رواية زهـرة بين براثن البـأس الفصل الثاني2 بقلم سيلا محمـد

رواية زهـرة بين براثن البـأس الفصل الثاني2 بقلم سيلا محمـد
                « وجـع لا يـزال يتكـرر »

« ألا تكتفي ... ؟!
ألا تشبـع ...؟!
إلى متى يـزول الطمـع ... ؟!
بربـك .. أنا قد اكتفيت .. و جفت الدماء من أوردتي .. و الصدر صار يُصدِر أزيزًا من نهيجه ..
و أمـا أنت ... بربـك ألا تكتفي .. !!
إليك أصفادي القاسية من زُبَـرِ الحديد ...
و حطِّم قلبي الهـش جدرانـه ...
واعتصِر الوجع السجـين صنوانـه ...
وإكسر أحلامي تحت قدميك ..
لم أُعد أهتم ... بضياع ابن صُلبي ؛ فأنا بعداد الموتى ...
و إن تذكروني .. اطلب لبارئي أن التقيـها معه بدار الخُلد ... و الله يتولى من ظُلِـم »
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد

« يأتي البعض فى حياتنا لعنـة .. ربما نقمـة ... ربما إبتلاء ... هم الوجـه الآخر الذى لا يحتاج إلى تحديث ...
يتمايلون ، و لا نجني من ورائهم إلا سوء الظن ، و سموم البدن ، و تشويه السيرة ...
و من أمثالهم كُثر ... ناهيك عن تلك الفتاة التي شغلت نفسها بحياة غيرها أكثر مما تفعل بخاصتها ...
وجودهـا خراب مُدقِع ... افترائها ظُلم يُطفيء الروح ...
و ما صدر منها كان كما مشكـاة تحمل الرماد بدلاً من أشعـة النـور ...
لذا إن أرادت حرق القلـوب ، فعليها أولاً أن تتعلم إشعال الثقـاب ، فـرُب نارٍ اندلعت .. أشعلت صاحبها ، و انطفئت داخله حتى بات كالرُكام ... »

صرخـات متتاليـة ، و جحيم من الدموع أعمى .. و قلق ما أشَـده !  ولكن الله رحيـم
فقد بات النائل فى كنف الخالق ، ليتعثر فى خطـاه قذفت بجسده ما يُقارب المتر ، لتضحى صرختـه ليس عن إصابـة ، و إنما عن ذهـول و خـوف ...
حينهـا أطرق السائق أرضًا فى فـزع يعبقـه الراحـة هامسًـا برجفة :
— سترك يارب على عبادك .. قدر و لطف .. الحمد لله .. ربنا عالم بيّـا ، أنا غلبان و عندي عيال .. خدوا بالكم من ولادكم .. المرة دي جت سليمة .. يا عالم المرة التانية ...

صرخت حسناء فى وجهـه :
— إنت ليك عين تتكلم ، بعد اللي عملته .. ده أنا هوديك فـ داهية

إلا أن الصغير نائـل استقام فى شموخ ، لا يكاد ينسى ما سمع من تُراهات أفئدتهم ، ليُلقي عليهم نظرة بالغ عزيز النفس .. ثم ركض إلى الداخل لينضم إلى والده بين جنبات مكتبه ، و كأن شيئًا لم يكُن ...

دلف بأس إلى المكتب بنيران تشتعل فى صدره ، يرافقه والده .. و من بعده لحقـه طفله الصغير الذى تسلل فى خِـفية ليستكين خلف الأريكة دون انتباه منهما  ...
زفـر فى حـدة ، بكل ما يعتمل داخل الصدر من أصداء الغيظ :
— واضح إني اتساهلت كتير مع غازي و مراته و بناته ، لدرجة إنهم شافوا اهتمامي و حبي ليهم ضعف .. صحيح رحيق لسه جوايا ، و لا يمكن تتنسى بسهوله ، لكن عند رجولتي و كرامتي لازم وقفـه ...
بابـا ... كل المشاريع اللي بيني و بين غازي تخلص قبل ميعاد التسليم ، حتى لو ضاعِفت رواتب العمال و الموظفين .. و العقود اللي بينا و بينه لازم تنتهي ... ومش بس كده .. أنا محضر له مفاجـأة العمر كله ... علشان يلزم حدوده هو وأسرته  ... و يتربوا ...

