
« ميـدان ..... و الهـدف صفــر »
« ما بين غسـق الفجـر ، و هزيـم الليل .. ابتهالات
و أنا التي بالدعاء تتجلى لخـالقي .. أن يرفق بقلبي المُنكـسِر ممن لا يحملون فى صدورهِم إلا حجارة الرحى.
و تكشف خطوط يدي مشوار الحياة .. فإمـا
قلبٌ بقلب لا يُعاني .. أو روحٌ بروحٍ لا تشتكي ...
و ضيق أفاض من وجوم الكلمة تصالُح بعيد المنال ...
لا زلتُ كما أنا .. و قلبي يحمل فى الغرف فراغ ، صليتُ لربي أن يمتليء برقيقي الأنفُس ...
أجلس أمام كتابي أُسطِّر ... و أرسم الجسد أعضاء .. و أُشِـير و أتحدث ...
قف هنا .. ولا تتقدم ...
أيهـا القلب الذى منه أُعاني ...
لا تقف فى منتصف الطريق ... فلا طيور الليل اختارك بالبرية مأوى ، ولا عابري السبيل يقفون أمامك بسؤال من يا أيـها القلب تهـوى ؟!
أنا سيناريو صاغه القدر بأحداث و مشاهد لا تُسرد ، ولا تُحكى ...
أنا النجاح .. فنجاح .. فنجاح .. فخسـارة ...
لكنكِ يا عيناي لا تتأملين ما أتأمله ...
فالسقوط الذى خشيت من نتائجه ، لا يعني أنني لن أستقيم ...
بل سأفعل ... و أعبُـر ... من أمامِك أو ربما من فوق جُثمانِك ...
و ابحث عمـا بداخلي يصلح للبقاء ... »
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
تقدمت غيداء إلى داخل المنزل برفقة والدتها الحسناء غنوة ...
و بصمت تام ، دلفت إلى حجرتها التى تشاركها إياها منذ وفاة الوالد الحنون عبد الصبور ...
وقفت أمام المرآة التى تخشى زيارتها ، ثم رفعت خصلاتها الطويلة الناعمة .. لتتأمل اللون الأرجواني الذى أخلفه القدر على وجنتها ، ثم خلعت عنها ردائها كاملاً ، ترتكز عيناها على شـقٍ كامل أحمر مُتقد ..
تتحسس جسدها كما لم تفعل من قبل ، ثم رددت هامسة ببكاء مكتوم :
— ليـــه ؟! إشمعنا أنا ؟! عملت إيه علشان يكون ده نصيبي من الدنيا .. ؟! حتى وأنا فـ حالي ، و بحاول أرسم مستقبلي ؛ الناس هتفضل شايفاني مشوهة مهما كان حجم النجاح اللي هوصلُه ..
يارب .. أنا تعبت ... تعبت من نظرات الناس ليا ، و كأنهم بيلوموني على اللي أنا فيه ... أعمل إيه فـ نفسي عشان أرضيهم ، و يسيبوني فـ حالي ... أسيب الدنيا كلها ، و أمشي ... الله يرحمك يا بابا ... يا ريتني كنت مكانك .. !
وتبقى الدموع شفاءً لتراكمات الصدور ، تسقط عزيزة فى لحظةٍ معينة ، لكنها الفارقــة ...
لا عتاب عليها ، هي فقط ترجمة لما نُعاني ...
تتساقط .. تنهمـر أحيانًا ، لكنها بما أقرت تتجلى لترتاح النفوس و تصفـو ..
اقتربت منها غنـوة فى أسى ، و أسدلت على جسدها منامة ليلية مريحة ، ثم ربتت على خديها فى عزةٍ هامسة:
— لما نكون فى امتحان لازم نستعدله .. ما بالِك باختبار ربنا على عباده .. ينفع نبكي ، و نقنط و نقول إشمعنا أنا ؟! .. مينفعش يا بنت عمري ..
