
رواية زهـرة بين براثن البـأس الفصل الاول1 بقلم سيلا محمـد
« تمهيد »يفصلهما قارتيـن من التناقُـض ، و بحـرًا عميقًـا لم تُسجِـل إحداثياته الخرائـط ...
تمكث أنتَ هناك .. فى قارتـك ، تُخفي احتياجك خلف صرامـةٍ زائفـة ، و أما أنا ما إن أتعثـر حد السقوط ، حتى أقف من جديد ....
قلبـه مدينـة قويـة الحصون ، و رغم صلابـة الجدران فقد سقطت أسوارهـا تحت قصف الاشتياق ...
يشتاق إلى من رحلت ، و لن تعـود ...
جمع ما تبقى من ذكرياته بها ، ثم أغلق الأبواب ...
بـابٌ يليه ألفُ بـاب .. و تقطعت بَتلات الثقة .. تلحقها جذور الأمل .... تعقُبها فروع الانتظـار .... حتى بات ذاك الفؤاد كما كهـفٍ موحِـشٍ لا يُرحب بأحد ...
و قبل رحيلهـا ، تركت لعنتها الأخيرة حولـه ، كأنها تُخبِر الكون بأسـرِه ؛ ألا أحد بعدها يستحق قُربـه .. و ألا يحق لغيرها أن يهنـأ بمحرابه ...
و منذ ذلك الحين ، صار حبيس قوقعته ...
ويلٌ لمن تقترب من البـأس ، حتى تشعر بلدغـات جحيمِـه الحارقـة دون أن تُحِـس .. »
بقـلم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
« هل على من تسير على الأشواك حافيـة ، ألا تتألـم ، و تحتمل نزفًـا داميًـا من داخلهـا قبل الخارج ؟!
تستقيم .... و إن انحنت فذاك كما استسلام النبته لنسمات الهواء ، ثم تزهـو من جديد بعطوها الفـواح ..
آمنَتْ أن المبدأ الذى عليها الإتكاء عليه :
" قفِـي .... فالأرض لا ترحم الخاضعين تحت أقدام الآخرين ... ريثُما الزمن الذى نركض خلفه لاهثين ، لن ينتظـر ضحايا الخيبات ...
انهضي .... و إن كانت الروح مُثقلـة بالهموم .. و إن كانت السماء فى مرآكِ مزينـةً بالغيـوم .. فما عليكِ إلا الدعاء إلى الحي القيوم ... و أغلقي باب الظنـون ..
رُب ظـنٍ خاب قاصده ضائعًـا ، و إن باتت السُبل مرسومةً بأقلام اليقيـن "
فهي التي آمنت ولا تزال .. أن السقوط حادثـة ، أما البقاء على تلك البسيطة شامخة فهو القـرار ..
فالفهـود تُجرَح لكنها لا تنحني .. و الجبال تبقى صامدة وإن هاجمتها الرياح ...
هى الزهرة التي خُلِقت لتسير على الأرض ممهـدة ، لا لتكـون أرضًـا عليها يطأ الآخرون ... »
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
« الفصـل الأول »
« رهــان خاســـر »
« منذ نعومـة أظافرهـا .. نشأت على صفاء النوايـا .. لا تعي الرضوخ الأعمى ، بل تربت على الحـذر .. على العفـة عن التساؤل ، و إن كانت الإجابة بلسم للشفاء. تضع اليقين دائمًا فى نطاق محكمة العقل ، إلى أن تنتهي الجلسـه بالعفـو دون عقاب ...
ظهرت أمامـه خِلسـه ، دون ترتيب مُسبق ..
رأت فى عينيه حقـول من الألغـام .. و على شفتيه أمـارات الإتهـام ... و فى قلبه قبـو مُغلق بإحكام ..
لكنها ، و إن كانت بالبراءة تتوسد .. فلم تكن يومًا سريعة الانقياد ، أو غافلـة مقدسـة سهلـة الإصطيـاد ...
ربما أرادت أن تضع بساحة روحـه المنهكـة زهرة قرمزيـة ، كما فعل بحديقـة قصره ...
نعم أرادت و لو جرحتها الأشواك ...
لم تقع صريعـة شموخـه و هيبته ، بل الشموخ و الهيبة هم صرعى براءتها ..
و إن اقتربت قليلاً .. ربما تربح .. و ربما لا تجنِي إلا الخسـارة .. !
ألا عليها أن ترتمي داخلـه كما عذراء النيـل فداءً بوفاءه ؟! أعليها أن تجثـو أمام صقيـع مشاعره ، تلبيـةً لنداء طفله ، ربما يتطهر من وعدٍ سابق فقد صلاحيته .. ؟!
