رواية رقصه علي حطام القلب الفصل الاول1 بقلم هاجر عبد الحليم

رواية رقصه علي حطام القلب الفصل الاول1 بقلم هاجر عبد الحليم 

قصة قصيرة بعنوان رقصة ع حطام القلب

الحلقة الاولي 

هاجر عبدالحليم

كانت الشمس تقلي الإسفلت قليًا، حتى بدا الشارع كأنه صفيحة نار ممدودة على آخرها.

اختلطت رائحة زيت المخرطة برائحة السمك المشوي والعرق الآدمي، فصار الهواء نفسه ثقيلًا، خانقًا، يلتصق بالوجوه كطبقة من الشحم.

وصوت حجر الجلخ، وهو ينهش الحديد، كان ينهش معه أعصاب حارة المكسّر كلها.

في قلب الورشة وقف جاسر المخرطة.

ثلاثة وثلاثون عامًا فقط، لكنها بدت على ملامحه كأنها سبعون.

الزمن، والزيت، والشحم، والحزن... جميعهم حفروا أخاديدهم في وجهه.

كان طويلًا، عريض المنكبين، كتفاه تصلحان لحمل حارة بأكملها، وذراعاه مشدودتان بعروق نافرة كأنها حبال.

يرتدي أفارولًا كحليًا كان نظيفًا في الصباح، أما الآن فقد صارت بقع الزيت عليه خريطة سوداء ممزقة.

وعيناه... سوداوان على نحو يثير القلق؛ سواد لا يلمع فيه نور، بل يسكنه شيء ميت منذ خمس سنوات ولم يجد من يدفنه.

كان يسنّ سكينًا كبيرة فوق الحجر.

سكين جزار.

والشرر المتطاير يرتطم بوجهه وذراعيه، وهو لا يرمش، كأنه يتعمد أن تحرقه النار الخارجية لعلها تطفئ النار التي تستعر داخله.

اندفع إليه الصبي بليه، رفيع الجسد، ملوث الوجه بالشحم، يلهث:

بليه: "يا معلم جاسر مالك سرحان كدا؟... الست أم فتحي بتسأل على المفتاح وروشت دماغي اقولها اي؟

لم يرفع جاسر عينيه عن السكين، وقال ببرود جاف:

جاسر: "قولها لما أخلص... مش فاضي لهري الحريم دا."

تردد الصبي لحظة، ثم حك رأسه بتوتر:

بليه: "يا معلم في حوار حصل وانا شامم ريحة مش ولا بد وحاسس انه في كارثة هتحصل؟...  ع الدوغري لقيت عربية واقفة ع  أول الحارة. بقالها ساعة. إزازها أسود... وماحدش نزل منها. انا هارش انه الموضوع في واحدة ست عربية نوع فاخر شكلها كدا ملاكي"

 توقف الحجر لحظة تحت يد جاسر.

رفع عينيه ببطء، وعقد حاجبيه.

جاسر: "ملاكي؟ في المكسّر؟ غريبة دي شكلك بتهيألك وأحلامك اللي بتشوفها كل يوم لحست دماغك فوق ياض"

بليه: "لا يامعلم انا فايق وربنا وعارف كويس انا بقول اي العربية شكلها مش من هنا

ظل جاسر ساكنًا لثانيتين، ثم هز رأسه بعصبية:

جاسر: "سيبك منها. وتعالي اشتغل"

أعاد السكين إلى الحجر، لكن يده لم تعد ثابتة كما كانت.

ثقل غامض استقر فوق صدره.

منذ الصباح وهو يشعر بأن مصيبة تتقدم نحوه... مصيبة لها نفس رائحة ذلك العطر الرخيص الذي كانت تضعه...

هي.

......

قهوة عم سيد — أول الحارة

على القهوة، كان الرجال موزعين فوق الكراسي الخشبية كأنهم جزء من المشهد اليومي للحارة.

الحاج عطية الجزار، بكرشه المتقدم وسلاسله الذهبية التي تلمع فوق صدره، أمسك كوباية الشاي ونظر ناحية السيارة المتوقفة.

الحاج عطية: "شايف يا سيد العربية دي؟"

نفث عم سيد دخان الشيشة ببطء، وعيناه لا تفارقانها.

عم سيد: "شايف... ومن ساعة ما وقفت وقلبي مش مطمن."

تدخل رجل من الجالسين وهو يميل للأمام:

رجل: "تلاقيها حملة ولا ضرايب."

رمقه الحاج عطية باستهزاء، ثم قال:

الحاج عطية: "ضرايب مين يا أهبل؟ دي عربية فيها حريم... استنى الباب هيفتح. أهو."

وبالفعل...

انفتح الباب الخلفي ببطء.

نزل أولًا كعب أسود رفيع، انغرس في تراب الحارة المشبع بالزيت.

ثم ظهرت عباءة سوداء حريرية، ضيقة عند الخصر، منسدلة باتساع من الأسفل، تلمع تحت الشمس كأنها بقعة حبر.

ثم نزلت هي.

غزل بنت الحاج نصار.

ثمانية وعشرون عامًا، لكن من يراها يقسم أنها تخطت الخامسة والثلاثين.

