
رواية ثمن العروس بقلم اماني السيد
رواية ثمن العروس الفصل الثامن عشر18 بقلم اماني السيد
ظل مختار ممسكًا بالمقود، وعيناه معلقتان بالطريق أمامه، بينما بقي سؤال غزل معلقًا بينهما.
ـ إيه اللي حصل انتوا رجعوا لبعض ؟ ولا سبتوا بعض ؟؟ ولامكنتوش سبتوا بعض قبل جوازى ؟؟
ظل مختار صامتًا للحظات، وعيناه على الطريق، قبل أن يأخذ نفسًا عميقًا ويقول:
ـ لما إنتِ سبتي البيت... كل حاجة جوايا اتغيرت.
نظرت إليه غزل في صمت.
ـ في الأول كنت مصدوم، وزعلان، ومش فاهم إزاي وصلنا للنقطة دي... لكن بعد ما هديت، حسيت بحاجة عمري ما حسيتها وأنا معاكي.
ـ إيه؟
ابتسم ابتسامة باهتة.
ـ حسيت إني حر.
تغيرت ملامح غزل قليلًا، لكنه أكمل:
ـ لأول مرة من وقت جوازنا حسيت إن مفيش حد مستنيني، ومفيش اختيار لازم ألتزم بيه، ومفيش حاجة بتقولي أنا المفروض أعمل إيه... حسيت إن القرار رجع في إيدي
سكت لحظة، ثم قال:
ـ وساعتها افتكرت ليلى.
لم تتكلم غزل
ـ قلت لنفسي: ليه لأ؟ أنا دلوقتي أقدر أختار... ولو كنت لسه عندي مشاعر ناحيتها، أديها فرصة، وأشوف يمكن اللي حصل زمان كان مجرد ظروف، ويمكن إحنا كنا بنحب بعض فعلًا بس معرفناش نكمل.
نظرت إليه غزل طويلًا، ثم سألت:
ـ وعملت كده؟
ـ أيوه.
قالها ببساطة، دون محاولة لتجميل الحقيقة.
ـ فكيت البلوك... وكلمتها.
خفضت غزل عينيها للحظة، لكنه تابع:
ـ ووقتها كنت داخل الموضوع وأنا مقتنع إني أخيرًا بعمل اللي أنا عايزه. كنت حاسس إن عندي فرصة أختار بين الماضي وبين إني أبدأ من جديد... وكنت عايز أعرف أنا فعلًا عايز مين.
صمت قليلًا.
ـ لكن لما رجعت أتكلم معاها... اكتشفت إن إحساسي مش زي ما كنت متخيل.
رفعت غزل عينيها إليه.
ـ إزاي؟
ـ ليلى كانت في دماغي صورة مبهرة... صورة علاقة قديمة، وذكريات، وحاجات أنا نفسي كنت مكبرها مع الوقت. لكن لما رجعت أتكلم معاها كشخص قدامي... حسيت إن الصورة دي مش هي الحقيقة.
تنهد.
ـ والأهم إني اكتشفت إني مش مبسوط.
ـ رغم إنك إنت اللي اخترت تكلمها؟
ـ أيوه.
ابتسم بحزن.
ـ ودي كانت أكتر حاجة ضايقتني... إني كنت فاكر إن الحرية في الاختيار هتخليني سعيد، لكن لما اخترتها بإرادتي، اكتشفت إني مش عايز أكمل.
ظل الصمت بينهما لحظات.
ثم قال مختار:
ـ وقتها بدأت أسأل نفسي: لو ليلى مش هي اللي عايزها... مين الشخص اللي أنا فعلًا عايز أكلمه؟
تعلقت عينا غزل بوجهه.
ـ وكانت الإجابة؟
التفت إليها مختار للحظة، ثم قال بهدوء:
ـ إنتِ.
ارتبكت غزل، فأدارت وجهها نحو النافذة.
ـ لقيت نفسي عايز أكلمك... أعرف أخبارك، وأعرف كنتِ بتعملي إيه، وأسمع صوتك حتى من غير ما يكون عندي سبب.
سكت قليلًا، ثم أضاف:
ـ ساعتها فهمت إن المشكلة عمرها ما كانت إني مش عارف أختار بينك وبين ليلى... المشكلة إني كنت فاكر إن الاختيار لسه مفتوح.
نظرت إليه غزل مرة أخرى.
ـ لكن لما بقيت حر فعلًا... اكتشفت إن قلبي كان اختار من زمان.
لم تجبه.
وظل مختار يقود السيارة في صمت، بينما كانت كلماته الأخيرة تدور داخل رأسها، وكلما حاولت أن تتجاهلها... عادت إليها من جديد.
