رواية زهـرة بين براثن البـأس الفصل التاسع9 بقلم سيلا محمـد

رواية زهـرة بين براثن البـأس الفصل التاسع9 بقلم سيلا محمـد
          « خُدعــة تحت مُسمى الحـب »

« أتُـراني أهتـم !!
القسـوة ... لفظ يحمل الكثير من المعان .. منهم من يظن أنه يعود على الجسد بألم .. و منهم من يتصور أنه القصد المعنوي .. و لكنني سأقدم لك المرادف الصائب ، و المُـجمل القويم ...
أشد حالات القسوة هى ما نفعله بأنفسنا .. ليس السقوط فى بئـر الحب ؛ بل أن نُطعِـم قلوبنا ، و نروي شعورنا أملاً نحن على معِيته مجرد سراب ..
نستقبل قلوبنا كما أطفال صغار يتهافتون على حكايات من نسج الخيال ، و نقودهم بخُطى متحمسة نحو قصور مضيئة نعي جيدًا أنها موصدة الأبواب
و فى الخارج قطيع من الذئاب تتحين اللحظه للانقضاض ..
تلك هي الخطيئة الأزليه .. !!
أن نرى المستحيل واقعًا ، و رغم استحالـة الوصول إليه ، نُصِر على الركض خلفه مغمضي العينين »
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد

على مشارف المنزل .. توقف غازي بالسيارة ، ينظر إلى مرآتها التى تكشف هيئته ..
رجـل فى أوائل الستين .. لا يبدو على ملامحه العجز ، وسيم .. أنيق .. يغزو الشيب رأسه ، لكن قلبه الفتِيْ لا يزال يحلم بثراء الحب ...
ترجل من السيارة فى هدوء ، ليسير بخُطى ثابتة إلى المنزل ، ثم ضغط على زر الباب

نهضت غنوة فى تكاسل بعد محاولات مُضنية لمعرفة سر حزن ابنتها ؛ لكن الغيد لازالت تُصر على سبب ربما كان مقنعًا فى مرحلةٍ ما " إنهاك الدراسة و الاستعداد لإختبار الغد "
اقتربت غنوة من الباب ، ثم فتحت .. لتتفاجىء بغازي واقفًا بملامح باسمـة :
— إنتَ ؟! عرفت عنواني منين ؟! و جاي هنا تاني ليه ؟!
مش مكفيك اللي قالته بنتك ؟! جاي تكمل عليها ؟!
على فكرة البلد فيها قانون ، و أنا إن سِكِتْ فـ قصر الباشا ؛ فـ ده احترامًا ليه ، و لإبنه الدكتور والي ...

تلعثم غازي ، ثم أجاب فى اعتذار :
— لا والله .. إنتِ فهمتيني غلط .. أنا جاي النهارده أقدم اعتذاري ... أنا آسف حقيقي بالنيابة عني و عن بنتي ... دارين صدقيني طيبة بس متسرعة ، ومش بتفكر صح ؟!

استمعت غيد لأصوات غريبة ، لتنهض من فوق فراشها ، ثم لحقت بوالدتها ... لتتملكها الدهشة ، ثم صاحت :
— خير يا باشا ؟! أي خدمة ؟!

شعر غازي بالخجل الذريع ، ليهتف بتأثر :
— يا بنتي .. أنا والله جاي مخصوص أعتذر عن اللي دارين قالته وسط انفعالها .. انتوا زميلات فى الجامعه و المفروض تكونوا أصحاب ، و العلاقة بينكم أقوى من كده.

ابتسمت غيداء بسخرية قائلة :
— علاقة إيه اللي حضرتك بتتكلم عنها ؟! و الاعتذار ده بقى علشان الكلام اللي قالته فى القصر ، و لا علشان العصير اللي صبته على فستاني فى الجامعه قدام كل الطلاب ، و اتهامها ليا فى شرفي و أخلاقي و كرامتي ...
حضرتك جاي تعتذر عن إيه ، و لا إيه ، و لا إيه ؟!

