رواية رساله لم ترسل الفصل الاول1 بقلم يارا علاء الدين

رواية رساله لم ترسل الفصل الاول1 بقلم يارا علاء الدين 

           ( بعد الرحيل

لم يكن المو* ت هو أكثر ما أزعجهم، بل الصمت الذي تركه خلفه.

منذ ثلاثة أيام فقط، كان محمود الجندي يجلس في مقعده المعتاد قرب النافذة، يحتسي الشاي ويعلق على نشرة الأخبار بصوته الذي اعتاد أفراد المنزل سماعه أكثر مما اعتادوا الاستماع إليه.

واليوم...

كان المقعد فارغًا، فارغًا على نحوٍ غريب!

انتهى العزاء أخيرًا، وانصرف آخر المعزين قبل ساعة, ثم عاد البيت إلى هدوئه الثقيل.

جلست جميلة  زوجته، في غرفة الجلوس تحدق في الأرض بصمت. أما ابنهما الأكبر كريم فكان منشغلًا بجمع أكواب القهوة الفارغة من فوق الطاولة.

قالت شقيقته مريم ودموعها تنهمرعلى وجنتيها برفق:

- مش قادرة أستوعب إني مش هشوف بابا تاني.


نظر إليها كريم بحزن:


 كلنا يامريم والله مش لوحدك, ادخلي ارتاحي شوية, إنت تعبانة طول اليوم.


أطرقت رأسها ولم تجب

في الحقيقة، لم يعرف أحد منهم كيف يتصرف, فقد كان الأب حاضرًا في كل شيء، في صوت التلفاز، في رائحة عطره العالقة بالممر، في عويناته التي ما زالت فوق الطاولة الصغيرة بجوار غرفته.


وفي الفراغ الذي تركه داخل كل واحد منهم, كان أقرب إليهم من كل شيء, كان السند الذي غاب فجأة, والحضن الذي طالما لجأوا إليه, وها هم الآن وحدهم يتذوقون مرارة الفقد!

رن جرس الباب، فتعجب كريم وقال:


- مين هييجي دلوقتي؟ 

ثم نهض واتجه إلى الباب، كان ساعي بريد، سلمه ظرفًا أبيضًا كبيرًا ثم انصرف.

أغلق الباب وعاد إلى الداخل قائلًا:


- ده جواب!

رفعت مريم حاجبيها:


- جواب من مين؟ هي الجوابات دي مش اتلغت؟

قلب الظرف بين يديه، ثم رفع حاجبه مستغربًا، لاحظت مريم ذلك فسألته: 


- ها طلع من مين؟

لم يجب, ظل ينظر إلى الاسم المكتوب على الظرف متعجبًا، اقتربت منه وانتزعته من يده، وقرأت بصوت عالٍ:


"إلى عائلة محمود الجندي."

ساد الصمت، وشعور غريب مر بينهم جميعًا, شعور لم يستطع أحد تفسيره بعد!

قالت ببطء:


- يمكن حد من أصحاب بابا، أو ورق من الشغل.

لكن كريم لم يكن ينظر إلى مقدمة الظرف، بل إلى الزاوية السفلية، إلى اسم المرسل.

مد يده وأخذه منها، ثم قال بصوت خافت:


- إزاي يعني...

- إزاي إيه؟

رفع الظرف أمامهم، وكان الاسم مكتوبًا بوضوح:


"المرسل: محمود الجندي."


شعرت مريم بقشعريرة تسري في ذراعيها، وقالت بعصبية:

- إيه الهزار السخيف ده؟

أما جميلة فظلت تحدق في الظرف ولم تستوعب ما يحدث؟


كيف يمكن لرجل مات منذ ثلاثة أيام أن يرسل رسالة؟

فتح كريم الظرف أخيرًا، وأخرج ورقة مطوية بعناية، كانت مكتوبة بخط والده، ابتلع ريقه بصعوبة، ثم بدأ يقرأ,

لكن ما إن وقعت عيناه على السطر الأول حتى تغير وجهه تمامًا، توقف، وشحب أكثر.

قفزت مريم من مكانها:

- إيه؟! مكتوب إيه؟ ساكت ليه ياكريم ما ترد.

رفع رأسه ببطء، ثم همس:

- الرسالة... مش لينا كلنا.

- أمال لمين؟

نظر إليها طويلًا، ثم قال:

 ليا أنا.

وسقطت الورقة من بين أصابعه!

يتبع 
                        الفصل الثاني من هنا


تعليقات



<>