هل رأيتم يومًـا من يُنقذ الجليـد بقُبلـه مُلتهبـة ؟؟
سأُجيب : نعـم .. ربمـا يومًا مـا تفعـل .... ربمـــا »
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
أُمسيـة فى ظاهرهـا هادئـة ، لكن الظاهر ليس دائمًا كما يبدو عليه ...
هـدوء .. أضـواء متراصـة على الجانبين ... حفيف الأشجار و صوته المعتاد المُحبب إلى الأسماع ... و مكتب أنيق فى الداخل ... مُغلق
يجلس خلف كرسيه رجـل .. اعتادت نظراته الحادة أن تكشف ما حرص الآخرون على إخفاءه ..
أنيق .. جذاب ... غامض بعض الشيء أو ربما الشيء كلـه ..
أقسى ما يعانيه المرء أن يُحاول جاهدًا التوغـل داخل تلافيف عقلـه ؛ فإما يُصاب بالهذيان ... أو تضحى علتـه الجنون ...
اعتمد على أنامله البارعة التى تتحرك بثقة على حاسوبه الخاص ، و جم تفكيره فيها ...
عقلـه اعتاد الانشقاق ... يفكر فى اتجاهين دون أن يختـل ميزان أحدهما ...
يترجم فضولـه والتجاهل التام ... لكن داخله ينتظـر ... و يتساءل ... و يستشيط غضبًـا من شدة الغيـظ ...
ليُنصت إلى تلك الضربات الرتيبة على باب مكتبه ، أعقبها صوت الحسناء غنـوة قائلـةً فى تـودد :
— بـأس باشـا ... القهـوة حضرتـك ...
عالج بـأس تلك الكلمات بصرامة :
— ادخلي .
دلفت غنـوة إلى الداخل فى هدوء .. هامتها عالية ، أنفاسها منتظمـة .. يقينهـا صائب ... حُلمها و صبرها فسيح ...
ثم اقتربت من مكتبه الملكي المصنـوع من خشب الأبنوس العريق ، و وضعت صينية التقديم التى تحمل على متنها فنجان مُذهب من القهوة الفرنسية فاخرة المذاق ، إلى جواره كأس من الماء ... لتردف :
— القـهوة يا أفنـدم ...
لم يرضخ بـأس لنبرتها العذبـة ، ولا لرقتها المتناهية .. و إنما ازداد عبوسه ليهتف :
— أنـا طلبت مِنِك قهـوة ؟؟! إنتِ تعملي اللي أقولِك عليه و بس .. غير كده مش مسموح ...
ابتسمت غنـوة فى نعـومة :
— أنـا اتعودت من حضرتك تطلب فنجان قهوة من ايدي أول ما تدخل المكتب ؛ فقولت أجهزها لحضرتك قبل مما تطلبها ....
فَطِنـة ... أريبـة ... حاذقـة ..
تعي جيـدًا كيفية التعامل .. تعزف على شغاف قلبه .. ترتجي منه اللين لها و لإبنتها حالما تنتهي من مهمتها التي أسندها إليها أخيه الأستاذ الجامعي صاحب الخُلق " والـي الحديدي "
و فى ظل تأملـه لها ... نهض من مجلسـه ليقترب منها ، ترتكز عيناه مباشرة على صِحاف وجهها ، ليردف بصوته العميق :
— مين غيداء عبد الصبور ؟!
بأنفاس هادئة .. حاولت غنـوة إلتزام الثبات أمام ذلك الماكر ، متقد الذكاء .. لتهتف :
— بنتي ..
عاود بـأس السؤال ليحمل من الاستهزاء أكثر ما يتضمنه الاهتمام :
— و يا ترى إيه اللي جاب بنتِك القصر من غير إذن ؟!
أجابت غنـوة بإعتزاز أُم لا تحتمل كلمة جارحة تُلقَـى فى ربوع ابنتها الوحيدة :
— اتصلت عليا كتير ، و أنا مسمعتش الفون .. و لما قلقت ، إجت تطمن عليا ..
اقترب بـأس أكثر مما ينبغي ، لتتراجع غنـوة إلى الوراء ، يتجسد بداخلها خوف مجهول من ذاك الرجل ... ثم أردف :
— و إيه سبب القلق ده كله ؟! .. حد قالها إن ده بيت الرعب ؟!
تملك النفور من قلب غنوة بشكل صريح ، لتكشف عنه بإمتعاض ظهر جليًا فى كلماتها :
— لأ يا بـاشا ... مش بيت رعب ولا حاجة ... بس دي بنتي الوحيدة .. أبوها إتوفى من سنين ، و سابنا للدنيا ... أنا مليش غيرهـا .. مبتحملش عليها نسمة الهوا ، و فخورة بيها جدًا قدام نفسي و قُدام الناس ...
