في الصباح التالي، دخلت صابرين مقر الشركة بخطوات أسرع من المعتاد، ورغم أنها حاولت إقناع نفسها بأنها حريصة على متابعة سير العمل، إلا أن عينيها خانتاها وأخذتا تبحثان تلقائياً بين الممرات عن ذلك الجسد الفارع والقميص الرمادي.
كانت الأجواء في الشركة اليوم مختلفة، ثمة همهمات وضحكات ناعمة تصدر من مكاتب الموظفات لم تعتد صابرين على سماعها في مكان عملها الصارم. وقفت خلف زجاج مكتبها المطل على صالة المهندسين، وضمت يديها إلى صدرها وهي تراقب المشهد بوجوم.
كان ممدوح يقف وسط حلقة من الموظفات وبعض المهندسات المتدربات. كان يمسك بخرائط المشروع، يشرح لهن بتبسط وذكاء، والابتسامة لا تفارق وجهه الوسيم. كانت نبرة صوته الرجولية والدافئة تصل مسامع صابرين حتى خلف الزجاج. لمحت نظرات الإعجاب في عيون الفتيات؛ هذه تعدل حجابها، وتلك تبتسم لرقة أسلوبه، والأخرى تحاول لفت انتباهه بأي سؤال تافه عن العمل.
شعرت صابرين بضيق مفاجئ يجتاح صدرها، وسخرت في سرها:
"طبعاً.. صيد سهل للبنات، وداخل الشركة عشان يعيش دور الفتى الوسيم.. رجالة تافهة!"
توقعت صابرين أن يفي ممدوح بوعده ويأتي إلى مكتبها أول شيء في الصباح كما قال بالأمس، ليعتذر عن جرأته أو ليناقش الملفات. انتظرته ساعة.. وساعتين.. ومرت نصف مواعيد الدوام ولم يظهر له أثر.
لم تتحمل صابرين هذا التجاهل الذي اعتبرته إهانة لسلطتها كـ "الأستاذ صابر"، فضغطت على زر الهاتف الداخلي وقالت للسكرتيرة بنبرة حادة:
"نجوى.. ابعتيلي المهندس ممدوح فوراً على مكتبي."
بعد دقائق، طُرق الباب ودخل ممدوح. لكنه لم يكن ذلك الرجل المستفز الذي مال بجسده بالأمس ليخترق خصوصيتها. كان بارداً، رسمياً، وعيناه خاليتان من أي تعبير شخصي. وقف على بعد مسافة كافية وقال بنبرة عملية جافة:
"أفندم يا فندم؟ نجوى بلغتني إن حضرتك طالباني."
نظرت إليه صابرين بذهول خفي، وحاولت استجماع هيبتها وقالت:
"أظن يا بشمهندس إنك قولت بكرة الصبح هيكون مكتبي أول مكان تزوره عشان الملفات.. ودلوقتي الساعة اتنين الضهر. التأخير ده معناه استهتار بالعمل."
رفع ممدوح حاجبه ببرود، وأجاب وعيناه مثبتتان على الأوراق في يده دون أن ينظر في عينيها مباشرة:
"أنا متأخرتش يا سيادة النائب. أنا موجود في الموقع ومنتديات المهندسين من الساعة تمانية الصبح، وخلصت مراجعة الخرائط مع البشمهندسة رانيا والبشمهندسة مروة، وعدلنا الأخطاء اللي كانت موجودة. ووقتي كله كان للشغل.. مكنش عندي وقت للكلام الفاضي."
كلمة "الكلام الفاضي" ونبرة التجاهل المتعمد منه نزلت على صابرين كالمياه الباردة. لقد تعمد إظهار أنه نسى تماماً مواجهتهما بالأمس، بل وتجاهل أنوثتها المكبوتة تماماً، ليعاملها كمدير جاف لا يستحق حتى عناء الابتسامة التي يوزعها على موظفات الشركة مجاناً.
شعرت صابرين بإهانة بالغة لكبريائها، وقالت بصوت يرتجف غضباً:
"والتعديلات دي تتعمل من ورا ظهري؟ أنا اللي بوقع على أي تعديل هنا!"
تقدم ممدوح خطوة واحدة، ووضع الملف على مكتبها بجمود تام، ثم قال وهو ينظر إليها بنظرة خالية من أي دفء:
"التعديلات هندسية بحتة وفي حدود صلاحياتي اللي مضى عليها البشمهندس عزت الله يشفيه. اتفضلي حضرتك راجعيها.. ولو في أي ملحوظة، بلغي نجوى وهي بتوصلني.. عن إذنك."