ظلت غزل صامتة للحظات، وعيناها معلقتان بالطريق من خلف زجاج السيارة، قبل أن تتنفس ببطء وكأنها تحاول إخراج الكلمات التي ظلت عالقة داخلها منذ فترة.
ـ بس أنا لسه مش قادرة أتخطى حاجة.
التفت إليها مختار للحظة.
ـ إيه؟
ترددت قليلًا، ثم قالت بصوت خافت:
ـ فكرة إن مامتي عرضتني عليك.
ظل صامتًا، فأكملت وهي تنظر إلى يديها:
ـ مهما حاولت أقنع نفسي إن الموضوع كان عادي، مش عارفة أتخطى إحساسي وقتها... إني كنت مجرد اختيار هي بتقدمهولك، وكأنها بتقولك: دي بنتي، لو عايز اتجوزها وانا هشتريك ليها .
تنهد مختار بهدوء، ثم قال:
ـ غزل... انسي اللي حصل.
رفعت عينيها إليه.
ـ بسهولة كده؟
ـ لأ، مش بسهولة... بس لأننا لو فضلنا عايشين في اللحظة دي، عمرنا ما هنقدر نشوف اللي بينا دلوقتي.
سكت قليلًا، ثم تابع:
ـ خلينا نبدأ من جديد.
نظرت إليه باستغراب.
ـ من جديد؟
ـ أيوه... نتعرف على بعض من جديد، بعيد عن الطريقة اللي اتقابلنا بيها، وبعيد عن كل اللي حصل قبل كده.
ثم ابتسم ابتسامة هادئة.
ـ كل واحد فينا يدي نفسه فرصة حقيقية... مش فرصة علشان يصلح جواز قديم، ولا علشان يثبت إن القرار اللي اتاخد زمان كان صح. فرصة علشان نعرف إحنا دلوقتي عايزين إيه.
ظلت تنظر إليه بصمت.
فأكمل:
ـ وبالنسبة لمامتك... أنا مش شايف إنها كانت بتقلل منك.
خفضت غزل عينيها.
ـ بس أنا شوفتها بتبعنى .
ـ فاهم إحساسك، ومش هقولك إنك غلطانة فيه... لكن حاولي تشوفي الموضوع من ناحيتها.
سكت لحظة قبل أن يقول:
ـ هي أم... وكانت شايفة بنتها، وعايزة تأمن مستقبلها بطريقتها. يمكن طريقتها مكنتش مريحة ليكي، ويمكن أنا كمان لو كنت مكانك كنت هحس بحاجات كتير... لكن من وجهة نظرها هي كانت بتحاول تعمل الصح.
نظرت إليه بهدوء.
ـ وإنت مش شايف إنها كانت بتعرضني عليك؟
ـ لأ.
قالها بثبات.
ـ أنا شايف إنها لما جوزتك، جوزتك وهي مكبراكي... شايفاك بنت تستاهلي، وعارفة إنك هتبقي زوجة كويسة، وعشان كده كانت واثقة إنها تقدر تتكلم عنك قدامي.
ثم ابتسم بخفة.
ـ وأنا لو كنت شايف إن ده تقليل منك، مكنتش قبلت أصلًا.
سكتت غزل، بينما تابع:
ـ لكن اللي حصل حصل. ومش عايزك تفضلي كل ما تبصيلي تفتكري الطريقة اللي بدأت بيها الحكاية.
ـ وأفتكر إيه؟
نظر إليها طويلًا، ثم قال:
ـ تفتكري إننا دلوقتي شخصين اختاروا إنهم يحاولوا يعرفوا بعض من جديد.
ارتجفت ابتسامة صغيرة على شفتيها.
ـ وإنت مستعد فعلًا تبدأ من جديد؟
ابتسم مختار.
ـ مستعد... بشرط إنك إنتِ كمان تديني الفرصة.
ظلت تنظر إليه، وكأنها للمرة الأولى تفكر في الأمر بهذه الطريقة.
ثم عادت بعينيها إلى الطريق، بينما ارتسمت على وجه مختار ابتسامة صغيرة.
لم يكن يعرف إن كانت ستوافق أم لا...
لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا فقط.
أنه للمرة الأولى منذ بداية زواجهما، لم يعد يريد منها أن تكون زوجته لأن الظروف جمعتهما...
بل كان يريدها أن تختاره هي أيضًا .
ظلت غزل صامتة قليلًا، ثم التفتت إليه وكأن شيئًا ما تذكرته فجأة.
ـ بس إنت مقولتليش برضوا... سبتوا بعض إزاي؟
أخذ مختار نفسًا عميقًا، وظل ينظر أمامه للحظات، قبل أن يقول:
ـ أنا اللي طلبت أقابلها.
نظرت إليه غزل باهتمام.