أنا ربنا كرمني بجوهرة أكيد بخاف عليها تضيع من إيدي ، و زي ما حضرتك عارف ...
لما يكون الخوف على أقرب الناس ليك ، عقلك و تفكيرك بيتجمدوا ، و تبقى مستعد تضحي بروحك عشانه .. زي ابنك مثلاً ...
زي ما بتحبه و هتتجنن لما يبعد عندك ، أنا عندي بنتي بالدنيا وما فيها ...
« إجابـة منمقـة .. بكلمات قويـة .. صريحـة .. أخرست لسان بأس للحظات ..
لا يزال على دهشته من تلك المرأة و ابنتها ...
يتساءل : ما هو سر تلك الأسرة الصغيرة المؤلفة من امرأتين ؟!
للمرة الأولى يعجز عن سبـر أغـوار من أمامـه ..
الكُبرى .. إن تحدثت ؛ تهب من روحهـا طمأنينة تكفي لترميم جراح القلب ..
رزينـة ، تتكيء على جدار الصبـر و الجَلـد ..
و إن غابت .. تركت خلفها فراغ لا يملأه آلاف الحاضرين .. فقط لأنها تُعطي .. تُقدم بلا حساب .. لا تتوانى عن العطاء ... إحساسها صادق ... و إن أرادت ، و لم تمنحها الحياة .. لا تتذلل ... بل ترحل فى صمت قانعة ...
و أما الصغرى ، فهى معنى التناقض الجميل ..
لم يمنحها القدر سوى وجنتين .. إحداهما يافعة جميلة ، و الأخرى عطباء تثير الشفقة ..
و رغم ما تُعاني .. لا تيأس .. لا تخضع .. لا تخاف ..
أرض قاحلـة من الحظوظ الحسنة ، بل سيئها الغالب ...
لكنها لا تزال تُزهر بتلات القُرمُـز ..
انطباعـه عنها هو التلاعب بمن حولها ، و استجداء الشفقة لأوضاعها المريعة ، و لكنها أمامه منذ القليل واثقة ... لطيفة .. لذيذة حتى فى ظل خوفها و رهبتها ..
ألتِلك الدرجة تتقلد الدهاء .. ؟! ربـما .. عليه أن يتأنى و يصبر ، فمن لا ينكشف دواخله اليوم .. سيرضخ فى النهاية حد الاعتراف ... »
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
أذِن لها فى الرحيل .. بعد أن أثنى على خَمر الصالحين ، مذاقها الطيب بأناملها تجعل من يرتشفها للمرة الأولى ، لا يكتفي ، و من يديها لا يمكن أن يرتوي ...
ابتسمت .. ثم غادرت المكتب فى رويـة بهدوئها ؛ و رقتها المعتادة ...
و أما فى الخارج ... تقف الأخرى بين نـار الخوف ، و كلاليب الخشيـة ..
تخافـه ، و للقاءها العابر به ذكرى لا تُنسى .. رجـل مهيب
حاصرها عند المغيب .. لا تدري أبكلماته الجُرح ينزف أم يطيب ؟!
يا لـه من سيد ! تعلو هامته عِـزة .. إلا أن حديثه الساخر ، و نظراته السافرة الثاقبه ، و جديته .. كل ما اعتراهـا بلقاءه اللحظِي تجاوز حدود الخصال الحسنة ..
نعم ... يتملكه الغرور .. متغطرس ... يُعاني من جنون العظمـة .. لا يفقـه شيئًـا عن النساء .... و .. غير مهذب ..
لتتذكر نظراته التى اخترقتها بلا حياء ؛ مردفة فى استياء :
— أما صحيح رجل قليل الأدب ... يا ترى لما الفستان انكشف رجلي كلها بانت ؟!
( ثم اتسعت مقلتيها فى فزع ؛ و أردفت ) :
— مصيبة لَـيكون شاف رجلي كلها زي ما قال .. بني آدم سافـ..ـل ..
قررت غيداء الرحيل دون تفكير ، لتلتفِت من أجل الذهاب إلى والدتها و إخبارها بنية سلوكها القادم ، إلا أنها تفاجئت بحضورها تحمل حقيبتها ، قائلة بضحكة قصيرة :
— أنا عارفه إني تأخرت عليكِ يا روحي .. معلش كنت بجهِّـز نفسي بس .. و أديني جيتلِك أهــو ...