خمسة أعوام مرت عليها كخمسين.

شعرها الأسود الكثيف منسدل حتى منتصف ظهرها، لم يغزُه الشيب، فالحزن لا يبيض الشعر... بل يحرقه من الداخل.

وجهها كان يومًا قمراً يفيض حياة، أما الآن فهو قمر مخسوف.

عيناها محوطتان بكحل طبيعي، لكن خلفهما سهر ودموع وليل طويل.

وشفتاها حمراوان بطبيعتهما، إلا أن الجفاف شققهما كما شققها القهر.

في عنقها سلسلة ذهبية ثقيلة، يتدلى منها اسم "نصار" مكتوبًا بالخط العربي.

آخر ما تبقى لها من أبيها.

كانت تحمل بيمينها حقيبة صغيرة، وبشمالها تمسك يد طفل.

طفل في الرابعة من عمره.

يونس.

نسخة مصغرة بصورة مرعبة من رجل يقف الآن في المخرطة.

نفس العينين السوداوين.

نفس عقدة الحاجبين.

ونفس الملامح الصلبة التي ستزداد وضوحًا حين يكبر.

تجمدت الحارة.

الشيشة توقفت في فم عم سيد.

وكوب الشاي ثبت في يد الحاج عطية.

حتى بائع العرقسوس أفلتت الصينية من يده فاصطدمت بالأرض.

تعالت الهمسات كطلقات متتابعة:

صوت امرأة: "يا حفيظ يارب اللهم احفظنا من البت دي... غزل؟ غزل رجعت ياناس الحارة هترجع نجسة تاني دا احنا م صدقنا نضفت من اشكالها؟!"

رجل: "جايلها قلب ازاي تيجي للحارة تاني بس؟

طفل صغير: "ماما... هي دي الرقاصة اللي بتحكيلي عليها كل يوم اللي قتلت ابوها وخانت خطيبها؟"

صفعته أمه على فمه بسرعة:

الأم: "اتكتم يامفضوح واخرس دلوقت!"

لكن غزل لم تلتفت يمينًا ولا يسارًا.

كانت عيناها مثبتتين على بيت أبيها... البيت المغلق منذ خمس سنوات بجنزير وقفل أكلتهما الصدأ.

البيت الذي مات فيه أبوها... واتهموها هي بموته.

كانت تمشي بخطوات ثابتة، وكعبها يضرب الأرض بقسوة.

كل طرقة منه كأنها مسمار يُدق في صدر الحارة.

شد يونس على عباءتها وهمس بخوف:

يونس: "ماما... الناس دي بتبص لنا ليه نظراتهم عاملة زي الأسد الجعان؟ هما خايفين مننا ولا اي شكلنا مرعب يعني ولا هما هيأذونا؟"

خفضت رأسها إليه قليلًا، وصوتها خرج هادئًا لكنه حاد:

غزل: "لا يا قلب ماما... مش خايفين مننا. خايفين من الحقيقة اللي جاية معانا... ومش مستعدين يسمعوها."

رفع الطفل حاجبيه الصغيرين بحيرة:

يونس: "حقيقة إيه دي ياماما؟"

انقبض فكها، وتيبست شفتاها، لكنها لم تجبه.

هنا اندفع عم سيد ووضع الطاولة الخشبية في طريقها:

عم سيد: "امشي من هنا يابنت نصار الحارة مش عايزاكي وميشرفناش وجودك وسطنا حلي وروحي م طرح م جيتي مش ناقصة وساخة؟."

توقفت غزل.

رفعت عينيها إليه لأول مرة.

وكانت النظرة كافية لتجعله يتراجع نصف خطوة دون أن يشعر.

غزل: "وساخة؟"

ضحكت ضحكة قصيرة مكسورة، ثم قالت وهي تشير بإصبعها للأرض:

غزل: "الوساخة اللي بتتكلم عنها يا عم سيد... مدفونة تحت رجليك ف كل شبر ف الحارة. وإنت عارف. كلكم عارفين... وساكتين وسايبين لسانكم ينهش فيا بالباطل."

ضرب الحاج عطية كفه في كفه وصاح:

الحاج عطية: أبوكي مات بحسرته بسبب فضيحتك انتي مجرمة ومكانك السجن!"

استدارت إليه غزل ببطء، وعيناها تقدحان شررًا.

غزل: "أبويا مات بسكينة في ضهره... في مخزنه... ليلة فرح فاطمة أخت جاسر. وانا عمري م اقتل ابويا ولا اكون سبب ف وجعه ولا ذله ابدا"

شهقت الحارة كلها دفعة واحدة.

تقدمت خطوة، وصوتها علا:

غزل: "انا مكنتش موجودة معاه وقتها ولما رجعت لقيته سايح في دمه. بدل ما تدوروا على اللي قتله عشان ياخد جزاءه جايين تحاسبوني انا ع المشاريب... لبستوني تهمة متخصنيش لا من قريب ولا من بعيد. "

ثم أشارت إليهم جميعًا بنظرة ازدراء:

غزل: القاتل لسه قاعد وسطكم. بيشرب شاي معاكم. وبيصلي الجمعة وعامل نفسه شيخ وبيخاف ربنا. يقتل القتيل ويمشي ف جنازته بكل بجاحة."