انقبض صدر صلاح الدين مما سيُقدِم عليه بـأس ، يخشى من صنيعه لوم اللائمين ، ومن فِـعل يعقبه رد أقسى مما يُحتمَل ... ويتساءل فى ريبة :
— مفاجـأة إيه دي يا بني ؟؟ أنا شايف إن ردنا عليهم فيما يخص عالم البيزنس أقوى بكتير من أي تصرف تاني إنت ناوي عليه ... استهدى بالله ، و فى الحالتين البنت مشيت هي و أمها .. و خلاص !!

زفـر الآخر صاحب النظرة القاتلة من جاذبيته المُفرِطة :
— إنت فاكرني يا بابا عملت كده علشان خاطر اللي اسمها غيداء دي ولا علشان خاطر أمها ... !!
الإثنين دول ولا فـ دماغي أصلاً ، مجرد اثنين اشتغلوا و حسابهم بالكامل مع مكافأة و تعويض مجزي عن الإهانة اللي حصلت النهارده هيكون عندهم خلال ساعة ..
أنا اللي خانقني بجد هو أسلوب حمايا و حماتي ، و طريقة كلامهم اللي باطنها تهديد ؛ و ظاهرها أوامر تسيء لمكانتي أنا سليل عيلـة الحديدي ...
و طالما أسلوب الحوار أخد منعطف تاني ، يبقى يتحملوا اللي هيجرى ...
( وبنبرة قويـة صرخ فى صرامة و توعد ) :
— لسه متخلقش اللي يعطي أوامر لبأس صلاح الدين ، أو يهدده ...

أيقن صلاح الدين أن ما هو قادم ويلات كما ضحايا الحروب ، لينمو التوتر داخله حتى صار كما مارد قوي يتطور ولا يموت أبدا .....
فضلاً عن نائـل الذى اختبأ خلف الأريكة مستمعًا لحديث والده ، وما ينطوي عليه من رد حـازم جعل من عقليته الصغيرة التى لا تتجاوز السنوات الأربع ، كما رجُـل الأربع و العشرون ...
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
************

« تسيـران هكـذا فى العـراء ..
إحداهمـا تُعيد ترتيب ملامحهـا فى مرآتها المكسـورة ،
تحاول أن تتذكـر كيف كانت تسير قبل أن تتكيء على الأمـل ..
و الأخرى تنتفـض بعدما نبشت الشجاعة التى دفنتها لسنوات ..
تتساءل ... لِـم يُثقِل علينا الزمان بالعراقيل ، و نحن الذين أمِنَّـا للدهر ...
غفلنـا عن المقـولة ‹ لا تـأمنوا الدهر ،فإن الدهـر ذو غير ›
أشادت أيدينا لكي نصل .... و ما أردنـا من طول المسير إلا الصبر ...
وقد رحبت كلتاهما بحكمة ...
ألا تضعف .. و إن سن أحدهم سيوفه للفتك بها .. لا تضعف ..
و عليها أن تُظهر الابتسامة الهادئـة دائمًا ، و لا تترك الحزن يتراكم بل تُشتِت شمله ..
و إن أقنعت الآخرين بصلابتها ، فلتكُن كذلك ..  
و تهيم روحهـا مُعلقـه فى بستان مستقبلها ... »
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد

ربتت غنـوة على كتفي ابنتها التى كانت تحتويها بكل خطوة تطأها بقدميها ..
ترتشف من عطر أنفاسها رشفـة ، و تتخذ من جدران قلبها حصن لها و لوحيدتها ..
ثم فاهـت فى حنان :
— حبيبتي .. خلاص عايزين ننسى كل اللي حصل ... حقنا و أخدناه بنفسنا .. و كرامتِك و كرامتي فى السما .. و بُكره هتندم البنت دي على افتراها عليكِي .. ربنا مش بيرضي بالظلم .. يكفي إننا خرجنا من عندهم مرفوعين الرأس ، و حتى حسابي على الفترة اللي اشتغلتها كلها  لسه معاهم ، و مأخدتش منه ولا مليم
يبقى دلوقتي .. مين الكريـم ؟! و مين اللئيم ؟!

بعيون تحمل أمارات الفخـر و الرضـا .. أردفت غيد :
— أنا حقيقي محظوظة بيكي يا ماما .. والله ربنـا بيحبني .. كرمني بأم مفيش زيها فـ الدنيا .. أم مستعدة تدمر الدنيا واللي فيها ، بس علشان خاطر بنتها ...
ربنا يقدرني و أكون عند حُسن ظنك بقلبي ...
صدقيني أنا زعلانة عليهم ، مش منهم .. لأنهم خسروا كرامتهم و هيبتهم قدامي ... و كويس إن اللي قالته دارين كان قُـدام أهلها ؛ علشان يشوفوا بنفسهم أخلاق و سلوكيات بنتهم ...

لمحت غنـوة تلك المقهى النسائيه الكائنه على طرف الطريق ، لتدعو ابنتها مشاركتها فنجانين من القهوة..
داعبت غيداء أنف غنوتهـا فى مشاكسة ، ثم اختارت طاولة هادئـة تُطل على قارعـة الطريق ... ذات مقاعد من خشب الصندل العطرية ، تُعطي انسجامًا لطيفًا مع كلاسيكية المكان ...
أشارت غيداء إلى النادل ، لتُملي على مسامعه مطلب فنجانين من القهوة ذات الأصول العربيه ..

وفى غضون دقيقتين ... كانت القهوة على طاولتهما برائحتها النفاذة شديدة العشق لهما ...
ارتشفت غنـوة بضع جرعات القهوة الساخنة ببطء ، لأن مرارتها تُشبه الحزن الذى لا يُرى أحيانًا ، لكنه يسكن زوايـا القلب
لتتساءل فى اهتمام :
— حبيبتي ... مش قولنا خلاص .. كفاية تفكير .. مرحلة و عدِّت .. و نجحنا فيها الحمد لله .. انسِي بقى ..
المهم دلوقتي بالنسبالي هو موقف الدكتور والي ...

أضافت غيداء فى محاوله منها للفهم :
— ماله الدكتور والي يا ماما ؟!

ابتلعت غنـوة ريقها ، لتُجيب فى رويـة موضحة سر كلماتها :
— أقصد يعني ... لو كلمِك مثلاً و قالِك تتصالحي مع قريبته دي ... هتعملي إيه يا حبيبتي ؟!

انتفضت غيداء انتفاضة المحارب فى ساحة القتال ، لتهتف بنبرة مرتفعة نسبيًا عن المعتاد :
— أتصالح إيه يا ماما ؟!  أنا و إنتِ عملنا اللي علينا .. هو طلب مني أروح عندهم أجهز العروض زي ما بعملها عندنا فـ البيت ، و أنا احترمت كلمته و قدرت دعمه ليا و وافقت ..  
وحضرِتِك قومتي بالمهمة بالنيابة عني .. لغايت ما اتعرضنا للإهانه فـ بيته ، وسِكت ... إنما إنه يطلب مني أنصالح معاها ده لا يمكن يكون ، و اللي يحصل يحصل ..

تهللت أسارير غنوة لما لمسته من عزة النفس و الكبرياء التى توارثتها ابنتها عن والدها عبد الصبور رحمة الله عليه ، لتتنهد هامسة :
— الله يرحمك يا عبد الصبور ، و ينور قبرك ... سيبتنا صحيح ، لكن بنتك بتحيي ذكراك بأخلاقك و تربيتك ليها ... ربنا يراضيكِي يا بنتي ، و يرضى عليكِي ..

