تنحنحت صابرين محاولة طرد الارتباك الذي تملكها، وتقدمت بخطوات جامدة نحو سرير خالها، متجاهلة نظرات ممدوح المثبتة عليها. انحنت وقبلت يد خالها عزت قائلة بنبرة حاولت جعلها قوية:
ألف سلامة عليك يا خالي.. الشركة كلها في رقبتي، ومفيش داعي البشمهندس ممدوح يشغل بالك بأمور الشغل وأنت في الحالة دي."
ابتسم الخال عزت وربت على يدها قائلاً:
"ممدوح مبيشغلش بالي يا بنتي، ممدوح بيطمني. الراجل ده مكسب كبير لينا يا صابرين.. وأنا مطمن وأنا شايفكم إيد واحدة في الشركة."
شعر ممدوح بالتوتر الكامن في جسد صابرين، فقرر بذكائه المعهود أن يسحبها من غرفتها الضيقة إلى مساحته الخاصة. التفت إلى الخال عزت وقال بوقار:
"طيب يا بشمهندس، هنسيبك ترتاح دلوقتي. وأنا هاخد الأستاذ صابر عشان نشرب شاي بره المشفى ونناقش بعض النقط الحسابية المهمة للموقع."
قبل أن تنطق صابرين بالرفض، كان الخال قد أومأ برأسه مؤيداً:
"أيوه يا بنتي.. روحي مع ممدوح، الشغل مبيستناش."
وجدت صابرين نفسها مجبرة على السير بجواره في ممرات المشفى الهادئة. كانت تشعر بحرارة أنفاسه وقامته الفارهة بجانبها، مما جعلها تسرع الخطى لتهرب من هذا الشعور.
استقلا سيارتيهما واتجها إلى كافتيريا مفتوحة تطل على النيل، هادئة وبعيدة عن صخب المدينة. جلس ممدوح وطلب كوبين من الشاي الصعيدي الثقيل، بينما جلست صابرين متصلبة الظهر، عاقدة حاجبين، تضع كابها الرجالي بصرامة فوق رأسها ليخفي كل أنوثتها.
وضع النادل الشاي، فمد ممدوح يده وأخذ يقلب السكر ببطء، وعيناه العسليتان تحاصران وجهها:
"مش هتبطلي التكشيرة دي؟ إحنا بره الشركة دلوقتي، ومفيش موظفين عشان تعملي عليهم الأستاذ صابر."
قالت صابرين بنبرة حادة وهي تمسك بكوب الشاي:
"أنا مبغيرش أسلوبي يا بشمهندس. اتفضل قول النقط الحسابية اللي عايز تراجعها عشان وقتي."
ابتسم ممدوح ولم يرد، بل أخذ يرتشف من شايه وهو يتأمل النيل. وفجأة، هبت عاصفة هوائية ليلية قوية ومفاجئة، محملة بنسمات النيل الباردة. ضربت الرياح الطاولة، وقبل أن ترفع صابرين يدها لحماية رأسها، كانت الرياح العاتية قد تخللت أسفل الكاب الرجالي، وأطاحت به في الهواء ليتدحرج بعيداً على الأرض!
في تلك اللحظة، حدث ما كانت تخشاه صابرين طوال سنين. انحلّت الربطة الصارمة التي كانت تقيد خصلات شعرها، وفجأة، انسدل شعرها الأسود الطويل، الحريري والكثيف كشلال من الليل. تطايرت الخصلات مع الهواء، ليتدلى جزء منها على وجهها، وينساب الباقي بنعومة مذهلة ليغطي ظهرها وبدلتها الرجالية.
تسمرت صابرين في مكانها، واتسعت عيناها برعب إنساني خالص، ورفعت يديها تحاول لم شعرها بسرعة لإخفائه مجدداً وهي تشعر بالخجل والضعف.
أما ممدوح.. فقد تجمدت يده التي تحمل الكوب في الهواء. سقطت كل حصونه ودفاعاته في ثانية واحدة. تلاقت عيناه بمنظر هذا الشعر الغجري الساحر الذي يحيط بوجهها الأبيض النقي، وتطاير الخصلات التي أظهرت رقة ملامحها المدفونة. اشتعلت شرارة العشق في قلبه، ونبضت عروقه بجنون لم يعهده من قبل.
مد ممدوح يده ببطء شديد، وأمسك بمعصمها برفق ليمنعها من إخفاء شعرها مجدداً، وقال بصوت متحشرج غلبه الشغف والذهول:
"سيبيه.. أرجوكي سيبيه."