ـ وبعد ما قابلتها ؟
ـ قلتلها كل حاجة بصراحة.
سكت لحظة، ثم تابع:
ـ قلتلها إني بطلت أحبها.
اتسعت عينا غزل قليلًا، بينما أكمل مختار بهدوء:
ـ ومكنتش بقولها الكلام ده علشان أوجعها، ولا علشان أنتقم منها... كنت بقول الحقيقة اللي وصلت لها وقتها.
ثم شد يده قليلًا على عجلة القيادة.
ـ قلتلها كمان إني عمري ما هنسى إنها اتخلت عني في الوقت اللي كنت محتاجها فيه.
سألته غزل بصوت خافت:
ـ وهي قالت إيه؟
ـ حاولت تبرر، وحاولت تفهمني إن اللي حصل كان له أسبابه... وأنا سمعتها للآخر.
صمت قليلًا.
ـ لكن في النهاية قلتلها حاجة واحدة: متقربيش مني تاني.
نظرت إليه غزل طويلًا.
ـ للدرجة دي؟
ـ أيوه.
ثم أضاف بنبرة حاسمة:
ـ قلتلها إن كل مرة هتحاول تقرب فيها مني، هتخليني أفتكر أكتر هي عملت فيا إيه، وده مش هيخليني أرجع لها... بالعكس، هيخليني أنفر منها أكتر.
سكتت غزل، بينما تابع مختار:
ـ أنا مكنتش عايز أسيب بينا باب مفتوح. لأن الباب المفتوح كان هيخليني كل شوية أرجع أسأل نفسي: يمكن؟ يمكن نرجع؟ يمكن نصلح؟ وأنا كنت خلاص عايز أقفل الصفحة.
ثم ابتسم ابتسامة هادئة.
ـ وفعلاً... من اليوم ده، الموضوع بالنسبة لي انتهى.
ظلت غزل تنظر إليه، قبل أن تقول:
ـ يعني إنت متأكد إنك مش لسه متعلق بيها؟
التفت إليها مختار للحظة، وكانت نظرته ثابتة.
ـ لو كنت متعلق بيها، مكنتش قلتلها متقربيش مني.
ثم عاد بعينيه للطريق.
ـ أنا كنت محتاج أقابلها مرة أخيرة علشان أتأكد لنفسي إن اللي انتهى... انتهى فعلًا.
سكتت غزل.
وبعد لحظات، قالت بصوت خافت:
ـ يمكن أنا كنت محتاجة أسمع منك الكلام ده.
ابتسم مختار بهدوء.
ـ وأنا كنت محتاج أقولك من غير ما تخمني أو تسمعيه من حد تاني.
صمتت غزل قليلًا، ثم عادت تنظر من النافذة، وكأنها تحاول ترتيب كل ما سمعته منه.
لكن مختار كان ما يزال لديه شيء آخر يريد قوله.
قال بهدوء:
ـ في حاجة تانية لازم تعرفيها...
التفتت غزل إليه باهتمام.
ـ في الأول، بعد ما ليلى سابتني، كل اللي كان في دماغي إني أنجح.
ـ علشان إيه؟
ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال بصراحة:
ـ علشان أثبتلها إنها خسرتني.
سكتت غزل.
ـ كنت عايز أقف على رجلي، وأكبر شغلي، وأوصل لمكان يخليها لما تبصلي في يوم تقول: أنا خسرت الراجل ده بإيدي.
ثم تنهد.
ـ كنت بشتغل وأنا شايل جوايا الرغبة دي... كل نجاح كان بالنسبالي رسالة ليها، وكل خطوة كنت باخدها كنت عايزها تعرف إني موقعتش بعد ما سابتني.
ـ وبعد كده؟
ـ بعد كده... الدافع اتغير.
نظر أمامه بثبات.
ـ لما دخلت حياتي معاكي، وبقيت شايف إن والدك مستثمر معايا، بقيت عايز أوصل لحاجة أكبر.
نظرت إليه غزل باستغراب.
ـ بابا؟
ـ أيوه.
ثم قال بثقة:
ـ بقيت عايز أكسب باباكي أضعاف قيمة استثماراته.
سكت لحظة، ثم تابع:
ـ مش علشان أخليه يحس إنه غلط لما وثق فيا... بالعكس. كنت عايز أثبتله إن استثماره معايا كان قرار صح.
ـ يعني كنت عايز تثبت له إنك مش خايف؟
ـ بالضبط.
ابتسم مختار.
ـ كنت عايز أوصل لمرحلة لو باباكي قرر في أي لحظة يسحب استثماراته، أنا مكونش واقف مكاني وبقول هعمل إيه.
ثم أضاف بثبات:
ـ عايز أبقى قادر أقول له: اسحب استثمارك لو حابب... أنا مش خسران، بالعكس، انت كسبان لو فضلت مستثمر معايا.