لم تكُد غيداء ترى والدتها ، حتى اندفعت إليها ؛ ترتمي داخل أحضانها تنشد أمان غاب عنها لدقائق ، ثم ابتعدت عنها قليلاً لتحتوي وجنتيها فى حب قائلة وسط دموعها:
— طمنيني يا ماما ... قوليلي صاحب القصر قالِك إيه ؟!
زعلِك فى حاجه ؟! أهانِك لا قدر الله ؟! رفدِك من الشغل ؟! كله يهـون إلا كرامتِك ... المهم قوليلي بس إيه اللي حصل يا غنـوتـي ؟
همست والدتها ببِضع كلمات كما ماء زمزم يداوي حرارة قلبها المشتعل ، ثم أردفت تلك الكلمات بوعد الحديث تفصيليا بعد الرحيل ...
‹ إمرأتين خُلقتـا من رحم الصابرين ... ترتبـان شتات الليال بأنامل ترتجف من التعب ، لكنهما على عكس المتوقع لا تتوقفان عن البناء ...
لا تُطالبان العالم أن يتفهموا حروبهـما ، بل تكتفي أن يراهما الناس بجميل ما يرون ، و ليس بأقبحـه ...›
و خلال تلك اللحظات ، كانت هناك عيون تُبصِر .. بل تُطالِب بالرحيل معهما ...
عيون تحمل بداخل قلوب أصحابها مختلف المشاعر ..
_ فهناك عيني البـأس الذى ظل يتأمل مشهد الأمومة من قِبل غنـوة ، و الإشتياق من قبل ابنتها ...
و رغمًـا عنه عقله لا يهـدأ .. تفكيره بها لا ينتهي ...
و الجنـون الأعظـم هو ما يتآكل بصدره من أجلها ، و لأجلهـا ... لكن طاغوت كبرياءه لا يستسلم ولا يرضخ ..
_ أما تلك العيون التى تعطرت بالحكمة ، سلطت سهامها على الأخرى التى ضمت إليها غيدائها فى حنان ..
أحاطتـها إحاطة السوار بالمعصم .. قلبه الذى أعلن الاعتزال على مقاعد البدلاء ، صار فى حُسنها حائر ...
_ بينما العينان الصغيرتان اللتان تتألقان فى شغب ، ركض على إثـرها الصغـير نائـل فى سرعة ، محاولاً اللحاق بغيداء قبل رحيلها بصحبة والدتها ... لينادي بكل ما اقتدر من صوت :
— " استني يا طنط ... استني .
إلتفتت غيداء بلمح البصر ، تتطلع إلى الصغير فى حيرة و حنان ، ثم ركضت إليه تحمله فى شوق أم حُرمت من كلمة عذبة على المسامع ... كلمة " مـامـا "
— تحت أمرك يا حبيبي ... قولي بقى عايز إيه من طنط ؟!
رفع نـائل كفه اليمنى الصغيرة ، يتحسس بها وجنـتي غيداء فى نعومة ، ثم همس فى أذنها :
— إنتِ حلوة أوي يا طنـط ... وشِـك شبه التفاحة .. و أنا بحب التفاح ...
انطلقت ضحكات غيداء فى سعادة ، تليها نظرات الفرحة من غنـوة ، التى داعبت خصلات الصغير الشقـراء الناعمة ، فى حين تملك الغيظ من بـأس لرغبته فى معرفة سر تلك الضحكات ..
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
إلتقطت غيداء أنامل الصغير تُقبلها إصبعًا يلي الأخر حتى انتهت بقبلاتٍ خمس ، أحيت بقلب نائـل إحساس إفتقده طويلاً رغم عشق والده و جده ، و باقي أفراد أسرته ...
انتبهت غنـوة للرباط الخفي الذى جمع بين ابنتها و ذاك الصغير فى لحظات ، ليهمس داخلها :
— ربنا يخليكي يا بنتي ، و يكتر حبايبِك ... حتى الأطفال بيعشقوكِي .. لو كان أبـوه يشوفِك بعيون ابنه .. يبقى ربنا بيحبه ، و كرمه من أوسع أبوابه ... بس هنــ.... "
انفصل حبل التفكير لدى غنوة بهمس ابنتها بنبرة مشاكسة :
— قولتلي بقى .. بتحب التفاح ، و شايفني تفاحة .. يعني بالشكل ده ناوي إنك تـا........