ساد صمت ثقيل، كأن الحارة ابتلعت لسانها.

وتركتهم غزل... ومشت.

مخرطة جاسر

جاء بليه يركض كالمجنون، يتعثر في قدميه.

بليه: "يااا معلم! يا معلم جاسر! الحق!"

انتفض جاسر بعصبية:

جاسر: "ما تنطق يا زفت!"

ابتلع الصبي ريقه وقال بصوت متقطع:

بليه: "الست اللي في العربية... دي غزل! بنت الحاج نصار! رجعت... ومعاها عيل صغير ومش عارفين دا ابنها ولا لا بس بيقولها ياماما تفتكر خلفت ف الحرام يامعلم يطلع ابن مين دا؟!"

في تلك اللحظة...

توقف الزمن.

هدأ الحجر.

وسقطت السكين من يد جاسر على الأرض المعدنية بصوت حاد.

رفع رأسه ببطء شديد، كأن الكلمات لم تدخل عقله بعد.

جاسر: "إنت بتقول إيه؟"

بليه: "والله العظيم يا معلم! هناك اهي سمعت اهل الحارة مشكل كلام اد الشوال شوفتها. رايحة على بيت أبوها. ابقى الحقها يامعلم"

خرج جاسر من الورشة.

قدماه لا تحملانه، ومع ذلك كان يمشي.

كل خطوة كانت كأنها عبور فوق خمس سنوات من الغياب والقهر واللعنة.

ثم...

رآها.

خمسة أعوام وهو يحلم بهذه اللحظة ليقتلها.

وخمسة أعوام أخرى يحلم بها ليضمها إلى صدره.

شعرت غزل به.

استدارت.

والتقت العينان.

هو: نار، وحديد، وليل ثقيل.

هي: كسر، ودموع، وعباءة سوداء.

عشر ثوانٍ كاملة مرّت... كأن العمر كله انضغط فيها.

نزلت غزل يونس إلى الأرض، وضغطت على كتفه الصغير.

غزل: "بص يا يونس دا جاسر"

رفع يونس عينيه إلى جاسر.

تأمله بفضول.

ثم أشار إليه بإصبعه الصغير، وقال ببراءة هزّت المكان:

يونس: "ده اللي انتي قولتي عليه إنه بابا صح؟"

انشقت الحارة إلى نصفين.

شهقة جماعية خرجت من الأفواه، كأن أحدهم ألقى قنبلة في منتصف الشارع.

النسوة وضعن أيديهن فوق صدورهن، والرجال تبادلوا نظرات مذهولة، أما الأطفال فتعلقوا بأطراف أمهاتهم وهم لا يفهمون سوى أن مصيبة ضخمة وقعت.

صاحت امرأة من آخر الصف، وهي تضرب على فخذيها:

امرأة: "يا لهوي! يعني الواد ابنه ومن صلبه ؟! جابوه إمتى دول معقول ف الحرام اعوذ بالله من دي نجاسة اعوذ بالله منكم عالم متعرفش ربنا؟!"

رد رجل وهو يفرك ذقنه بارتباك:

رجل: "معقول؟! هما أصلًا ما اتجوزوش لا ممكن بتكدب جاسر متربي وسطنا وعارفينه كويس 

تدخل الحاج عطية وقد احمرّ وجهه غضبًا، ولوّح بكفه في الهواء:

الحاج عطية: "بتتبلى عليه! جاية بعد السنين دي تشيلي راجل عايش وسطنا شيلة مش بتاعته! روحي شوفي مين اللي غلطتي معاه بعيد عننا 

لكن جاسر لم يسمع شيئًا.

كان العالم من حوله يتحرك بلا صوت.

كل الأصوات صارت بعيدة... بعيدة جدًا.

لم يرَ سوى الطفل.

اقترب منه بخطوات متعثرة، كأن الأرض لم تعد ثابتة تحت قدميه.

ركع أمامه ببطء، وركبتاه كادتا تخونانه.

ظل ينظر في وجه الصغير... في عينيه... في حاجبيه... في انقباض فمه... ثم مد يده المرتجفة يريد أن يلمس خده، لكنه توقف قبل أن يصل.

يونس ظل يحدق فيه بفضول طفولي بريء.

رفعت غزل ذقنها بتحدٍ، وتقدمت خطوة.

غزل: "بص كويس يا معلم. اسأل نفسك.

اسأل ليلة فرح فاطمة أختك اي اللي حصل بينا؟

كانت الكلمات كصفعات متتالية.

غزل: "لما قولتلي: استنيني... 

ولما أخدت مني اللي إنت عايزه... وسيبتني مرمية بعيط ومنهارة. ومحدش شاف وشك من ساعتها وجريت زي الحرامية"

اشتعلت عينا جاسر، ونهض واقفًا دفعة واحدة كوحش طُعن في كبريائه.

جاسر: "كدابة! كدابة ومعجونة بمية كدب!

إنتِ هربتي! محدش ضربك على إيدك!

هربتي مع الفرقة... وروحتي ترقصي وتعري نفسك بالرخيص يا رخيصة!"

