رواية رقصه علي حطام القلب الفصل الثاني2 بقلم هاجر عبد الحليم

رواية رقصه علي حطام القلب الفصل الثاني2 بقلم هاجر عبد الحليم
قصة رقصة علي حطام القلب
هاجر عبدالحليم 
الحلقة الثانية
كان *الحاج عطية* أول من استطاع أن يجد صوته. كرشه يهتز، والسلاسل الذهبية على صدره تلمع بضوء باهت كأنها تخجل من نفسها. " . إحنا مكناش نعرف إنك كاتب عليها يبني سامحنا"  
رفع *جاسر* عينيه إليه. كانت نظرة واحدة كافية لتجعل الرجال يتراجعون خطوة إلى الوراء.  
خمس سنين والبت بتتشتم في شرفها، وأبوها مدبوح ومقتول واحنا بدل م نكون ف ضهرها بقينا مع الأيام ضدها،  انا غلط معاكم اني سكت ومعرفتش حد اني كنت متجوزها بس كله لازم يضع ليه حد وكفايا مهزلة كله استوي
تقدم *عم سيد* خطوة، وقد أطفأ جمرة الشيشة بأصابعه المرتعشة. ". حقك. بس للدنيا ياجاسر مش سبهللة ...المنطقة ليها كبير. وليها أصول."  
هنا، تركت *غزل* يد جاسر. تقدمت وحدها إلى منتصف الدائرة. كانت تمشي فوق الزجاج المكسور من نظراتهم، ولا تنزف.  
"أصول؟"  
خرج صوتها ثابتًا، نحاسيًا، مصقولًا بخمس سنوات من الوجع.  
اصولكم دي متمشيش عليا
مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت الدفتر الأسود. رفعته عاليًا كأنها ترفع شاهد قبر.  
كان جلده متشققًا، ورائحته عفن ودم قديم، وذكريات لم تُدفن.  
*غزل*: "ده دفتر الحاج نصار. اظن عارفينه كويس
سرت في الحارة شهقة واحدة، كأن الروح خرجت من الأجساد دفعة واحدة.  
*امرأة*:  ده دفتر الحساب؟"  
فتحت *غزل* الصفحة الأربعين. كانت أصابعها ترتعش، لكن صوتها حين خرج كان من حديد:  
"اقرأ يا حاج عطية. بصوتك. عشان اللي ورا يسمع.   
ارتجفت ساقا *الحاج عطية*. أمسك الدفتر كأنه يمسك جمرة. سقطت عيناه على السطر، فقرأه بصوت متهدج:  
"استلمت من الحاج عطية الجزار: 200 ألف جنيه. مقابل السكوت عن الأرض."  
انفجرت الحارة.  
*شاب*: " نصاب يا عطية! دي فلوس يتامى! كنت بتأكلنا حرام يامفتري !"  
*امرأة*: "يا خاين العشرة! كنت بتصلي جنبنا وإنت سارق وحرامي اه ياضلالي؟!"  
هوى *عطية* على ركبتيه. ضرب الأرض بكفه. "والله ما... ما كنت أعرف إنه هيموت وذنبه هيتعلق ف رقبتي العمر كله! سامح ايوة... سامح بيه هو اللي قال لو نصار فتح بوقه هنخلص عليه! أنا خوفت! أنا جبان!"  
كان *جاسر* عليه كالصاعقة. أمسكه من تلابيب جلبابه ورفعه حتى تدلت قدماه في الهواء.  
"سامح؟ سامح بتاع الحديد؟"  
*عطية*: يختنق. "أيوه! هو! نصار كان هيبلغ عنه! عشان كان بيهرب سلاح في عربية الحديد! وقالي هيديني الأرض لو سكت!"  
اقتربت *غزل*، وعيناها بئران من نار سوداء.  
"وسكت. وسبت أبويا يتقتل. وسبتني أتهان. 
*عطية*: يبكي كالأطفال، ودموعه تسيل على لحيته البيضاء. "سامحيني يا بنتي... سامحيني... كنت جبان! !"  
قذفه *جاسر* أرضًا كأنه كيس قمامة. "جبنك قتل راجل أشرف منك. 
*عطية*: يزحف على ركبتيه. "هعترف! هروح القسم دلوقتي! بس سامحوني! 