اتسعت مُقلتي غنوة فى غضب ، نظرًا لإخفاء ابنتها هذا الأمر المشين عنها ، لتهتف فى غل قاصدة غازي  :
— لو مكنش عندك وقت تربي بنتَك .. أنا بقى اللي هـربيها ... كله إلا بنتي و أخلاقها وشرفها ...
اللي واقفة قدامك دي تبقى غيداء عبد الصبور ، بنت عمري اللي إسم أبوها شرف ، اللي ربيتها أحسن تربيه ، اللي أنا عايشة عشانها و ليها ، و فخورة بيها ..  و اللي يقرب لها بكلمة أو نظرة تقِـل منها ... أنا آكله بسناني ...
و طالما بنتك الفاشلة دي مصممة على الغلط ، أنا بقى اللي هتصرف معاها ...

دعست كرامته كرجل ... أتاها راكضًا كعاشق على تمام الاستعداد لفعل المستحيل لأجلها ، و لكنها ابنته  التى أضاعت فرصته فى الوصول إليها
تلك الشنعاء الحقيرة كوالدتها ... الملبدة بالغرور
ليصمت غازي قليلاً ثم قال :
— طيب .. ممكن أستأذنِك فـ كلمتين على انفراد .. و صدقيني اللي يرضيكي أنا هعمله ...  كلمتين بس مش هعطلِك ...

ارتدَّت غيداء إلى الخلف قليلاً ، إلا أنها لن تبرح مكانها من أجله ، ولا من أجل غيره .. لكن غنوتها طالبتها بالرحيل المؤقت
وما كان من غيد إلا أن أطاعت والدتها فى رضا ، لتدلف إلى الداخل ..

أطرقت غنوة عيناها قليلاً ثم قالت :
— خير يا باشا .. عايز تقول إيه ؟!

اقترب منها غازي قليلاً ، يتأمل ملامحها الجميلة الفاتنة فى عشق صادق ، ليهمس :
— أنا كُلي تحت أمرك ... و إن كان على دارين ، هجيبها لحد عندِك تعتذر لها بنفسها .. ولو كررتها تاني ، هنقلها من الجامعه كلها ... بنتِك غيداء ست البنات كلهم ، و زي بنتي و غلاوتها من غلاوة جوليا و دارين و رحيق الله يرحمها ...
عارفه يا غنوة .. من يوم ما سيبتي القصر و هو ملوش حِـس، و لا العيشة كلها ليها طعم .. حتى الأكل كان من إيدك زي الشهد ، دلوقتي لا طعم ولا مذاق ...
أنا عارف إن جوزِك عبد الصبور الله يرحمه كان مالِـي عليكي حياتِك ، بس إنتِ دلوقتي لوحدِك ، و حرام عليكي تحرمِي نفسك من أبسط حقوقك بالشكل ده ..

مطت غنوة شفتيها فى اشمئزاز قائلة :
— و إيه هي أبسط حقوقي من وجهة نظرك ؟!

أجاب الرجل فى هيام :
— إنِك تتجوزي طبعًـا رجل يحبِك و يقدرِك ، و يعيشِك ملكة ، و يحميكي من الذئاب اللي عيونهم عليكي و طمعانين فيكي.

نظرت غنوة إلى غازي نظرة طويله ذات مغزى :
— والله أنا مش شايفة قدامي إلا ذئب واحد من يوم ما دخلت القصر و هو اللي عينيه تدب فيها رصاصه محاوطاني فى الرايحة والجاية...
شوف يا باشا عشان أجيبهالك على بلاطة زي ما بيقولوا .. أنا محبيتش فـ حياتي إلا عبد الصبور الله يرحمه جوزي و أبو بنتي ، و لا يمكن أحب أو أتجوز غيره ..
أظن كده أنا وفرت عليك المقدمات الطويله ...
أما بالنسبة للي عملِته بنتَك ، فهي فعلاً هتعتذر لبنتي بس مش قدامي هنا ، لأ .. ده قدام الجامعه كلها .. و بُـكرة تشوف بنفسك ...