أنا ربيتِك قوية .. الأزمات تعلِمِك ، متهدكيش .. تقويكي ، متضعفكيش .. مش هقولِك بلاش تزعلي ؛ بس الزعل وقته دقيقة واحده .. و بعدها نقول الحمد لله ؛
و نغسل وشنا ، زي ما هنعمل دلوقتي ؛ ونطلع على السرير ... و ابتسامتنا الحلوة على شفايفنا القمر دي ؛ ولا كأن حاجة حصلت ..
طب والله أنا كنت خايفة عليكي من عينيهم ...
دلفت غيداء إلى المرحاض ، تمسح على عينيها بقطرات الماء العذبة ، ثم جففت وجهها .. لا تنحني أبدًا ، بل هامتها الشموخ ...
فوالدها النزيه عفيف النفس هو عبد الصبور ، و والدتها هى حسناء الفصول غنوة
اتجهت إلى الفراش ، تتلقاها والدتها بين ذراعيها ... تتوسد الصدر و تحتل الكيان ، لتتحدث والدتها فى نبرة دافئة كمن تتحدث إلى طفلتها :
— متقارنيش نفسِك بحد ... ولا تحُطِـي نفسِك فى ميزان يِشَبِهِك بغيرِك ... كل انسان ربنا خلقه له بصمة مميزة فيه ... تفكيره مختلف ، و ظروفه كمان محدش يعرفها غير ربنا ...
علشان كده مينفعش تكوني نسخة متكررة .. ولا يبقى هدفِك إنك تكوني ظِـل لغيرِك ... اختاري تكوني نفسِك ... و مهما كانت عيوبنا نحولها لحسنات ترضي ربنا و عباده ...
ابتسمت غيداء ، ليتلاشى ما على كاهلها من هموم ، ثم قبَّلت والدتها مرارًا و تكرارًا لتردف فى زهـو :
— لا يمكن يكون فيه أم زيِّك ... أنا مش عارفه كنت هعيش إزاي من غيرِك .. ماما .. إنتِ النفَس اللي أنا عايشة بيه .. ربنا يبارك لي فيكِي و يخليكِي ليا يارب ...
أجمل غنوة فـ الدنيا ..
استعادت غنوة رونقها و هي تسحب الغطاء على كلتيهما ، ثم قالت :
— كل أم لأولادها بتكون مميزة و مفيش زيها .. بس الميزة اللي فيا هى إني أم غيداء عبد الصبور.. أجمل و أرق و أذكى و أشطر بنوتة و قريب أوي سيدة أعمال فى الدنيا كلها باذن الله ...
قوليلي بقى ، قبل ما تنامي كده ... إيه رأيِك فى الدكتور بأس أخـو الدكتور والي ؟!
تلعثمت غيداء فى حرج غير مفهوم .. أعلن عن نفسه ، بتضرج و جنتهـا اليُمنى البيضاء الصافيه ، و حولتها إلى سحابة وردية دافئـة ، ثم أجابت :
— مين بأس ده .. ؟! معرفوش ..
أضافت والدتها بتلقائيه :
— ما إنتِ شوفتيه وإحـنا واقفين قدام البوابه ... الشاب اللي شال الطفل العسول نائل .. ما هو يبقى أبوه ..
ترددت غيداء كثيرًا ، إلا أنها للمرة الأولى تُنكر أمرًا شاهدته بوضوح .. لتقول :
— مخدتش بالي .. أصلي كنت منفعله ، و هم كانوا كتير .. فمركزتش ...
أطفأت الأم المصباح الجانبي ، لتهمس :
— كان نفسي تتعرفي عليه .. وسيـم ، و واثِـق ، و شخصيته قوية ، و لطيف رغم عصبيته و صرامته ..
منكرش إني كرهت فيه أسلوبه الساخر .. بس بصراحة حبه لإبنه يغطي على كل عيوبه ...
رغم إن هو ووالي أخوات ، بس مختلفين تمامًا ....
جذبت الجملة الأخيرة انتباه غيداء إلى الدرجة التي دفعتها إلى إعادة إضاءة المصباح ، لتتساءل :
— مختلفين إزاي يعني يا غنوتي ؟!