جاءت *فاطمة* تركض من بيتها،  "جاسر! خلاص
زأر *جاسر*: "خليه يموت. بحسرته عشان يحس بنص اللي حسيناه!"  
صرخت *فاطمة*: "وأخوك راضي؟ 
تجمد *جاسر* في مكانه كأن مسمارًا دُق في رأسه. "راضي ماله؟ انطقي!"  
ازدرد *عطية* ريقه، وصوته خرج كفحيح الأفعى: "راضي... راضي هو اللي قتله يا جاسر. سامح طلعه من السجن. كان مديون له. قاله اقتل نصار وهديك بودرة. وفلوس. وهو... وهو نفذ اخوك كان مدمن مخدرات."  
ساد الموت. لا صمت. الموت نفسه هبط على المكسّر.  
*أخوه*. دمه. لحمه. راضي الذي علمه كيف يمسك المفتاح الإنجليزي. راضي الذي مات مسمومًا في السجن منذ سنة، وقالوا مات من جرعة زيادة.  
تراجع *جاسر* خطوتين إلى الوراء حتى اصطدم بالحائط. "راضي... قتل نصار؟ أخويا... قتل حمايا لا مش ممكن انتو كدابين   
ركضت إليه *غزل*. أمسكت وجهه بكفيها الصغيرين، وأجبرته أن ينظر في عينيها. "جاسر... بص لي. راضي مات. حسابه عند اللي خلقه. فاضل الراس الكبيرة. اللي حرك الكل. سامح وانا وانت اللي هنخلص الكل من شره  
خرج *بليه* من بين الرجال ينتحب. "يا معلم! يا معلم سامحني! أنا اللي وديت الظرف! أنا السبب!"  
استدار إليه *جاسر* ببطء. عيناه لم يكن فيهما حياة. "ظرف إيه يا بليه؟"  
*بليه*: يضرب على صدره. "سامح اداني 10 آلاف. قالي ودي الظرف ده للحاج نصار. قوله لو ماجاش المينا بكرا... هنجيب بنتك في شوال. أنا وديته. والحاج  كتب ورقة. قالي خبيها... ولو مت اديها لجاسر. بس سامح مسكني أول الحارة. خد الورقة. شخبط على اسمك. عشان يلبسهالك. قالي: خلي المخرطة يلبسها بدالي."    
همس *جاسر*، وصوته كأنه قادم من بئر: "كان عايز يلبسني انا. عشان يخلص مني ومن نصار في ضربة واحدة."  
أكملت *غزل* والدمع يتحجر في مآقيها: "بس هو لبسني أنا. وقال إني قتلت أبويا وهربت. عشان يداري على أخوك."  
ضرب *عم سيد* نبوته في الأرض. " الحارة دي كانت ماشية على دمنا احنا لازم نتحرك وقتي
قال *جاسر*، وصوته عاد إليه، أقوى، "وخلصنا. الدم هيقف النهاردة.  سامح فين؟"  
أجاب *بلية: "في المخزن القديم. على السكة الصحراوي. مستخبي زي الفار. ومعاه رجالة بسلاح مستعدين يقتلوه اللي يهوب ناحيتهم  
صرخت *فاطمة* وهي تمسك بذراع أخيها: "هتعمل إيه يا جاسر؟ هتروح له؟ هيقتلوك! معاه سلاح وانت أعزل! كفاية موت وخراب انا مليش غيرك!"  
نظر *جاسر* إلى غزل. لم ينطق. فقط نظر.  
فهمت *غزل*. هزت رأسها. "تاري وتارك واحد. 
اعترض *الحاج عطية* وهو يحبو: "... استنوا! خدوني معاكم! أنا هشهد! أنا هكفر عن ذنبي! خلوني أموت راجل!"  
رد *جاسر* دون أن ينظر إليه: "هتشهد في القسم. مش في المخزن. خليك هنا. احمي الواد. لو جرالي حاجة... الواد أمانة في رقبتك، وفي رقبة الحارة كلها."  
نزل *يونس* من حضن فاطمة. ركض وتعلق بساق أبيه. رفع رأسه الصغير: "بابا... هتحارب الوحش؟"  
انحنى *جاسر* وحمله وقبله من جبينه. "أيوه يا قلب بابا. هحارب الوحش. عشانك. وعشان ماما. خليك راجل. وماتخفش. 