اشتعل الغيظ و الغضب بقلب غازي لرفض غنوة له ، دون إعطاءه الفرصة للحديث ..
أتاها بقلب يفترش حُبًـا لتتوسده ، و ها هي تطعن هيبته و رجولته ... ليهتف بقسوة رجل كرامته على المحك :
— بقى كده يا غنوة .. بترفضيني انا .. بترفضي غازي
الوراد .. ماشي يا غنوة .. يكون فـ معلومِك إنتِ غنوتي أنا بس ، و هتكوني ليا حتى لو غصب عنِك..  فاهمة حتى لو غصب عنِك ..
( و رحل الرجل فى كبـوة من الغضب لو فُتِحت لأحرقت كل ما أمامها )
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
*******************

« لا بأس .. ارحل إن أردت ... فلن يُعيقني الرحيل
كفاك تربصًا بي .. فمحطتي أوشكت على الوصول
و لا تترك خلفك حتى السلام ..
لا أعلم إن كان الوقت قد حـان ؛ لكن يومًا ما ... سنتبادل الأدوار ، و لن يتبقى منك سوى الذكرى ...
ارحل .... ولا تلتفت إلى الوراء ...
و اعلم أنك في مملكتي الحصينة …
لا أحد يصل باكرًا ليُستثنى من الزمن .. ولا متأخـرًا ليجد الغفران .... »

ركض الصغير نائل بعينان تقطر دموعًا ، وجسد يرتجف ، يحمل بين يديه الجهاز اللوحي على شاشته صورة ‹ التفاحـة الناضجـة غيداء ...
شفتاه ترتجف من حسرة على سعادة ذهبت بلا استئذان
منذ ساعات يترقب حضورها .. يشتاق إليها
يتأمل مظهرها ... و ها هي ترحل مسرعة دون أن تردد على مسمعه
_ حسنًـا فعلت يا صغيري
لم ترَ صورتها التى أتقن رسمها .. لم يتأمل تعبيرات فرحتها على وجهها ...
فقط رحلت عابرة دون أن تكترث له ؟!
لماذا يرحل الجميع من حياته دون تحيـة ، دون وداع ؟!
هل هو سيء إلى هذه الدرجة ؟!
ألا يفتقده أحد ؟!
ألا يريدونه فى حياتهم ؟!
ألا يستحق أُمًـا يحتمي بدفء صدرها  ؟!
نعم هو ابن السنوات الأربع ، و لكنه بفطنته تعدى الأربعون ... »

— بابي .... طنط تفاحة مشيت و سابتني ... مشيت من غير ما تشوف الصورة ... هي مش عايزاني ..
محدش بيحبني .. كلهم بيسيبوني ... أنا وحش مش كده ؟!
( كلمات صدرت من الصغير باكية ، كل حرف فاه به طعن به والده ألف طعنة .. يعشقه عشق الأب و الأم ، يتمنى أن يراه فى المكانه التى لم يصل هو شخصيًا إليها ، و دون قصد كان سببًا فى أحزانه .. لكنه سيفعل ما فى وسعه ليحيطها بجناحيه وإن قاومت سيحتمل )

ضم بأس صغيره الباكي فى صدره ، ليربت على رأسه فى حنان جارف ، و يُشبعه من القبلات المتفرقة ، ثم همس له :
— طنط كانت مستعجله علشان عندها مشكله فى الجامعه .. إنت عارف إنها طالبه عند أونكل والي ... و بيقول أنها شطوره خالص زي نائل كده ....
طيب إيه رأيك نعملها مفاجأة دلوقتي حالاً ... تعالي أقولك هنعمل إيه بس ده سر فى ودنك ....

و أخبره بما عليهما فعله ، لتعود البسمة إلى شفتيه ، و يفترس تلك التفاحة الناضجة المتمردة ...
على إثـر قوله ... استقل كلاً من بأس و نائله السيارة
ليقودها الأول فى الطريق إليها ...  إلى العنيدة

« قلبه صلب .. لا يعلم الاستسلام لإمراة ..
لا تغيب عن ناظريه ... و لكنه يأبى الرضوخ ...
يتذكر نظرتها الساحرة ... بينما يتعفف عن لذتها ....
ثمرة على مشارف النضج ... و زهرة من زهرات الربيع ..
عليه أن يقتطفها ، قبل أن يفعلها غيره .... »

