
خيانة
الاستوديو لم يكن مكان جديد بالنسبة لها فقد حضرت كثيرا مع حاتم، لكن أن تكون هي جزء منه وأن الجميع يستعد من أجلها فهذا هو الجديد والمثير والمخيف بذات الوقت
الأستاذ حلمي المخرج منحها كل التعليمات بالمشاهد التجريبية، ومتخصصي التجميل تولوا أمرها والملابس وحصلت على نسخة من السيناريو وتعرفت على الأبطال المشاركين مما جعلها لا تصدق أنها بينهم حقا
ثلاثة أيام من العمل المتواصل دون اتصال من حاتم أو محاولته معرفة شيء عنها، حتى عرفت بالصدفة أنه سافر دبي لتصوير مشاهد خاصة بالفيلم الذي يقوم ببطولته
لم تمنع الحزن والألم من أن يسكن قلبها ولكن العمل أخذ مساحة كبيرة من وقتها مما جعل الحزن يتضاءل بركن صغير داخلها
عندما عادت القصر رأت وافي يخرج باتجاه سيارته فتوقف أمامها ونظراته لا تمنحها أي شيء فقط ابتسامته الصادقة تعلو وجهه تمنحه وسامة أكثر وأكثر
توقف أمامها وقال "الفنانة الصاعدة ما أخبار التمثيل معك؟"
ضحكت وقالت "المخرج يقول أني موهوبة ولكني مرعوبة وافي ولا أصدق أني من حياة الريف للتمثيل مرة واحدة"
لم ترحل ابتسامته وهو يقول "بل صدقي، أحيانا الموهبة تكون موجودة داخلنا لكن لا نعرف عنها شيء حتى يأتي من يخرجها للنور، وهذا ما كان معك فانطلقي وحققي نجاحك فأنت تستحقيه"
كلماته تجعلها تشعر بالراحة كالعادة، أخفضت وجهها وقالت "ليس الجميع يفكر مثلك وافي"
شعر بالحزن بعيونها فقال "حاتم؟"
لم تنظر له ولم ترد فقال "لا أريد فرض نفسي عليكِ، ولكن يمكنني سماعك لو شئت"
رفعت عيونها الدامعة له وقالت "لقد رفض الأمر وهاجمني وأخبرني أن زوجته لابد أن تكون خلفه بالبيت تصفق لنجاحه، ورحل وتركني بلا أي كلمات أخرى"
أناني، هذا هو حاتم، لطالما عرفوا ذلك عنه، رحل لعالمه دون اهتمام بأي أحد سوى نفسه، لو عاد يجرح ويهين دون حساب
قبل الشهرة كان يطالب بالمال من سفيان دون اهتمام بكيف يأتي المال وكأن ما يحصل عليه حق مفترض، وها هو اليوم يظهر بشكله الحقيقي أمام المرأة التي اختارها
نفخ ليفرغ طاقة الغضب داخله وقال وهو يتحرك معها بالحديقة الواسعة للقصر "حاتم عصبي سارة ويأخذ الأمور بلا تفكير، بالتأكيد عندما يهدأ سيتراجع عن كلماته"
لم تنظر له وهي تتحرك بجواره وقالت "لا أظن أنه يهتم من الأساس وافي، لقد رحل لدبي لتصوير باقي فيلمه ولم يكلف نفسه عناء إخباري"
تجهم وجهه ومع ذلك قال "عندما يعود عليكِ بمواجهته ومحاولة التحدث معه لأبعاد الغضب وإصلاح الأمور"
توقفت والتفتت له ففعل المثل وهي تقول "هل تعتقد أننا سنصلح الأمور حقا وافي؟ لم يكن هذا ما بدا على حاتم وقتها ولا تصرفه بعدها"
حاول الابتسام وهو يرد "لا توجد علاقة بلا شجار سارة، بل هي بهارات العلاقة وربما هو ابتعد كي يهدأ بدلا من أن يكون قربه الغاضب أسوء ويقودكم للهاوية"
ظلت تنظر له فعاد وقال "عليكِ بمحاولة تهدئة الأمر، فالمرأة دائما هي من تمسك الخيوط بيدها، ربما تهاتفيه من باب الاطمئنان عليه وقد يفتح هذا طريق جيد للصلح"
هزت رأسها بالنفي وقالت "لكن أنا لم أخطئ بشيء وافي كي أهاتفه، هو من غضب وافتعل شجار من لا شيء وسافر بلا أي كلمات فكيف تريد مني مهاتفته؟"
كان يعلم أنها على حق فقال "ترغبين أن أتدخل؟"
لم تترك عيونه وهي ترد "لا، أنا فقط أحب الحديث معك، كلماتك تمنحني الراحة"
عيونه اخترقت كل ملامحها وحاول ألا يجعل كلماتها تسكن قلبه وتمنحه ما لا يريده، أبعد وجهه لساعته وقال "وأنا سعيد بذلك ولكن للأسف لابد أن أذهب"
ابتسمت بتفهم وقالت "بالطبع شكرا لوقتك"
هز رأسه وابتعد لسيارته دون أن ينظر خلفه وتحركت هي عائدة للقصر وربما تفكر بكلمات وافي بالاتصال بحاتم ولكن ليس اليوم
****
دق باب مكتب راكان بالقصر فرفع رأسه ورأى سيف يدخل وهو متجهم الوجه فأبعد الجهاز وقال "ماذا حدث؟"
قال سيف "استدعاء من النائب العام لمدير فرع الهرم، بالكاد انتهينا من الأستاذ وافي"
ظل جامدا كعادته بتلقي الأمور ثم قال "وهل ذهب؟"
أجاب سيف "هاتفني وأخبرني أنه بطريقه لهناك"
هز رأسه وقال "سيتم استدعائي بالطبع"
نهض وسيف يقول "لم يحدث بالمرتين السابقتين"
وضع يده بجيوبه وقال "لأن لا شيء كان يستدعي الأمر، لكن ياسر يستهدفني بعد أن فشل مع وافي"
رد سيف "والباشا لم يفعل شيء"
هز رأسه وقال "نعم، هذا يعني أن ياسر لديه حماية أكبر من الباشا أو.." ولم يكمل
صمت سيف هو الآخر وظل راكان صامتا يفكر ثم التفت لسيف وقال "هل هو ضابط نظيف؟"
رد سيف "لم نجد شيء خلفه وكأنه يتعمد إظهار نفسه شريفا"
حدق بسيف لحظة ثم قال "معنى أنه يحتمى وراء أحد فهذا لا يجعل صفحته بيضاء سيف، أنت فقط لم تبحث جيدا"
ضاقت عيون سيف وهو يقول "أنت تعرف شيء يا عمدة؟"
تحرك لسيف وقال "ربما ولكني أترك كل شيء حتى أكشف كل أوراقه"
وتحرك لمكتبه مرة أخرى وسيف يشعر بالحيرة والضيق وهو يقول "هل لك رجال سواي؟"
ابتسم راكان وقال "ربما، ولكن أنت من منحني المعلومة دون قصد منك"
تحرك سيف له وقال "أنا لا أفهم"
أخرج هاتفه وقال "أنت قلت أن الباشا لم يفعل شيء وهذا يعني أن الباشا نفسه هو من يحميه ونحن نعرف كل خبايا الباشا و.."