قال *يونس* ببراءة: "مش خايف. عشان إنت بابا. وبابا أقوى واحد في الدنيا."  
التقطت *غزل* ماسورة حديد صدئة من على الأرض. وزنها في يدها. "يلا."  
سألها *جاسر*: "متأكدة يا بنت نصار؟ الطريق ده... مفيهوش رجوع."  
أجابت *غزل* وعيناها تلمعان ببريق لم يره منذ خمس سنوات: "خمس سنين وأنا بحارب لوحدي في الشوارع. النهاردة... عايزة أحارب جنب جوزي. عايزة أجيب حق أبويا بإيدي. قدام عينك."  
ابتسم *جاسر* نصف ابتسامة. كانت الأولى التي تشق وجهه منذ عصور. "
خرجا.  
يدًا بيد.  
هو بالأفارول المتسخ والكتف المجبر الذي بدأ ينزف من جديد. هي بالعباءة السوداء والماسورة في يدها كأنها سيف.  
وخلفهما... انفجرت الحارة. رجال بشوم وعصي وسكاكين. نساء تزغرد زغاريد حرب.  
*عم سيد*: يلوح بنبوته في الهواء. "اللي يقرب من الواد... هكسر عضمه وهاكله حي!"  
---
الشمس حارقة، والمخزن المهجور يقف كتابوت صدئ في قلب الصحراء.  
*سامح بيه*: جالس خلف مكتب مكسور، يحتسي قهوته الباردة. أمامه مسدس لامع. حوله ستة رجال، وجوههم قاسية، وبنادقهم جاهزة.  
*رجل*: "يا باشا... جاسر جاي. ومعاه الناس كلها. الحارة كلها طالعة وراه."  
قهقه *سامح*، ونفث دخان سيجارته. "خليه يجي. ومراته هاخدها . زي ما كان نفسي من زمان. أربيها من أول وجديد."  
لم يكمل جملته.  
الباب الحديدي الضخم انخلع من مكانه بركلة واحدة. طار وارتطم بالحائط.  
*جاسر*: دخل. كان كالموت إذا جاء ماشيًا. عينه حمراء من الغضب والدم. الجنزير يتدلى من يده السليمة ويجر على الأرض محدثًا صريرًا يشبه صرير الأرواح.  
*غزل*: خلفه مباشرة. الماسورة في يدها تقطر زيتًا. وجهها بارد كالرخام، ميت كقلبها القديم. لا خوف فيه. بل ثأر عمره خمس سنوات.  
وقف *سامح* ببطء. ابتسم ابتسامة صفراء. "أهلاً بالمعلم وبالمدام. إيه؟ جايين تترجوا؟ جايين تسلموا الواد عشان أعفي عنكم؟"  
زأر *جاسر*، وصوته هز الصاج: "جايين ناخد روحك. قصاد روح نصار. وقصاد شرف مراتي. وقصاد طفولة ابني. وقصاد أخويا اللي رخصته وبعته بالرخيص."  
ضحك *سامح*: "نصار؟ ده كان حشري وحاشر مناخيره ف اللي ملهوش فيه وهيوديني في داهية. وأخوك... كان أرخص كلب اشتريته في حياتي. بجرعة بودرة. باعك، وباع أبوك، وباع شرفه."  
لم ينتظر *جاسر* كلمة أخرى. لوّح بالجنزير. لف على رجل كرسي حديد. انتزعه من الأرض وقذفه. طار الكرسي وشج رأس أحد الرجال.  
*رجال الحارة*: كبسوا من الأبواب الخلفية كالطوفان. "عليهم يا رجالة! ده حق الحاج نصار! ده حق كل واحد اتظلم!"  
*غزل*: كانت تقاتل تحمي ظهر جاسر، وكل من يقترب منها تهوي عليه بالماسورة على رأسه أو كتفه. "
*جاسر*: يكسر ويضرب ويزأر. كتفه ينزف بغزارة والجبس تشقق. لكن عينه لا تفارق غزل. كلما تعثرت، يزيح رجلين ويشدها لتقف. "قومي! 