بقلـم الكاتبـة / سيـلا محمـد
« عيون صادقة ، تلمح ما وراء نظراتها ...
أدركت غنوة تلك اللمعة التى تجلت لثوان محدودة فى عيني ابنتها ، و قد تبدل حالها كليًا عن ذي قبل حين اهتزت مسامعها بحروف اسمه ...
تخاف عليها .. تُشفق لأجل إسعادها ... تتمنى لو تقدم لها الروح و تنعم بفرحتها .. لكنها دون سبب .. أو ربما لسببٍ ما فكرت فى تعارف لا حيلة لها فيه إلا ترانيم القدر ... »
لتستعيد غنوة جلستها الأولى ، ثم وضعت أحد الوسائد خلف ظهرها ، تتكيء عليها هامسة :
— يعني مثلاً حسب ما سمعت منِك والي خلوق ، داعم ، متزن ... لكن إلى حدٍ ما متردد ..
أنا متعاملتش معاه طول الفترة اللي فاتت .. تعاملاتي كلها كانت مع بـأس اللي حقيقي يشدِّك من أول نظرة ..
أولاً .. هو صارم حبتين تلاتـة ، جذاب ، كلمته مسموعة ، عنيف فى بعض الأحيان ؛ بس بيرجع تاني يلين ..
غالبًا بيكره الستات لسبب .. مكنش طايقني خالص خصوصًا فى البداية ..
لاحظت كمان نظراته أوقات مش مفهومة ... يعني الرجل ده تقدري تقولي عليه " الأسطـورة المجهولـه " ..
أطلقت غيداء صفيـرًا مشاكسًا لتردف :
— اللـه اللـه يا غنوة الحبايب ... محللة نفسية من الدرجة الأولى .. كل المواهب دي عندك يا ست الكل ، و أنا معرفش .. طلعتي مش هيِّنـة أبدًا ...
حضرتك قيمتي شخصيته فى مجموعة جمل بسيطة ، ببساطة تكشف ذكاءك ...
شوقتيني أتعرف عليه ، و ضغطتي على زِر فضولي يا غنوتي ... بل خلاص بقى .. خالتي و خالتك و اتفرقوا الخالات ...
عادت البسمة على شفاه الأم ، لتفتح ذراعيها من جديد ، و تغلق المصباح للمرة الأخيرة قائلة :
— يلا ننـام .. مش وقتـه .. و بعدين إنتِ عندِك مستقبلِك أهم من أي حاجة ... أنا كلمتِك عنه ، علشان تاخدي خبرة من تعاملات اللي حواليكِي .. فمحدش بعد كده يوجعِك أو يضعِف مسيرتِك ...
وفى هدوء ... ساد الهدوء ... ليحل على منزل عبد الصبور ساعات الهدوء الليلية ...
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
***********
« يطوي الليل صحافِـه .. واحده تلو الأخرى . إلى أن يصل إلى المُغلف الخارجي ...
يعقبـه النهار فى تعاقب من حكم الرحمن ...
تنهض خلاله الغيد و غنوتها ... تُلحنان ألحـان الشذى .... صباح الخير يا مطبخي العزيز ....
يا طاولتي الملئى بأشهى الأطعمة ...
و يحلـو الصباح بإبتسامة أمي التى تكتمل ..
يا واقعًـا أحياه كل ليلة .. وكل صباح ...
يجعلني المرأة الفريدة التى اعتادت أن تكون رقيقة ،
و إن كانت الدروب أمامها صلبه خشنة ...
و كما اعتادت ... تجهزت ، و أعدت الوجبات حسب الطلب ؛ بفن عشق التذوق ... »
صادقة مع نفسها .. ثابتة على مبدأها ... معتزة بما عليها أن تكون دون أن تنظر لما خلق الله غيرها عليه ...
لا تُقارن نفسها بالغير .. لأنها ببساطة الكلمة ..
هى الحكاية التى لا تتكرر .. ولا يمكن أن تكون ...