توقف بأس بسيارته أمام بيت غيداء ، تُعلن عقارب الساعه عن الثامنة مساءً
لم يعتاد نقض مواثيق العمل ، ليعود إلى بيته باكرا ..
لكنه من أجل الصغير يفعل ...
هبط من السيارة ممسكًا بأنامل نائـل ، ثم وقف أمام باب المنزل .. ضاغطًا بإصبعه القوى الجرس
ابتسم داخله حين سمع وقع خطواتها الغاضبة
ليهمس قائلاً :
— يخرب عقلِك .. معقول لسه زعلانه من ساعتها .. أومال لما تشوفيني ، هتعملي إيه يا بنت عبد الصبور !!

بعد رحيل غازي ... تخضبت وجنتي غنوة من شدة الحنق ، لتُـردد :
— أما صحيح رجل قليل الحيا .. أنا كان قلبي حاسس إن نظراته دي وراها حاجة ... رجل عينه فارغة ... صحيح والله .. صدق اللي قال
‹ من بـره هالاه هالاه و من جوه يعلم الله ›

اتجهت غيداء صوب والدتها التى تراجعت إلى المطبخ ، لتضع بعض قطرات الماء على وجهها عله يهدأ من اشتعاله ، لتهتف الأولى :
— الرجل ده كان عايز إيه يا ماما ؟!

إلتفتت إليها الأم فى عتاب مرادفة :
— أنا اللي المفروض أسألِك ... إزاي تخبي عنى اللي قولتيه قدام أبو البنت اللي اسمها دارين دي ؟!
من إمتى بتكدبي عليا يا غيد ؟! طول عمرِك سرِك معايا ... للدرجة دي مستقليه بيا ؟! شايفة إن أُمِك ضعيفة وعلى أد حالها لدرجة إنها متقدرش تجيبلِك حقِك ؟!
أنا لو مكنتش أقدر أحميكي يبقى مليش لازمة فى الدنيا ... أنا زعلانه منك أوي يا بنت قلبي ...

ارتمت غيداء تشهق من شدة الحزن ، دموعها كما إعصار جارف يبتلع ما أمامه ... لم تقصد محو ما حدث ، أو إخفاءه .. لم تقصد التستر على بنت ماجنة متكبرة ، لكنها خشيت على والدتها من جبروت من لا يرحم ...
زاويـتان كما الشمال و الشرق لا يلتقيان ..
لذا أرادت الكتمان المؤقت ، لحين معرفة ما سيصدر من الدكتور والي لدي لقاء رجاء و زميلها به ..  

و فى خضم عبارات الاعتذار و الإلحاح ، سجدت غيداء عند قدمي والدتها تُـقبلها فى إفراط دون أن تتوقف
قائله بين آهاتها :
— أنا آسفة يا ماما .. سامحيني .. والله ما كنت أقصد ... و الله عمري ما خبيت عنِك حاجة إلا علشان أحميكي ... يا ماما دول ناس مش سهله ... إحنا مش قدهم  .. دول معندهمش رحمة ... وأنا والله ما سكت .. زمايلي راحوا للدكتور والي يبلغوه ، و لو متصرفش هطلع لرئيس الجامعه ... حتى زميلي ضــ........  

انطلق رنين جرس المنزل ، ليقاطع غيداء التى تأجج الغيظ بداخلها إثر عودة المدعو غازي ..
لتقرر المبادرة بفتح الباب ، و استقباله بإهانة إذا تطلب الأمر
اتجهت إلى الباب بخطوات قوية يتخللها الاستياء ، ثم فتحت قائلـة :
— إيه اللي جابك تاني يا ...........

تجمدت فى مكانها ، لتتوقف الكلمات على بوابة الحَلْق حين ارتطمت عينيها بعيون البأس الثاقبه ، ليهتف بنبرة عميقة :
— مين اللي كان هنا ، و رجع تاني ؟!