ظلت غزل تنظر إليه، بينما أكمل:
ـ عايز نجاحي هو اللي يخليه يتمسك بشراكته معايا، مش إنّي جوز بنته.
ـ وده حصل؟
ابتسم مختار.
ـ لسه الطريق طويل... بس أقدر أقولك إن ده بقى هدفي الحقيقي.
ثم التفت إليها للحظة.
ـ في الأول كنت عايز ليلى تعرف إنها خسرتني.
سكت قليلًا.
ـ بعد كده بقيت عايز والدك يعرف إنه لما حط ثقته فيا، حطها في الشخص الصح.
ثم عاد ينظر إلى الطريق.
ـ والفرق كبير بينهم يا غزل... لأن الأولى كانت مجرد رغبة في إثبات نفسي لحد من الماضي، إنما التانية كانت رغبة إني أبني مستقبلي بنفسي.
ساد الصمت داخل السيارة للحظات، ولم يكن يُسمع سوى صوت الطريق من حولهما.
نظر مختار إلى غزل، ثم قال بهدوء:
ـ غزل...
التفتت إليه.
ـ أنا مش عايز أفضل أتكلم عن الماضي وكأننا بنحاول نصلح حاجة انتهت.
سكت لحظة، ثم تابع:
ـ أنا عايز فرصة.
ظلت تنظر إليه دون أن تجيب.
ـ فرصة ليا... وفرصة ليكي... وفرصة لينا إحنا الاتنين.
ابتسم ابتسامة هادئة.
ـ نبدأ من جديد، من غير حسابات قديمة، ومن غير ما كل واحد فينا يفضل يحاكم التاني على حاجة حصلت قبل ما نفهم بعض أصلًا.
خفضت غزل عينيها، وظلت صامتة لثوانٍ.
ـ وإنتِ لو وافقتي... أنا أوعدك إني مش هضغط عليكي، ومش هطلب منك تنسي كل حاجة في يوم وليلة.
رفعت عينيها إليه.
ـ بس عايزك تسمحي لنفسك تعرفيني من جديد... زي ما أنا هحاول أعرفك من جديد.
تنفست غزل ببطء، ثم قالت:
ـ موافقة.
نظر إليها مختار للحظة، وكأن الكلمة فاجأته رغم أنه كان يتمنى سماعها.
ـ بجد؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
ـ أيوه... موافقة.
ظهرت على وجهه ابتسامة صادقة، ثم قال:
ـ طيب عندي طلب تاني.
ضحكت بخفة.
ـ إيه؟
ـ ناخد يومين إجازة.
عقدت حاجبيها.
ـ إجازة؟
ـ أيوه... يومين بس.
ثم أكمل:
ـ نبعد عن الشركة، وعن الشغل، وعن أهلي وأهلك، وعن ليلى، وعن كل الناس اللي كل واحد فيهم له رأي في حياتنا.
نظرت إليه باستغراب.
ـ ونعمل إيه؟
ـ ولا حاجة.
ضحكت غزل.
ـ ولا حاجة؟
ـ أيوه... نسافر مكان هادي، يومين بس، ونعيشهم من غير أي حاجة حوالينا.
ثم ابتسم.
ـ لا اجتماعات، ولا تليفونات شغل، ولا مشاكل، ولا حد يسألنا إحنا وصلنا لإيه في علاقتنا.
تأملته غزل للحظات.
ـ وإنت مخطط لكل ده إمتى؟
ـ من دلوقتي.
ضحكت مرة أخرى.
ـ يعني إيه؟
ـ يعني لو وافقتي، نغير اتجهنا ونمشى ونخطف لحظات حلوه
اتسعت عيناها.
ـ دلوقتي؟
ـ ليه لأ؟
هزت رأسها وهي تبتسم.
ـ إنت مستعجل أوي.
ـ مش مستعجل... بس حاسس إن لو فضلنا نأجل، هنلاقي نفسنا رجعنا للدوامة تاني.
سكتت غزل، ثم نظرت من النافذة للحظات.
كانت الفكرة غريبة...
لكنها في الوقت نفسه بدت مريحة.
يومان بعيدًا عن كل شيء.
بعيدًا عن نظرات الآخرين، وعن الأسئلة، وعن الماضي الذي ظل يلاحقهما منذ بداية زواجهما.
عادت تنظر إليه وقالت بهدوء:
ـ موافقة.
ابتسم مختار.
ـ خلاص... اتفقنا.
ـ بس يومين.
ـ يومين.
ـ ومفيش شغل.
ـ مفيش شغل.
ـ وموبايلك؟
ضحك.
ـ هنقفل الإشعارات.
ابتسمت غزل، وقالت:
ـ ماشي.