ارتدت غيداء ملابسها المؤلفة من كنزة رمادية اللون ، تعلو بنطال ذو خطوط طوليه أعطاها مظهرًا كلاسيكيا أنيقا ..
ثم تناولت بعض الشطائر ، و حملت حقيبتها و صناديق الوجبات تساعدها والدتها الرقيقة غنوة
فى تلك الأثناء ..
أعد العم شوقي ، سائق الحافلة ما يلزم لبدء الرحيل ، بينما أخذ عنها الصناديق ليضعها بالسيارة فى ترتيب مدروس ، تساعده غيداء
لينتهي المشهد الصريح بإحتواء والدتها و قُبلتين هما لها إكسير الحياة ...
انطلقت الحافلة يقودها الأول بمهارة سنوات من العمل الجاد ، يتوقف دقائق أمام كل جهة لها أوردر خاص ، لتهبط غيداء حاملة الطلب إلى صاحبه..
مئات من العروض تُسلِّمها يوميًـا إلى مُستحقيها .. و الكل يحمل علامات الرضـا و القبول و اللذة ..
و يا لها من وجبـات شهيـة تتهافت عليها المعدة ...
وبعد عبارات الاستحسان التى تزداد يومًا بعد يوم .. تزداد ملامح الثقة داخل قلب غيداء .. الفتاة ذات الأنامل الخبيرة بفن الطهي برفقة والدتها ..
انتهت ساعات التسليم الخارجية ، ليتبقى عدد لا محدود يخص إدارة الجامعة و موظفيها ، بالإضافة إلى الطلاب
و لا يمكن أن تغفل غيداء عن أفراد الأمن الذين تحاوطهم بإهتمامها نظـرًا لمحدودية دُخولهم المادية مقارنة بمستوى المعيشة المرتفع ...
دلفت إلى الجامعه فى ثقة ... تستعد إلى مغامرة دراسية ستُثمر عن تألقها فى مجال العلم و المعرفة ...
واثقة الخُطى .. لا تتكيء إلا على الصبر و مفتاحه ..
ثم ابتسمت فى رقـة ، عيناها اللامعتان تومضان ببريق الأمل حين لمحت رجـاء من بعيد ...
و فى لمح البصر ، رفعت ذراعها إشارة إلى زميلتها تحيةً للصباح .. و لكن تلك الابتسامة التى ارتسمت على وجهها لم تلبث أن انمحت ، حين اعترض طريقهـا آخر شخـص تمنت رؤيتـه فى تلك اللحظة .. و ذاك المكان ..
بقلـم الكاتبـة/ سيـلا محمـد
***********
« كُلنـا ... بكل الكلمة كما تُـروس فى آلـة نقصدها بكلمة واحدة .. هى الدنيا
نصحـو من الفراش ، لتبدأ عقارب الساعة بالمضي إلى الأمـام .. و تتجاوز الدقيقة الأخرى فى سباق مع الزمن
و كأننا نُساق إلى مصير لا نعي عنه شيـئا ..
بعضُنـا يبدأ ساعته بإبتسامة ، و إن كانت مريرة ؛ فيكفى أن الكل ، و البعض ، و الجميع يرونه كذلك ..
و البعض الآخر لا يستطِع الإدعـاء ، فيرحـل فى صمت بملامح متجهمة يشوبها السخط ...
أما بـأسنــا يختلف ... حقـًـا يختلف ذاك الرجل .. !! »
بنشاط حرفي ، نهض ..
البعض يقرع نعاله .. أما هو النعال لأجله تقرع نفسها
بين غمضة عينٍ و أخرى .. انتعش بحمامٍ بارد كـ برودة أعصابه ... و غادر المرحاض بصدر عارٍ ... و جسد رياضي ذبلت لأجل إحاطته الورود ...
ارتدى ثيابـه بتأني يغلفه الشموخ ... أصاب منه العطـر فيض من الرجوله ... لينتشر عبقـه فى الانحاء ... و يسبقـه إلى الأسفل ...