هز سيف رأسه وهو يحك جبينه وقال "بالطبع، كان لابد أن أفهم، بالفعل تقرير مراقبته أظهر تواجده بمكتب الباشا بشكل متكرر"
عبث راكان بالهاتف وقال "علي الورداني خير مرشد بتلك الحالة"
واتصل ليجيبه صوت غليظ "العمدة بذاته!؟ أكاد لا أصدق"
تحرك للنافذة وقال "أنت مدين لي ورداني"
أجاب الرجل "أسمعك"
قال بهدوء "الرائد ياسر الفرجاني، أحتاج لدغة بسيطة ويعرف أنها من العمدة"
صمت الرجل ولم يتحدث راكان حتى قال الرجل "الفرجاني تحت الحماية"
نبرة راكان تبدلت وهو يقول "أعلم، خائف؟"
ارتبك الرجل وقال "توقفت عن العبث معهم يا عمدة"
صمت راكان فهتف الرجل "يمكنني منحك كل نقط ضعفه ولكن وأنا بعيد"
وهذا ما أراده راكان فقال "وأنت لم تخبرني شيء أليس كذلك؟"
رد بسرعة "بالطبع يا عمدة، سأرسل لك كل شيء لكن وأنا أيضا بعيد"
قال بهدوء "لك كلمتي علي"
وأغلق وبعد لحظة وصلت رسالة واثنان على هاتفه ففتحها وبعد لحظة ابتسم وقال "هذا مثير للاهتمام سيف، لدينا لعبة ظريفة"
****
لم يجب اتصالها أيضا، اختفى تماما منذ ذلك العشاء الذي لم يتم وما زالت تندم ألف مرة على ما قالته لأن سفيان ليس الرجل الذي يمكن أن تخسره، وربما قلبها أيضا لا يريد أن يخسره
تركت العمل الذي لم تعد تركز به وجذبت حقيبتها وخرجت وقالت للسكرتيرة "الغي مواعيدي، لن أعود اليوم"
وصلت لسيارتها وقادت لشركته وظلت بالسيارة لحظة حتى استجمعت شجاعتها ونزلت ودخلت الشركة، لم يعرفها أحد فهي مرتها الأولى هنا
بالسؤال وصلت لمكتبه والسكرتيرة لم تكن موجودة بمكتبها فتحركت لمكتبه وفتحت الباب لتتسمر مكانها مما رأت.
لم يشعر بها وهو يضم فتاة لا ترى ملامحها بين ذراعيه ويقبلها بطريقة مثيرة..
تراجعت للخلف وجسدها يرتجف، إنه حتى لم يقبلها مرة واحدة بعد الخطوبة..
طاوعتها أقدامها وهي تتحرك ببطء للمصعد وتجمدت الدموع بعيونها حتى وصلت للسيارة وما زالت جامدة وسقطت الدموع، لكنها ما زالت جامدة وهي ترى المشهد أمامها.. كان يضم الفتاة له بشغف ويداه تعبث تحت ملابسها
أغمضت عيونها بقوة ربما تطرد المشهد من مخيلتها ولكن دون فائدة، فسقط رأسها على المقود وهي تستجمع شجاعتها لتعيد ترتيب أفكارها
هي لم تحب سفيان بأي يوم كما ظنت، الرجل الوحيد الذي أحبته هو راكان وهو نفس الرجل الذي لم يراها بأي يوم، عندما رفضها بصراحة ألقت نفسها بأحضان سفيان وأوهمت نفسها أنه هو رجلها الذي سيمنحها ما فقدته مع راكان، لكنها فشلت بتحقيق الهدف واليوم تسقط بالهاوية
هكذا فكرت لكن هل هذه هي الحقيقة؟
قادت السيارة بلا هدف ولم تعرف ماذا تفعل؟ مسحت الدموع لتستطيع الرؤية أمامها حتى وصلت البيت ولكنها لم تستطع أن تصعد وتواجه والدها..
قادت مرة أخرى حتى وصلت لمطعم راكان الفاخر ولا تعرف لماذا اختارته، ربما لأنها تعرف أنه مكان راكان المفضل للقاء رجال الأعمال على الغداء كما أخبرها سفيان؟ أو ربما لم تعد تفكر جيدا، أو أنها مصدومة لأن قلبها هو ما يؤلمها وليس كرامتها
هل أحبته؟
هل حبها لراكان كان وهم لأنها الآن بالكاد تذكره وكل ما تراه هو سفيان وعلاقتهم التي أرادت إنقاذها والآن تدمرت بخيانته لها؟
لا هي لم تحبه، زواجهم كان بالعقل وما زالت تصدق ذلك لأن هذا هو الصواب
دخلت المطعم واختارت عصير وظلت جامدة مكانها وهي لا تستطيع إبعاد الصورة من ذهنها، هو قال أن علاقتهم القائمة على المصلحة ترفع القيود، هذا هو ما عناه وقتها، كان مخلص لها حتى صفعته بكلماتها ودفعته للخيانة وليس من حقها أن تحاسبه..
بل من حقها فما زالت خطيبته ولم تقبل بذلك، وماذا؟
ماذا لو تمسك بكلماته ولم يهتم بمشاعرها، مشاعرها؟ أي مشاعر؟ هو تأكد منها بأنها لا تحمل له أي مشاعر فلماذا تريده أن يكون المخلص الأمين؟
لا، لا يمكنه أن يفعل ذلك، عليها أن توقفه وتهدده بفسخ الخطوبة، أخرجت هاتفها وعثرت على رقمه وقبل أن تضغط توقفت
ماذا لو فسخ الخطوبة بالفعل؟ ستخسر كل شيء..