ابتلعت غيداء ريقها فى تردد ، لتنضم إليها غنوة وعلى وجهها أمارات الدهشة .. تتساءل :
— هي إيه حكاية العيلة دي معانا الليلة دي ؟! هم عايزين مننا إيه ؟!
إلا أنها رسمت على شفتيها ابتسامة باهتة ، قائلة :
— أهلاً و سهلاً بأس باشا .. اتفضل ..

دلف إلى الداخل فى حين ظل نائل ثابتًا فى مكانه ، ليحاول والده أن يرافقه ..  بينما لا يزال الطفل على وقفته و عيناه الحزينتان تقصان الكثير
— يلا يا حبيبي ... واقف ليه عندك ... مش كان نِفسك تشوف طنط تفاحة ..  !!

انحنت غيداء بابتسامة حانية ، ثم اقتربت من الصغير قائلة :
— أنا عارفه إنك زعلان مني .. لكن إحنا اصحاب ، و الأصحاب مش بيزعلوا من بعض .. ندخل جوه و أصالحك زي ما إنت عايز ... تعالى بقى وحشتني ....

دلف الصغير إلى الداخل ليستعيد ابتسامته ، ثم التصق بذراعها ليضمها إليه فى لهفة قائلاً :
— وحشتيني خالص .. أنا جايب معايا التابلت علشان تتفرجي على الصورة ، و كمان بابي عاملك مفاجأة حلوه ... مش كده يا بابي ...

أجاب بأس فى ابتسامة رضا :
— كده يا حبيبي ...

تقدمت غنوة إلى الأمام ترحب بكليهما ، لتستأذن لتقديم واجبات الضيافة ...
فى حين طلب بأس من طفله الذهاب برفقـة غنوة لمساعدتها
— إيه رأيك يا نائل تساعد طنط غنوة ..!!

شهقت غيداء شهقة مكتومة ، لتحاول التملص و الهرب إلى المطبخ خشية ألاعيب البأس ، إلا أنه لشدة دهائه اقترب منها مسافة محددة و أمسك كفيها هامسًا بصوت بالكاد سمعته
— متهربيش ... عايزِك على انفراد ، والا هقول لماما غنوة على اللي حصل فى الشركة

اتسعت مقلتيها فى خوف لم تنتبه إليه والدتها ، لتصحب الصغير إلى المطبخ ، مطالبة ابنتها بالترحيب بـ بأس لحين عودتها ..
جلس بأس فى أريحيه على الأريكة باسمًا ، بينما ظلت غيداء على وقفتها بجوار باب الغرفة ... ليهمس بأسلوبه الساخر :
— إيــه ؟! هتفضلي واقفه جنب الباب كده ؟! مكنتش أعرف إنك خوَّافـه أوي كده ؟!

استطاع استفزارها ، لتقترب منه إلى الحد الفاصل بينهما ، لينهض سريعا فى لمح البصر .. ثم أغلق باب الغرفة فى هدوء
شهقت غيد قائلة فى رعب :
— بقولك إيه ... إنت هنا فى بيتنا ، يعني أي تصرف منك هَـلِم عليك الجيران ، و إتفرج بقى ..

اقترب منها بأس ليحاصرها بين ذراعيه و الحائط ، ثم همس بصوت أقرب إلى الفحيح :
— مختفلنـاش .. أنا عايز أتـفرج بس مش على الجيران .. أنا عايز أتفـرج على اللي جوه ؟!
أموت وأعرف إيه اللي مستخبي تحت البيجاما الوردي دي !

هتفت غيد بصوت جاهدت كيلا يُسمع :
— إنت سافل ، و قليل الأدب و......
لكنها لم تستطع استكمال جملتها ، بسبب ذاك الجريء الذى قام به بأس حين أمسك بسبابتها ووضعها بين شفتيه و قضمها بشده ، صدر عنه أنين غيد
ثم همس :
— طول ما لسانِك طويل كده ، مش هسيبِك ..
مجاوبتينيش على سؤالي .. إمتى هدوق تفاحتِك دي ( و أشار إلى وجنتها القانية ) التى اشتعلت بحمرة الخجل ، مع عبرات لامعة بين أهدابها .... ليردد :
— على فكره إنتِ عيوطـة أوي .. كل ما أقولِك كلمة تعيطي .. مستعجله على إيه .. ؟!
ما تخلي الدموع دي لليلتنا الأولى ، أصلَها وقتها هتنزل لوحدها ..