مع آخر كلمة، انطلقت همهمة خبيثة بين الواقفين.

لكن غزل لم تنكسر.

بل رفعت رأسها أكثر.

وفي عينيها ظهر احتقار موجع.

غزل: "أيوه. رقصت.

بعد ما هربت منكم... بعد ما شفت أبويا سايح في دمه قدامي ومحدش سندني.

بعد ما استنيتك تيجي تنقذني... وماجتش.

بعد ما عرفت إنك هتتجوز بنت الحاج عطية بعد أسبوع، وكأني ماكنتش موجودة في حياتك."

شهق جاسر، والتفت بعنف للحاج عطية كأن المعلومة نفسها أهانته الآن.

لكن غزل لم تمنحه فرصة.

أشارت إلى يونس:

غزل: "رقصت عشان آكل.

عشان أعرف أعيش.

عشان أربي حتة منك... لوحدي."

سرت رجفة واضحة في أصابع جاسر.

رجفة لم يستطع السيطرة عليها.

لكن عناده كان أكبر من صدمته.

قبض على ذراعها فجأة بعنف حتى شهقت.!"

نزعت ذراعها من قبضته، ونظرت إلى موضع أصابعه التي تركت أثرًا أحمر على بشرتها، ثم رفعت عينيها إليه ببطء قاتل.

غزل: "أبويا مات بسكينة في ضهره."

ساد الصمت.

حتى الهواء توقف.

أكملت وهي تنطق كل حرف كأنه مسمار:

غزل: "والسكينة دي... مش بتاعتي ياجاسر.

بتاعة واحد منكم وهعرفه وساعتها مش هقتله اقسم بالله ل اكل لحمه حتة حتة ومحدش هينجده مني."

تراجع رجلان للخلف بلا وعي.

واختلجت ملامح أكثر من وجه.

أشارت إلى أهل الحارة جميعًا:

غزل: "أنا جاية آخد حق أبويا.

وحق ابني.

وحقي.

منكم كلكم."

ثم ثبتت نظرها على جاسر وحده.

غزل: "وإنت أولهم.

فتحت حقيبتها الصغيرة.

أخرجت منها دبلة فضة قديمة، أكلها الصدأ.

دبلة باهتة... لكنها كانت كالرصاصة.

رمتها تحت قدميه.

رنّ المعدن على الأرض، فارتجف قلبه هو.

غزل: "دبلتك أهي.

خدها.

يونس مش هيشيل اسمك إلا لما الناس كلها تعرف إنه ابنك... ويعرفوا إني شريفة ومغلطتش معاك ف الحرام زي م هما فاكرين .

ولما أعرف مين اللي قتل أبويا واخد بتاري ع الأقل عشان اعرف انام كويس؟."

ثم انحنت، حملت يونس بين ذراعيها، وضغطته إلى صدرها.

غزل: "يلا يا بابا... داخلين بيت جدك."

أخرجت مفتاحًا قديمًا.

وضعتْه في القفل الصدئ.

استغرق فتح الباب ثواني طويلة، والحديد يصرخ من الصدأ كأن البيت نفسه يئن.

ثم دفعت الباب.

فُتح.

ودخلت.

ورزعته خلفها في وجه الحارة كلها.

وفي وجه جاسر.

بيت جاسر — بعد ساعة

كانت أم جاسر تولول وتلطم على خديها.

أم جاسر: "يا فضيحتي! يا جرستي! يا شمتاتة الناس فيّا!

الواد يقولك بابا؟! ابن الرقاصة يبقى حفيدي؟!"

أما فاطمة، أخته، فكانت تمشي في الصالة ذهابًا وإيابًا كقنبلة موقوتة.

فاطمة: "قوم يا جاسر! قوم ولّع في البيت بيها!

هتسيبها تفضحنا كدا؟!"

لكن جاسر كان جالسًا على الكنبة.

صامتًا.

في يده السكين التي كان يسنها صباحًا.

ينظر إليها فقط.

وكأنه يرى شيئًا آخر عليها... شيئًا أقدم من اليوم.

هزته أمه من كتفه بعنف.

أم جاسر: "ما ترد يا ابني! الواد ده ابنك ولا لأ؟!"

رفع عينيه ببطء.

صوته خرج خشنًا، مبحوحًا:

جاسر: "معرفش ياما."

صرخت فاطمة:

فاطمة: "إزاي متعرفش؟! دي كانت خطيبتك مش مراتك هيكون حصل بينكم اي؟!"

وفجأة...

انفجر جاسر.

نهض كالإعصار، وصرخ حتى برزت عروق عنقه:

جاسر: "غزل ماكنتش خطيبتي وبس يافاطمة!"

سكتت الاثنتان.

كان صدره يعلو ويهبط بعنف.

وعيناه حمراوان.

جاسر: "غزل كانت مراتي

على سنة الله ورسوله.

كتبت عليها في السر ومحدش كان يعرف ايوة دخلت عليهة وهي مرة الله اعلم ممكن يكون حملت بعدها ومقالتش."

شهقت أمه، وأسندت يدها للحائط.

أم جاسر: "يا مصيبتي..."