بعد الانتهاء من ارتشاف القهوة ، و سداد فاتورة الحساب عادت الأم و ابنتها إلى المنزل فى راحة ، بعد أن سكبـا على طاولـة المقهى ما يعتمر داخل صدراهما من قلق و توتـر و قهـر .. لينبلج الظلام ، و يعود فجر ابتسامتها من جديد ...
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
*************

« يرتفع إيقاعُ الوقت كلّما قرّرتُ أن أسرد خصاله ... كيف أتحدث ، و عيناه تُلازم أناملي ...
ربما أنا الكاتبة التى تُرتِّـل الحروف ، و لكنه بحضورِه الطاغي يُحركُني ...
شخصيته الثائرة ، غموضـه القاتل ، وفاءه لرحيقه ، ذكاءه المتقد ، طيفه العابر ... كما طبول تقرع داخل تلافيف عقلي ...
من لديه القدرة على استخلاصه من كياني .. ؟!
من خلاياي ؟! من حبر قلمي ؟! من أنفاسي ...
يا لك من رجــل !!
تملكتني ، ولم يفعل سواك رجل .. صرت أنا أسيرة البـأس بدلاً من كل الزهـور ... و الآن ...
أنـا أهـوِي من منحـدر عشقك ؟! فمن يحتل قلبي سـواه ليُنقذني ؟! »
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد

انتهت الأمسية دون أن يتذوق أيًـا من ساكني قصر الحديدي ولو شربـة ماء ...
لتجمع حفصة مائدة الطعام بما عليها من أشهى الأطعمة ممتلئة كما هي ، دون زائر لأحد الأطباق أو عابـر ...
و حين يأتي الليل بسـهوِه ... يأنى الجميع إلى مداخلهم ، و الخضوع مستسلمين أو مِرغمين لسلطان النوم ...
إلا هـو .... ذاك المُعذِب و المُعذَب ....
أفكار .. أحاديث .. قرارات .. كلها بداخل عقله تتخبط كما ساحة حرب لا تهدأ .....
و كأن كوارث الكون كلها قد حدثت منذ قليل بقول غازي و زوجته ...
أخرج سيجاره الفاخر من الصندوق الفضي الأثير الكائن على ضفاف مكتبه ..
ذاك الصندوق الذى اعتادت رحيق تخبئـة ما فيه يوميا كي لا تتسلل يداه إلى إحداها ساعة التفكير ، أو لحظة الغضب ...
لطالما نصحته بالعزف عن تلك العادة السيئة التى لا تضُر و لا تنفع ... و إن أهلك الجميع أرواحهم فى سبيل تغيير سلوك غيره لا ينجح ..
إلا أنها بحنانها فعلت .. و استطاعت خلال أشهر إكسابه حلو الثغر بمذاقه الشهي الرطب ، بدلاً من سجائر ضارة لا تساوي جرام من الذهب ...

صعد بـأس إلى الأعلى ، يتقدم بخطواته إلى الأمام ، ثم دلف غرفة طفله الصغير نائـل .. يُقبله فى حنان ، و عشق طاغي ..  استغرق ما يُقارب الربع ساعة كامله يتأمله ...
يا الله ... ما أجملك يا بُني !  تُشبه والدتك إلى حدٍ كبير ...
من أجلك ملكت كِسرى .. و لأجلك أُشعِل رومـا ... و إن أردت أعيد تسجيل تاريج العالم حدثًا حدثـا....