اتسعت مقلتي غيد فـور اقتراب خطوات والدتها ... ليبتعد بأس فى سرعة ، وفتح الباب ... ثم جلس فى ثبات وكان شيئًا لم يكن

دلفت غنوة يرافقها نائل إلى الداخل ، لتُقدم المشروب المنعش و الحلوى اللذيذة إلى بأس ، فى حين جلس نائل بجوار غيد التى تناولت طبق الحلوى الذى صنعته والدتها ، و شرعت تُطعم نائل بيديها ....
تصرُف لم يغفل عنه بأس ، وعلى الجانب الآخر لم تغفل غنوة  عن نظرات بأس العميقة لابنتها ... لتقول فى ترحاب :
— شرفتنا يا باشا فى بيتنا المتواضع .. أهلاً و سهلاً ....
ازيك يا حبيبي .. عامل إيه ؟!

أجاب ناىل بفاه ممتليء بالحلوى :
— الحمد لله

تجرع بأس بضع جرعات من العصير ثم قال :
— قوليلي يا مدام غنوة ... أخبار مشروع الوجبات إيه ؟!

أجابت المرأة فى احترام :
— الحمد لله ..  كل يوم المشروع بيكبر عن اليوم اللي قبله ..

— بتتعاملوا مع مين بخلاف الجامعه ؟!

— مع كل المدارس اللي حوالينا و مع المطاعم كمان ...

صمت بأس قليلاً يفكر ... و بنظرة رجل الأعمال المحنك إلتفت إلى غيداء التى انشغلت فى إطعام الصغير ، فلم تلمح نظراته .. ثم قال فى جدية :
— إيه رأيِك تشاركيني .. ؟!

إلى هنا انتبهت غيد إلى حديثه ، لترفع عيناها الهاربتان منذ قليل ، و الثاقبتان الآن :
— نشاركك فـ إيه ؟!

— مطعم كبير فى أرقى مكان فى البلد .. الأرض موجودة و المبنى كمان .. محتاج بس بعض التعديلات .. طاقم المهندسين اللي عندي فى الشركة يقدروا يخلصوها فـ أقل من أسبوع ..
الإدارة هتكون لوالدِتك و الاشراف ليكي وقت فراغك و أيام الاجازات طبعا ..
أنا هشارك بالمال ، و انتوا الإثنين بالمجهود ..  قولتوا إيه ؟!

تصلبت كلاً من غيداء و غنوتها لدى سماعهما لعرض بأس ، الذى جلس باسمًا يستمتع بنظراتهما إليه ، فى حين أجابت غنوة :
— و إيه اللي حضرتك هتستفيده من عرض زي ده ؟!
أنا صحيح معرفش مجال شغل حضرتك ، لكن بالتأكيد هو بعيد كل البعد عن موضوع الاكل و المطابخ ...

— أنا فعلا مجال شغلي بعيد تمامًـا عن موضوع الأكل و المطاعم ، بس ده ميمنعش إن اكلِك عجبني ، ( ثم نظر إلى غيداء قائلا ) :
— و أكيد أكلك إنتِ كمان .. أنا رجل أعمال بعرف إزاي أدير شغلي ، و فين أستثمر فلوسي .. يعني الموضوع كله بيزنس و بس ... ليكم نسبتكم و ليا أرباحي
قولتوا إيه ؟!

حارت غنوة فيما تقول ، بينما غيداء رفضت العرض بشدة قائلة فى حدة :
— أنا طبعًـا بشكر حضرتك على العرض ده .. لكن أنا مش فاضية .. عندي جامعتي ، وماما مش هتقدر على إدارة مشروع كبير زي ده لوحدها ...
إحنا كده حلوين أوي .. بنكبر خطوة خطوة ... و كمان انا مش بحب الشراكـة.   
شكرا لحضرتك ..... العرض مرفوض .