أكمل وهو يضغط على الكلمات:

جاسر: "قبل ما أقول لأبوها اللي حصل انا كنت ناوي اعترفله بس ملحقتش هو مات. واتقتل.

وهي هربت مني

ومن يومها وأنا معرفش راحت فين. وعايشة ازاي؟"

فاطمة فتحت فمها مذهولة:

فاطمة: "لازم تتأكد دي مفيهاش"

قاطعها وهو يضرب السكين على الطاولة بعنف:

جاسر: "انا رايحالها."

ثم قبض على السكين بقوة حتى ابيضّت مفاصله."

رفعت فاطمة حاجبها:

فاطمة: "هتعمل إيه؟"

رفع جاسر عينيه، وفيهما تصميم مخيف:

جاسر: "هعمل تحليل DNA. انهردة عشان اخلص من الحيرة دي واعرف راسي من رجلي"

بيت نصار — ليل

البيت غارق في الظلام.

طبقات التراب فوق الأثاث.

خيوط العنكبوت في الزوايا.

لكن رائحة الحاج نصار ما زالت تسكن الجدران... خليط من التبغ والمسك والخشب العتيق.

جلست غزل على الكنبة المتهالكة.

يونس نائم فوق حجرها، رأسه الصغير ملتصق ببطنها.

كانت تمرر أصابعها في شعره بحنان غارق في التعب.

يونس: بنعاس "ماما... إحنا هنفضل هنا؟"

ابتسمت رغم الألم.

غزل: "شوية يا قلب ماما... لحد ما ناخد حق جدك."

فتح نصف عين:

يونس: "وبابا؟"

تجمدت يدها.

مر طيف جاسر أمامها.

وجهه حين رأى الطفل.

ارتعاشة يده.

ونظرة الضياع في عينيه.

ابتلعت غصتها وقالت:

غزل: "لسه مايعرفش إنه بابا ياحييبي."

ثم طبعت قبلة على جبينه:

غزل: "بس هيعرف وهيحبك اوي عشان قلبه طيب."

في تلك اللحظة...

دوّى على الباب خبط واحد.

ثقيل.

حاد.

كأنه قبضة موت.

انتفضت غزل.

أنزلت يونس بحذر، وغطته ببطانية قديمة.

ثم تقدمت نحو الباب.

غزل: "مين؟"

جاءها الصوت من الخارج.

صوت أجش، ميت، تعرفه أكثر مما تعرف صوتها:

جاسر: "افتحي... أنا جاسر."

حبست أنفاسها.

فتحت فتحة صغيرة.

كان واقفًا أمامها.

ضخمًا كجبل أسود في عتمة الليل.

وجهه بلا حياة.

وفي يده...

مطواة مفتوحة.

كان الظلام حالكًا كالكحل، يبتلع ملامح البيت والحارة معًا.

والهواء داخل بيت نصار مكتومًا، مشبعًا برائحة التراب العتيق والخشب الرطب وخيوط العنكبوت التي استوطنت الأركان منذ سنوات الغياب.

وقف جاسر أمام الباب ككتلة من السواد والغضب.

جسده الضخم يملأ المدخل، والأفارول الكحلي ما زالت بقع الزيت الطازجة تزيده خشونة ووحشية.

قبضته مطبقة على مطواة مفتوحة، والعروق نافرة في ساعده حتى أوشكت أن تتمزق.

عيناه لم تكونا تريان غزل... بل كانتا تريان دمًا قديمًا لم يجف.

أما غزل، فكانت واقفة خلف الباب، ممسكة بطرفه بيد ترتعش رغمًا عنها.

بينهما فتحة ضيقة، لا تتسع إلا لعبور الكلمات والتهديدات.

وخلفها... كان يونس نائمًا.

خرج صوت جاسر خشنًا، أجوف، كأنه طالع من جوف قبر:

جاسر: "هاتي الواد. هنروح نحلل. دلوقتي."

رفعت غزل حاجبيها بذهول وهمست:

غزل: "في نص الليل انت اتهبلت؟"

رد عليها بصوت المطواة وهي ترتطم بالباب.

رنّة معدنية حادة شقت سكون المكان.

ثم قال من بين أسنانه:

جاسر: "هاتي الواد يا غزل... بالذوق. عشان ماكسرش الباب ده على دماغك."

ابتلعت غزل ريقها، لكن نبرتها خرجت متحدية رغم الخوف:

غزل: "لو قربت له... هصرخ وألم عليك الحارة. وهقول خطفت ابني."

ضحك جاسر.

ضحكة باردة، ميتة، لا حياة فيها.

جاسر: "الحارة كلها مستنياني أقتلك. خطف إيه وزفت اي؟

لو طلع ابني... هاخده. وإنتي... حسابك معايا بعدين وربي م هحلك يابنت نصار."

ضيقت غزل عينيها وسألته ببطء:

غزل: "وإن طلع مش ابنك؟"

سكت ثانية واحدة.

ثانية ثقيلة.

وخلالها ازداد سواد عينيه حتى بدتا كحفرتين بلا قرار.

ثم قال:

جاسر: "يبقى هقتلك إنتي وهو ياغزل عشان مش انا اللي يتعمل معايا كدا."