مد مختار يده نحو شاشة السيارة، وأوقف اتصال الهاتف بالسيارة وبعث رساله لوالده اخبره بسفرع ثم قال:
ـ من اللحظة دي... اليومين دول بتوعنا إحنا.
نظرت إليه غزل، وشعرت للمرة الأولى منذ وقت طويل أن فكرة الغد لا تخيفها.
ربما كانت تلك الرحلة مجرد يومين...
وربما كانت بداية حقيقية لحكاية مختلفة تمامًا بينهما.وقامت هى الاخرى بالاتصال بوالدها واخبرته
لم تمر سوى ساعات قليلة، حتى كانت سيارة مختار تبتعد عن القاهرة في طريقها إلى الساحل.
كانت غزل تجلس بجواره، تنظر من النافذة إلى الطريق الممتد أمامهما، بينما كانت ابتسامة صغيرة لا تفارق وجهها منذ أن أخبرها أنه حجز لهما في الشاليه الخاص بهما.
التفت إليها مختار بين الحين والآخر.
ـ مبسوطة؟
ابتسمت وهي تنظر إليه.
ـ لسه موصلناش.
ضحك.
ـ بس شكلك مبسوطة.
ـ يمكن.
ـ يمكن دي معناها أيوه.
ضحكت وهي تهز رأسها.وبعد ساعات، توقفت السيارة أمام الشاليه.
ترجل مختار، ثم دار حول السيارة وفتح لها الباب.
نزلت غزل، ووقفت للحظات تتأمل المكان.
كان الشاليه هادئًا، تحيط به الأشجار من الجانبين، وأمامه مساحة واسعة تنتهي عند البحر.
قالت بانبهار:
ـ المكان جميل أوي.
ابتسم مختار.
ـ كنت عارف إنه هيعجبك.
دخلت غزل إلى الشاليه، وأخذت تتجول بعينيها في المكان، بينما أغلق مختار الباب خلفهما.
ـ تحبي نرتاح شوية؟
نظرت إليه ثم ابتسمت.
ـ لأ... أنا عايزة أشوف البحر.
ـ دلوقتي؟
ـ أيوه.
.ـ ماشي يا ستي.
خرج الاثنان معًا، وسارا باتجاه الشاطئ.
كانت الشمس تميل للغروب، والهواء يحمل رائحة البحر، بينما كانت غزل تسير بجواره بخطوات هادئة.
لم يتحدثا كثيرًا.
لكن الصمت هذه المرة لم يكن ثقيلًا.
كان مريحًا.
وبعد قليل، جلست غزل على أحد المقاعد القريبة من البحر.
جلس مختار بجوارها.
قالت وهي تنظر للأفق:
ـ أنا محتاجة اليومين دول فعلًا.
ـ وأنا كمان.
التفتت إليه.
ـ حاساك مختلف.
ابتسم.
ـ يمكن علشان أول مرة أبقى بعيد عن كل حاجة.
ثم أضاف:
ـ وأول مرة أبقى معاكي من غير ما يكون حوالينا حد.
ابتسمت غزل بخجل، وعادت تنظر إلى البحر.
وظلا جالسين أمام امتداد البحر، يستنشقان الهواء العليل الذي ملأ أركان المكان بالهدوء والسكينة، حتى بدأت ألوان الغروب تتوارى تدريجيًا لتفسح المجال لموجات الليل الأولى.
التفت مختار نحو غزل، متأملًا وجهها المستريح ولحظات الصفاء التي ارتسمت على ملامحها، ثم قال بنبرة دافئة:
ـ إيه رأيك بقى نقوم دلوقتي؟ قبل ما الليل يليل أكتر، ننزل على السوق والمحلات نجيب شوية لبس مريح نغير بيه، ونجيب أكل وحاجات للبيت؟
التفتت إليه غزل وشفتيها تفتران عن ابتسامة هادئة:
ـ فكره حلوة أوي.. أنا فعلاً محتاجة أغير هدوم السفر دي، وكمان نجيب أكل نروق بيه على نفسنا.
نهضا معًا واتجها نحو السيارة، ومنها إلى المنطقة التجارية القريبة. كان الطريق مليئًا بأضواء المحلات والمطاعم المبهجة التي أضفت على المكان حيوية تحسس بالانطلاق.
دخلا أولاً أحد المتاجر الكبيرة للملابس الصيفية والحديثة. أخذت غزل تتجول بين الأرفف بشغف وحيوية، تتفحص الفساتين الناعمة والقطع المريحة، بينما كان مختار يتابع خطواتها بابتسامة متسعة، مسرورًا برؤية هذا الجانب العفوي منها.