دُهشت غنوة من حدة ابنتها ، و الاستياء البادي على ملامحها .. ترى أن فى ذاك التصرف سر لا تعرفه ، و قد ضاق بها ذرعًـا من كم الأسرار التى لم تعد تُبلغها به ابنتها فى الآونة الأخيرة... لتهتف :
— لا مؤاخذة يا بأس باشا .. بنتي عندها حق .. إحنا قبل ما نبدأ المشروع ده فكرنا كتير ، وحسبنا حساب الوقت والمجهود و المصاريف حتى الدليفري ...
حاليًـا إحنا بنطلع السلم سِلمة سِلمة ..
فكرة مشروع حضرتك فرصة طبعًـا ؛ بس للي يقدر يتفرغ له ، لكن أنا و بنتي يدوب بنقدر على العملاء اللي معانا بالقوة ..  تسلم على العرض اللطيف ، بس اعذرني مش هنقدر نلتزم بيه ...

انتظرت غيد استياء بأس لقرار رفضها ، إلا أنها تملكها الدهشة حين ابتسم فى جاذبيه مطالبًـا غنوة بكأس من الماء ، فى حين نظر إلى طفله قائلاً :
— خُـد مفتاح العربية ، و هات التابلت لطنط تشوف ابداعك ... يلا اجري يا شطور

رحلت غنوة لإحضار الماء ، و نائـل إلى السيارة ، و غيداء إلى اللامكان ... فإلى أين تذهب بحضوره الجامح
ثم سحبها من ذراعها لتسقط على قدميه قائلاً:
— بترفضي عرض الشغل معايا ليه... هـاه  ؟!
مش عاجبِك يا تفاحة !! ردي بدل ما أفترسِك ...

بحثت غيداء فى كامل جسده ، لتجد ذراعه ، فاقتربت منها و قضمتها فى قوة حتى كانت تقطر منها الدماء قائلـة :
— كده نبقى خالصين ... عضة قصاد عضة

ثم نهضت من جديد ... لتأتي والدتها فى الحال ، فى حين لاحظت ملامح بأس التى تبدلت إلى التجهم ، ناهيك عن يديه التى أمسكت بذراعه ... لتقول :
— مالك يا باشا ... حضرتك تعبان ولا حاجة ؟!

عض بأس على شفتيه فى إغـواء ليهتف فى جاذبيه :
— أصلي قبل ما آجي ... قرصتني عقربة إنما إيه حلوه ، قصدي يعني صعبـة .. بس الحمد لله أخدت المصل المضاد ... و قريب أوي هجيبها و أنتقم منها ...

— هتجيب مين يا باشا ؟!

— هجيب العقربة يا مدام غنوة ..  يا ويلها مني ... !!

دلف نائل إلى الداخل فى سعادة ، حاملاً بين يديه الجهاز اللوحي ثم قال :
— شوفي يا طنط .. رسمتلِك إيه ؟!

التقطت غيداء التابلت ، لتنظر إليه فى ذهول ، فأمامها صورة هي طبق الأصل منها إلى حدٍ كبير ...
صورة تنُـم عن عبقرية نائل الفنيه ، لتهتف غنوة فى فخر:
— بسم الله ما شاء الله ... ربنا يحميك يا حبيبي .. إنت فنان حقيقي ... ربنا يبارك فيك ...

إلا أن غيداء شعرت بشعور آخر ...
لقد جبر الله خاطرها بطفل أحيا قلبها الذى أوشك على الموت ، لتنحدر الدموع من عينيها قائلة :
— معقول أنا بالجمال ده ..  !! مش عارفه أقولك إيه يا حبيبي ... ربنا يخليك ليا
( لتضمه الى صدرها فى حب و حنان جارف ، ترتوي من دفئه أكثر مما يرتوي هو من حنانها ... لا تبرح اللحظه لتتمنى أن تحظى بها إلى أبد الآبدين )

فى حين دمعت عينا بأس من التأثر ، ليُقسم ألا يدع لغيره أحقيـة اقتطافها ..
رحبت غنوة بسعادة ابنتها ، لتصمم على تجهيز كعكة لتلك المناسبة ، ثم طالبت كلاً من نائل وغيد  المشاركة
أمسك نائل بيد غنوة ، ليقول لوالده :
— إحنا هنسبقكم على المطبخ يا بابي ... و إنت إعطي طنط المفاجأة