نظرت للخاتم الماسي والذي يساوي كنز، عقدها الموجود بدولابها كنز آخر، سفيان خزينة متنقلة ولو اختارت كرامتها ستخسر الكثير، ولكن الآن كل ذلك لم يعد يعنيها بشيء، ربما فكرت بذلك وقت وافقت عليه لكن الآن لا
شعرت بصداع فأغمضت عيونها ولكنها فتحتها عندما سمعت راكان يقول "هل هي صدفة؟"
فتحت عيونها ولم تصدق أنه أمامها بكامل أناقته ويحدق بها ويكمل "هل أنتِ بخير؟"
كادت تصرخ بوجهه "لا، أنا لست بخير وأنت السبب" ولكنها هزت رأسها وهي تقول "نعم، أهلا راكان ماذا تفعل هنا؟"
قال دون أي تعبيرات "عمل، أين سفيان؟"
ترددت بإخباره بأي شيء، غريبة! ألم تأتي للمطعم الذي يتواجد به عن قصد وكأنها أرادت رؤيته فلماذا هي غاضبة الآن؟
قالت "بالشركة، أنا أيضا بعمل هنا"
ظل يحدق بها حتى قال "تلك الدموع بسبب العمل أيضا؟"
رفعت يدها بلا وعي وهي لم تشعر بأنها كانت تبكي ولكنها لمست دموع باردة تحت عيونها فقالت "لا شأن لك بي راكان، فقط اتركني وحدي"
لكنه لم يفعل وهو يجذب المقعد ويجلس وهي تخفي عيونها بالمائدة فقال "أنتم بخلاف سويا؟"
رفعت عيونها له وغضب يملأها وقالت "ألم يخبرك؟ أنتم لا تخفون شيئا عن بعض"
فتح جاكته وارتد بالمقعد وقال "ليس منذ رآكِ بالحفل وارتبط بكِ"
قالت "وهذا لا يعجب العمدة"
تحرك الرجل لهم وقال "تأمر بشيء يا عمدة؟"
لم ينظر للرجل وهو يسألها "قهوة أم عصير أم ليمون ليعيد لكِ هدوئك؟"
قالت ببرود "قهوة"
ظل عالقا بعيونها وهو يقول "اثنان قهوة"
انحنى الرجل وقال "تمام يا فندم"
صمت حلق عليهم حتى قالت "أنت ظننت أني لا أستحق سفيان؟"
ابتسم وقال "حقا أنتِ لا تستحقين ما وصلتٌ له ولا سفيان يستحق هو الآخر"
تجهم وجهها وقالت "كيف تجرؤ؟"
قال بهدوء "على ماذا؟ ما الذي قلته وأغضبك؟"
هتفت "لا تتلاعب بالكلمات راكان"
قال بلا تراجع "قبل ارتباطه بكِ بدقائق كنت تقذفين نفسك عليّ فكيف تبدل الحال؟"
تجهم وجهها وضاعت كلماتها والرجل يضع القهوة وهو يكمل "كان بإمكاني إفساد الأمر لكن بخسارة سفيان، لذا تركته يخوض التجربة بنفسه ليعرف أي امرأة اختارها"
هتفت بغضب "أنا لا أسمح لك"
انحنى للأمام وقال "تسمحين بماذا؟ تعلمين أن لدي الكثير تجاهك تمارا لكن احتراما لصديقي لن أفتح فمي"
هتفت "صديقك لا يستحق لقد رأيته اليوم يخونني، رأيته بمكتبه مع امرأة أخرى، أنت السبب، كنت تعلم أني أحبك ولكنك ألقيت بي بلا رحمة لأسقط بين يداه، كان طوق النجاة لي"
تملكه الصمت قبل أن يقول "أنتِ لم تحبيني بأي يوم تمارا، هو مجرد وهم تعيشين به، دموعك هذه تعني أنكِ لم تحبي سوى رجل واحد هو من تبكين عليه ومع ذلك تصرين على الوهم، هل عرف بأنكِ كنت تحبيني؟"
ظلت صامتة من كلماته، هل هي حقا كذلك؟
هذا ما كان يلف ويدور بعقلها ولكنها ترفض التصديق ولن تفعل فهو لا يستحق قلبها، لذا قالت بدموع وصلت مرة أخرى لعيونها "أنا لا أحبه ومع ذلك لست مجنونة لأخبره، ولو أنه أخبرني أنه كان يعلم بمشاعري تجاهك لكنت أخبرته أنه أرادني ليثبت لك أنه الأفضل"
تعالى الغضب داخله من كلماتها رغم صحتها ولكن صديقه هو من يسمع ذلك وعليه أن يهدأ فقال "لا تمارا أنا لا أظن ذلك، سفيان كان ينوي أخذ الارتباط بشكل جدي وأعلن عن أنه سيخلص لكِ، ومعنى أنه حاد عن كلماته فهذا بالتأكيد له سبب والسبب معك أنت"
أخفضت وجهها وهمست "تحدثنا من فترة وتواجهنا بأن زواجنا ليس قائم على الحب وأني لا أحبه وأن زواجنا مجرد زواج عقل"
هتف بغضب "تقصدين مصلحة"
رفعت عيونها الباكية له فرأت نظرة احتقار أوجعتها وعاد يقول "إذن لا تلوميه ولومي نفسك، وطالما تقبلت زواج المصلحة فتحملي توابعه"
ونهض وتركها للخارج وما زال غاضبا من أجل صديقه وفتح له سيف السيارة فقال "شركة سفيان"
****
تحرك لمكتب سفيان ونهضت السكرتيرة لرؤيته ولكنه لم يهتم وهو يذكر كلمات تمارا عن رؤيتها لصديقه مع السكرتيرة، فتح الباب ودخل كعادتهم معا فوجد سفيان يرفع رأسه عن الجهاز ليلتقي بعيونه وقال
"راكان!؟"
ملامح راكان جامدة وهو يتحرك للأريكة ويجلس وقال "كنت بالقرب منك فأتيت لرؤيتك"
نهض سفيان وتحرك ليجلس أمام صديقه وقال "هل أنت بخير؟ هل حدث شيء؟"
القلق الواضح بعيون صديقه جعله يقول "اهدأ سفيان أنا بخير"
حدق سفيان به وقال "وافي أخبرني بشأن النائب العام، ماذا يحدث راكان؟"
مدد راكان قدماه أمامه وقال "هناك من يعبث معنا"
كرر سفيان الكلمة "معنا؟ تقصد من؟"