رأى *سامح* أن الكفة تميل. سحب المسدس وصاح: "هخلص عليكم إنتو الاتنين! زي ما خلصت على العجوز الخرفان ابوكي!"  
صوب المسدس نحو صدر *غزل*.  
لمحته عين *جاسر*. لم يفكر. لم يحسبها. رمى جسده كله أمامها.  "  
دوى صوت الرصاصة في المخزن المغلق كأنه قنبلة.  
اخترقت الرصاصة كتف *جاسر* السليم، وخرجت من الناحية الأخرى. سقط على ركبتيه، والدم ينفجر من كتفيه الاثنين.  
صرخت *غزل* صرخة شقت السماء: "جاسر!!!"  
ضحك *سامح* بهستيريا: "اخيرا خلصت عليكم  
وجه المسدس مرة أخرى، هذه المرة إلى رأس جاسر.  
تحولت *غزل* إلى شيء آخر. لم تعد امرأة. صارت إعصارًا.   
قبل أن يضغط الزناد، كانت قد قفزت. ضربت يده بالماسورة بكل غل السنين. طار المسدس وسقط بعيدًا.  
لم تعطه فرصة. انقضت عليه كالنمر. طرحته أرضًا وجلست على صدره. أمسكت الماسورة بكلتا يديها ورفعتها.  
*غزل*: تصرخ والدموع تنهمر: "ده قصاد أبويا!" وهوت بالماسورة على فكه، فكسرته.  
"وده قصاد ابني اللي اتولد يتيم وابوه عايش!" ضربة أخرى على ضلوعه.  
"وده قصاد كل ليلة نمتها في الشارع جعانة وخايفة وبقول يارب!" رفعت الماسورة لتخلص عليه.  
*جاسر*: يزحف على الأرض، والدم يرسم خطًا خلفه. أمسك قدمها. "غزل... كفاية. سيبيه... للحكومة هي اللي تحاسبه. خلينا... أنضف منه. كفاية... 
تجمدت *غزل*. 
صرخت وبكت ورمت الماسورة بعيدًا. ارتمت على صدر جاسر المدمى. "جاسر...
في اللحظة نفسها، اقتحمت الشرطة المخزن بالسلاح.  
*الضابط*: "ارمي الجنزير ياجاسر
رفع *جاسر* رأسه بصعوبة. أسندته غزل. همس والدم على شفتيه: "خدوه قبل م ارتكب جناية فيه
يُكبل *الضابط* سامح المكسور. "سامح بيه... انت متهم ف قضايا قتل، ، وتهريب سلاح، وخطف، وتزوير. ولازم تتفضل معانا."  
فتح *سامح* عينًا متورمة ونظر إلى جاسر وهو يُسحب. بصق دمًا وقال: "كسبت الجولة دي يا مخرطة. بس الحارة... عمرها ما هتنسالك إنك اتجوزت رقاصة. هتفضل وصمة في ضهرك... وفي ضهر ابنك."  
زحف *جاسر* حتى صار وجهه لوجه سامح. همس له حتى لا يسمع إلا هو:  
" الرقاصة دي... هي اللي كسرت مناخيرك. والبلد كلها هتشيلها على راسها من النهاردة. وانت... هتتعفن في السجن. لوحدك. وإحنا... هنعيش. غصب عنك   
---
*بعد أسبوع — بيت نصار*
الشمس تتسلل خجولة من الشباك.  
على واجهة البيت، يافطة جديدة، خطها ذهبي، محفور في الخشب:  
_"مخرطة الحاج نصار وجاسر المخرطة وحرمه المصون"_  
*يونس*: يلعب أمام الورشة. يرتدي أفارولًا صغيرًا على مقاسه، مكتوب عليه بخيط أحمر "المعلم الصغير". يوزع الشاي على الصنايعية ويصرخ: "الشاي سخن يا أسطة!"  
*فاطمة*: واقفة على نار هادئة، تبيع الشاي والقهوة . سامحت غزل من قلبها، وصارت تناديها "يا مرات أخويا يا غالية".  
*الحاج عطية*: يكنس أمام الورشة كل فجر. كفارة. وتوبة. وشيبة رأسه تنحني كلما مرت غزل. "صباح الخير يا ست الكل. الورشة نورت."  