نظرت إليه صابرين وشفتاها ترتجفان، ورأت في عينيه لأول مرة نظرة رجل يذوب عشقاً وهياماً، نظرة لم ترها من قبل في حياتها. قال ممدوح بنبرة دافئة هزت كيانها:
"الليل مبيستخباش ورا الكاب يا صابرين.. أنتي أجمل بكتير من السجن اللي حبستي نفسك فيه. حرام تدفني الجمال ده كله عشان هربانة من ماضي مات وفات."
سحبت صابرين يدها بقوة وهي تتنفس بصعوبة، ودموعها كادت أن تخونها. جمعت شعرها بيدين ترتعشان، والتقطت الكاب من الأرض ووقفت قائلة بصوت مخنوق:
"أنا لازم أمشي.. لازم أمشي فوراً!"
تحركت مسرعة نحو سيارتها، بينما ظل ممدوح واقفاً ينظر في أثرها، وعطر شعرها ما زال يداعب نسمات الهواء من حوله، وقد أقسم في سره أن هذه الأنثى المتمردة لن تكون لغيره، وأنه سيهدم جدارها الخرساني حجراً بحجر
لم تنم صابرين ليلتها؛ كانت تتقلب في فراشها كأنها تنام على جمر ملتهب. كلما أغمضت عينيها، شعرت بنسمات النيل وهي تطيح بكابها الصارم، وتذكرت ملمس يد ممدوح الدافئة وهي تقبض على معصمها برفق، ونبرة صوته المتحشرجة التي اخترقت حصونها: "الحقيقه مبيستخباش ورا الكاب يا صابرين".
قامت من فراشها قبل أذان الفجر، وقفت أمام المرآة وتأملت شعرها الأسود الطويل الذي انحلّ بالأمس أمام عينيه. لأول مرة منذ سنوات، لمست خصلاته بنعومة، وشعرت بوخزة في قلبها... وخزة أنوثة كانت تظن أنها ماتت وجفّت عروقها. لكنها سرعان ما انتفضت وهزت رأسها بعنف، وقالت لنفسها بقسوة:
"فوقي يا صابرين! فوقي ومتخليش كلمتين يوقعوكي. أبوكي برضه قال لأمك كلام أحلى من ده، وفي النهاية رماها ورماكي عشان كان عايز ولد! الرجالة كلهم صنف واحد، وممدوح مش استثناء.. هو بس بيلعب بذوق عشان يكسر مناخير الأستاذ صابر."
أمسكت بمشطها، وجذبت شعرها بعنف وقيدته خلف رأسها بأقوى برباط، ثم ارتدت بدلتها الرمادية الواسعة هذه المرة، ووضعت الكاب فوق رأسها وضغطت عليه كأنها تغلق باب قلبه للأبد.
في تلك الأثناء، وفي مكان آخر بعيد عن النقاء، وتحديداً في مكتب "مدحت" مدير الحسابات بالشركة، كان هناك اجتماع سري يعقد تحت جنح الظلام. كان مدحت يجلس وعيناه تلمعان بالجشع، وأمامه "شاكر" أحد المقاولين الكبار الذين يتعاملون مع الشركة بالباطن.
قال مدحت وهو ينفث دخان سيجارته بخبث:
"الوضع دلوقتي مستوي على الآخر يا شاكر.. عزت البشمهندس في المستشفى بين الحيا والموت، والشركة مفيش فيها غير البنت اللي عاملة نفسها راجل دي.. الأستاذ صابر."
سخر شاكر وبصق على الأرض قائلاً:
"بت! بت تتحكم في رقابنا وفي ملايين الشغل؟ دي ناشفة وبتقف على الصغنتوتة والكبيرة، ومبتفوتش قرش صاغ!"
مال مدحت عليه وقال بصوت خفيض كالبلدوزر:
"عشان كده لازم نكسرها. أنا جهزت كل حاجة.. نقلت مبالغ ضخمة من ميزانية مشروع 'النخيل' لحسابات وهمية، وعملت ميزانية تانية فيها خسارة لشركتنا. الأوراق كلها متستفة وتوقيعها هي بالذات على أوراق استلام الحديد والأسمنت الوهمية جاهز.. تزوير مخرش الميه! هلبسها قضية اختلاس وتشويه سمعة توديها ورا الشمس.. ولما تقع، الشركة هتبقى في إيدينا، ونقدر نمرر كل الشغل اللي عايزينه."
ضحك شاكر بشر وقال:
"والمهندس الجديد؟ ممدوح؟ ده مش سهل وواقف لها زي الضِل."
رد مدحت باستخفاف:
"ممدوح ده غريب عن الشركة، يومين وهيلاقى المدير بتاعه بيتحقق معاه في النيابة وهيخلع بجلده.. الرجالة مبيحملوش مصايب غيرهم."