اقترب بأس من غيداء ، ثم قدم إليها إطار كبير مغلف ، و طالبها بفتحه فى الحال
و حين فعلت ... وجدت أمامها بورتريه من الألوان الزيتيه ، داخل إطار من الذهب الخالص ... مزين بتوقيع
الفنان ‹ بـأس الحديدي ›

إلتقت عينا غيداء بزمرديته الساحره لتهمس فى امتنان :
— حضرتك اللي رسمتها علشاني ؟!

أماء بأس ، باسمًا :
— عجبتِك !!

ارتجفت شفتيها فى عرفان :
— جميلة جدًا .. أنا مش عارفة أشكرك إزاي .. دي أول مرة حد يقدم لي هدية حلوة كده ؟!
حقيقي متشكرة أوي ..

سالت دمعة من عيناها .. تلقاها بأس بين يديه ، ليُقربها من شفتيه ثم امتصها ليتلذذ بمزيج لا يقاوم من شهدها المُسكِر و ملوحة عبراتها
ثم همس :
— خليكي دايمًـا واثقه إنك جميلة يا تفاحة .. و جمالك ده بيطمع الناس فيكِي و أنا منهم ... مش عايز أقولِك أنا طمعان فيكِي أد إيه ... مش ناويه بقى تجيبي حته !!

تراجعت غيد إلى الخلف متساءله :
— حتـة إيه ؟!

ضحك بأس ضحكة مرحة تاركًا إياها فى الغرفة بمفردها ، ليلحق بغنوة و صغيره ليهمس لهما :
— الكيكة جهزت ولا لسه ؟!

ضحك نائل ليداعب أبيه بوضع قليل من العجين على ذقنه تلتصق بها مداعبًا :
— لسه يا بابي الكيكه لسه عجين ... تعالى ناكلك إنت ...

انضمت إليهم غيداء الحائرة فى مشاعرها .. تختطف من البأس نظرات تتوغل روحها ، و تشتهي لذة أحاسيس باتت أقرب إليها و أبعد ...
تخشى إن أصاب قلبها بألم .. تخاف الانكسار بكيانها الهـش... تتأمل ولكن الوجع لـن تتحمل ....

لاحظ بأس اضطرابها ، ليهمس لطفله :
— إيه رأيك نلعب لعبة صغننه .. كل واحد فينا يحاول يلاعب التاني بالعجين في وشه .. و اللي يخسر ناكله زي ما بناكل الكيك !!

تهللت أسارير نائل من الضحك ليردف :
— نأكله إزاي يا بابي ؟!

اقترب بأس من الغيداء قائلاً فى مكر :
— بلاش ناكله ... كفايه ناخد منه بوسه

لمحت غنوة نظرات الباس ، و انتبهت إلى كلماته .. لتطالب ابنتها الدلوف إلى داخل المطبخ و إعداد العصائر ، لتبتعد عن البأس قدر ما تستطيع
و ذاك المنبه الداخلي محط الاستعداد للوقوف أمام الخطر لأجل ابنتها ....
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد

« تراه ينظر إليها .. و نظرته ليست عابرة …
هي الأشبه برسالةٍ صامتةٍ تعي طريقها جيدًا  إلى القلب ..
حين رفعت عينيها نحوه  ..
لم يكُـن يتأمّل ملامح وجهها فحسب ؛ بل كان يغوص في داخلها ... في ذاك النور الخفي الذي يسكن روحهـا في الصفاء الذي لا تلتقطه العدسات ، ولا تصفه المرايا ...
يرى باطنها ... يراها من الداخل…
يرتوي من نقاءها ...
يلمح طيبةً تسبق كلماتها ..  وهدوءً يشبه صلواتها ...
تفتنه بأخلاقها التى لا تهزّها العواصف...
قلبها الدافيء الحنون الذي يفيض حنانًا دون أن يتباهى...
فى عطرها الذى يفوح من بتلات زهرتها ....  الزهـرة القرمزيـة »
تعليقات



<>