خرجت *غزل* من الداخل، تحمل صينية فطور. ترتدي عباءة بيتي لونها سماوي كلون السماء بعد المطر. لأول مرة منذ خمس سنوات... ضحكتها تخرج من القلب،  
*جاسر*: متكئ على الباب، كتفه ما زال في حمالة طبية، لكنه يرتدي جلبابًا أبيض جديدًا، مكويًا. يشرب الشاي. وينظر إليها كأنه يراها لأول مرة. كأنه خلق من جديد على يديها.  
*غزل*: تضع الصينية. "الفطار يا معلم. كل لقمة قبل م يبرد."  
*جاسر*: يمسك يدها قبل أن تبتعد. "وحشتيني."  
*غزل*: تحمر خجلًا، وتسحب يدها بضحكة. " عطية مصمم يعمل فرح. بيقول كفارة، وبيقول لازم الحارة كلها تشهد عليه."  
*جاسر*: يقطب جبينه بمرح. "فرح إيه يا بت؟ إحنا متجوزين. رسمي. وقدام ربنا وقدام الحكومة وقدام المأذون. ولا نسيتي القسيمة اللي عليها ختم النسر لا شكلك نسيتي م  تيجي اثبتلك؟"  
*غزل*: تجلس قبالته.  تعرف يا جاسر. هو عايز يفرح الحارة. عايز الناس كلها تشوف إن غزل بنت نصار... بقت ست جاسر المخرطة.
 وقدام الكل. عايز يمسح العار اللي لزقه فينا."  
*جاسر*: يتنهد. "موافق. بس بشرط واحد، ومفيهوش فصال."  
*غزل*: ترفع حاجبها. "شرط إيه يا سي جاسر؟"  
*جاسر*: يميل نحوها، وهمس: "ترقصي. بس ليا أنا. في أوضتنا. وباب مقفول. مش على مسرح. رقصة ليا... قصاد خمس سنين وجع. ."  
احمر وجه *غزل* حتى صار بلون الرمان. ضربته على صدره بخفة. "قلة أدب! وبكتفك ده؟"  
*جاسر*: يمسك يدها ويقبلها. "يابت دا الدهن ف العتاقي وراجلك جامد ميتخفش عليه  
*غزل*: تبتسم، ودمعة فرح تلمع في عينها. "موافقة. بس إنت هتطبل. على الطبلة البلدي. ."  
*جاسر*: يضحك. "هطبل... وهزغرط كمان. لو عايزة.. وهشيلك على راسي قدام الدنيا كلها. انا اطبل وانت ارقص ياجميل"  
يأتي *يونس* راكضًا وفي يده كيس. "بابا! ماما! عمو عطية جاب لب وسوداني وحلاوة! وقال الفرح بكرا عشانك إنت وماما! وقال ده أقل واجب!"  
يحمله *جاسر* بذراع واحدة ويقبله من خده. "أيوه يا بطل. فرح عشان ماما. عشان الناس كلها تعرف إنها ست الكل. وإنها مرات أبو يونس. رسمي. وشريفة. وغالية."  
تحتضن *غزل* الاثنين، وتدفن وجهها في عنق جاسر. رائحة الأمان. 
كان *جاسر* جالسًا على كنبة من الخشب العتيق، كتفه ما زال معلقًا في حمالة طبية، والجلباب الأبيض مفتوح عند صدره. عيناه، لأول مرة، لا تبحثان عن خطر في الزوايا، بل تستقران على هدوء لم تعرفاه من قبل. 
خرجت *غزل* من المطبخ، تحمل صينية عليها شاي بالنعناع وأقراص طرية تفوح منها رائحة السعادة. ترتدي عباءة بيتية بلون السماء الصافية، وشعرها معقود بتوكة قماش بسيطة. لا كحل يزين عينيها، ولا زينة. فقط وجهها الذي غسله الفرح فعاد قمرًا. 
أما *يونس*، فكان نائمًا على الأرض، متوسدًا ساق أبيه، وفي قبضته الصغيرة قطعة حلاوة، وشفتاه تبتسمان في نومه. 
وضعت *غزل* الصينية وجلست عند قدميه. 
*غزل*: "صباحية مباركة يا معلم. ." 
