجوى" التي دلفت مسرعة وهي تقول بتوتر:
"أستاذ صابر.. المهندس الجديد اللي البشمهندس عزت عينه قبل ما يتعب وصل بره، ومصر يدخل لحضرتك فوراً عشان يستلم ملفات مشروع 'النخيل'."
عدلت صابرين ياقة جاكيتها وقالت بنبرة خشنة مصطنعة:
"خليه يدخل يا نجوى."
انفتح الباب، ودخل شاب ثلاثيني، طويل القامة، ذو بنية رياضية وعينين عسليتين تشعان ذكاءً وثقة. كان يرتدي قميصاً رمادياً مشمّر الأكمام يظهر سمرة بشرته الجذابة وأناقته العملية. إنه المهندس "ممدوح".
تقدم ممدوح بثقة، ومد يده لمصافحتها قائلاً بابتسامة بشوشة:
"أهلاً بحضرتك.. أنا المهندس ممدوح، اتشرفت بمعرفتك يا..."
صمت ممدوح لثانية واحدة. التقت عيناه بعيني صابرين. كانت نظرته ثاقبة وذكية لدرجة جعلت قلب صابرين ينتفض رعباً؛ لقد لمح في تفاصيل وجهها المشدود ناعمة خفية لا تناسب قسوة البدلة الرجالية.
لم تمد صابرين يدها لمصافحته، بل أشارت له إلى المقعد ببرود متناهٍ وقالت:
"اتفضل اقعد يا بشمهندس ممدوح. في شركتنا مفيش وقت للتعارف الطويل. الشغل هنا بيبدأ من أول دقيقة."
سحب ممدوح يده بهدوء، ولم تبارحه تلك الابتسامة الواثقة بل زادت عمقاً. جلس ووضع ملفه على المكتب وقال برزانة:
"تمام.. أنا جاهز. بس كنت حابب أعرف أنا بتعامل مع مين بالضبط؟ في أوراق التعيين اللي استلمتها مكتوب نائب رئيس مجلس الإدارة 'صابرين عزت'.. بس الموظفين بره قالوا لي ادخل للأستاذ 'صابر'. فـ حابب أسمع الاسم الصح من صاحبه؟"
ساد الصمت في الغرفة، وكأن الهواء تجمد بينهما. شعرت صابرين بجرأة هذا الرجل المستفزة التي تخترق جدارها الخرساني. ضغطت على قلمها بقوة وقالت وعيناها تطلقان شرراً:
"الاسم مش هيفرق في الشغل يا بشمهندس. هنا الكلمة كلمتي، والأوامر أوامري. الأوراق الرسمية شيء، والواقع داخل جدران الشركة دي شيء تاني. هنا.. أنا الأستاذ صابر، والكل بيتعامل على الأساس ده."
مال ممدوح بجسده إلى الأمام قليلاً، ونظر في عينيها مباشرة بنظرة هادئة ونبرة رجولية دافئة تحمل تحدياً غير معلن:
"بس أنا مبعرفش أقول للدهب يا حديد يا.. بشمهندس صابرين. الشغل محتاج مرونة، وأنا شايف قدامي إنسانة شايلة حمل تقيل أوي ومخبياه ورا البدلة دي."
انتفضت صابرين واقفة من مكانها، وضربت بقبضتها على المكتب قائلة بغضب عارم وصوت مرتعش:
"الزِم حدودك يا بشمهندس! إياك تتخطى حدود الأدب في الكلام معايا، وإلا هيكون قرار رفدك جاهز قبل ما تستلم أول طوبة في المشروع!"
لم يهتز ممدوح من ثورتها، بل وقف هو الآخر بكل هدوء، ونظر إليها بنظرة عميقة ممزوجة بالإعجاب والشفقة، ثم قال:
"أنا آسف لو كلامي ضايقك.. بس أنا مبخافش، ومبهربش من الحقيقة. الملفات دي هدرسها، وبكرة الصبح هيكون مكتبك أول مكان أزوره.. عن إذنك يا سيادة النائب."
تحرك ممدوح نحو الباب بخطوات واثقة، وقبل أن يخرج التفت إليها وقال بابتسامة خفيفة:
"على فكرة.. الشاي المظبوط بيشيل التوتر.. أشوفك بكرة."
خرج ممدوح وترك صابرين والدم يغلي في عروقها، وجسدها يرتجف خوفاً من هذا الغريب الذي يبدو أنه يمتلك القدرة على قراءة ما وراء قناعها. وضعت يدها على قلبها الذي كان يدق بعنف، وتذكرت كلام أمها: "مش كل الرجالة زي بعض".. فهل يكون ممدوح هو
العاصفة التي ستهدم حصنها الصارم؟
يتبع
الفصل الثاني من هنا
لقراءة باقي الفصول من هنا