التفت ممدوح ليغادر بكل برود، تاركاً إياها في حالة من الغليان. كان تجاهله لها جارحاً أكثر من مواجهته، وشعرت لأول مرة أن قناع "الأستاذ صابر" الذي ترتديه لحماية نفسها، أصبح هو السجن الذي يحرمها حتى من الاستثناء المعنوي
خرج ممدوح من المكتب تاركاً خلفه عاصفة من التساؤلات والشكوك تنهش عقل صابرين. جلست على كرسيها الضخم، ونظرت إلى الملف الذي ألقاه ببرود على مكتبها. فتحت الصفحات بعصبية، لكن خطوط الهندسة وأرقام الميزانيات تداخلت أمام عينيها؛ فلم يكن في بالها سوى نظرته الجافة تلك، ونبرته الرسمية التي جردتها من ذلك "الاستثناء" الذي شعرت به بالأمس.
ضغطت على أسنانها بغيظ، وقالت في نفسها:
"يتجاهلني؟ بيتعمد يبين لي إني ولا حاجة بالنسبة له بعد ما عاش دور الفارس بالأمس؟ كلهم نفس النسخة.. صنف غدار، يتقربوا لما يعوزوا، ويتجاهلوا لما يحبوا يثبتوا نفسهم!"
لم تطق صابرين البقاء في مكتبها، فخرجت متجهة نحو صالة المهندسين بحجة تفقد العمل، لكن في الحقيقة كان هناك دافع خفي لم تفهمه يسحبها نحو مكانه. ومثلما توقعت، كان ممدوح يجلس في مكتبه الزجاجي، وحوله اثنتان من المهندسات المتدربات، كان يضحك معهما بخفة وهو يشير إلى شاشة الكمبيوتر، ونظرات الإعجاب والاهتمام من الفتيات تحيط به كالهالة.
وقفت صابرين على بعد خطوات، وتصنعت الجدية والصوت الخشن وهي تنادي:
"بشمهندس ممدوح! أظن الشركة مش مكان للمسامرة والضحك.. فيه شغل متأخر في الموقع."
انقطعت الضحكات فوراً، وتراجع الفتيات بخوف واحترام للأستاذ صابر، أما ممدوح فالتفت إليها ببطء، ونهض من مقعده بكل رزانة، وحافظ على تلك النظرة الباردة وقال:
"الشغل مش معطل يا فندم، إحنا كنا بنراجع تصميم الواجهات، والابتسامة في وش الزملاء بتجدد الطاقة.. ولا القوانين هنا بتمنع الابتسامة كمان؟"
احتقن وجه صابرين بغضب لم تستطع كبته، وقالت بنبرة حادة:
"القوانين هنا بتمشي على الكبير والصغير يا بشمهندس.. اتفضل معايا على مكتب الإدارة فوراً عشان في حسابات قديمة للمشروع لازم تراجعها بنفسك في الموقع ودلوقتي!"
تحركت صابرين بعصبية نحو مكتبها، وتبِعها ممدوح بخطوات هادئة واثقة. ما إن أغلق باب المكتب خلفهما، حتى التفتت إليه صابرين وقالت وعيناها تشتعلان:
"أنت فاكر نفسك مين عشان تتعامل بالبرود والتجاهل ده؟ بالأمس عامل فيها داخل الحصن وبتقولي 'يا صابرين' والنهارده جاي تعاملني كأني حيطة سد قدامك؟"
هنا، تلاشت نظرة البرود من عيني ممدوح، وحلت محلها نظرة عميقة حادة. تقدم نحو المكتب خطوة، ومال بجسده قليلاً مثل الأمس، وقال بصوت منخفض ودافئ حمل كل معاني التحدي:
"أنا متجاهلتكِش يا صابرين.. أنا بس عاملتكِ باللي أنتي اخترتيه لنفسك. أنتي قولتلي بالأمس 'أنا هنا الأستاذ صابر والكل بيتعامل على الأساس ده'.. وأنا راجل بحترم رغبة اللي قدامي. لما تحبي تتعاملي كـ صابر، هتلاقيني الموظف الملتزم الصارم.. ولما تقرري ترجعي صابرين الأنثى اللي مخبياها ورا البدلة دي، ساعتها بس هتشوفي ممدوح التاني."
تسمرت صابرين في مكانها، والجمت كلماته لسانها، بينما أكمل ممدوح بابتسامة ساحرة هزت جدران قلبها:
"الملفات جاهزة.. وأنا نازل الموقع دلوقتي.. عن إذنك يا سيادة النائب."
تركها ممدوح للمرة الثانية في حالة ذهول، لكن هذه المرة، شعرت بصدمة كهربائية تسري في عروقها.. لقد أدركت أن هذا الرجل لا يتجاهلها عبثاً، بل يخوض معها حرباً نفسية ذكية لإجبارها على إسقاط قناعها غصباً عنها.