مد *جاسر* يده ورفع ذقنها بأصبعه. ظل ينظر في عينيها طويلًا، كأنه يتأكد أنها حقيقة وليست حلمًا سيصحو منه فيجد نفسه وحيدًا. 
*جاسر*: "صباحية مباركة ياغزلي." 
ضحكت، ضحكة خرجت من بئر عميق في صدرها، ضحكة لم يسمعها هو منذ خمس سنوات. 
*غزل*: "انت مش قولت إنك راجل وجامد ومفيش منك زي ف عشان تحافظ ع قدراتك دي لازم تاكل اكل حرش زيك كدا بالظبط دهن ف العتاقي بصحيح" 
قهقه. قهقهة حقيقية هزت صدره، وهزت جدران البيت الذي اعتاد على الأنين. 
*جاسر*: "دهن إيه يا بت؟ أنا كتافي الاتنين بايظين. واحد بجبس والتاني برصاصة." 
*غزل*: رفعت كوب الشاي إلى شفتيه، وأشارت إلى قلبه. " بس قلبك سليم ياجاسر" 
---
طرقٌ خفيف على الباب. خجول، متردد.
*بليه*: "يا معلم... المعلم عطية بيقولكم المفتاح اهو
وضع المفتاح على العتبة وجرى كأنه يخشى أن تصيبه لعنة. 
نظر *جاسر* إلى *غزل*. 
*جاسر*: "شايفة؟ 
*غزل*: هزت رأسها. "عطية ده... قلبه اتكسر لما شاف الدفتر. الراجل تاب. بس التوبة لوحدها مش كفاية." 
*جاسر*: "بيدفع. كل يوم. مبلغ ع فكرة مش قليل خالص غير إنه بيكنس وبيخدم. سايبه. سيبه يكفر عن ذنبه وهو مرتاح لدا" 
في تلك اللحظة، دخلت *فاطمة* وهي تحمل صينية كنافة تفوح منها رائحة السمن البلدي. وجهها مورّد، وعيناها تلمعان بفرح حقي لم تره غزل فيهما من قبل. 
*فاطمة*: "كنافة بالسمنة البلدي. عملتها بإيدي. عشان أخويا ومراته كنت عايزاكي ياغزل تسامحيني. 
قامت *غزل* وحضنتها دون تردد. 
*غزل*: "إنتِ أختي. واللي فات مات. خلينا ولاد النهاردة." 
*فاطمة*: تبكي. "يا رب دايمًا متجمعين. يا رب ما أشوفش فيكم يوم وحش تاني." 
---
كانت الحصيرة مفروشة على السطح، والشاي يغلي على راكية فحم صغيرة. الهواء عليل، والمكسّر من فوق تبدو كلوحة قديمة، بيوت متلاصقة، وأسطح عليها غسيل ملون، وأطفال يلعبون. لا دم. لا صراخ. 
كان *جاسر* متمددًا، رأسه على فخذ غزل. مغمض العينين كأنه في سكينة لم يعرفها عمره كله. 
*غزل*: تمرر أصابعها في شعره، تتحسس الجرح الذي بدأ يلتئم في روحه قبل جسده. 
همس *جاسر*: "عارفة يا غزل... من 5 سنين، كنت بطلع هنا كل ليلة بعد ما أقفل الورشة. أقعد أبص للسما  وأتخيلك فيها كنت بدعي... إنك ترجعيلي بنفس الصورة اللي حبيتك فيها. مكنتش عارف أنا عايز أنتقم منك ولا عايز أحضنك. واخبيكي جوايا" 
*غزل*: توقفت أصابعها. "ودلوقتي... عايز إيه؟" 
*جاسر*: فتح عينيه ونظر إليها من الأسفل. "عايز اللحظة دي متخلصش. واخدك لبعيد واشبع منك ع كل لحظة بعد بينا
*غزل*: انحنت وقبلت جبينه. 
ساد الصمت بينهما. صمت مريح، لا يحتاج لكلام. 
ثم جاء صوت *بليه* من الأسفل، يلهث: "يا معلم!  في جواب جايلك من السجن 
تجمد الدم في عروق *جاسر*. اعتدل جالسًا. 
*جاسر*: "هاته." 
