رواية بيت العيلة الفصل الثاني عشر12والاخيربقلم داليا صلاح نصار


رواية بيت العيلة 
الفصل الثاني عشر12والاخير
بقلم داليا صلاح نصار


نفث طارق دخان سيجارته لأعلى وأكمل بتأثر: أنا مش عارف ايه اللي حصل لكل ده! أمي قالتلي هي شوية وهتتعوّد ع النظام وهتاخد على الوضع، وانا كنت بحاول ما اعملش مشاكل مع حد، ايه الغلط اللي أنا عملته؟ فاعتدل صديقه في جلسته ثم أجابه: إنت غلطان عشان ماكنتش واضح من البدايه، لما انت عايزها تسكن معاكوا عشان ما تزعلش والدتك كان لازم تبقى عارفة كدة، لكن ما تعملهاش البحر طحينة وبعدين ترجع تقول هو ايه اللي حصل؟

جلست رنا مع أولادها الذين صدموها بعدما رفضوا طلبها وقال أكبرهم: أنا لو هافضل مع حد فانا هاعيش مع بابا، نزلت الجملة كالسكين في قلب رنا التي انهارت بالبُكاء.
*** اتصل طارق بصبري وقام بتهديده إن لم تعد ريهام لبيتها، فردّ عليه صبري بهدوء وبرود: أنا عملت محضر يوم الحادثة وكله متسجل سواء من المستشفى او حتى شهود من عندكوا ولو حبيت ندخل في سكة المحاكم فانت اللي هتبقى خسران مش إحنا وقام بغلق الهاتف في وجهه.

دخلت منى وهي تحمل صينية الطعام ووضعتها أمام ريهام ابنتها على الفراش قائلة بحنان: خلاص يا حبيبتي بطّلي عياط بقى، الحمد لله ان أبوكي إتصرف و... قاطعتها رنا التي جاءت من خلفها والدموع قد تجمدت في عينيها قائلة: لسه لحد دلوقتي بتطبطبوا عليها؟ فعبست أمها متسائلة: ايه اللي انتي بتقوليه ده يا رنا؟ فنظرت لها رنا بحسرة ثم أردفت: أنا لسه ما قولتش حاجة، أنا عُمري ما هاسامحكوا ع اللي عملتوه فيا،، عُمري.
(قبل يومين)
دخلت رنا في حالة إنهيار عصبي حتى قامت إحدى صديقاتها بزيارتها وكانت طبيبة نفسية التي سردت لها رنا كل مشاكلها التي عانتها منذ الطفولة وأشارت عليها صديقتها ان تستشير أحد المختصين بمجال التربية عن حالتها وبالفعل نفذّت رنا ما طلبته صديقتها وأوضحت لها المختصة سبب أفعالها!
جلست رنا على طرف الفراش ثم أكملت باكية: طول عمركوا من وأنا صغيرة كنتوا بتاخدوا صف ريهام، حتى لو كانت غلطانة، بس إزاي أصل انا الكبيرة وأنا اللس استحمل، تاخد الحلويات بتاعتي وأتضرب لو اعترضت، تكسّر لعبي ولما أضربها زي ما بتضربوني تيجوا تصرخوا في وِشي كأني أجرمت وتبقى كل الطبطبة ليها هي.. ابتلعت امها ريقها وقالت بصوتٍ خافت: يا بنتي انتوا كنتوا صغيرين والكلام ده... فقاطعتها رنا بإنفعال: وحتى واحنا كبار، كل حاجة حلوة كانت ليها وانا ماليش غير العنف والزعيق والضرب! انا فاكرة كل موقف حصل من وانا عندي ٧ سنين لحد ما حصل ايه في النهاية؟ طلّعتوا للمجتمع اتنين أسوأ من بعض واحدة قوية ومسيطرة وبتنتقم من أي حد يعارضها عشان كانت شايفة نفسها طول عمرها جاني، وواحدة تانية عاشت دور الضحية طول الوقت، مغلوبة على أمرها، شخصيتها ضعيفة مستنية اللي يطبطب عليها دايماً ويقولها معلش، لحد ما حصلنا مصايب احنا الاتنين عشان نفوق!

ثم تذكرت حديث المختصة
"كل مرة هتاخدي صف حد من أولادك وقت الخلاف، 
هيزيد الخناق والحقد والغيرة والموضوع هيتحول لإنتقام، وللأسف لو الاسلوب ده ما إتغيّرش فا كدة بنخرّج للمجتمع شخصيات غير سوية نفسياً

*** بعد مرور ثلاث أسابيع

جلست منى بجوار بنتيها وقالت بحسرة: أنا ماكنتش أعرف إن طريقتي في التربية كانت غلط وممكن تأثر عليكوا أوي كدة، نزلت دموعها وهي تُكمل: أنا ربيتكوا زي ما اتربيت على حد علمي وقتها، وأنا آسفة لو طريقتي كانت غلط، قاطعتها ريهام: خلاص يا ماما، ممش هنتكلم في اللي فات، المهم اللي جاي، ظلت رنا صامتة ودموعها تنزل على وجنتيها رغماً عنها، حتى عانقتها أمها وضمتها بحرارة لصدرها وهي تردد: أنا بحبكوا أوي والله، آنا أسفة، سامحوني، كانت هذه أول مرة تشعر فيها رنا بحب أمها لها وتستشعر بحنان عناقها.