ضحك الصغير ضحكته الطفوليه ، ليستكمل حديثها قائلاً :
— إني أكلِك هَـمْ هَـمْ ... تعالي يا miss apple ( آنسـة تفاحة )
و اقترب من وجنتها القرمزيه بثغره العذب الصغير ، للتظاهر بقضم قضمة من تفاحيتها ، أعقبها بصوت التلذذ الشهي :
— إمممم ... لذيذ
عادت غيداء إلى ضحكتها فى نفس اللحظه التي قرر فيها بـأس التدخل ، ليهتف :
— نائـل .. تعالى هنا يا حبيبي ...
إلا أن نائـل أطبق على عنقها بذراعيه قائلاً فى عناد :
— لأ يا بابي ... أنا عايز التفاحـة دي تفضل معايا على طول ... قولهـا وحياتك يا بابي .. أنا حبيتها ، و بقينا أصحاب ... ( ثم إلتفت إليها قائلاً فى وداعه ) :
— مش إحنا خلاص بقينا أصحاب يا تفاحة ؟!
أجابت غيـد فى تسلية مُحببة إلى نفس نائل ، و قد تسللت إلى والدِه :
— بس لو فِضِلت تاكل مني كل يوم قطمة ؛ مش هيفضل مني و لا حته .. و كده هخلص خالص .. هتعمل إيه وقتها ؟!
أجاب نائـل فى براءة :
— هسقيكي مياه من الرشاش زي ما بسقي الورد اللي فى الجنينة ، و كده هتطرحي تفاح كتير كتير ...
انطلقت ضحكات الجميع يتردد صداها ، لاسيما بـأس الذى اعتاد الجمود والتجهم ، و لكنه الآن فى لحظاته قد تغير كُليًـا .. لينضم إليهم شقيقه والي و والده صلاح الدين ... ناهيك عن ذاك الأشيب الآخر " غـازي "
إلا أن عُمْـر الضحكات .. مجرد لحظات .. ما إن تبدأ حتى تنتهي .. بإقتراب دارين و شقيقتها جوليـا ...
نظـرتها كانت كفيلة بإشعال النار فى لحظة .. عاصفة من رمـاد ... صخب مخيف ... و صرخة مقيته ... و كلمات سامة ، من ثغر الحقودة دارين قائلة :
— إنتِ بتعملي إيه يا مشوهة هنا ؟! مش مكفيكي الجامعة و التصرفات البيئة اللي بتعمليها ... وصل بيكِ الجنان إنك تيجي كمان قصر أبِيـه والي ..
لأ .. ده إنتِ كده تبقى هربت مِنِك عـ الآخر ....
« نغفـر ... و قد نُسامح ... أو
نُسامـح .. وقد نغفـر فى بعض الأمور ، و ليس جميعها
ولكن المساس بأمن من نُحب هو فتيل الشعلة التى ما إن أطلقت سراحها ، حتى كادت تقضي على الجميع ..
تخضبت وجنتاها من فرط الغضب المتقد بداخلها .. يُثرثرون .. يعبثون .. يتهكمون ... يهيمون ... يفعلون كل ما فى استطاعتهم لكي يجرحوها ، إلا التعدي على ابنتها ...
لن تغفـر .. لن تصمت .. لن تسمح لهم بالتجاوز ...
فإن فعلوا ، فليحتملوا غضب الأم إذا أعلن عن نفسه .. »
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
اتسعت مقلتيها ، ليتلاقى الحاجبين فى ثورة ؛ ثم أحاطت بابنتها فى حماية ، لتدفعها إلى الخلف .. و اقتربت من دارين بأنفاس حارة انتبه إليها الجميع ، لاسيما والي الذى أراد الصراخ فى شقيقة زوجة أخيه
و لكن ما أقدمت عليه غنوة قد أطفأ ثورة الغضب الكامن بصدره ...
و قد ذُهِـل الجميع مع صوت تلك الصفعة المُدوية القويه الذى تردد فى المكان ، لتسقط على إثره تلك التى تُضمِر العداء لغيداء من شدة غيرتها و ضغائنها المريضة ...
صفعـة قويه فى مقتل ...
مقتـل الكبرياء و الغرور ... مقتـل من تعالت و أفنت لياليها فى سبيل تشويه سُمعة البريئة الناعمة غيد
..
صفعـة تجمد لها والدها غازي و زوجته ..
صفـعة سيطرت بجرأة صاحبتها على عرش بـأس ، ليتأمل المرأة الرقيقة التى زينت بشروق ابتسامتها مكتبه منذ قليل ، لتتحول فى لحظات إلى كشمـاء شرسـة غيورة على من هى من جدار رحمها ....
و ما إن تأملت تلك الذليلة ، و أنينها العذب على أذنيها
إلتفتت إلى غازي قائلـة :
— قول لبنتك تحترم نفسها ... كله إلا بنتي .. نار الغيرة اللي جواها يا تتحملها لوحدها و لنفسها ، يا إما أنا بنفسي هطفيها ؛ و ساعتها هتندم ندم عمرها ...