صعد *بليه* وهو يرتجف وأعطاه الظرف. 
فتحه *جاسر*. ورقة واحدة. سطر واحد بخط سامح الأعوج: 
_"مبروك شهر العسل يا مخرطة. بس التحليل مزور. حتي اسأل رأفت عليه. يونس مش ابنك. ياحرام ومبروك عليك الرقاصة وتعيش تاخد غيرها ياكرودية ههههههههه."_ 
سقطت الورقة من يد *جاسر*. وجهه صار رماديًا. السواد القديم، سواد الشك، زحف إلى عينيه ببطء كأنه أفعى. 
*غزل*: قرأت. يدها تجمدت على فنجان الشاي فسقط من يدها وتحطم على الأرض. 
*غزل*: "جاسر... بص لي." 
لم يرد. كان ينظر للفراغ. عروق رقبته نافرة كالحبال. 
*غزل*: صرخت فيه. "جاسر! بص في عيني! بعد كل ده... هتصدق النجس دا؟ هو عايز يخرب علينا حياتنا
*جاسر*: صوته خرج ميتًا، مبحوحًا. "رأفت... قالي إن فيه صبي اسمه مدحت. قريب سامح. كان شغال في المعمل وقتها يعني وارد جدا يكون." 
*غزل*: قامت واقفة كأنها لدغت. "يعني إيه ها؟! يعني إيه يا جاسر؟! هتكدبني تاني؟ هتقول إني خلفت من راجل تاني وجيت رميت الواد في حجرك انت ؟!" 
*جاسر*: ضرب على الحائط بيده السليمة حتى أدماها. "أنا... أنا مش عارف أفكر! الشك... الشك ده مرض! بياكل فيا! بياكل فيا ياغزل!" 
*غزل*: دموعها نزلت نارًا تحرق وجنتيها. "يبقى لسه محتاج تتعالج محتاج تغير المرايا اللي بتشوفني بيها لسة شايفني رخيصة. انا همشي وهاخد إبني معايا انت ملكش حق فيه
*جاسر*: "غزل... أنا بحبك. وعلشان بحبك... بخاف. اللي اتلسع من الشوربة..." 
*غزل*: قاطعته وهي تصرخ بكل قهر السنين: "ينفخ في الزبادي! حافظاها! حفظتها منك ومن الدنيا كلها! طب واللي اتحرق؟ اللي اتشوى حي؟ يعمل إيه يا جاسر؟!" ياخسارة حبي ليك مش هقول غير منكم لله كلكم
لم تمنحه فرصة للرد. استدارت ونزلت تجري على السلم، وقلبها يسبق قدميها. 
---
اقتحم *جاسر* معمل د. رأفت. دفع الباب بقدمه حتى كاد يخلعه. 
*رأفت*: فزع من خلف مكتبه. "جاسر 
*جاسر*: رمى الورقة في وجهه. "ده إيه؟!  بدلت العينة يا رأفت؟! بعتني أنا يا صاحبي؟!" 
*رأفت*: قرأ الورقة وشحب وجهه حتى صار بلون الموتى. "أقسم بالله العظيم! أقسم برحمة أمي وأبويا! أقسم بشرف بنتي! التحليل سليم 100%! أنا اللي ساحب العينة بإيدي! مدحت ده... أيوه قريب سامح! وعينته هنا عشان أرضي سامح بيه! بس طردته تاني يوم! أقسم بالله ما لمس عينتكم! ملحقش اصلا!" 
*جاسر*: ينهج كثور جريح. "طب إثبت! اثبتلي إني مش حمار! اثبتلي إني مظلمتش مراتي تاني!" 
*رأفت*: اندفع نحو خزنة حديدية. فتحها وأخرج ملفًا وفلاشة. "ده أرشيف المعمل. كل تحليل بنسخه. وده... ده تسجيل الكاميرا يوم ما جيت إنت وغزل ويونس. اتفرج!" 
شغل الحاسوب. الفيديو بدأ. 
كان *جاسر* في الفيديو يدخل وهو يحمل يونس، ووجهه شاحب كالأموات. *غزل* خلفه، أكثر موتًا منه. *رأفت* يسحب الدم منهما. يضع الأنبوبتين أمامه على المكتب. يغلقهما بالشمع الأحمر. يكتب الاسم والتاريخ بخطه. يضعهما في الصندوق بنفسه. لم يقترب مخلوق منهما. 