قال بهدوء "وافي وأنا، لدي استدعاء مماثل بالغد صباحا"
رفع سفيان رأسه بذهول وهو يردد "استدعاء لك أنت؟ كيف؟ أنت صفحة بيضاء راكان، الجميع يعلم أنك أوقفت كل أنشطة جدك الغير قانونية فلماذا يحدث ذلك؟"
بالطبع لم يكن ليخبره عن نسيبه وأنه وراء كل ذلك، هو حتى لم يخبر وافي، لن يقيم الدنيا ويقعدها من حوله طالما بإمكانه إنهاء الأمر
قال "سيف يبحث بالأمر وربما بالتحقيق غدا أعرف شيء"
تراجع سفيان بالأريكة وقال "ولكنك لا تبدو بخير"
المشاكل كلها تأتيه من حول صديقه، حاتم أخيه، ياسر أخو خطيبته فكيف سيخبره بالأمور؟
رن هاتفه فأخرجه ورأى اسم رائد فأجاب "مرحبا رائد كيف حالك؟"
كان رائد يتحرك تجاه المشفى التي بها جده وقال "جدي عاد للمشفى راكان والأطباء غير متفائلين"
اعتدل بجلسته وسفيان يتبعه وهو يقول "وماذا رائد؟"
أجاب رائد "لا أعلم راكان أنا لست مطمئن تلك المرة"
حك جبينه وهو يشعر بقيود تلفه فقال "لدي استدعاء لدى النائب العام غدا، ما أن أنتهي منه سأكون عندك"
رفع رائد رأسه وهتف "أي استدعاء؟ لماذا؟"
قال بهدوء "لم أعرف بعد، تابعني بالهاتف رائد حتى أطمئن عليه"
قال بقلق "سأفعل، انتبه لنفسك"
رد "وأنت أيضا"
هتف سفيان "ما الذي به كي تسافر له؟"
تراجع وقال "جده بالمشفى والأطباء غير متفائلين، يبدو قلقا"
نهض سفيان وتحرك لإحضار عصير وقال "بالأمس كانت صوره مع ميراندا تملأ الميديا وخبر ارتباطهم يشعل المواقع"
ضاقت عيون راكان وهو يرد "أي ارتباط؟ رائد لا يفكر بالارتباط بها نهائيا، هو بالأساس لا يضع الزواج باعتباراته سفيان، ولو فعل لن تكون ميرندا أنت تعلم من هو رائد جيدا"
عاد سفيان له بالعصير وقال "سأنصحه بعدم الزواج، ليس هناك أجمل من الحرية"
التقط راك الخيط وقال "ليس أنت من يتحدث، كنت أول من خطا له"
نظر لراكان لحظة ثم قال "ظننت أنها تستحق"
انحنى راكان للأمام وقال "هل تخبرني أنك تتراجع عن الزواج؟ لماذا؟"
نظراته لراكان كانت ذات معنى ولن يظل صامتا فقال "أنا لم أتراجع راك لكن ليس كما كنت أحلم، ظننت أننا متحابان لكن كل يوم مر بعد الخطوبة جعلني أدرك أنها لم تحبني بأي يوم"
بالطبع اصطنع الجهل وهو يقول "تبدو متأكد"
نهض سفيان مبتعدا عن مواجهته وهو يقول "لأني كذلك، هي سقطت بالحديث أمامي، منذ البداية وهي تتهرب من موضوع الزواج ولا تناقشه معي كأي فتاة تتعجله، ظننت أنه العمل، وما أن حدد ظافر موعد زواجه حتى رغبت بالمثل ولكنها كانت واضحة بأن لا رغبة لها به الآن"
لم يرد راكان فالتفت له سفيان وقال "عرفت أنها لم تختارني عن حب وكل ما أرادته اسمي وأموالي والحب طريق سد"
نظراته لصديقه كانت مقلقة وكأن بها اتهام صريح بأنه السبب فنهض وتحرك تجاهه وقال "لقد رأيتها اليوم بمطعمي وكانت تبكي"
ضاقت عيون سفيان وقال "كانت بمطعمك؟ وأنت كنت هناك؟"
نبرة الشك لم تفت عليه بالطبع فقال "تعلم أني ألتقي به بالعملاء على الغداء، وبطريقي للخروج وجدتها هناك تبكي وقالت أن بينكم خلاف"
شعر سفيان بالغضب يزداد داخله وغيرة تضربه فهتف "وسمحت لنفسك أن تجلس معها وهي تحكي لك ما يخصنا"
تراجع راكان من غضب صديقه وقال "اهدأ سفيان، هي لم تقل سوى ذلك وأنا تركتها هناك وأتيت من أجلك"
أشاح سفيان بيده بالهواء وقال بنفس الغضب "بالطبع ألم تحبك بيوم؟"
صراحته ضربت راكان بالصميم، لو كان يعلم بحبها له فلماذا أخذها؟ تمارا على حق
ظل يتأمله وهو يسأله "ماذا قالت لك؟"
لم يهدأ سفيان من داخله ولكنه بدا أكثر حزنا ومرارة وهو يقول "لا شيء راكان، اطمئن هي لم تخبرني أنها تحبك وأنها تمنتك ولا أنك قذفت بها بعيدا عنك، أنا عرفت ذلك وحدي، ولكنها لم تنكر أنه زواج مصلحة"
تألم لصديقه، ما زال يملك تلك المشاعر التي لم يستطع جده انتزاعها منه، لا يريد خسارة صديقه بأي يوم خاصة بسبب امرأة فقال "كان عليك أن تدرك ذلك سفيان، طالما كنت تعلم بالحقيقة"
أشاح بيده مرة أخرى وتعصب وهو يقول "تنصحني الآن بعد أن تلاعبت هي بي؟ لماذا لم تفعل وقتها؟"
أجاب بهدوء "لأنك لم تكن ستصدق كلمة واحدة مني"
التفت له سفيان بعيون تقدح بالغضب فأكمل "كنت ستظن أني أريدها لنفسي بإبعادك عنها"
أشاح سفيان بيده وقال "كلنا نعلم زهدك في النساء فلماذا سأفكر هكذا؟"
تحرك له وقال "الأمر عندما يتعلق بالنساء تختفي منه كل العقلانيات سفيان، وتمارا تلاعبت بالخيوط جيدا، أنت لم تكن بحاجة لنصيحتي أنت أردتها لتثبت أنك.."