أنـا يجوز حالتي المادية على قدي ، لكن عندي كرامة تساوي كنوز الدنيا كلها ... و بنتي حتـه مِني
يعنى كرامتها قبل كرامتي ...
تقدمت غيداء من الدكتور والي فى شجاعـة مُلفته ، ثم جمعت خصلاتها الناعمة الفاحمة فى جديلة طويله ، برزت من خلالها علامات الإحمرار على جانبها الأيسـر
لتردف فى ثقـة :
— أنـا احترمت رغبتك يا دكتور والي لما طلبت مني آجي القصر أقـدم عروضي بمنيو خاص ، وده شيء عادي أنا بالفعل بدأت التعامل بيـه فى المطاعم الكبيرة
و معظمهم دلوقتي بيطلبوا الأوردرات من عندي ..
أمي قررت تساعدني ، و تدعمني علشان متعطلْش عن دراستي و مذاكرتي ...
من يوم ما بدأت شغلها ، مجهودها نال إعجابكم من أول لحظه .. لكن ده مش معناه إننا نتعرض للمهانة هنا فى بيتك ...
البيت مهما يكون حجمه ، حتى لو قصر فخم زي ده .. فهو فى النهاية جدران صلبه ... إنما اللي بيعطيه المكانة هو الدفء الأسري و الرعاية و الاهتمام و الحب ...
علشان كده ... ده آخر يوم ماما تيجي فيه هنا ... قدام حضرتك طرق كتير جدًا تقدروا تجربوها ...
أما إنتِ بقى ( و أشارت إلى داريـن التى لا تزال مستلقيه على الأرض المُصمتـة ) :
— لو فكرتي للحظة واحده إنك تقللي مِنّي ، ومن مجهودي .. أنا هـقدم فيكِي شكوى للسيد رئيس الجامعه .. عن اذنكم ...
و رحلتا فى هدوء ، بعد أن استطاعت كلتاهما إطلاق
أبـواق الثورة على تلك المتحذلقـة دون خشية لوم اللائمين ، أو مركز أبناء الحديدي الصارميـن ...
رحلتـا ... ولا يزال بـأس يقف هادئـًا يستمتع ، فما فعلته كل من غنوة و ابنتها ، بما قد أشعل تفكيره ، ليُصادِف بعد سنواتٍ مضت إمرأتان بمثابة إحيـاء شُعلـة الاهتمام لديه ..
ظل لسنوات طويله لا يفكر إلا فى طفله الصغير ، و عمله..
حمل على كاهِـله مسئولية أسرته .. شركاته ... كل من يعنُـون له ... فصار هو الجدار القوي الذى يستندون عليه .. الحامي الذى لا يتردد فى الزود عنهم بكل ما يملك ...
أما قلبه ؛ فصار كما حجرةٍ جوفـاء لا حياة فيها ...
لذا ظل صامتًا ... يتأمل المشهد فى تلذُذ ...
يشاهد الإرادة فى أعظم صورها .. لطالما كره الضعف ، و الضعفاء ... لذا عليه التفكير فيما يجب عليه فعله ، لتعود الغنـوة .... و تعود الغـيد ....
انتفضت والدة دارين فى هياج غاضب :
— دي آخرتها يا صلاح باشا .. بنتي تتهان و تنضرب بالقلم على وشها فى القصر بتاعك ، و قدام عينيك
وبدل ما تطلب من الأمن يرميها بره ، أو تبلغ عنها بتهمة السب و القذف .. تتفرج عليها من غير أي رد فعل .. ؟!
هو إحنا جايين هنـا علشان نتبهدل ...
البنت الحقيرة دي لو متربيتش هي و أمها ؛ أنا هاخـد نائـل معايا و هنسافر ..
لحظة فارقة ... تحول فيها بـأس من دور المُشاهِد المتأمِل إلى دور المهاجـم الشرس ..
لا يعتاد على مقاعد البدلاء ... فهو الحكم القاضي بأثر من حولـه .. و إن لـزِم الأمر اشهـار البطاقة الحمراء سيفعـل ...
ليهتف فى حدة صارمـة :
— مدام حسنـاء ... أنا بحترمِك و بقدرِك ، و قيمتِك من قيمة رحيق الله يرحمها ؛ لكن حتى رحيق رغم حبي ليها كانت عارفة حدودها كويس .. و المرة الوحيدة اللي عملتها و تخطت حدودها فيها ؛ و ده كان بسببِك .. اتعاقبت عقاب هتفضل فكراه حتى فـ قبرهـا ...