« بخطوات متأنية غادر ... إلى غرفته
ليشعر بإحساس غريب طاريء عليه ...
ليس هكذا يُحِس ؟! ... ما الذى حدث لـه .. ؟!
و أين بادرته ، و هو الذى اعتاد اللحاق بذكرى زوجته ، و انتشال صورتها .. لتنتقل من إطارها إلى أنامله ، فقلبـه ، فشفتاه .
لكن الليلة لم يفعل .. بل ذهب إلى المرحاض مباشرة دون اعتذار ...
يريد أن يغسل عن جسده شعور المقت ...
يريد أن يخلع عن عقله كِسـوة اللين لإمرأة ... و أي امرأةٍ تلك ..  
أنثى بوجنتين ... معصوبة العينين ... مكبلـة اليدين ، و القدمين .. لكنها طليقـة اللسان .. ما إن تحدثت ، حتى ظهر بأدبهـا البيان ....
لا .... لن تفلح بنشر بذورها داخله .. و لن يقبل بذلك ، و لن يرضخ ... »

انتهى بـأس من حمامـه المنعش ، ليجلس على الفراش ، ثم استجمع قواه ليقف ثانيه .. و اتجه إلى مرآته الصادقة التى تكشف داخله ، أكثر مما تفعل بخارجه ..
و ظل على جموده للحظات ، أتبعها بجمـلة من حديد
— مش هسمحلِك تاخدي مكان مش مكانِك ، حتى لو كنتِ .. كنتِ .. لأ مش هسمح

و اتجه إلى فراشه من جديد عازمًـا على إتيان ما استغرق منه ساعتين فى التفكير داخل مكتبه منذ قليل ، ليبتسم فى شراسـة قائلاً:
— الفراشة اللي تفكر تدخل شباك العنكبوت ، تتحمل نهايتها على إيد بـأس ...
( وإستلقى على فراشه من جديد ، ليغرق فى نومٍ عميق)

بينما فى الجناح الآخر من القصر
جلست حسناء على طرف الفراش تتحدث الى زوجها فى امتعاض :
— عاجبك اللي حصل ده يا غازي ... شايف جوز بِنتك انقلب حاله علشان حتِة بنت مشوهـه ، و أمها الحيزبونة ... و الآخر الباشا يزعقلي أنا و يرد على كلامي ..
طب إيه رأيه بقى ، أنا فعلاً هاخد حفيدي بعيد عنه ،
و هسـافر بيه بكره كمان ..  أما أشوف البيه هيعمل إيه ، و هيمنعني إزاي ؟!

تقوست شفتا غازي ، يتحسس لحيته النابته المشذبه بمهارة ، ثم قال بنبرة حاول إسدال الاهتمام محل الغيظ للفـظ حيزبونة الذى أطلقته على غنوة التى نالت كل تفكيره :
— إنتِ عارفه كويس إن بـأس مش سهل ، و محدش يقدر ياخد ابنه منه .. ولا إنتِ تقدري تقفي ضده أو قصاده ؛ ولا أنا هقدر ...
لِمِّـي الدور زي ما بيقولوا هنا فـ مصر .. و خليها تمشي ، بدل ما تيجي على دماغنا ..
إحنا قبل ما نكون نسايبه ...  إحنا بينا وبين شركته مشاريع كتيرة أوي ... و أي خسارة فيها بملايين ...

تعي ما يقول .. بل و تؤمن به أيضًا .. لذا استجمعت شجاعتها ، لمحاولة النسيان و على إثره .. سحبت أنفاسها العميقة ، لتزفرها من جديد ، و تنسى معه ما حدث ..
إلا أن الطرقات التى احتلت باب الغرفة حالت دون التماسك فى تلك الليلة الملبدة بالسـواد ...

— ميـن ؟!
تساءلت حسناء فى زهو ، لتفتح ابنتها دارين الباب دون استئذان ... هاتفة دون حرج :
— بابي ... أنا عايزة حقي من الحقيرة اللي اسمها غيداء و أمها ... و أبيه بـأس كمان ...

صرخ الرجل صرخةً قويه ، تراجعت على إثرها تلك المدللـة ، ثم قال :
— ومين كمان ... ؟! اشجيني ... اشجيني ..
إيه رأيِك فى عمك صلاح ، و الدكتور والي .. و نائل ذات نفسه كمان ..؟!  إحنا نجمعهم و نربطلهم عنيهم و .........