ثم منح ساعة يده الفضية شرف إحـتواء المعصم ، لتتحرك عقاربها فى رنين خافت لا ينتهي ...
ثم غادر .... ليلحق بالجميع ...
— " فيصـل "
كلمة أطلقها بـأس للمرة الواحدة ، فهو غير المعتاد على العدد اثنين .. فقط الأولى القاطعة ..
ليجثـو فيصل على هامـة الطاعة قائلاً :
— تحت أمرك يا باشـا
أردف بـأس فى جديـة :
— قائمة الأصناف اللي كانت مسئوله عنها مدام غنـوة تتلِغي تمامًا ... مش عايز أي صنف من اللي كانت بتعملهم يكونوا على السفرة لأي سبب ..
النهاردة بالذات العشاء هيكون فى الجنينة ، حفلة مشاوي ، و ما تعملوش حسابي ... عندي عشاء عمل خارجي ، و هرجع منه متأخر ...
طلبات البشوات أوامر وتنفذ فى الحال ( ثم إلتفت إلى حسناء قائلاً ) :
— عايزين الإقامة عشر نجوم ... أنا مش بحب الشكوى .. خصوصًا من نزلاء ليبيا الغاليين ... يلا .. جهز الفطـار ...
أومـأ فيصل علامة الإذعـان ، قائلاً :
— تحت أمر معاليك ... الفطـار جاهز عـ السفرة ...
على ثغره ظهر شبح ابتسامة ، ما لبثت أن اتسعت حينما انضم إليه طفله الوديع نائـل راكضًا على الدرج هاتفًا بصوته الطفولي :
— بابـي ... صباح الخير
ليحمله بـأس بين ذراعيه هاتفًا فى حب أبوي :
— صباح الورد يا قلب بابي و روحه و عقله ..
وحشتني أوي ... يلا نفطر سوا قبل ما القطـر يدوسنا ...
ظهرت أمارات سوء الفهم على ملامح الصغير ، ليقول :
— فين القطـر ده يا بابي ؟!
ابتسم بـأس بمشاكسة حصريه طفله فقط ، قائلاً بإشارة خفيه يقصد بها حماته حسناء :
— مش واخد بالك إزاي ؟! القطـر قُدامك أهو
( ثم تقدم بخطوات متزنة قوية صوب حجرة الطعام حاملاً نائلـه ) ..
داخله يتساءل ... هل من المعقول ، مجرد موقف عابر بسيط لإمراة و ابنتها ، جعل قلبه نحو من يُكن لهم محبة لا تُقاس ، صار جافًا مُتبلدا ... ؟!
ما الذى تغير داخله ؟! و كيف تأثرت مشاعره ؟! و إلى أي حد سيصل بجموده تجاههم ؟!
تساؤلات تتعدد ... و أمام المائدة تنتهي
جلسوا بالتوالي .. كلٌ منهم يحمل بداخله أطنان من المشاعر المتداخلة .. إلا هي تحمل شعور واحد يَعظُم كل لحظة .. بغيابه ... بحضوره .. بوسامته ... بجبروته .. بصرامته ... بالجدية التى لو توزعت على الخلق تكفيهم ...
هى صاحبة الشعر المموج ، العاشقة حد النخاع " جوليـا "
جلست إلى جواره ، تبتسم بعيون اغسلتها الدموع قائلة :
— بـأس ... أنا مليش دخل باللي حصل امبارح .. صدقني أنا زعلت على البنت دي ... و ممكن كمان لو عايزني أعتذرلها بالنيابة عنهم ؛ مستعدة أعمل كده
إلا أن والدتها حسناء صرخت فيها صرخة من لا تحتمل هذا الذل ، و الرضوخ
— جوليـا ... إنتِ اتجننتي ولا إيه ؟!
هي مين دي اللي تعتذريلها ، و علشان مين ؟! فين كرامتِك ؟! هو مين أقرب لِك أكتر دارين ولا بـأس ؟!