وقفت غزل أمام ركن القمصان، ورفعت قميصًا قطنيًا باللون الأزرق الفاتح، وقارنته بأكتاف مختار وهي تبتسم:
ـ إيه رأيك في ده يا مختار؟ حاسة إن اللون ده هيطلع عليك تحفة.
اقترب مختار منها بضع خطوات، وأخذ القميص من يدها وهو ينظر في عينيها بثبات ودفء:
ـ طالما اختارتيه إنتِ، يبقى أكيد هيطلع حلو.. هروح أقيسه فوراً.
بعد دقائق قليلة خرج مختار وهو يرتدي القميص، ووقف أمامها بابتسامة خفيفة ومداعبة:
ـ ها يا ستي؟ نعتمد الاختيار ده ولا إيه؟
ضحكت غزل بخفة وهي تنظر إليه بإعجاب لم تخفه:
ـ نعتمد جداً كمان.. شكله عليك جميل أوي بجد.
اختارت غزل هي الأخرى فستانًا صيفيًا خفيفًا باللون الأبيض المزين بالزهور الرقيقة، واشترى كل منهما ما يحتاجه ليغير ملابس السفر ويستعد تمامًا لأيام الإجازة.
خرج الاثنان من متجر الملابس وهما يحملان الحقائب، واتجها فورًا نحو السوبرماركت الكبير بالمركز التجاري لشراء الأطعمة والمستلزمات. كانا يسيران بجوار بعضهما، يدفع مختار عربة التسوق بينما تختار غزل الاحتياجات بعناية وكأنهما زوجان يخوضان أولى خطوات حياتهما البسيطة بسعادة خالصة.
توقف مختار عند ركن الفواكه الطازجة، ورفع بعض الثمار وهو يسألها:
ـ بتحبي العصير فريش ولا نجيب عصائر جاهزة ونريح نفسنا؟
ردت عليه غزل وهي تضع بعض الأجبان والخضروات في العربة:
ـ لأ طبعاً فريش.. نعمله في الشاليه براحتنا، ونجيب حاجات خفيفة وسريعة عشان ما نقضيش الإجازة كلها واقفين في المطبخ.
ابتسم مختار بنبرة ملؤها الحنان:
ـ تمام، كل اللي تطلبيه هيتم.. اليومين دول معمولين علشان راحتك وتبقي مبسوطة وبس.
خرجا محمَّلين بأكياس الملابس والمستلزمات، وانطلقا بالسيارة عائدين إلى الشاليه.
عند وصولهما، حمل مختار الأغراض ودخلا الشاليه الهادئ، حيث عمت المكان رائحة البحر والهدوء العميق. دخل كل منهما ليغير ملابسه، وعادت غزل ترتدي فستانها الأبيض الرقيق، بينما كان مختار بالقميص الأزرق الذي اختارته له.
وقفا معًا في المطبخ المفتوح يفرغان الأكياس في جو يسوده الضحك والعفوية، أعدا وجبة خفيفة ومشروبًا دافئًا، ثم أخذا طعامهما وجلسا في الحديقة الخارجية المطلة على الشاطئ.
أضاءت أنوار الشموع الخافتة الطاولة الصغيرة، بينما كان صوت الأمواج ينساب كمعزوفة هادئة في خلفية المشهد.
نظر مختار إلى غزل، وقال بصوت خفيض وعميق:
ـ عارفة يا غزل؟ أنا بقالي كتير أوي ما حسيتش إن بالي رايق كده.. يمكن من سنين.
نظرت غزل إليه وشعرت لأول مرة بأمان حقيقي يلامس قلبها من جهته، فقالت بابتسامة صادقة:
ـ وانا كمان يا مختار.. كنت حاسة إن كل حاجة بيننا حسابات وضغوط، بس لما جينا هنا، حسيت إننا أخيرًا بنتعرف على بعض بجد.. من غير ما حد فينا يخبي حاجة أو يخاف من التاني.
ابتسم مختار بصفاء، ومد يده على الطاولة يمسك بيدها ببطء ودفء، ولم تسحب غزل يدها، بل أطبقت أصابعها على يده بهدوء، وكأن اليومين بالنسبة لهما لم يكونا مجرد إجازة عابرة... بل كانا بداية حقيقية لحكاية جديدة تُكتب بكلماتهما هما فقط.
جلست غزل وهي تتناول قطعتها الصغيرة من الطعام ببطء، محاولةً إخفاء ارتباك لنداء الدفء الذي بدأ يستقر بينهما. التفتت نحوه لتقول شيئاً عادياً عن الأكل، لكن الكلمات تلاشت على شفتيها حين التقت عيناها بعينيه.
