لم تكن كلمات ممدوح مجرد دفاع عابر، بل كانت بمثابة قنبلة مدوية فجّرت الصمت الرهيب الذي خيّم على ممر الشركة. تراجع "مدحت" مدير الحسابات خطوة إلى الخلف، وشحب لونه كالموتى، وحاول بلع ريقه الجاف وهو ينظر إلى النظرات الواثقة التي تبادلها ممدوح مع وكيل النيابة.
صاح مدحت بصوت مرتعش يحاول استجماع شجاعته الزائفة:
"تفويض إيه وحسابات سرية إيه؟ البشمهندس عزت في غيبوبة وميقدرش يعمل تفويضات! دي ألاعيب عشان تهربوا البنت.. قصدي الأستاذ صابر!"
التفت وكيل النيابة إلى ممدوح بجدية تامة، وقال:
"يا بشمهندس ممدوح، الكلام اللي بتقوله ده خطير ويغير مجرى التحقيق تماماً. هل معاك مستندات تثبت التفويض ده؟ والأهم.. هل عندك دليل ملموس على التزوير اللي بتتكلم عنه؟ النيابة لا تتعامل إلا بالأوراق."
ابتسم ممدوح ابتسامة واثقة، ثم أخرج من حقيبته الجلدية ملفاً أسود اللون، وهاتفاً محمولاً، وقال بثبات:
"معايا يا فندم. ده تفويض رسمي وموثق من البشمهندس عزت قبل الحادثة بيومين، لما حس إن فيه تلاعب في حسابات مشروع 'النخيل'. ومش بس كده.. ده فلاش ميموري عليه النسخة الأصلية من الميزانية المطابقة لدفاتر المخازن الحقيقية، مش الدفاتر المزوره اللي الأستاذ مدحت سلمها للرقابة."
ثم التفت ممدوح بنظرة حادة كالسيف نحو مدحت، وتابع قائلاً:
"أما بخصوص التوقيعات اللي على ورق استلام الحديد والأسمنت الوهمي.. فالأستاذ صابر كان في إجازة رسمية يوم 14 و 15 الشهر اللي فات بسبب مرض خاله، والورق ده ممضي بالتاريخ ده! يعني تزوير غبي ومفضوح. وبما إن السيستم الإلكتروني للشركة متصل بمكتبي.. فكل حركة نقل مبالغ للحسابات الوهمية متسجلة بالوقت والتاريخ ومن جِهاز الأستاذ مدحت شخصياً."
سقطت الكلمات على رأس مدحت كالصاعقة. التفت يميناً ويساراً يبحث عن مخرج، فرأى عيون الموظفين التي تحولت من الشماتة في صابرين إلى الاحتقار له. صاح وكيل النيابة بلهجة حاسمة:
"يا فندم، اطلبوا قوة إضافية للتحفظ على الأستاذ مدحت. وبناءً على المستندات الجديدة دي، هيتم التحفظ على دفاتر مكتب الحسابات بالكامل لإعادة مطابقتها."
في تلك اللحظة، انهار مدحت تماماً، وصاح وهو يشير بسبّابته المرتعشة:
"أنا ماليش ذنب!.. شاكر هو السبب! شاكر المقاول هو اللي قالي الشركة هتقع بعد عزت، وهو اللي اتفق معايا نلبّس القضية للأستاذ صابر ونقسم الملايين! أنا مجرد موظف نفذت الكلام!"
ضج الممر بهمس الموظفين وصيحات الذهول. تقدم ضابط الشرطة وألقى القبض على مدحت وسط ذهوله وانكساره، بينما تنفس الجميع الصعداء.
انسحبت الشرطة ومعها مدحت المخفور بالقيود، وبدأ الموظفون يعودون إلى مكاتبهم وهم يشعرون بالخزي من تسرعهم في الحكم على "الأستاذ صابر".
دخلت صابرين مكتبها بخطوات ثقيلة، تلاها ممدوح الذي أغلق الباب بهدوء ليوفر لها بعض الخصوصية. كانت صابرين تجلس وراء مكتبها، كاد جسدها أن ينهار من فرط الصدمة والضغط العصبي. نزعت الكاب الرمادي عن رأسها ببطء، وكأنها تخلع حملاً يزن جبالاً، وتركته يسقط على المكتب. انحل شعرها الأسود مرة أخرى على كتفيها، وامتزجت ملامحها الصارمة بدموع حارة بدأت تنساب على وجنتيها دون إرادتها.
تقدم ممدوح بخطوات هادئة، ووقف أمام المكتب. لم يمد يده هذه المرة احتراماً لخصوصيتها، لكن صوته كان كفيلًا باحتضانها:
"خلاص يا صابرين.. الأزمة عدت، والذئاب ظهرت على حقيقتها. مفيش داعي للخوف بعد النهارده."
رفعت صابرين عينيها المليئتين بالدموع، وقالت بصوت متحشرج يملؤه العتاب والامتنان معاً:
"ليه عملت كده يا ممدوح؟ ليه خاطرت بنفسك ووقفت قدام النيابة والشرطة عشاني؟ أنا.. أنا كنت فاكرة إنك زي بقية الرجالة.. جاي تكسرني وتثبت إنك الأقوى."
انحنى ممدوح قليلاً ليصبح مستوى عينيه في مستوى عينيها، وقال بنبرة دافئة وصادقة نابعة من أعماق قلبه:
"أنا مش جاي أكسرك يا صابرين.. أنا جاي عشان أرمم معاكي اللي انكسر زمان. القناع اللي حطاه على وشك ده بيحميكي من برا، لكنه بيموتك من جوا. أنا شوفت صابرين الحقيقية، البنت الجدعة، النظيفة، اللي بتشيل حمل مفيش رجالة تقدر تشيله. ومستحيل كنت هسيبك لوحدك في وسط النهش ده."
أطرقت صابرين رأسها، ولأول مرة لم تشعر برغبة في الهرب أو الصراخ. أحست بأمان غريب لم تذقه منذ أن تخلى عنها والدها وهي طفلة. خفق قلبها بقوة، لكنها هذه المرة لم تقمع الخفقة، بل تركتها تعيد الحياة إلى عروقها الجافة.
المؤامرة المستمرة: الأفعى تبدل جلدها
في مكان آخر، وتحديداً في وكر "شاكر" المقاول، كان يجلس وعيناه تشتعلان غضباً بعد أن وصله خبر القبض على مدحت واعترافه عليه. ضرب الطاولة بقبضته الحديدية قائلاً لرجاله:
"مدحت الجبان ودا نفسه وودانا في داهية! والمهندس الجديد ده طلع لنا من تحت الأرض زي العمل الردي!"
تنحنح أحد رجاله وقال بخبث:
"يا معلم شاكر، مدحت هيعترف بكل حاجة في النيابة، والشرطة زمانها جاية في السكة عشان تقبض عليك. مفيش قدامنا غير حل واحد."
لمع الشر في عيني شاكر وقال:
"إيه هو؟"
رد الرجل بصوت خفيض:
"نحرق ورق مشروع النخيل اللي في موقع الإنشاءات، ونلعب على حتة إن ممدوح هو اللي سرق الملفات الأصلية. ولو ممدوح مسكتشي.. نخليه يسكت للأبد! حادثة طريق بسيطة على الدائري تخلصنا منه ومن وجع الدماغ ده كله!"
ضحك شاكر ضحكة شريرة دوت في أركان الغرفة، وقال:
"عفارم عليك.. جهز الرجالة. طالما اللعب بقى على المكشوف، يبقى نهد المعبد على اللي فيه.. وممدوح ده مش هيشوف شمس بكرا!"