هنا توقف بأس عن تناول قهوته التي بدأ بها الفطور ، و غالبًا سيُنهيه بها ... ليستقيم بطوله الفارع الذى قارب المترين ، ثم هتف فى صرامة :
— اسمعي كلام والدِتك ... عندها حق ... دارين أقرب لِك مني ... إنتِ يدوب أخت مراتي الله يرحمها ... لكن البنت دي مجرد بنت أمها إجت القصر بطلب مباشر مني ، و قامت بشغلها على أكمل وجه عشان فـ النهاية تتعرض للإهانه من أختك ، و والدِتك اللي هما مجرد ضيوف عندي استضفتهم فى بيتي حفاظًا على وصيـةٍ مراتي اللي طلبتها مني قبل ما تموت ..
و أنا وصية رحيق أنفذها لو بعمري ...
ابتسمت دارين بعدما سمعت لتشعر بمكانتها إلى جانب أسرتها مقارنة بتلك الإمعـة على حد قولها ، إلا أن تلك الفرحة المؤقتـة لم تـدُم طويـلاً ؛ فقد طرحهـا بـأس على الأرض تحت الأقدام حيـن قال :
— لكن مش معني إني بتعامل بمركزي و مكانتي و مشاعر لسه جوايا لأول حب فـ حياتي ، إني أسمحلِك يا حسناء هانم تتجاوزي حدودِك معايا ...
بلاش تخسريني ، و تكسبي عداوتي ؛ لأن خسارتي مكسب لغيرك يا .... يا هانم ...
الموضوع ده لو انفتح تاني ؛ هتشوفي مني تصرف حتى فـ أسوء كوابيسِك مش ممكن تتخيليه ... أظـن واضح ؟!
( ثم نهض من أمام الطاولة ممسكًا بأنامل صغيره ، مصطحبًا إيـاه إلى مجموعة شركاته أو ربما إلى حيث يريد )
فى حين اقترب صلاح الدين من غازي قائلاً فى حدة :
— غازي ... قصر الحديدي مش حـارة شعبية صوت النسوان يعلا فيها على رجالتهم .. ولا هو قهوة فـ حتـه مقطوعـة كل من هب و دب يتطاول فـ الكلام ...
أنا سيبت ابني يتكلم ، و يقول اللي عنده ؛ و ده طبعًا حقه طالما الكلام يمسه ...
إنما خد بالك أنا كبير العيلة دي ، و لما أختار حد يشتغل معايا ؛ بيكون فـ حمايتي ، و تحت وصايتي
الهيل اللي صدر من بنتك ، و مراتك ده هعتبره غباء و قُصر نظـر مش أكثر .. و آن الأوان يروحوا لدكتور عيون يعالجهم ...
كلمات من رصاص ، لاحقت كلمات من لهيب المدافع
يتقاتلان ... وتبقى النهاية بخسارة و مكسب ...
ليرحل صلاح الدين فى عـزة لا يسعها سـواه ؛ تاركًا الدكتور والي الذى كان مُشاهـدًا لذلك المشهد الأسطوري ... مُشاهِد صامت ..
تملك الغيظ من قلب غازي الذى نال الكثير من المهانة بسبب تصرف سفيف متهور من صغيرته الحمقاء المتبلدة بسوء التصرف ... ليهتف فى غِـل :
— مستني إيه إنت كمان ... عندك حاجة عايز تقولها زيهم ؟!
اتسعت ابتسامة والي فى نشوة ليقول فى ارتياح و فخر بوالده و شقيقه :
— لأ .. عندي حاجة أعملها
( ثم صفق بكلتا يديه بحرارة ، و نظـرة نصر منتشية .. ليرحل هو الآخر إلى جامعته )
و ما إن أوشك على الوصول إلى بوابـة القصر الداخليه ، حتى هتف فى استهزاء :
— دارين هانم .. هى البرنسيسة معندناش محاضرات النهاردة ؟! ولا ناوية تقعدي جنب مامَّـاه تواسيها بعد الكَسفـة ثلاثية الأبعاد اللي حصلتلها دلوقتي ؟!