وتوقف لم يشأ أن يزيد الصراع بينهم ولكن سفيان فهم وهتف "أني ماذا راكان؟ أني أنا من نالها وليس أنت، لم نكن بمنافسة حتى أفكر هكذا"
هتف به راكان فاقدا صبره "كنت تفكر بماذا إذن وقتها وأنت كنت تعلم بمشاعرها تجاهي؟ هل أحببتها حقا لذا رغبت بها؟ لا تصنع مني متهم ولا من نفسك ضحية سفيان، هذا هو أنت، دائما ما ترغب بالجديد وعندما تناله تفقد متعته وتريد استبداله خاصة النساء"
تراجع سفيان من كلمات راكان الذي أدرك تهوره بتلك اللحظة فابتعد مانحا إياه ظهره بينما ظل سفيان جامدا ولا يجرؤ أحدهم بقطع الصمت ولكن سفيان اختار أن يبدأ وهو يقول
"دائما ما تكون على حق"
لم يرد راكان وهو يلوم نفسه فالتفت وقال "أنا لم أقصد سفيان، أنا فقط متعب وفقدت نفسي"
ابتعد سفيان وهو يقول "لا تلوم نفسك راكان، الصديق مرآة صديقه، وكلنا كنا نفعل معا، ربما وافي أكثرنا شجاعة ولكنك اليوم تحتل دوره"
تحرك تجاهه ووقف أمامه وقال "أنا أريدك أن تعيد التفكير بالأمر سفيان، لو استمرت علاقتكم فستكون باردة ولا معنى لها ووقتها ستبحث عن الحرارة بمكان آخر، ولن يمكنك الحفاظ على العهد بالإخلاص"
لوى شفتيه ساخرا وقال "نعم أنا بالفعل خرقت الاتفاق، أخبرتها بأني سأفعل وقد فعلت، هل تعرف أني لم أحاول حتى لمسها منذ الخطوبة؟ ارتديت رداء التوبة واخترت الزواج كسبيل وهي لم تعترض، استطعت وقف أي رغبة بها كل تلك المدة راكان، فهل تظن أن زواجنا سينجح؟"
عيون راكان الجميلة كانت تنطق بالكثير ولسانه وافقها وهو يقول "لا أعلم سفيان، ربما ذلك الزواج لا ينجح وربما ينجح، أنت بحاجة للحب، تحب امرأة وترغب بها كما تبادلك هي الحب وتمنحك كل ما تريد، أنت بحاجة لتلك الحياة كي تبتعد عن حياتك الحالية سفيان"
كان يعلم أنه على حق لذا قال "أن تحبني امرأة فهذا مستحيل راكان، أي امرأة لا تريد سوى أموالي ومكانتي، لكن لأصدقك القول؛ أنا بالفعل بحاجة للحب، ذلك الحب الذي بين ظافر ومي أو حاتم وسارة"
ابتعد راكان من أمامه بذكر سارة فضاقت عيون سفيان وقال "ماذا حدث؟ هل هناك شيء بينهم؟ تحدث راكان بالنهاية سأعرف"
جلس راكان مرة أخرى ونظر لسفيان ثم حكى له ما حدث واختتم كلماته "ورحل وتركها بلا أي كلمات وهي اختارت المضي بالأمر"
تحرك سفيان وجلس هو الآخر والأمر يأخذه بعيدا عن مشاكله وظل صامتا ثم قال "كان عليها حل مشكلتهم أولا قبل أن توافق راكان"
أبعد وجهه وقال "هو تركها ورحل سفيان وهي لن تعلق هكذا بسببه، حاتم قصد ما فعل وأنت تعلم ذلك"
ظل يواجه نظرات راكان ثم أبعد وجهه وقال "وافي كان يقول عنه أنه أناني ولا يفكر سوى بنفسه ولكن لم أظن أنه سيفعل معها فهو يحبها"
صمت راكان فالتفت له سفيان وهتف "لا تخبرني أن تلك الخطوبة أيضا خطأ وأنك لم تكن تريدها"
لم يرد وأبعد وجهه فهتف سفيان يغضب "بحق الله راكان، أنت تترك المراكب تغرق الواحدة تلو الأخرى وتقف مشاهد بلا حركة، كيف فعلت ذلك؟"
عاد بوجهه لسفيان وقال "أخبرتك أنك لم تكن لتقبل بكلماتي كنصيحة سفيان، وسارة ليست ممن يرحب بلا كحل، وأنا لم أكن سأرغب بأن أراها ترحل لأني أرفض الرجل الذي اختارته وربما لم تكن ستهتم بالأساس لرأيي وتتزوجه دون موافقتي، ومع ذلك نصحتها مرة واثنان لكنها لم تسمع، سارة عنيدة سفيان وكلمة لا تزيدها عناد لذا تركتها تخوض التجربة تحت نظري"
هتف به "أنت تركت كلانا يخوض الألم راكان لا التجربة، كان بإمكانك إيقاف كل ذلك من البداية لو منحتنا أسباب مقنعة لا أن تتركنا هكذا"
اهتز من كلمات سفيان، هل حقا كان عليه ألا يتركهم؟ ولو فعل كانوا سيسمعون؟
هز رأسه وقال "الآن تخبرني بذلك لأنك خضت التجربة بنفسك وأدركت فشلها، لكن قبل أن تخوضها لم تكن ستدرك نتيجتها وكنت سترفض كلمة لا، بالضبط كما كانت سارة ستفعل"
تراجع غضب سفيان وضم يداه على وجهه قبل أن يقول "ربما راكان، لا أحد يعلم ماذا كنا سنفعل وقتها، لقد تم الأمر وانتهى"
تراجع راكان هو الآخر وقال "نعم، أما التمثيل فهي تجيده، المخرج أثنى عليها ومن الأفضل أن توقف حاتم عنها سفيان، فهي لن تترك التمثيل وأنا لن أتركها وحدها طالما هي ترغب بالأمر"
حدق به سفيان وقال "الأمر متساوي راكان، حاتم أيضا لن يقبل بالنصيحة، سيخبرني أنها حياته، من الأفضل ألا يتدخل كلانا ونتركهم لتسوية خلافاتهم حتى يطلبوا هم تدخلنا"
ضاقت عيون راكان وظل يفكر حتى قال "حسنا سفيان، لكن لو حاتم أضر بها أكثر من ذلك.."
قاطعه سفيان "لن يضرها طالما يحبها"
رد "حاتم لا يحب سارة سفيان، الحب ليس كلمة، بل معاني من التضحية والإيثار"
سخر سفيان "لا تتحدث عن شيء لم تعرفه بأي يوم"
صمت وشعر بوخزة بصدره وربما أخذ كلمات صديقه على حياته كلها منذ تولاه زيدان ولم يعلمه سوى القسوة
حقا.. من أين له بمعرفة الحب؟
****
نظر راكان للنائب العام وقال "هذا يعني أنها شكوى كيدية يا فندم؟"
هز الرجل رأسه وقال "هذا هو الواضح سيد راكان، أوراقك لا تشوبها شائبة، وحتى كل ما يخصك ليس به أدنى شبهه بل العكس، أعمالك الخيرية معروفة، مساعداتك للشرطة في التوصل لتجار السلاح أو المخدرات لها ملف مميز، مشاريعك الضخمة بكل مكان تخدم المصالح العامة والخاصة، بصراحة لا أجد شيء يمكنني توجيهه إليك"