*رأفت*: يشير للشاشة ويداه ترتعشان. "أهو. شايف يا جاسر؟ شايف؟ مدحت مادخلش المعمل أصلاً اليوم ده. كان واخد أجازة. سامح بيكدب! بيضرب تحت الحزام عشان يجننك! عشان يخليك تقتلها بإيدك! عشان تتحسر زي ما هو محبوس!" 
هوى *جاسر* على الكرسي. وضع رأسه بين يديه. 
*جاسر*: يهمس بصوت ميت. انا غبي انا مستاهلهاش وجعتها تاني والمرادي الجرح ملوش دوا." 
---
كانت *غزل* تلم ملابسها في حقيبة سفر قديمة. تضع فيها ملابس يونس. جلابية. بنطلون. فانلة. يداها ترتعشان، ودموعها تسقط بصمت على الثياب. 
*فاطمة*: "هتروحي فين يا غزل؟ ده بيتك! ده بيتك إنتي وجاسر! ده حقك هتسيبه لمين!" 
*غزل*: صوتها ميت، خاوٍ. "بيتي؟ البيت اللي جوزي فيه بيصدق ورقة من مجرم كل همه اذانا اخوكي ودني اوي اي حد يرميله كلمة يقعد يفكر فيها ليل ونهار... أنا تعبت يا فاطمة. تعبت أثبت إني شريفة. تعبت أبرر إني مش كدابة. تعبت أكون متهمة في محكمة الناس فيها هما اللي قضاه تعبت من كتر م بستحمل نهش الناس ف لحمي وسيرتي كفاية. هاخد ابني... وهلم اللي باقي من كرامتي بعيد." 
*فاطمة*: تجري عليها وتمسك يدها. "جاسر بيحبك! أقسم بالله بيحبك! بس الشك... الشك لما بيتمكن من راجل بيعمى!" 
*غزل*: تشد يدها بقسوة. "والحب اللي مافيهوش ثقة... يبقى سجن وساعتها البعد ارحم واهون 
انفتح الباب بعنف. 
*جاسر*: واقف على العتبة. يلهث. عيناه حمراوان، ووجهه متعرق. 
*جاسر*: صوته خارج بالكاد. "مش هتخرجي من البيت ده... إلا على جثتي." 
*غزل*: التفتت إليه، ونظرتها خالية من الحياة. "مين هيمنعني بقا انت ؟ 
*جاسر*: دخل خطوتين. "أيوة همنعك عشان انا عمري م اقدر اعيش من غيرك." 
اقترب *جاسر* منها، وأمسك وجهها بيده السليمة. عينه في عينها. 
*جاسر*: "سامحيني. دي آخر مرة. أقسم بالله العظيم، وأقسم برحمة أبوكي، لو شكيت فيكي تاني، لو كلمة من كلب هزتني تاني... اقتليني. وحلال عليكي دمي. عشان ساعتها... ماستاهلش أعيش في ضلك. ماستاهلش أبقى أبو يونس." 
*غزل*: صمتت. ثم خرجت منها الكلمات كطلقة أخيرة: "احنا خلاص حكايتنا خلصت ياجاسر." 
في نفس اللحظة، اندفع *بليه* من على السلم وهو يصرخ: "يا معلم! يا ست غزل! جواب! جواب تاني من السجن!" 
*غزل*: هزت رأسها بهدوء قاتل. "افتحه. المرة دي... هنقراه سوا." 
فتحه *جاسر*. يده ترتجف. سطر واحد بخط سامح الأعوج: 
_"مبروك شهر العسل يا مخرطة. بس فاطمة أختك... كانت بتحب نصار من وهي 18 سنة. وهي اللي صورتك فيديو وإنتِ بترقصي وبعتت لي السي دي عشان أفرقكم. حتى اسألها وهي عمرها م هتنكر إلا لو كان السواد اللي جواها زي م هو."_ 
سقطت الورقة. 
*فاطمة* واقفة. 
وجهها شاحب كلون الأموات. 
والكنافة وقعت من يدها وتناثرت على الأرض.
تعليقات



<>