( و أطلق ضحكاته الجذابه .. ليعلو صداها حتى بعد رحيله )
رحـل الجميع .. ليبقى غازي و أسرته فى صراع من شدة الغضب و السخط ، لتهجم دارين على شقيقتها الكبرى دون وازع من احترام ، أو حتى قليل من المحبة ، لتجذب خصلاتها القصيرة نـاهرة إياها فى رعونـة :
— إنتِ السبب ... كله منِك إنتِ .. رامية نفسِك عليه و هو مش طايقِك ... لو معندكيش كرامة خالص ؛ إنتِ حرة .. إنما أنا أسمع الكلام ده كله بسببِك ليه ؟!
له حق يتأمر عليكِي ... رحيق كانت أحسن منِك ؛ أقلُّـه كانت ذكيه .. عرفت إزاي توقعه فـ شباكها ؛ مش غبية زيِّك .. لا عارفة تبقى رحيق ولا طالت تبقى جوليا ...
حاولت جوليا التملُص من أنامل شقيقتها القويه ، التى رغم كونها تصغرها بسنوات ، إلا أنها أقوى منها معنويًا
فـ جوليا حساسة لدرجة الهشاشة ...
عراك من طرف واحد .. ميزان الفوز فيه صريح ، فى حين وقعت الأخرى تحت سطوة الضعف
و الأم شاهدة لا تتدخل ، بينما والدهم بعيد بالفعل و القول ..
نظراته تنفر من حـدتهم ، لكن عقله و قلبه مع الغائبه التى نالت من تفكيره الكثير منذ البادرة الأولى
و بعد كثير من الصفعات ، ركلات الأيدي و الأرجل ، أصاب دارين الإنهاك بعدما فعلت من إذلال و إهانـة لشقيقتها الكبرى من ممارسات عنيفة ناتجـة عن تجبرها الواضح
لتستخلص نفسها فى النهاية صارخة :
— على الله بعد العَلقَـة السُخنة دي تتدخلي تاني فـ اللي ميخصكيش ... اعملي حسابِك .. إنتِ ملكيش كلمة فى البيت ده .... ده هيبقى بيتي ، و أنا اللي همشيه ...
اتسعت مقلتي جوليـا المتورمتين ، لتزفر بأنفاس متلاحقة و أنين موجع :
— تقصدي إيه بإنه هيبقى بيتِك ؟!
ضحكت الأخرى ملء فيها ، لتهتف ساخره :
— خليكِ إنتِ فى الحرب اللي حصلت فـ وِشك .. خسارة كنتِي أخت زي القمر .. لكن خلاص بقى ترجعي مطرح ما إنت .. ولا ليكي لازمه ... على الهامش
لم يتحرك قلب الأم ولو لمحة من الرحمة أو غريـزة الأمومة ، و إنما استقبلت ما فعلته ابنتها الصغرى بالسخرية و الاستهزاء .. ليهتف :
— عماله تتمسحي فيه ، و هو ولا هنا .. !! أنا ضيعت وقتي معاكي و أنا بحاول أحلِّيكي فـ عينيه .. كان المفروض أركز مع أختِك أكتر .. هبلة و غبية ولا نافعة فـ حاجه
ربما يفتقر غازي إلى بعض المشاعر لأسرته منذ أن لمح ضوء النهار غنوة ؛ لكنه عز على كرامته أن تنهال امرأته بالشوك على جسد الجميلة جوليـا بكلمات لَـ هي أعنف و أشرس من ضربات النعال ...
لينفث نيران حنقـه الفاحش :
— كفايـة بقى يا حسناء ... إيه ؟! إنتِ ما صدقتي ؟! هتاكلي البنت ؟! وكل ده عشان إيه ؟! ما الغلط من البداية من الهانم اللي سايبـة جامعتها و محاضراتها ، و دايرة على حل شعرها هنا و هناك ، مع شلة فاسده ..
هتفت دارين بإمتعاض :
— بابي ... لو سمحت بقى ...