لم تتبدل ملامحه وهو يجلس بقامته المديدة ورأسه المرفوع وقال "هذا يعني أني حر بالذهاب؟"
اعتدل الرجل بمقعده وقال "نعم بالتأكيد والشكوى تم رفضها، لكن كصديق أنصحك بالبحث عمن يحاول التلاعب باسمك بهذا الشكل"
نهض راكان وبدا جامدا وهو يغلق جاكته وقال "لا تقلق سيادتك فهو سيتوقف وحده عندما لا يجد شيء يتلاعب به ضدي، أحتاج للسفر خارج مصر اليوم؟"
ابتسم الرجل وقال "بالتأكيد، أنت حر بتصرفاتك يا عمدة"
شكره راكان وحياه وخرج، هو حتى لم يستعين بالمحامي بل منح النائب كل الأوراق المطلوبة وأثبت براءته من الادعاءات الكاذبة ضده، سيف فقط تحرك بجواره حيث كان ينتظره وما أن تحرك معه بعيدا عن باب الغرفة حتى ناداه صوت يعرفه
"راكان"
توقف دون أن يلتفت وقد توقع رؤيته، تراجع سيف قليلا عندما وصل ياسر لراكان وتوقف أمامه ونظرات غريبة بعيونه وهو يقول "ماذا تفعل هنا؟"
ملامحه الجامدة تضع من أمامه بدائرة الحيرة وهو يقول "وما شأنك أنت؟"
تراجع ياسر من هجوم راكان وقال "كيف تخاطبني بتلك اللهجة، ألا تعرف من أنا؟"
لم يهتما بالناس من حولهم لأن كلاهم كان يركز بوجه الآخر وراكان يقول "أنا أعرف جيدا من أنت لكن أنت من لا يعرف من أنا"
تجهم وجه ياسر وهو يقول "بل أعرفك جيدا، مجرد زعيم عصابة بشكل رجل أعمال، تظن نفسك زعيم مافيا كما كان جدك"
قبض راكان قبضتيه بجواره مانعا نفسه من لكمه بأنفه المتعجرف وهو يقول بنبرته المميزة وقت الغضب "احذر بكلماتك ياسر حتى لا تندم عليها"
هتف راكان " الرائد ياسر، لا تنسى نفسك راكان"
رد راكان بنبرة جليدية تجمد دماء من أمامه "أنا لا أنسى نفسي أبدا ياسر، رائد هذه لعساكرك أو من يخافونك، أما العمدة فأنت لا تعني له أي شيء وستعرف كلامي هذا جيدا"
الغضب قفز على ملامح ياسر وقال "تهديداتك لا تعني لي شيء أيضا راكان فلا تهددني"
قال بنفس النبرة "العمدة لا يهدد ياسر، العمدة يمنح فرصة واحدة ولأنك نسيب صديقي منحتك فرصة ثانية، لكن أمرك انتهى، وحتى الباشا الذي تحتمي خلفه لن يوقفني عنك، ربما وقتها تعرف من هو العمدة جيدا"
وكاد يتحرك عندما هتف ياسر "لا تظن أنك بذلك تفوز، أنا لن أرحمك"
لم تتبدل نظراته وهو يقول "وأنا لا أتراجع عن الساحة أبدا، ولا تنسى أنك من تحدى العمدة"
وتحرك راكان للخارج بخطوات ثابتة دون النظر خلفه وهو ما زال غاضبا من ذلك الضابط الذي يدعي الشرف ولكنه بالنهاية جبان داخل بدلة شريفة
ما أن دخل السيارة وسيف معه حتى قال "سنبدأ بالرجال الذين يسخرهم له ويتلقى منهم إتاوات"
هز سيف رأسه وقال "تمام، والباشا؟"
أبعد وجهه للنافذة وقال "صفقة السلاح التي اتفق عليها، علي أخبرني بكل تفاصيلها، تعرف ماذا تفعل"
هز سيف رأسه وقال "حاتم الحلواني عائد غدا"
لف رأسه لسيف وقال "هل خانها هناك؟"
أجاب سيف "لا ولكن هناك فتاة تحوم حوله منذ ذهب دبي"
صمت قليلا ثم قال "سارة ترفض تدخلي ولو بيدي لخنقته بيداي"
رد سيف "الآنسة سارة تخترق العمل والمخرج يشيد بها، وهذا سيزيد من غضب حاتم، الأمور لا تسير بشكل جيد"
رفع يده لشعره القصير الناعم ومرر أصابعه به وقال "للأسف لابد أن أذهب لرائد، لا يمكنني تركه وحده تلك المرة"
تفهم سيف وقال "ربما سيتعقل حاتم عندما يعود"
ضاقت عيونه وقال "من الأفضل له أن يفعل"
****
"ولا تحاسبني بعد اليوم على أي شيء فليس لك عندي رصيد بعد اليوم"
قالت سارة تلك الجملة بدموع والتفتت لتتحرك وهتف المخرج "توقف، رائع سارة لن نعيد، يمكنك الاستراحة"
ابتسمت وتحركت لتذهب لغرفتها عندما اصطدمت بحاتم يقف أمامها ونفس النظرات الغاضبة التي رأتها بعيونه من اسبوع تقريبا قبل أن يرحل ويتركها بلا اهتمام
انسحبت الابتسامة من على وجهها الذي رحلت منه الدماء، ودق قلبها دقات قوية معلنة عن خوف، غضب، قلق، لا مسمى ولا يهم المسمى وهو يتحرك لها ويهتف بلا اهتمام بالطاقم الموجود
"أنتِ فعلتِ ما برأسك رغم معارضتي سارة"
شعرت بوجنتيها تحترقان من الحرارة التي ارتفعت داخلها من الإحراج وقالت بارتباك "حاتم أنا.."
قاطعها بنفس الغضب "أنتِ تظنين أنكِ تصلحين لذلك؟ أنتِ بالكاد تتحدثين، ستعتذرين لهم وتخرجين من هنا ولن تعودي مرة أخرى"
شعرت بغضب، هي ليست ضعيفة، أين لسانها الذي يهب لنجدتها بكل وقت، هتفت "لنذهب ونتحدث بغرفتي حاتم"
اقترب منها وما زال صوته مرتفعا وكأنه يتعمد جعل الآخرين يسمعون "لن نذهب لأي مكان، ستعتذرين الآن وتعترفين بخطئك ونرحل دون عودة"
تضاعف غضبها ولم يمكنها تحمله، الحب لم يكن بيوم ما إهانة لصاحبه ولا تقليل من مكانة من نحب، لذا رفعت رأسها ورفضت دموعها وهتفت "أنا لن أعتذر لأحد لأني لم أفعل أي خطأ ولن أرحل من المكان حاتم"
تراجع من طريقتها ومن تحديه فزاد من غضبه وقال "لا تتحديني سارة"
لم تتراجع، لقد نسى أنها حفيدة زيدان وأخت العمدة لذا قالت "أنت من أراد ذلك حاتم، لن تفرض علي أي شيء ضد إرادتي، ولا تظن لأني تركت لك زمام الأمور بالبداية أن ذلك ضعف مني، لا، أنا لست ضعيفة، لم ولن أخضع لأحد بأي يوم تحت أي مسمى، أنا لن أترك التمثيل حاتم هل تسمعني؟ لن أتركه"