وفي اللحظة نفسها، جاء صوت صغير ناعس من الداخل:

يونس: "ماما...؟"

تخشب الاثنان.

شعرت غزل بقلبها يهوي في صدرها، فالتفتت بسرعة وقالت بصوت مبحوح:

غزل: "نام يا حبيبي..."

أما جاسر، فظل ثابتًا لثوانٍ، ثم أنزل يده ببطء، وألقى المطواة على الأرض.

صدر الحديد صوتًا مكتومًا.

رفع عينيه إليها وقال:

جاسر: "هاتيه يا غزل... أنا مش هأذيه."

ظلت تحدق فيه لحظة، ثم فتحت الباب على آخره.

دخل.

رأى يونس جالسًا على الكنبة، ملتفًا داخل البطانية، وعيناه نصف مفتوحتين بين النوم والخوف.

رفع الطفل بصره إلى جاسر، وتأمله بفضول بريء.

يونس: "هو بابا جاي يقعد معانا يا ماما؟"

بلع جاسر ريقه بصعوبة.

الرجل الذي لم يعرف الدموع، لمعت عيناه رغماً عنه.

ثم انحنى قليلًا وقال بصوت أخف:

جاسر: "لا يا بطل... أنا جاي عشان أخدك ونروح سوا مشوار صغير هيعجبك أوي."

ومد ذراعيه إليه.

حمله.

اقتربت غزل بسرعة:

غزل: "نزل الولد. هشيله أنا."

هز رأسه دون أن ينظر لها.

جاسر: "لا. أنا اللي هشيله."

وخرج.

كانت الحارة تبدو ميتة، لكن الشبابيك وحدها كانت يقظة.

ستائر تتحرك، وعيون تلمع من خلف الزجاج، تراقب المشهد في صمت جائع.

في السيارة

كان جاسر يقود بعنف مكتوم، قابضًا على عجلة القيادة حتى كادت عظام أصابعه تتكسر من شدة الضغط.

وفي المقعد الخلفي، جلست غزل تحتضن يونس الذي عاد للنوم، بينما كانت هي في أقصى درجات اليقظة والتوتر.

قطعت الصمت:

غزل: "معمل إيه اللي فاتح الفجر؟"

أجاب دون أن يحيد بعينيه عن الطريق:

جاسر: "معمل د. رأفت. صاحبي. وهيفتح مخصوص. وهيطلع النتيجة كمان ساعة. بالفلوس... كل حاجة بتحصل."

سألته وهي تراقب جانبه المتحجر:

غزل: "وبعد النتيجة بقا؟"

رفع عينيه إلى المرآة، ونظر إليها نظرة حادة كسكاكين.

جاسر: "هتتحاسبي. بسيطة إهي"

ضحكت غزل ضحكة قصيرة ساخرة.

غزل: "وإنت مش هتتحاسب زيي ولا اي؟"

وقبل أن يرد، تمتم يونس وهو غارق في النوم:

يونس: "...بابا..."

ضغط جاسر على الفرامل فجأة.

صرخت السيارة فوق الأسفلت.

شهقت غزل بعنف:

غزل: "بطل جنان! هتموتنا!"

لكنه لم يلتفت.

أسند رأسه إلى الدركسيون، وأنفاسه تصعد وتهبط بعنف.

ثم قال بصوت مكسور:

جاسر: "الواد... قال بابا. تاني."

نظرت إليه غزل طويلًا، ثم قالت بمرارة:

غزل: "عشان إنت باباه. سواء حللت ولا محللتش. الدم بيحن يا جاسر. بس إنت قلبك مات خلاص، مش قادر تشوف لهفة ابنك عليك. كل همك تدوس عليا وبس. أنا كنت مراتك، واللي حصل بينا حلال مش حرام، بس أقسم بالله لحاسبك على سكوتك طول السنين دي."

شد فكه بقوة وقال:

جاسر: "قلبي مات يوم ما شوفت السي دي. اللي بترقصي فيه... وبتلفي وسط رجالة بشنبات وكلهم بيتخيلوكي في أوضاع شبهك."

استدارت له بحدة، وعيناها تقدحان نارًا:

غزل: "متغلطش ولسانك ده تلمه وانت بتتكلم معايا.

انت مفكرتش تسأل عليا؟

مفكرتش تسأل حتى الرقص اللي سيادتك بتعايرني بيه دا ده حد غصبني عليه ولا لا؟

انت روحت وكنت هتتجوز واحدة غيري انت خاين؟"

لف لها نصف التفاتة وهو يقود، وصاح:

جاسر: "ماكنتش هتجوزها! أبوكي اتقتل! وإنتي اختفيتي! ووجعتي قلبي! هيكون فيا حيل لجوازة وأدخل واحدة حياتي إزاي؟"

ضربت غزل بيدها على المقعد:

غزل: "بس اتفقت مع عطية! ولبست البدلة! وأنا شوفتك!"

زمجر:

جاسر: "كدابة!"

رفعت ذقنها بتحدٍ:

غزل: "احلف؟ طب احلف إنك مالبستش بدلة الفرح! احلف إنك ماقولتش لأمك خلاص هننسى غزل!"

سكت.

لأنه لم يستطع أن يحلف.