انتبهي ... لسه متخلقش اللي يديني أوامر أو يفرض عليـا حاجة ضد رغبتي ...
يبقى لما تتكلمِي تركزي أوي معايـا ، و إن كان على اللي حصـل دلوقتي .. فأنـا أكيد متضايق منه جدًا ، ومش عاجبني .. و أكيد البنت دي هحاسبها عليه
عارفة ليه ؟!
تلك المرة كان الجواب من طرف غـازي الذى انقسم داخلـه ما بين سخط لرحيل غنـوة التي احتلت قلبه منذ الوهلـة الأولى ، و الغيظ مما صدر فى حق ابنته المدللة من ترفـع الجميع عن التصرف فى ظل تلك الجريمة التى دنست هيبتهم ... و مِمَـن ؟! ... من المشوهـه ذات الوجهين
لذا تحدث فى ضيق ساخط :
— مش محتاج تسأل ليه ... ببساطة بسبب التصرف الوحشي اللي عملته المسخ دي .. أنا مش عارف إزاي تكون بالبشاعة دي ، و أمها زي البدر فـ تمامه ...
انطلق حديث بـأس الصارم كرد قاطع أخرس الجميع ، ليقول :
— حساب البنت دي عندي أقسى مما تتخيل ، لأنها المفروض كانت تضرب دارين بنتك ، قلمين مش قلم واحد .. لكن هي تهاونت يمكن احترامًا لوالي .. و للموجودين ..
( ثم نظر إلى داريـن فى اشمئزاز ) :
— تحبي أكمل و أفرح والدِك و والدتِك بإنجازاتِك الجبارة فى الجامعة .. ولا تحبي أقولهم على كذبِـك و افتراكِي على البنت اللي عمرها ما وجهت لك أي عتاب حتى ... ولا أقولهم على الشلـة الفاسدة اللي إنتِ ماشية معاها ، اللي ببساطة بمجرد ما هتبعدي عنهم .. هيحاولوا يقربوا من غيداء اللي حرقه دمك من غيرتِك منها ...
كفاية بقى نفسنة البنات دي ، و خليكِي فى مستقبلِك أحسن ؛ يمكن تفلحِي !!
ثم تقدم إلى الأمام ليستطرد فى قوة :
— الكلام الفارغ اللي حصل دلوقتي ، أو سمعته منك يا حسناء هانم ياريت ميتكررش تاني ؛ عشان وقتها هنسى تماما إن لسه فيه اللي يربطني بيكم ...
و رحل يجاوره أبيه الذى نظر إليه فى فخـر ، قائلاً:
— عفارم عليك يا بـأس .. غسلتني من جوه يا بني ... ربنا يعوضك و يسعد قلبك..
فى حين ابتسم بأس ابتسامة شاحبة ، يُخفي خلفها سؤال لا يزال تائه بحاجة إلى الجواب
— هل سيقدر على إقناع غنوة أو ابنتها بالعودة إلى العمل من جديد ؟!
— هل تعني له شيئـًا ؟!
— هل تستحق الوقوف بوجه من يُكن لهم مشاعر بدأت برباط العشق ، و رغم الفقدان لايزال الوصال قائم ؟!
— هل أنـا القلب أم العقـل أم الواجـب ؟!
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
وفى جوف ذكرياته التى لا تنتهي ، بإمرأة من سعف الزعفران .. ساحـرة شفتاها كما حَب الرمـان .. تركت له نائلهـا رضيعـا بقلب منفطر ، و روح انزوت إلى غير رجعة ، و دموع من العينان ..
لتنطلق جولـيا راكضـة خلف من تُحب ؛ ضاربة بالمنطق ، و انحياز لـ شقيقتها الصغرى عرض الحائـط ، تنادي بكل ما تملك من المشاعر:
— بـأس ... اسمعني .. أنا مليش ذنب ... أرجوك بلاش تقاطعني .. بلاش تاخدني بذنبهم ..
خيم العبوس على ملامحه ، لتتغير كُليًـا إلى أسوء صورة حاول مرارًا ألا يحياهـا .. عيناه غائـرتان تحولتـا من اللون الزهري المائل إلى رماديته .. خطوط الغضب تشكلت على جبهته و جانبي وجهه .. أوردة العنق استنفرت بشكل بارز ، و أسنانـه السومرية تصطك على بعضها فى أزيز يحمل إنذار لكل من أمامه هاتفا :
_ إذا أردت الحياة .. فإبتعد
لذا هتف صارخًـا بكل ما يحمله صدره من شعلة الغضب:
— لو عايـزة تحافظي على كرامتِك ؛ إبعدي عني دلوقتي .. أنـا لو إلتفت ، هتشوفي مني وش متمناش ألد أعدائي يشوفوه ... أظن واضح !!