كادت تتحرك عندما قبض على ذراعها وهتف "من تظنين نفسك لتتجرئي علي هكذا؟ أنتِ لا شيء هل تسمعيني؟ لا شيء، أنتِ نسيت من أنا؟ أنا حاتم الحلواني"
نفضت ذراعها بقوة منه وقد اقترب المخرج وباقي الطاقم للتدخل عندما هتفت بقوة "أنا لم أنسى من أنت ولكنك نسيت من أنا، أنا حفيدة زيدان وأخت العمدة، أنا لست لا شيء كما تقول، أنت فقط لا ترى سوى نفسك أما من دون ذلك فهو لا شيء، لتهنأ بنفسك إذن"
وتركته وابتعدت ولم تهتم ما إن لحق بها أم لا، وهي تدخل الغرفة المخصصة لها وتصفع الباب خلفها وتترك الدموع تسيل على وجنتيها
كانت تلوم نفسها لأنها انخدعت به بهذا الشكل، لم ترى الأنانية ولا الغرور الساكنين داخله، لم تظن أنه سيفعل بها ذلك
جلست على المقعد أمام المرآة ونظراتها لنفسها كانت واضحة، متهورة، غبية، ليتها فكرت جيدا قبل أن توافق قلبها على تهوره، ولكنها لم تخسر كثيرا لقد انكشف بسرعة، اسرع مما يتخيل أحد وهذا من حسن حظها
****
دخل ظافر الفيلا بعد يوم طويل من العمل وتحرك ليصعد لغرفته عندما رأى ياسمين تتحرك تجاهه وهي تقول "تأخرت ظافر؟"
كانت قدمه على أول درجة عندما التفت لها وعاد ليقول "العمل ماما"
توقفت أمامه ولم تبدو بحالة جيدة وهي تقول "تبدو متعب، هل تناولت العشاء؟"
هز رأسه وقال "نعم مع مي، مررنا على الفيلا لرؤية التشطيبات النهائية مع المهندس، ثم تناولنا العشاء واخذتها لبيتها وعدت"
نظراتها كانت تعني الكثير وهو انتبه لذلك ولوجهها الشاحب فتملكه القلق وهو يسألها "ماذا هناك ماما؟"
بدت واجمة أو حزينة عندما زاغت عيونها وهي تجيبه "دعنا نتحدث بغرفتك"
بدا عليه القلق وهو يبتعد لتصعد أمامه، حتى أغلق باب غرفته خلفهم والتفت ليراها تقف بمنتصف الغرفة وسألته بلا مقدمات "هل رأيت والدك؟"
ضاقت عيونه وهو يتحرك ويقف أمامها ويقول "منذ أمس لم أراه، ظننته نائما واليوم رحلت مبكرا"
لم تتحرك من مكانها والآن فقط لاحظ تورم عيونها رغم هدوء أعصابها، والدته دائما ما كانت هادئة، كل مشاكلها مع والده كانت بغرفتهم، لم تجعل ظافر أو مليكة يشعرون بأي خلاف بينهم، لطالما كانا يضعان الحب بالواجهة والجميع يصدق ذلك فلماذا يبدو أن هناك خطأ ما؟
أجابت بنفس القوة الظاهرة على ملامحها "والدك لم ينم بالبيت ظافر ولم أراه منذ أول أمس"
تراجع من المفاجأة وقال "ماذا؟ لم ينم بالبيت؟ كيف؟ أين نام إذن ولماذا؟"
لم تتحرك من مكانها ولا ملامحها تبدلت وكأنها تجمدت من فوقها لتحتها وقالت "عند زوجته الأخرى"
لا، لا يمكن أن تكون كلماتها حقيقية.. بالتأكيد هي لا تعني ما تقول، والده لن يتزوج امرأة أخرى على والدته، لا يمكن أن يكون!؟
توقفت الكلمات على لسانه وكأنه يرفض، بل هو يرفض تصديق ما يسمعه، صمته جعلها تقول "تزوجها منذ شهر ولكنه أجاد إخفاء الأمر ولكني شعرت بالتغيير"
خانها هدوءها وارتجف صوتها وترنحت فأسرع يلتقطها قبل أن تسقط وساعدها على الجلوس على فراشه وهو يهتف "ماما، ماما هل أنت بخير؟ هل تسمعيني؟"
أغمضت عيونها وهي ترفع يدها لصدرها وتكونت حبات عرق على جبينها وهي تحاول الرد عليه بصعوبة "صدري، صدري يؤ، يؤلمني"
جذبها للخلف ليمددها بالفراش وأخرج هاتفه واتصل بطبيب العائلة الذي أجابه بأنه سيأتي على الفور، بينما عاد لها محاولا إفاقتها وقد كانت تسمعه، لكن أنفاسها لا تنتظم ودموع تسقط بلا حساب على وجنتيها وهو يحاول إفاقتها
****
لم تمضي ليان وقتها بالفراغ بل كانت تقرأ كثيرا وتتابع محاضراتها وتعرفت على أصحاب جدد بالكلية وأمضت معهم وقت جيد ونست أمر ياسر وظنت أنه نساها ولم تكن تدرك ما يحدث من خلفها بينه وبين وافي وراكان..
تحركت مع اصحابها للخارج حيث انتظرها السائق وودعتهم والتفتت لترى ياسر مرة أخرى يقطع طريقها فتوقفت وهي تدرك أن عليها مواجهته لأنه لا يستسلم
قال "ليان، كيف حالك؟"
رفعت رأسها لوجهه وقالت "بخير"
وتحركت لتذهب وتتجاوزه ولكنه لم يفسح لها وهو يقول "ليان انتظري"
عادت ترفع رأسها له لترى نظرات ترجي بعيونه وهو يقول "أعلم أنكِ ترفضين أي شيء بيننا، لكني لا أستطيع التوقف عن التفكير بكِ"
لم تغضب ككل مرة، المشاعر والقلوب لا تتحرك بأيدينا ولا نملك أي سيطرة عليها لذا قالت "يا سيادة الرائد أنا لا أجد كلمات أرد بها عليك، أنا حقا آسفة"
نفخ وأبعد وجهه بعيدا وقال "لماذا لا تريدين منحني فرصة؟ ألا يمكن أن أفوز بقلبك لو تعارفنا؟"
لم تبعد وجهها عنه بل ظلت تواجهه وهي تقول "وأي شكل من التعارف تريده؟"
لم يفكر وهو يقول "خطوبة ليان، أنا أرغب بخطبتك وخلالها يمكننا أن نتعارف أفضل وربما تقبلين بالزواج"
هزت رأسها بالنفي وهي ترد "لا يمكنني أن أقبل، خطوبة تعني أني أوافق على علاقتنا وأنا لا أفعل، أنا لا أفكر بذلك حاليا"
هتف محاولا كظم غيظه "لماذا؟ أنا أحبك ليان، لم أحب امرأة من قبل، أنتِ أول امرأة أشعر بذلك تجاهها"
تجهم وجهها فهي تعلم كيف يؤلم الحب من طرف واحد ولكن الأمر ليس بيدها، لا يمكنها مداواته وهي بالأساس لديها نفس الجرح
صمتها جعله يقول برجاء "ألا يجعلك حبي تتراجعين؟"