لأنه بالفعل كان يرتدي البدلة.

قال أخيرًا بصوت منخفض مرتبك:

جاسر: "كنت... كنت هعمل كده عشان أنقذ سمعتي. بس ماكنتش هكمل. فيها... وبعدين إنتي شوفتيني إزاي وانتي كنتي هربانة؟"

انكمشت ملامحها بتوتر وقالت:

غزل: "مش فارقة بقا اللي حصل حصل."

ضرب هو الدركسيون بقبضته.

جاسر: "ماشي يا غزل."

وأكمل القيادة.

معمل د. رأفت — الثانية والنصف فجرًا

كان د. رأفت رجلًا خمسينيًا شاحب الوجه، فتح المعمل وهو يلعن اللحظة التي عرف فيها جاسر.

دخلوا مسرعين.

وضع جاسر يونس فوق السرير الطبي وقال بلهجة آمرة:

جاسر: "اسحب. دلوقتي. عايز النتيجة قبل الشمس ما تطلع."

نظر رأفت إلى غزل ثم إلى جاسر وسأله بحذر:

رأفت: "والمدام تبقى مراتك على كده؟"

التفت جاسر إلى غزل للحظة قصيرة، ثم قال:

جاسر: "أيوة. غزل تبقى مراتي."

ارتجف شيء خفي داخلها، لكنها لم تعلق.

تقدمت إلى جوار يونس، وأمسكت يده.

غزل: "اسحب يا دكتور. وخلصنا."

سحب رأفت عينة الدم من يونس، فبكى الصغير.

ضمت غزل رأسه إلى صدرها وربتت عليه:

غزل: "بس يا حبيبي... خلاص."

أما جاسر فوقف بعيدًا، عاجزًا عن النظر.

ومع كل بكاء يخرج من الطفل، كانت قطعة جديدة تنخلع من قلبه.

ثم سحب رأفت العينة من جاسر.

لم يرمش.

وقال بعدها:

رأفت: "ساعة. استنوا في المكتب وأنا هجيبلكم النتيجة."

في المكتب

كان جاسر يتحرك ذهابًا وإيابًا كوحش حُبس داخل قفص ضيق.

بينما جلست غزل تضم يونس، مغمضة العينين، كأنها تحاول أن تمنع رأسها من الانفجار.

فجأة توقف جاسر أمامها.

ظل يحدق فيها طويلًا، بنظرة متشابكة من الكره والغضب والحب والشوق.

ثم سأل بصوت خرج كطعنة:

جاسر: "إنتي نمتي مع كام واحد بعدي؟"

فتحت غزل عينيها ببطء.

وشعرت بقلبها يتحطم إلى ألف قطعة.

ثم قالت:

غزل: "كتير."

انفجر جاسر كمن لُدغ بنار.

جاسر: "غزل!"

انتفض يونس من نومه مذعورًا، واتسعت عيناه الصغيرتان.

فصرخت فيه غزل بعصبية موجوعة:

غزل: "حرام عليك! فزعت الولد!"

ثم نهضت واقفة دفعة واحدة.

كان صدرها يعلو ويهبط، وملامحها ترتجف بين القهر والغضب.

حدقت فيه كأنها تراه لأول مرة، وقالت بصوت مختنق:

غزل: "انت بتفكر إزاي ها؟

 قلبك اتجرأ إمتى انه يتهمني وظنونك فيا توصل لكده؟

انت جوزي ولسه على ذمتك، غير ده كله أنا كنت حامل وفي حتة منك جوايا.

ولما ولدت يونس راعيت ربنا فيه، ومكنتش هسامح روحي لو لوثت نفسي عشان سمعة الواد وسط الناس.

أنا حافظت على نفسي وسمعتي...

انت اللي خاين."

اهتز فك جاسر بعنف، وصاح:

جاسر: "ما تقوليش خاين!"

ضحكت غزل ضحكة مهزوزة من شدة الألم، ومدت ذراعيها في الهواء كأنها تحاكمه:

غزل: "أمال أقول إيه؟

يا اللي سيبتني بعد ما خدت شرفي؟

يا اللي وعدت وماجتش عندي؟

ولا أشهرت ولا أعلنت جوازنا؟"

قبض جاسر على شعره بيده، وشدّه كأنه يريد اقتلاع الذكريات من رأسه.

ثم قال بصوت متكسر:

جاسر: "كنت جاي! أقسم بالله كنت جاي!

بس فاطمة أغمى عليها في الفرح! شالوها المستشفى!

على ما رجعت... كان المخزن فاضي! وفيه دم!" والله كنت هروح ل ابوكي واعترفله 

شهقت غزل، وبهت وجهها.

غزل: "دم؟ دم مين؟"

رفع عينيه إليها، وفيهما ارتباك سنين:

جاسر: "دم أبوكِ.

لقيته مرمي... وجنبه طرحتك.

فكرت إنك قتلتيه وهربتي."

تراجعت غزل خطوة، ثم أخرى، حتى اصطدمت بالمكتب خلفها.

وضعت يدها فوق فمها وهي تهز رأسها بعنف.

غزل: "

أنا لما رجعت لقيته مدبوح!