ثم رحل ، تهتز الأرض من أسفل قدميه بأنين من قوة العابـر فوقها دون أن يهتم ..
يزداد القلق بقلب صلاح الدين كلما وجـد ابنه الغالي على تلك الشاكله ...
فى عمره الفائت بأكمله .... رآه على ذاك الوضع ثلاث مرات ...
الأولى بإصرار زوجته الأولى رحيق على طلب الانفصال حين علمت من الأطباء استحالة قدرتها على الإنجاب ..
و الثانية حينما نازعت الموت بين ذراعيه ، و خسارته لها للأبد ..
و الثالثـة .. الآن
صرخت حسنـاء فى ابنتها الكبرى جولـيا بعدما وجدت من حماقة ابنتها التى لا ترى فى محيط حياتها سوى بـأس ...
حمقـاء تُصر على التنازل عن كرامتها ، أنوثتها ، مكانتها ... كل ما تملك لأجل كلمة مكونة من حروف أربع ...
" أُحبِـك "
و الجميع على عِلم بذلك ... و الجميع يستنكرون ذلك ..
و الجميع يثـورون غضبًا لذلـك ..
لتُقْـدِم والدتها على سلوك بدَر منها للمرة الأولى ، و ربما ليست الأخيـرة ...
إلتواء كاحلها بين يدي والدتها .... خصلاتها التى شعثت من جذب والدتها لها ... عيناها المحتنقتان .. خليط من تلك الآلام جميعها لا يُقـدّر بما سمعته من حبيبها بأس ..
و رغم ما تتجرعـه من أوجاع جسدية ، لم تئن .. عيناها لا زالت على وجهتها ... موضع رحيله ..
ربمـا أحبته بكل ما تملك .. بالعقل .. بالقلب .. بالروح .. بالكيان .. و الجسد الذى يتمناه فى استماته
— لسه بتفكري فيه يا عديمة الكرامة .. أُختِك تتهزأ منه ، و تقريـبًا شبه بيهددنا ، و صراخه فـ وشي ...
كل ده مأثرش فيكي ، و كل اللي يِهمِّك إن الباشا يكون راضي و مبسوط ...
إنتِ لو مفوقتيش لنفسِك ، أنا بنفسي هسفرِك ، ومش هسمح بنزولِك مصر تاني ... فاهمة ولا مش فاهمة ؟!
كان ذاك التهديد الواضح المعالم من قبل والدة جوليـا التى اغتاظت من فِعلـة بأس الاولية القوية الحدث والتأثير ...
لتفلت الأخيرة كفيها من بين ذراعي والدتها ، قائلة فى تحدي :
— أيوه بحبه .. و هفضل أحبه ، ومش هتخلى عنه طول ما فيّـا نفس .. و قريب أوي هيحس بيا ، و يحبني ..
أنا اللي كنت المفروض أتجوزه ... بس إنتِ السبب ..
طول عمرك بتفضليها عليا ، و بتحبيها أكتر مني ..
أيوه أنا بحبه ... و بكرهِك .. و بكره رحيق .. بكرههـــا ... بكرههـــا ...
حانت إلتفاتة من الصغير نائـل ، و نظرة خذلان ، و حزن من الجميع .. ثم جرى بعيـدًا ، استغل خلالـه الفتحة الضيقة من البوابـة التى لا زالت على وضعها برحيل غيداء و والدتها ... لينطلق إلى الخارج هاربًـا إلى غير هُـدي ، ليتفاجىء بسيارة دفع رباعي أمامه ، و قبل أن ينتبه
شلت المفاجأة حركة صاحبها لدى ظهور الصبي الصغير بشكل مفاجيء .. ليعلو صوت الإرتطام ... و صرخة مألـوفة ... ثم سكـون دامي ..
« هُل سيُغادر الحـاضر ليبقى ظـلاً من الماضي ؟!
هل سيتكرر الألم الذى لم يجف بعد ، و يبقى على أبيه جمع الرُفـات ؟!
هل سينسحب كضوء أبيض باهت من لوحة مزدحمة الألوان
هل ستخبـو سيرته ... حضوره .... ذكراه ؛ دون أن يترك خلفـه أثـر ؟!
كلهـا أداة الإستفهام ‹ هـل › .. و تلك الأدلة نفسها لا تعي الإجابـة ....
يتبع
الفصل الثاني من هنا
لقراءة باقي الفصول من هنا