قاطعت دارين حديث والدها ، لتهتف :
— yes ... أيوه كده .. عاقبهم كلهم يا بابي عشان خاطري ....

أطرقت دارين على إنذار الخطر الداخلي لغازي ، ليصرخ فيها تلك المرة صرخة عبرت من شدتها الباب المغلق ، ليقول فى حده :
— لو نطقتي الكلمتين الفارغين دول تاني ... أنا اللي هسلمك لبـأس يربيكِي من أول وجديد ....
من إمتى و إحنا بنغلط فـ الناس ... من إمتى و إحنا بنقِـل أدبنا ..  إنتِ السبب من البدايه ؛ علشان كده مش قادر أتعاطِف معاكِي .... يلا على أوضتِك .. أنا تعبان و عندي صداع من وَشْكُـم اللي مش بيخلص ..
( و غادرت هي الأخرى بقلب يكاد يحترق .. )

أما عن الأخرى ... التى تقلدت اسم جوليـا .. فهي الأخرى فى صراع من العشق و التمني ..
تريده ... برغبـة لا يوازيها سـواها ... تشعر به بداخل الأوردة دُم يضخـه القلب ...
قلبها ليس ملكًا لها ... بل يملكه ...
تحترق ... و داخلها يشتعل ..  لم لا يرضى بها ؟!
كانت الأولى فى محيط رؤيته ... اختطف قلبها دون أن  يلحظ ...
تتذكـر ذاك الحفل الاسطوري الذى ضم نخبـة من رجال
الأعمال ، و قد كان فيه بـأس ضيف الشرف
و لمحتـه بين جموع الحاضرين ... انساقت إليه انسياق الشـاه إلى مذبحـها
تذكُر ابتسامته الجذابة ، أناقته الأخاذة ، خصلاته التى حين تتطاير .. يتطاير معها العقل إلى غير رجعة ....
نعم ... لقد جُنت فيه ، و بـه ... و تحيته لها بقُبلة رقيقة على أناملها كانت خير دليل ...
إلى أن حضرت شقيقتها الصغرى رحـيق ...
سحرت قلب البـأس حين رآها ، وعلى حين غُرة .. اقترب منها .. و تحدث إليها فى شموخ :
— و أخيـرًا ملكـة السهرة شرفت ... دلوقتي بس الحفلة هتبتدي ....

اختطفته منها ، قبل أن يخطفها الموت
و عليها استعادة ما لـها ، و قد صار بموتهـا عازبـًا من جديد .....
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
************

« أوتظُن أن رجفةُ البرد تُداوَى بموجـات من الدفء .. حين نُطلِق العنان لشراشفنا تستر و تخمد أسفلها جسد بات بين الزمهرير صَلبٌ متجمد ... !!
و إليكم الحديث عن الدرجة الأكثر غلظة ‹رجفـة الحـزن ›
تلك الرجفـة التى لا تنتهي بسهوله كما تظن ..
فليس المأخذ هنا عن كلمة تتردد على أبواب القلوب قبل الأذهان ..  و إنما عن انكسار و شروخ تقوست بسلوك تعمد الغير إيذاء من حوله ..

هي التى بآلامها لا تسكن الجسد ، بل تسكن الفؤاد .  
و إن أتت تأتي فجأة ؛ بعد قصائد من وجع ...
فترتجف لها الروح ، فى صمت لا يسمعه أحد
و الألم من الداخل صريح ... ومن الخارج واضح ...
أمّا رجفةُ الحزن فلا تنتهي بسهولة، لأنها لا تسكن الجسد بل تسكن القلب.
ولن تهدأ عاصفة أوجاعها إلا بقلب يَصدُق النية ، يعي كيف يُرمم ما حطمته الأيام »
تعليقات



<>