رواية نسيت إني انثي الفصل الثالث3 بقلم ملكة الروايات والحكايات

رواية نسيت إني انثي الفصل الثالث3 بقلم ملكة الروايات والحكايات
استغرقت صابرين في مكتبها لأكثر من ساعتين بعد رحيل
 ممدوح، كانت الأوراق أمامها مجرد خطوط باهتة لا معنى لها. كلماته الأخيرة كانت تدور في عقلها كإعصار مدمر: "لما تقرري ترجعي صابرين الأنثى، ساعتها بس هتشوفي ممدوح التاني".
​ضربت بقلمها على المكتب بغيظ، وحاولت استجماع تلك القوة المزيفة التي ارتدتها لسنوات. وقفت أمام نافذة مكتبها المطلة على الشارع الرئيسي، وتذكرت كلام والدتها "أمينة" في الصباح، تذكرت ليلة خذلان والدها لها ولأمها.. تلك الليلة التي رمى فيها الأب اليمين على أمها لمجرد أن الطبيب بشرها بقدوم "بنت". تذكرت كيف تركهم في ليلة شاتية باردة دون مال أو مأوى، لولا تدخل خالها "عزت" الذي انتشلهم من الضياع.
​قاطعت السكرتيرة "نجوى" هذا السيل من الذكريات المؤلمة وهي تدخل

 إلى المكتب بملامح شاحبة وصوت يرتجف:
​"أستاذ صابر!.. الحقنا يا فندم، في مشكلة كبيرة في موقع مشروع 'النخيل'. العمال هناك متمردين وموقفين الشغل، والمهندس ممدوح نزل بنفسه وسطهم عشان يحل الأزمة، بس الوضع متوتر جداً والبلدوزر قفل الطريق!"
​انتفضت صابرين من مكانها، وتناست كل صراعاتها النفسية، فالمشروع هو حلم خالها عزت الذي يمر بوعكة صحية حرجة، وأي فشل فيه يعني انهيار الشركة. التقطت مفاتيح سيارتها وقالت بلهجة حاسمة قاسية:

​"جهزي عربية الإدارة فوراً يا نجوى.. أنا نازلة الموقع بنفسي. مفيش كلب في الموقع يقدر يوقف شغل شركات عزت!"
​في موقع البناء الواسع، حيث كانت أعمدة الخرسانة ترتفع في السماء محاطة بالأتربة والآلات الضخمة، كان المشهد مشتعلاً. عشرات العمال والمقاولين الصغار يتجمهرون حول مهندس الموقع، يطالبون بمستحقات مالية متأخرة لم تصرفها الإدارة المالية بعد.

​وسط هذا الصخب والغبار، كان ممدوح يقف بثبات وثقة كالطود. قميصه الرمادي تلوث بقليل من الأتربة، لكن هيبته لم تهتز. كان يتحدث بصوت جهوري قوي ومقنع، محاولاً تهدئة النفوس:
​"يا رجالة.. اسمعوني! شركات عزت عمرها ما أكلت حق عامل. البشمهندس عزت بيمر بظروف صحية، والدورة المالية اتأخرت يومين بس. أنا بضمن لكم حقوقكم برقبتي، والشغل لازم يستمر عشان المرفق يكمل!"

​في تلك اللحظة، وصلت سيارة صابرين. ترجلت منها بخطواتها الواسعة والبدلة الصارمة، وعيناها تطلقان شرراً. اتجهت مباشرة نحو جموع العمال، وصاحت بنبرة خشنة وقوية هزت أرجاء الموقع:
​"جرى إيه يا رجالة؟ الشغل واقف ليه؟ اللي مش عاجبه الشغل هنا ياخد حسابه ويمشي.. بس مفيش راجل يلوي دراع الشركة دي!"

​التفت ممدوح نحوها، وضيق عينيه بأسف؛ فقد علم أن أسلوبها الهجومي الجاف سيزيد الطين بلة. وبالفعل، تقدم أحد المقاولين الغاضبين وقال بصوت عالٍ:
​"يا أستاذ صابر.. إحنا لينا عيال وعايزين ناكل! الشغل مش هيتحرك سم واحد واقعدوا بقى في الخرسانة دي لوحدكم!"
​كادت صابرين أن ترد بعنف أكبر، لكن ممدوح تحرك بسرعة البرق ووقف حائلاً بينها وبين المقاول الغاضب. نظر إلى صابرين بنظرة حازمة وكأنه يأمرها بالصمت، ثم التفت إلى العمال وقال بنبرة جمعت بين اللين والقوة:

​"يا حاج قاسم.. كلام الأستاذ صابر غيرة على الشغل مش أكتر. إحنا أهل، وأنا هقعد معاكم دلوقتي في المكتب الفرعي، وهتصل بالإدارة المالية بنفسي وهتشوفوا الشيكات طالعة باسمكم خلال ساعة. اتفضلوا معايا."
​نجح ممدوح بذكائه ومرونته في سحب العمال بعيداً عن صابرين التي وقفت في وسط الموقع والغبار يلفها، تشعر بنقص حاد في سلطتها. كانت غاضبة لأن ممدوح أظهرها بمظهر "المندفع"، وفي نفس الوقت، كان هناك صوت خفي بداخلها يشعر بالامتنان لأنه حماها من مواجهة قد لا تحمد عقباها.

​بعد مرور ساعة ونصف، هدأ الموقع وعادت الآلات للدوران بصوتها الصاخب. توجهت صابرين إلى المكتب الخشبي المؤقت في الموقع، ووجدت ممدوح يجلس وراء مكتب صغير وهو يمسح العرق عن جبينه، وقد فتح أزرار قميصه العلوية لشدة الحرارة.
​دخلت صابرين، وأغلقت الباب خلفها بقوة. نظر إليها ممدوح بهدوء ولم يتحدث. وقفت أمامه وقالت بنبرة حاولت جعلها حادة ولكن خانتها بحة خفيفة:

​"أنت فاكر نفسك بطل؟ نزلت وسطهم وعملت فيها حلال المشاكل وكأني أنا اللي بهدم الشغل؟"
​نهض ممدوح ببطء، واقترب منها حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوة واحدة. كانت رائحة التراب الممزوجة بعطره الرجالي القوي تخترق حواسها. نظر في عينيها مباشرة، وبصوت منخفض وهادئ قال:
​"أنا محمتش الشغل يا صابرين.. أنا حميتك أنتي."
​تراجعت صابرين خطوة للخلف وكأنها تلقت صدمة، وقالت بارتباك:

​"تحميني أنا؟ أنا الأستاذ صابر ومحدش يقدر..."
​قاطعها ممدوح وهو يمسك بطرف جاكيت بدلتها برفق كأنه يزيح ستارة، وقال بنبرة مليئة بالصدق والدفء التي تذيب الصخور:
​"أنتي مش صابر.. أنتي صابرين. شوفت الخوف في عينيكي لما العمال قربوا منك، شوفت البنت اللي جواكي وهي بتستنجد ورا القناع ده. أبوكي لما سابك زمان ساب جرح كبير، وأنتي فاكرة إنك بالبدلة دي بتنتقمي منه.. بس أنتي بتنتقمي من نفسك ومن أنوثتك. أنا مش هسمح للدنيا تكسر الجوهرة اللي مخبياها هنا."

​ارتجفت شفتا صابرين، ولأول مرة تحجرت الدموع في عينيها ولم تستطع الرد. شعرت بأن حصنها الخرساني يتشقق ويتداعى تحت ضربات هذا الرجل الساحر. تلاقت أعينهما في نظرة طويلة، حملت كل معاني المقاومة من طرفها، وكل معاني الاحتواء والوعد بالأمان من طرفه.
​انفلتت صابرين من أمامه وخرجت مسرعة نحو سيارتها، وقلبها يدق بعنف لم تشهده من قبل.. لقد بدأت الحرب الحقيقية، حرب صابرين ضد مشاعرها التي بدأت تستيقظ من سباتها الطويل.

​عادت صابرين إلى البيت والمساء قد أرخى سدوله، كان جسدها منهكاً، لكن عقلها كان في أوج اشتعاله. دخلت  إلى الصالة بخطوات أبطأ من المعتاد، وخلعت جاكيت البدلة الثقيل وألقته على المقعد بإهمال غريب لم تعهده أمها منها.
​جلست على الأريكة ودفنت وجهها بين كفيها. اقتربت الأم "أمينة" بهدوء، وجلست بجوارها تمسح على ظهرها بحنان وقالت بنبرة قلقة:

​"مالك يا بنتي؟ وشك شاحب والتعب واكل منك حتة.. حصل حاجة في الشركة ولا مع خالك عزت؟"
​رفعت صابرين رأسها، ولأول مرة لم تجد في عينيها تلك النظرة الحادة الصارمة، بل كانت هناك حيرة طفولية وراء الدموع المخفية. نظرت لوالدتها وقالت بصوت خفيض:
​"فيه مهندس جديد دخل الشركة يا ماما.. اسمه ممدوح. الراجل ده مش طبيعي.. بيتعمد يهد كل اللي بنيته في سنين بكلمة واحدة."