كان مختار يتأملها في صمت ثقيل ومفعم بالمشاعر؛ كانت أضواء الشموع الخافتة تنعكس في عينيها لتجعلهما تتلألآن ببريق آسر. سرح كل منهما في عين الآخر، وكأن الزمن توقف فجأة عن الحركة، وتلاشت الأرقام والحسابات القديمة لتترك مكانها للغة صامتة أبلغ من كل الحوارات.
وضع مختار شوكته جانباً، وبقي شاخصاً ينظر إلى ملامحها الناعمة. انتبهت غزل لصمته المتواصل، ورفعت يدها بلطف لتصلح خصلة شعر تطايرت على وجهها، وسألته بصوت خافت أوشك أن يضيع في هسيس الهواء:
ـ بتفكر في إيه يا مختار؟
لم يجبه بكلمة واحدة. بدلاً من ذلك، قام من مقعده بخطوات هادئة ورزينة، ودار حول الطاولة حتى وقف قصادها مباشرة. مد يده وببطء شديد، وضع أنامله على وجنتها الناعمة، يمررها بحنان أذاب كل بقايا الحذر والتردد في قلبها.
ارتبكت أنفاس غزل، لكنها لم تبتعد؛ بل أغمضت عينيها للحظة كأنها تستسلم لهذا الدفء الذي طال انتظاره.
انحنى مختار نحوها بثبات وهو ينظر بعمق داخل عينيها اللتين فتحتهما ببطء، ثم مال بشفتيه ليعطيها قبلة رقيقة ودافئة على شفتيها، قبلة تحمل كل الشوق والاعتذار وبداية جديدة اختارها الاثنين بإرادتهما.
ارتجفت غزل بين يديه، وشعرت برعشة حنونة تسري في جسدها، فوضعت يدها الخفيفة على صدره.
دون أن يقطع تلك اللحظة الساحرة، ابتعد مختار بضع سنتيمترات ليتأمل رد فعلها، فوجد ابتسامة صغيرة خجولة ترتسم على وجهها، وعينيها لمعت برضا وأمان لم يرهما من قبل.
ابتسم مختار بصفاء، وفي حركة مباغتة ومليئة بالحب، انحنى وحملها بين ذراعيه بخفة ورقة، لتطوق غزل عنقه بيديها بشكل تلقائي، ودفنت رأسها في عنقه مستمتعة بعبير انفاسه ودفء حضنه.
سار بها بخطوات واثقة يعبر باب الحديقة الزجاجي باتجاه داخل الشاليه، متوجهاً بها نحو غرفة النوم، وسط هدوء الليل وسكون المكان الذي أعلن رسمياً بداية عهدهما الجديد.
كانت الغرفة غارقة في هدوء تام، لا يقطعه سوى الصوت المنتظم لأمواج البحر في الخارج ونسائم الليل الخفيفة التي تداعب الستائر.
استلقى مختار بجوارها، وساد بينهما صمت دافئ يعبق بالراحة والأمان. التفت نحوها ببطء، وظل يتأمل ملامحها الهادئة ووجهها الذي ازدادت رقته وسط عتمة الغرفة الخافتة.
مدّ يده يمسح على شعرها بحنان بالغ، ويمرر أنامله ببطء على وجنتها. وعندما رفعت غزل عينيها لتلتقي بعينيه، لمحت لمعة دافئة تجتمعت في عينيه الدموع، لكنها لم تكن دموع حزن، بل كانت دموع رجل شعر لأول مرة منذ وقت طويل أن قلبه وجد مستقره.
تعلقت عينا غزل بملامحه، وسألته بنبرة خفيضة ملؤها الاهتمام:
ـ مختار... مالك؟
ابتسم مختار ابتسامة صادقة نابعة من أعمق نقطة في قلبه، ونظر إليها بنظرة مليئة بالامتنان والأمان، ثم قال بصوت خافت اهتزت فيه النبرة بصدق شديد:
ـ أنا مبسوط يا غزل... مبسوط لدرجة إني حاسس إن العُمر كله كان ماشي في طريق غلط، والنهارده بس وصل للمكان الصح.
تنفست غزل ببطء، وسرت في جسدها دفقات من الدفء، وهي تراه ينظر إليها بهذه الطريقة التي لم يرها بها أحد من قبل.
اقترب منها أكثر، ووضع جبهته على جبهتها، وأغمض عينيه للحظة وهو يستشعر وجودها القريب، ثم فتح عينيه وثبّتهما في عينيها وقال بثبات ووضوح:
ـ أنا بحبك يا غزل... بحبك بجد، مش عشان ظروف جمعتنا، ولا عشان اختيار اتفرض علينا.. أنا بحبك لأن قلبي اختارك إنتِ، وما بقاش شايف ولا عايز غيرك.