اعترض الرجل بكل نفور :
— بلا بابي .. بلا زفت ... غوري من وشي إنت ِ و أُمِك ..
دبت الفتاة الأرض بقدميها فى طفوليه غير محببه ، ثم صعدت إلى الأعلى برفقة والدتها التى زفرت فى سخط
فى حين ظلت المسكينة الكبرى على حالها البائس للحظات ، إلى أن سقطت على الأرض فاقدة الوعي..
ركض غازي إلى ابنته يحاول منعها من السقوط ، ولكنه لم يلحق بها .. لتسقط على الأرض كما الجثة الهامدة ..
ثم صرخ بكل لوعة هاتفًا :
— يا فيصل ... مهران .... اتصلوا بالدكتور بسرعه
فى لحظه ... أو ربما أقل إلتف عدد لا محدود من طاقم الضيافة حول جولـيا و والدها .. ليحملوها بين أيديهم ، صاعدين بها إلى الأعلى ؛ فى حين ظل الباقون فى المطبخ يتأملون المشهد منذ بدايته و يتهامسون
لتقول إحداهن :
— شوفتي ... أهــو كده ... ذنب الغلبانه غنوة و بنتها ..
فى حين أجابتها الأخرى :
— أنا عارفة شايفين نفسهم على إيه ؟! دي رحيق هانم الله يرحمها كانت نسمة ...
أضافت الأخرى :
— ولا السلعـوة اللي اسمها دارين دي ؟! مش عاجبها غيداء ؟! ده التراب اللي بتمشي عليه بجزمتـها أنضف منها ... أقله لبسها محترم ، مش القرف اللي بتلبسه البتاعة دي ؟!
عادت الأولى للحديث :
— بس برضه بأس باشـا هو اللي مدلعهم زيادة عن اللزوم ...
لتنطـق أخرى :
— ما هم برضه يبقوا نسايبه ، ومن ريحة رحيق هانم الله يرحمها ..
عادت الأخرى إلى القول :
— بس الهانم الله يرحمها ماتت ... و أنا بصراحة ملاحظه كلام فـ سركم إن الوليه اللي اسمها حسناء دي شغالة فـ كُهن النسوان ، و بتلزقلـه بناتها .. دي شوية و دي شويه ...
ضحكت احداهن ، و هي بدينة بعض الشيء :
— طب ما قدامها الدكتور والي ... ماله مش عاجبها !!
ده أنا حتى أول ما جيت هنا كنت حاطة عيني عليه ، بعد ما فشلت محاولاتي مع الباشا بأس ...
تنفست حفصة بصعوبه من بين ضحكاتها :
— و كنتي بتعملي إيه يا فالحة علشان تغريه ؟!
أجابت تلك الممتلئة :
— كنت بطبخله كل يوم بطة عشان يعرف إن الوِسط الملفوف ده هو قمة الأنوثـة ..
تساءلت حفصة فى شغب :
— وجاب نتيجة طوال الخمس سنين اللي قعدتيهم معانا ؟!
أجابت فى بؤس :
— أبدًا .. ده كره البط ، و حِلف لو شافه فـ القصر تاني ؛ هيستغنى عن خدماتي ....
( و انطلقت الضحكات المرحة ، تشاركهن تلك ملفوفة القوام بحب لدقاىق معدودة ؛ ثم عادت كل منهن إلى عملها المطلوب )
« نـافذة .. و رصيف للذكريات
و وعود ... ثم أيدي تمتد إلى قاع الانكسـار ، لتنتشلني من ليل اليأس المهيب إلى فجر الأمل القريب ..
تسعى إلى إرضائي ، و على مُحيَّـاك ابتسامتك الدافئة التى تمحو بعذوبتها شبح الخيبات ...
و بأحضان الروح استقبلني بحروفٍ عددها سِـت
" أفتقـدُكِ "
لديك سر يعجز عن تفسيره فلاسفـة اللغة ..
و لكن قلبي تعرف عليه ، و تملكـه ...
أنت الدعـوة التى سافرت إلى السماء لأجـلٍ غير مُسمى .. »