​التمعت عينا الأم ببريق من الأمل، واقتربت أكثر قائلة:
​"بيعمل إيه يا بنتي؟ زعلك في الشغل؟"
​ردت صابرين وهي تذكر تفاصيل ما حدث في الموقع:
​"يا ريت موضوع شغل يا ماما! النهارده حصلت مشكلة والعمال كانوا هيثوروا عليا في الموقع، وقف قدامهم وحماني.. ولما خلوت بيه قالي كلام غريب.. قالي إني مش 'صابر'.. قالي إنه شايف الخوف في عيني وشايف البنت اللي جوايا ومستحيل يسمح للدنيا تكسرني. الراجل ده عرف قصة أبويا وتخليه عننا يا ماما من غير ما أحكي له! قالي إن البدلة دي سجن أنا عاقبت بيه نفسي.. أنا خايفة يا أمي.. خايفة يهد الجدار اللي حاميني من صنفهم الغدار!"

​انهمرت دموع أمينة، لكنها هذه المرة كانت دموع فرح، فاحتضنت كفي ابنتها الخشنتين وقالت برقة:
​"مش قولتلك يا صابرين؟ مش كل الأصابع زي بعضها يا بنتي. الراجل اللي يحميكي ويشوف أنوثتك ورا البدلة دي ويدافع عنك في غيابك وحضورك، يبقى راجل بجد.. راجل باعت هولك ربنا عشان يعوضك عن الأب اللي رماكي. متقاوميش قلبك يا صابرين.. سيبيه يرجعك لحياتك."

​انتفضت صابرين واقفة، وعادت ملامح الجمود ترتسم على وجهها هرباً من الحقيقة:
​"لأ يا ماما!.. مستحيل أستسلم. أنا رايحة دلوقتي المستشفى أزور خالي عزت.. هو السند الحقيقي ليا، ومفيش راجل تاني هيدخل حياتي."
​ارتدت صابرين ملابسها مجدداً، وتحركت بسيارتها نحو المشفى الخاص الذي يرقد فيه خالها عزت لتلقي العلاج بعد أزمته الصحية الأخيرة. كانت الممرات هادئة تفوح منها رائحة المعقمات الصارمة.

​وصلت إلى باب الغرفة الخاصة بخالها، وعدلت ياقة قميصها لتستعيد هيبة "الأستاذ صابر" قبل الدخول. فتحت الباب بهدوء، لكن خطوتها تسمرت عند العتبة، واتسعت عيناها بذهول.
​لم يكن خالها بمفرده.. بل كان هناك ممدوح!
​كان ممدوح يجلس على مقعد بجانب سرير الخال عزت، يمسك بيده برفق ويضاحكه بصوت خفيض ودافئ، بينما كان الخال عزت—الذي لم تره صابرين يبتسم منذ بدء مرضه—يضحك من قلبه ووجهه يفيض بالراحة.

​انتبه الخال لدخولها، فقال بصوت واهن ومرحب:
​"تعالي يا صابرين.. تعالي يا بنتي. شوفي البشمهندس ممدوح.. الراجل المحترم ده مسبنيش من الصبح، وجايبلي تقرير وافي عن الشغل في الموقع وطمني إن كل الأمور تمام بعد الأزمة."
​التفت ممدوح ببطء، ونهض من مقعده بكامل أناقته ورزانته. التقت عيناه بعيني صابرين المذهولتين، وارتسمت على شفتيه ابتسامه هادئة ساحرة، وقال بنبرة رجولية وقورة:
​"أهلاً يا سيادة النائب.. كنت لسه ببلغ البشمهندس عزت إن إدارتك الحكيمة للموقف في الصبح هي اللي أنقذت المشروع."
​نظرت إليه صابرين بقلب يخفق بشدة؛ لقد نسب النجاح والأهمية لها أمام خالها رغم أنه هو من حل الأزمة بذكائه! شعرت بصراع مرير يمزق أحشاءها: كيف لهذا الرجل أن يكون بكل هذا النبل والذكاء، بينما يصر ماضيها على إقناعها بأن كل الرجال خونة ومتخاذلون؟
هل ستظل تصارع قلبها ام ستنهار امام رجوله ممدوح ونبله
تعليقات



<>