انتهت رنا من البرنامج التأهيلي في المركز النفسي، وقررت أن تُصلح حياتها وتحاول استعادتها من جديد، ذهبت إلى زوجها رشدي وتوّسلت إليه أن يردها لتنعم بحياة مستقرة معه ومع أولادها، بعد أن وعدته إنها تعافت وتغيرت 180 درجة. كان رشدي لا يزال في حالة صدمة رغم حبه لها لكن كان رده قاسياً: فيه حاجات بتتكسر وما ينفعش تتصلح للأسف يا رنا.

اعتذر طارق كثيراً وندم على فعلته وتعلّم منها وظل يركض وراء ريهام في كل مكان مُعلناً عن حبه لها وعدم استسلامه حتى تعود له بكل الشروط التي تتمناها ولم تستجب ريهام التي ما زالت تعاني من ضعف شخصيتها ولكنها قررت ان تزور عيادة د. سلسبيل حتى تستعيد ثقتها بنفسها بعدما رشحتها لها رنا التي سامحت والديها عندما اقتنعت أنهم اتبعوا اسلوب التربية على قدر علمهم ومعرفتهم وقتها ولكن إذا أرادت تغيير حياتها فلا يجب أن تُعلّق أخطائها على شمّاعة الآخرين وأنه دائماً الوقت والمكان المناسب للتغيير هو " هُنا والآن. " 

دخلت فتحية إلى طارق الذي انحصرت حياته على النوم والسجائر، ثم أيقظته مرددة: إنت هتفضل نايم كدة ومش هتروح الشغل؟ وبعدين يعني يا طارق؟ سحب الغطاء وأجابها: آه هافضل كدة وماحدش ليه دعوة بيا بقى، فوكزته وهي تُردف: ليه بقى إن شاء الله؟ هو إنت أول واحد تطلق ولا ايه؟ ما عادي تروح واحدة تيجي عشرة، قوم بقى عشان اخواتك كلهم برة وعايزين نتلم مع بعض، اعتدل وهو يصرخ في وجه أمه: قولتلك 100 مرة سيبوني في حالي بقى، أنا هامشي من البيت ده عشان تستريحوا خالص، ثم قام وغادر البيت.
رمقته ولاء وهو يركض للخارج وهو يُتمتم بكلمات غير مفهومة، أغلق رجب الهاتف وصاح قائلاً: الحقني يا أبويا الأرض ولعت والمحصول كله راح، فُزع حسين والده وركض خلفه.

بعد مرور عدة أيام.
دخل رشدي مكتبه وتفاجأ بوجود ظرف أنيق مكتوب عليه "أنا آسفة" فقام بفتحه، قرأه باهتمام كلمات زنا زوجته: أنا عارفة إني غلطت في حقك كتير، بس ربنا يعلم أنا اتغيرت قد إيه عشانك وعشان أولادنا، كل اللي بتمناه دلوقتي إننا نعيش مع بعض ونربي أولادنا عشان يطلعوا أسوياء، متأكدة إن قلبك طيب وهتسامحني،، بحبك أوي يا رشدي. 
طوى الورقة وتنهد بحرارة ثم نظر بحنان لصورته مع أولاده.

عادت ريهام إلى عملها مرة أخرى بالمدرسة، بعدما قررت أن تقدم ورشة تعليمية للمعلمات عن كيفية التعامل الجيد مع الأطفال وتجنب الوسائل التي قد تتسبب في إيذائهم نفسياً، وشجعتها رنا على الفكرة وتحمست لها وكوّنت فريق العمل الذي سيقوم بمساعدتهما.

يعني إيه بقى الكلام ده؟ سألت ولاء باستنكار، ليُجيبها رجب ببرود: يعني هتتجوزي حسن ابن الحاج متولي عشان ما يحبسناش ب وصلات الأمانة اللي معاه بعد ما الأرض والمحصول اتحرقوا، ردّت ولاء بتهكم: حسن اللي ما بيعرفش يقرأ ولا يكتب؟ لا أنا مش موافقة ومش .. قاطعها رجب بجفاء قبل أن تُكمل جملتها: هو انتي حد قالك اننا بناخد رأيك أصلاً؟ كتب كتابك هيبقى الخميس الجاي. خرجت فتحية على صياحهما لتسأل: فيه إيه مالكوا؟ لتُمسك ولاء بالسكين وتصوّبه نحو صدرها مهددة: اقسم بالله أموّتلكوا نفسي ولا إني أتجوز الجوازة دي.