طرحتي؟ أيوه طرحتي! كنت بحاول أفوقه من غلبي جالي استنكار انه ممتش واتخضيت وجريت وسيبتها هناك

ساد الصمت.

صمت ثقيل هبط فوق رؤوسهما كالصاعقة.

كل واحد منهما كان يعيد ترتيب السنوات الخمس الماضية في رأسه.

كل اتهام.

كل كراهية.

كل دمعة.

كل لعنة.

ثم رفعا رأسيهما معًا.

ونطقا في نفس اللحظة، بنفس الذهول:

الاثنان: "يبقى في حد تالت... كان في المخزن."

وقبل أن يستوعبا حجم الكارثة...

دوّى طرق خفيف على الباب.

التفتا.

دخل د. رأفت.

وجهه مشدود، وفي يده ورقة بيضاء.

شعرت غزل أن قلبها توقف.

أما جاسر فمد يده وخطف الورقة منه بعنف.

فتحها.

لم يكن فيها سوى سطر واحد.

"نسبة الأبوة: 99.99% — جاسر عبدالحميد هو الأب البيولوجي للطفل يونس."

ساد السكون.

حتى أنفاسهم بدت مسموعة.

قال رأفت وهو يحاول أن يخفف التوتر:

رأفت: "مبروك يا جاسر... الواد ابنك. أظن عارف هتعمل إيه. لازم تعلن جوازك منها وسط الحارة كلها."

لكن جاسر لم يسمع بقية الكلام.

كان يقرأ السطر مرة...

ثم ثانية...

ثم ثالثة...

ثم عاشرة.

يده أخذت ترتعش.

والورقة نفسها اهتزت بين أصابعه.

رفع عينيه ببطء نحو غزل.

غزل كانت تنظر إليه بأنفاس محبوسة، وقلب مرعوب، ودموع لم تنزل بعد.

طبق الورقة ببطء شديد.

ووضعها في جيب الأفارول.

ثم اقترب منها.

خطوة.

ثم خطوة.

حتى صار أمامها تمامًا.

مد يده.

أمسك ذراعها.

لم تكن قبضته عنيفة... لكنها كانت قوية، حاسمة، ممتلئة بما لا يقال.

ثم شدها نحوه.

إلى حضنه.

حضن واحد...

لكنه كان أثقل من خمس سنوات كاملة.

حضن يكسر الضلوع من شدة الضغط.

حضن ممتلئ بالغل، والشوق، والقهر، والندم، والدموع المؤجلة.

دفن جاسر وجهه في شعرها، وتنفس رائحتها كالغريق الذي وجد هواءه بعد غرق طويل.

وخرج صوته مبحوحًا، مكسورًا، يكاد لا يُسمع:

جاسر: "ابني... يونس... ابني."

تخشبت غزل في البداية.

جسدها كله فقد القدرة على الحركة.

ثم شيئًا فشيئًا...

انفكّت صلابتها.

واهتز كتفاها.

وانهارت في حضنه، باكية بصمت موجع، كأنها تخرج من صدرها خمس سنوات من القهر دفعة واحدة.

ظل جاسر يضمها أكثر.

كأنه يحاول أن يعيدها إلى مكان كان يجب ألا تخرج منه أصلًا.

بعد ساعتين — قهوة عم سيد

كانت الحارة كلها متجمعة.

رجال فوق المصاطب.

نساء عند الأبواب.

أطفال يجرون بين الأرجل.

والكل يلوك الخبر دون أن يعرف حقيقته.

كان الحاج عطية يضرب كفًا بكف وهو يهتف:

الحاج عطية: "يعني إيه؟! الواد ابنه؟!"

وفي تلك اللحظة، دخل بليه يركض كعادته، يلهث حتى كاد يقع.

بليه: "يا حاج! يا ناس! جاسر خارج من المعمل! وشايل الواد! وماسك إيد غزل!"

شهقت امرأة:

امرأة: "يا لهوي! هيتجوزها؟!"

ورد رجل من آخر القهوة:

رجل: "ده كان هيقتلها إمبارح!"

وفجأة...

سكت الجميع.

كل الرقاب التفتت ناحية أول الحارة.

كان جاسر يدخل بخطوات ثابتة.

يحمل يونس فوق كتفيه، والصغير يضحك ويلعب في شعره الأسود بخشونة طفولية.

وفي يده الأخرى...

يمسك يد غزل.

غزل كانت تسير إلى جواره ورأسها مرفوع.

لأول مرة منذ خمس سنوات، لم تكن امرأة هاربة... بل امرأة عائدة لتأخذ مكانها.

تقدم الثلاثة حتى وقفوا في منتصف الحارة.

أنزل جاسر يونس عن كتفيه.

ثم استدار ببطء، ومر بعينيه على كل الوجوه المذعورة، والعيون الفضولية، والأفواه المفتوحة.

أخذ نفسًا عميقًا.

ثم قال بصوته الذي هز الحديد والحجر:

جاسر: "اسمعوني كلكم... وافتحوا ودانكم كويس عشان اللي جاي كبير

يتبع 

               الفصل الثاني من هنا

لقراءة باقي الفصول من هنا

 

تعليقات



<>