قالت بلا تعبير على وجهها سوى الاستنكار "لا، لأني لو فعلت أكون بذلك أخدعك، معنى التراجع أن لدي مشاعر تجاهك ولكن أنا آسفة، أنا لم أفكر بك كخطيب، أنت مجرد أخو تمارا"
شحب وجهه من كلماتها الصريحة وشعر بوخزة بقلبه وهو يتراجع ويقول "هل هناك أحد بحياتك؟"
لم تغضب وهي تجيب "هل تظن أن ذلك من شأنك؟ أو أن من الصواب سؤالي مثل هذا السؤال؟"
نظراته كانت مهيمنة، تريد سجن عيونها الجميلة له هو وحده، لكن صراحتها وكلماتها الهادئة جعلته يدرك أنها على حق، وأن عليه التراجع لأن كل محاولاته لن يكون لها أي معنى لديها فقال "آسف ولكن الامر خارج عن إرادتي، حقا ليان أنا كنت أتمنى امرأة مثلك بحياتي لكن للأسف ليس لي نصيب"
وافقته وارتاحت لاستسلامه وقالت "وأنا أيضا آسفة لأني لا أملك ما تريده، اسمح لي"
تراجع وأفسح لها لتذهب بلا عناد، فقد كانت قاضية بكلماتها ووضعت نهاية لرحلته التي كاد يخوضها بطريقه لها وبدا أن قلبها لم ولن يكون له بأي يوم
****
لم ترى سارة حاتم باليومين التاليين، لم يحاول أيا منهم التواصل مع الآخر ولم تلتقي به بموقع التصوير ولم تحاول معرفة مكانه
واجهت نظرات الجميع بشجاعة ولم يجرؤ أحد على التحدث معها بما كان، لكن ما أن خرجت من موقع التصوير لتركب سيارتها التي منحها لها راكان حتى رأت حاتم يقف بسيارته أمام سيارتها فتوقفت، هل حان موعد المواجهة الأخيرة؟
نزل وتحرك تجاها بأناقته الزائدة وملامحه لا تمنحها أي شيء عما يريده حتى توقف أمامها وقال "لابد أن نتحدث"
نعم لابد أن يتحدثوا، لابد أن ينتهي كل شيء لماذا لم يكمل؟
هزت رأسها بالموافقة فقال "هناك كافيه قريب لنذهب له"
وعاد إلى سيارته وقاد وهي خلفه بسيارتها حتى وصلا للمكان، نزلا ليدخلا معا وكالعادة انطلقت له المعجبات واضطرت للتحرك لأقرب مائدة وجلست تنتظره وقد بدأ الأمر يضايقها حقا
عندما انتهى لحق بها جالسا أمامها ونظراتهم تلتقي لكن بهدوء تلك المرة، رحل الغضب من نظراته وهدأت ملامحه وهو يقول "عصير؟"
قالت "شكولاتة ساخنة بالحليب"
أشار للرجل وطلب لها وعصير لنفسه ثم عاد لها وهي لا تنظر له وهو يقول "لم أظن أنكِ لا تهتمين بي أو بغضبي؟"
عادت لنظراته الغامضة، بلحظة انبهار نسيت أنه ممثل ويمكنه أداء كل الشخصيات ولا يمكن معرفة متى يكون هو نفسه ومتى يكون الممثل؟
قالت "أنت لم تمنحني حتى الفرصة لأفعل حاتم، أنت كنت تهاجم فقط، تأمر وكأني خادمتك وليس خطيبتك"
أبعد وجهه لحظة ثم عاد لها وقال "كنت مصدوم وغاضب سارة، أنا لم أفكر يوما بالارتباط بممثلة وإلا لفعلت من وقت بعيد، أنا أرغب أن تكون زوجتي ربة منزل، لا تهتم سوى بي وبأولادنا، لكن دخولك التمثيل يعني عكس ذلك"
حدقت به لحظة ثم قالت "أنا كنت أقوم بكل أمور المزرعة حاتم، ومن بعدها البيت ومراعاة بابا أثناء مرضه، كنت أجيد القيام بكل شيء، والتمثيل لن يمنعني أيضا من القيام بما تريده"
لم يعجبه حديثها وهو يرد "أنتِ لا تعرفين شيء عن التمثيل أو حياة الممثلين، حياتنا كلها ملك للتصوير والسفر والمعجبين، وهذا لي أنا فقط، لكن زوجتي بالبيت لي وحدي"
قالت بلا تردد "هذه أنانية، أنت تريد كل شيء لنفسك"
نفخ وقال بحدة "لا تهمني المسميات، ولكن هذا هو أنا وعليكِ بتنفيذ ما أريده"
تراجعت ولم تعجبها لهجته الآمرة ككلماته وقالت "وماذا عما أريده أنا؟ ألم تفكر بأن أنا أيضا أريد أن تكون لي حياة؟"
قال ببرود ضايقها "حياتك هي أن تكوني زوجتي كما أخبرتك"
تراجعت بالمقعد وقالت "أنت تنسى أني إيطالية أكثر مني مصرية، ونحن بطبعنا لا نؤمن بأن الرجل يملك زمام الأمور وحده، بل المرأة لها نفس حقوقه لذا حياتي مستقلة عنك تماما حاتم، ما تطلبه مني لا أملكه"
وضع الرجل الأكواب ثم ابتعد فاقترب حاتم من المائدة وقال بغضب "هذا يعني أنكِ تساوين نفسك بي؟"
أجابت بقوة "هذا يعني أني لن أقبل بإلغاء نفسي وشخصيتي ونجاحي من أجل أي أحد"
ثبتت نظراته عليها وصمت قليلا ثم قال "ظننت أنكِ تحبيني"
لمعت عيونها بلا معنى ربما كأخيها وأجابت بسؤال "وما دخل الحب بما يدور بيننا حاتم؟"
هو الآخر شعر بأنها ليست كما ظنها فقال "لو كنتِ تحبيني ستفعلين ما يرضيني"
لم تفكر وهي تقول "كما هو أنت حاتم، كان عليك التفكير أيضا بسعادتي وكرامتي التي أهنتها أمام الجميع، أنت لم تفكر سوى بنفسك ولم تشعر بأنك تؤلمني وتدهسني بلا تفكير"
أبعد وجهه وهو يستوعب كلماتها حتى عاد لها وقال "كنت مصدوم سارة وأخبرتك رغبتي بزوجة لا تفكر سوى بي وبيتنا"
قالت بإصرار "أنا أفكر بك وببيتنا حاتم، لكن هذا لا يمنع أن تكون لي شخصيتي المستقلة، عمل ناجح، مكانة جيدة بالمجتمع، كان من المفترض أن يشعرك نجاحي بالسعادة مثلما كنت أشعر لك، لا الغضب"
هز رأسه وتناول العصير ثم قال "حسنا سارة، سنجرب الاستمرار بالأمر لنرى هل سيمكننا التأقلم مع الأمر أم سينهي على سعادتنا"
حدقت به وتمنت لو تخبره أن سعادتهم أصبحت على المحك، فهي الآن تنظر له نظرة مختلفة، نظرة متمعنة ستجعلها تختبر مشاعرها حقا تجاهه وترى مشاعره الحقيقية تجاها، هذا لو كان لديه مشاعر لها
يتبع