في الصباح، دخلت صابرين الشركة وهي محاطة بهالة من البرود والصرامة المضاعفة، كأنها تحاول تعويض ضعف الأمس. لم تنظر يميناً ولا يساراً، ودخلت مكتبها وأغلقت الباب.
لم يمر نصف ساعة حتى دخلت نجوى السكرتيرة وهي تبكي وتصرخ:
"أستاذ صابر!.. الحقنا يا فندم، الشرطة بره.. ومعاهم ناس من الرقابة والنيابة، وبيقولوا معاهم أمر بتفتيش المكتب والتحفظ على دفاتر الحسابات!"
انتفضت صابرين واقفة، وشعرت ببرودة تجري في أوصالها، لكنها حافظت على تماسكها وصاحت:
"شرطة إيه ورقابة إيه؟ يدخلوا!"
دخل ضابط الشرطة ومعه وكيل النيابة ومندوب من الرقابة المالية، وخلفهم كان يقف مدحت مدير الحسابات متباكياً ومتصنعاً الصدمة. قال وكيل النيابة بجدية:
"أستاذ صابر.. أو الآنسة صابرين عزت.. معانا بلاغ رسمي مدعم بالمستندات يفيد بوجود اختلاس وتزوير في أوراق مشروع 'النخيل' بمبلغ يتجاوز عشرة ملايين جنيه، والتوقيعات كلها تخصك بصفتك النائب المسؤول."
صعقت صابرين، وشعرت أن الأرض تدور بها. نظرت إلى مدحت، فلمحت في عينه نظرة الشماتة الدفينة رغم ملامحه الباكية. قالت بصوت يرتجف من الصدمة:
"أنا؟ أنا أختلس من مال خالي؟ اللي رباني وكبرني؟ دي مؤامرة.. الأوراق دي مزورة!"
قال الضابط بحسم:
"الكلام ده تقوليه في النيابة يا فندم.. اتفضلي معانا بدون شوشرة."
في هذه اللحظة الرهيبة، التفتت صابرين حولها، ف رأت الموظفين يتفرجون من وراء الزجاج، بعضهم يشفق عليها، والبعض الآخر يتهامس بنميمة. تذكرت كلام والدها في الماضي وتخليه عنها، وشعرت أن التاريخ يعيد نفسه؛ ففي اللحظة التي تحتاج فيها إلى سند، تجد نفسها وحيدة، والكل يتفرج على سقوطها. كادت دموعها أن تنهمر، وكاد قناع الأستاذ صابر أن ينكسر للأبد أمام الجميع.
"استنوا عندكوا!"
انشق صمت الممر عن هذا الصوت الجهوري القوي. التفت الجميع ليجدوا ممدوح يتقدم بخطوات كالرعد. كان يرتدي بدلته الهندسية، وعيناه تشتعلان غضباً وصرامة. وقف بجانب صابرين مباشرة، كأنه جدار منيع يحميها من نظراتهم.
نظر ممدوح إلى الضابط ووكيل النيابة وقال بثبات وثقة هزت القاعة:
"يا فندم.. البلاغ ده كيدي والمستندات دي وراها حد تاني خالص. الأستاذه صابرين عزت خط أحمر في الشركة دي، ومفيش حد هيلمسها أو ياخدها من هنا قبل ما نراجع الدفاتر دي ورقة ورقة."
صاح مدحت مدير الحسابات بتوتر:
"أنت مالك أنت يا بشمهندس؟ دي أمور مالية وأنت مجرد مهندس موقع!"
التفت إليه ممدوح بنظرة صقر جعلت مدحت يتراجع خطوة للخلف، وقال بصوت منخفض مرعب:
"أنا مش مجرد مهندس موقع يا مدحت.. أنا المهندس ممدوح اللي البشمهندس عزت قبل ما يدخل المستشفى سلمني نسخة من الحسابات السرية للشركة وعملي تفويض رسمي بمراجعة كل قرش بيدخل ويخرج.. وأنا عارف كويس مين اللي زور ومين اللي سرق!"
نظرت صابرين إلى ممدوح بذهول وعيناها متسعتان؛ كان يقف أمامها كالفارس الذي نزل من السماء ليحميها في لحظة انكسارها. التقت عيناه بعينيها الخائفتين، فرمقها بنظرة دافئة ومطمئنة للغاية كأنه يقول لها بقلبه: "أنا هنا.. ومستحيل أسيبك لوحدك".
يتبع
الفصل الخامس من هنالقراءة باقي الفصول من هنا