دخل طارق إلى مكان مشبوه وظل يشرب الحشيش بعدما شاهد صور ريهام على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي وهي تًجهز لورشتها التدريبية وتنشر مستجداتها خطوة بخطوة. غير مهتمة لحاله ولا ترد على اتصالاته، حتى حضرت الشرطة وتم القبض عليه هو وكل المتواجدين معه.

كانت رنا تذهب لأولادها تحضر لهم الطعام وتقوم بترتيب المنزل ثم تغادر، وفي ذلك اليوم عاد رشدي مبكراً من عمله ليقل لها: خليكي النهاردة تاكلي معانا، سألته رنا على استحياء: النهاردة بس؟ ابتسم رشدي وردد: وكل يوم يا رنا، ثم استطرد: بس رشا .. قاطعته رنا بحب: رشا ممكن تعيش معانا هنا لو عايز يا رشدي، لحد ما تتطمن عليها في بيت جوزها. ابتسم رشدي فأكملت رنا: بس فيه مشوار مهم أوي لازم نعمله قبل أي حاجة.

تزوجت ولاء رغماً عنها، بعدما وقعت العائلة في الديون، دخلت لبيت عائلة جديد، بنفس التقاليد والعادات لكن الفرق انها كانت زوجة الابن الوحيدة والتي يتم الحُكم عليها بخدمة اخوات حسن الخمس من كبيرهم لصغيرهم بالإضافة لوالديه، لم يتهاون حسن من اليوم الثاني للعُرس فامرها بالنزول لأمه وعمل الفطور لها وللعائلة بالكامل.
تعاركت لبنى مع زوجها بسبب سوء معاملة الأخير لها ولكثرة طلباته مع عدم وجود المال الكافي للمصروفات، فقام بضربها وطردها من بيتها، فذهبت لوالدتها التي طلبت منها أن تقوم بأعمال البيت مع بدرية حتى تعود لزوجها. في تلك الفترة تغيّرت معاملة بدرية تماماً بعدما علمت بإصابتها بانزلاق غضروفي وكان وضعها خطير واحتاجت للراحة، فكانت تطلب من لبنى أن تقوم بخدمتها قبل خدمة أمها، ورضخت لبنى لطلباتها على مضض.

انتهت ريهام من عمل الورشة التدريببة وقامت ببثها مباشرة على صفحة المدرسة وبعض الصفحات التربوية، لتنهال عليها التعليقات بالثناء، وطلبوا منها أن تكرر وتنشر مثل هذه الدورات، ف استجابت لهم ريهام ودرست كل ما يتعلق بالتربية، بالإضافة إلى الصحة النفسية وقامت بعمل عدة دورات تدريبية كانت تحضرها أمهات، وفي أخر دورة تفاجئت بوجود أب وحيد يحضر، على الرغم من عدم معرفتها بشخصيته إلا إنها كانت فخورة به، تقدم إليها بعد الإنتهاء من المحاضرة الأولى وعرّف نفسه: أنا شريف شوقي مهندس كمبيوتر وعندي شركة دعاية وإعلان، أرمل وبنتي 4 سنين اسمها كارما وياريت لو تسمحيلي تحضر معايا المحاضرة الجاية، لأني باكون مشغول عليها طول ما هي بعيد عني. لمعت عينا ريهام على الرغم من استغرابها لحديثه ثم قالت له: آه طبعاً تقدر تحضر المكان مكانك. ابتسم شريف وشكرها ثم قدّم لها الكارت الخاص به قائلاً: ده الكارت بتاعي، ولو عايزة أي دعايا لاي دورات بتقدميها أقدر أعملك ده بخصومات كبيرة. 

خرج طارق من السجن بكفالة، وأشار عليه رجب أن يتزوج ويهتم بنفسه، لكنه رفض وظل شارداً يلهث وراء ريهام ويشاهد منشوراتها وهو يبكي بمرارة.

وقفت رنا بجانب رشدي على قبر حماتها تدعي لها وتطلب منها أن تسامحها وانهمرت الدموع من عينيها، فمسحها رشدي بأصابعه قائلاً: خلاص يا رنا ربنا يرحمها، فقالت رنا وهي تجهش بالبكاء: إحنا لازم نعملها صدقة جارية يا رشدي لازم ، ضمها إليه متظاهراً بالثبات وهو يردد: أكيد إن شاء الله.

بعدما أنهى شريف الدورة التدريبية مع ريهام التي اهتمت بكارما اهتمام شديد وأسدت له الكثير من النصائح للتعامل معها لم يتردد لحظة لطلب يدها ولم يطق الانتظار حتى تعود لبيتها، ليفاجئها بطلبه وهي تركب سيارتها: تتجوزيني؟ نظرت له ريهام بذهول والابتسامة علت وجهها ولم ترد.

                     تمت
تعليقات



<>