اتسعت عينا غزل لبرهة، واهتزت أنفاسها وهي تستوعب كلماته التي أذابت كل ما تبقى من خوف أو شك في أعماقها. ارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة وصادقة، ومدت يدها لتمسك بيده وتضمها إلى صدرها، وكأنها تعلن له دون كلام أن رحلتهما الحقيقية قد بدأت للتو.
في صباح اليوم التالي، كانت ليلى تجلس داخل مكتب كريم، وقد وضعت أمامها مجموعة من الملفات، بينما كان كريم يراجع بعض الأوراق الخاصة بالمشروع.
رفعت ليلى عينيها عن الملف وقالت فجأة:
ـ كريم... أنا عايزة منك حاجة.
رفع عينيه إليها.
ـ حاجة إيه؟
وضعت القلم أمامها، وقالت بوضوح:
ـ عايزة أقلل من غزل قدام الكل.
توقف كريم عن تقليب الأوراق، ونظر إليها باستغراب.
ـ أقلل منها؟
ـ أيوه.
ـ وليه؟
ابتسمت ليلى ابتسامة باردة.
ـ لأنها أخدت حجم أكبر من حجمها.
عقد كريم حاجبيه.
ـ غزل مسؤولة عن الحملة، وعرضها كان كويس.
ـ أنا عارفة إنها كويسة.
ثم مالت إلى الأمام وقالت:
ـ وعلشان كده بالذات عايزة أصغرها.
صمت كريم.
تابعت ليلى بنبرة أكثر حدة:
ـ من أول ما دخلت الاجتماع وأنا شايفة كل الناس بتبصلها كأنها صاحبة أكبر إنجاز في المشروع. المستثمرين معجبين بيها، وإنت بتشكر فيها، ومختار...
توقفت لحظة عند اسمه، ثم أكملت:
ـ مختار باين عليه فخور بيها.
قال كريم بجدية:
ـ وإنتِ مضايقاكي غزل ولا مضايقك إن مختار معجب بشغلها؟
لم تجبه مباشرة.ثم قالت:
ـ الاتنين.
تنهد كريم.
ـ ليلى...
قاطعت كلامه:
ـ أنا مش عايزة أعمل مشكلة معاها، ولا أزعق لها، ولا أتهمها بحاجة. أنا عايزة أقلل منها قدام الكل بطريقة تخلي الناس تشوف إنها مش بالعبقرية اللي هما متخيلينها.
ـ وإزاي؟
ابتسمت ليلى.
ـ الاجتماع الجاي .
ـ هتعملي إيه؟
ـ هطلب منها تعرض تفاصيل الحملة من أولها لآخرها قدام المستثمرين، وبعدها هبدأ أسألها أسئلة صعبة... وأسألها عن كل قرار خدته.
ـ ده ممكن يحصل في أي اجتماع شغل.
ـ أنا عايزة أكتر من كده.
نظرت إليه بثبات.
ـ عايزاك تساعدني إن الاجتماع يبقى قدام أكبر عدد ممكن من الناس. كل الفريق، والمستثمرين، وأي حد له علاقة بالمشروع.
رفع كريم حاجبه.
ـ علشان تحرجيها؟
ـ علشان أصغرها.
قالتها بوضوح هذه المرة.
ـ عايزة لما تخلص كلامها، الناس ما تبقاش شايفاها الست اللي عملت الخطة العبقرية... عايزاهم يشوفوا إنها مجرد موظفة عندها أفكار، وإن أي حد يقدر يناقشها ويكشف نقاط ضعفها.
ظل كريم ينظر إليها بصمت.
فأضافت:
ـ وأنا هخلي الموضوع كله شكله مهني جدًا.
ثم ابتسمت.
ـ لكن هدفي هيبقى واضح بالنسبالي... غزل لازم تعرف إنها مش هتدخل المكان ده وتاخد كل الاهتمام بسهولة.
قال كريم بلهجة تحذير:
ـ بس خلي بالك... لو غزل ردت عليكي أقوى منك، الموضوع ممكن ينقلب عليكي.
ابتسمت ليلى بثقة.
ـ مش هسيبها تاخد الفرصة أصلًا.
ثم جمعت ملفاتها ونهضت.
ـ الاجتماع الجاي هيكون أول خطوة.
نظر إليها كريم وهي تتجه نحو الباب، ثم قال:
ـ ليلى... خلي الشغل شغل.
توقفت عند الباب، والتفتت إليه بابتسامة هادئة.
ـ أنا عارفة.
ثم خرجت.
لكنها كانت تعرف جيدًا أن ما تخطط له لم يكن مجرد اجتماع عمل...
كانت تريد أن تقف غزل أمام الجميع، وتخرج من القاعة وهي أقل في نظرهم مما كانت عليه قبل أن تدخلها.
ياترى كريم هيجاريها ولا هيوقف فى صف غزل ؟؟؟