
"إنت أكيد مجنون! مريض بالسيطرة والغرور! جواز إيه اللي بتقرره لوحدك؟ أنا مش حتة أرض هتضمها لأملاكك يا أستاذ رحيم! أنا ليا إرادة، ومستحيل أوافق أربط حياتي بواحد بيمشي يدوس على الناس بمداسه!"
صرخة رحمة هزت بهو سرايا الجبالية وهي بتشد إيدها بعنف من قبضة رحيم. كانت بتلهث وعينيها بتطق شرار من الغضب والتمرد، ولا هيبة السرايا ولا وجود كبير الصعيد عزيز الجبالي ومراته درة خلوها تتراجع أو تخاف على كرامتها.
ساد صمت تقيل، وعزيز الجبالي عقد حواجبه وقرب منها بصوت زي الجليد عشان يختبرها: "بت البندر بتعلي صوتها في سرايا الجبالي؟ وبترفض ولدي رحيم الجبالي اللي بنات الكبارات يتمنوا بس نظرة منيه؟ إنتي شكلك متعرفيش جدر الوجفة اللي إنتي واجفاها دي يا دكتورة!"
رحيم كان واقف يراقب بعينين فيها إعجاب مكتوم بقوة قطته الشرسة، ورحمة ما اترعشتش، بل رفعت راسها بشموخ: "أنا محترمة وقفتي ومقامك يا عمدة، بس الاحترام مش معناه الخضوع! ابنك أنقذ حياتي وأنا ممتنة، بس ده مش مبرر يصادر حريتي ويعلن جوازي منه وكأني جارية! أنا دكتورة، وجاية أبني مستقبلي مش عشان أكون جزء من حريم السرايا!"
في اللحظة دي انطلقت ضحكة دافية من "درة" وهي بتقدم بعبايتها الكحلي الملكية، وبصت لعزيز بابتسامة: "لساتك بتختبر الناس بنفس الجساوة يا عزيز؟"
وبعدين طبطبت على رحمة بحنان: "اهدي يا بتي.. نورتي الصعيد كله. الجبالي مابيتجوزش غصب يا رحمة، ورحيم ولدي جابك إهنه من يدك عشان يحميكي لأنك لؤلؤة غالية خايف عليها."
وبصت لرحيم بصرامة مصطنعة: "إنت مجنون يا واد إنت؟ جايب البت مخضوضة وبدل ما تطمنها تجول هتجوزها؟ الجواز ديه أصول وطلب جُدام أهلها."
زأر رحيم باعتراض: "أهلها مين يا أمة؟ دي كانت هتموت الليلة!"
ردت درة بحسم: "اطلع جناحك اغسل الدم، ورحمة هتبات الليلة في جناح الضيوف جاري ومفيش مخلوج هيعتب ناحيتها."
عزيز أيد كلام مراته: "اسمع كلام أمك يا رحيم، وبكرة لينا حديت."
زفر رحيم بغضب وبص لرحمة بنظرة عشق وتملك: "زين.. بس إنتي ليا يا رحمة، وهتبجي ليا برضاكي، وغرورك ديه هجيبه الأرض." وصعد السلم بخطوات تقيلة.
في جناح الضيوف، رحمة كانت قاعدة على حافة السرير بتعيط بالراحة بعد كمية الأحداث المرعبة اللي مرت بيها. الباب اتخبط ودخلت خادمة بالأكل، ووراها دخل رحيم بعد ما غير هدومه بس ساب جرح جبهته بينزف ببطء ومجهزه ليها.
رحمة اتخضت وقامت في زاوية الأوضة: "إنت دخلت هنا إزاي؟ والدتك قالت ممنوع حد يدخل!"
قرب رحيم ببطء وعيونه عليها: "مفيش باب في السرايا دي، ولا في الدنيا كلها، يجدر يجف بيني وبينك يا رحمة."
رحمة بصت لجبهته بتلقائية: "إنت مانضفتش الجرح ليه؟ ده ممكن يتلوث!"
ابتسم رحيم بانتصار داخلي وقعد على السرير: "ماعرفتش أنضفه.. مستني الدكتورة بتاعتي تعالجني."
رحمة اتنهدت باستسلام وجابت المطهر والقطن، وقفت بين رجليه وانحنت تنضف الجرح. القرب الشديد ورائحة عطرها دوخوه،
تجمدت رحمة وبصت في عينيه، فهمس رحيم بصوت أجش: "خايفة عليا يا رحمة؟"
ردت بتلعثم ودقات قلبها سريعة: "ده.. ده واجبي كدكتورة.. إنسانية مش أكثر."
قرب رحيم من شفايفها: "وانا كلي بين إيديكي.. أنا أول مرة أخاف لما شوفتهم بيسحبوكي في الضلمة. حسيت روحي بتنسحب. أنا مش مريض سيطرة يا رحمة.. أنا مريض بيكي."
رحمه ووشها بيولع خجل: "إنت بتستغل ضعفي! الجرح نضف، اتفضل اخرج بقى عشان عايزة أنام."
قام رحيم وهو بيبتسم ابتسامته الساحرة: "هخرج.. بس بكرة لينا حديت تاني. تصبحي على جنة يا حوريتي."
في جناح عزيز ودرة، درة كانت بتمشط شعرها وقالت بابتسامة: "الواد طالعلك يا عزيز.. بيعشج الوعر، ومابياخدش إلا اللي جلبه يشاور عليه."
عزيز ضحك وخدها في حضنه: "رحيم صقر، ولما شاف الحورية دي عرف إنها الوحيدة اللي تستاهل تعيش معاه. بس تفتكري هترضى تعيش في الصعيد وتسيب البندر؟"
درة ردت بقلق: "العشج مابيعرفش بلاد يا كبير.. بس أنا جلبي مجبوض، الخطف ديه وراه حاجة أكبر من شوية بلطجية."
تاني يوم الصبح، رحمة صحيت بدري ولمت شنطتها مصممة ترجع القاهرة بعد ما تمر على المزرعة لإنهاء شغلها. بس رحيم كان مستنيها في البهو بكامل هيبته: "على فين يا دكتورة؟"
رحمة ببرود مصطنع: "المزرعة شغل، وبعدها هرجع القاهرة. تدريبي خلص هنا."
رحيم عقد حواجبه: "تدريب إيه؟ مفيش سفر يا رحمة."
صرخت بنفاد صبر: "إنت مالكش حكم عليا! أنا مش من ممتلكات الجبالية، وليا أهل في القاهرة!"
قرب رحيم بتحدي: "أهلك اللي سايبينك في سكن لوحدك؟ خليهم يقلبوا الدنيا، ورحيم الجبالي مش هيرجعك. عايزة تروحي المزرعة؟ هوصلك بنفسي وأجيبك بنفسي."
ركبوا العربية والتوتر بينهم كان مولع طول الطريق.
في المزرعة، رحمة انشغلت بعلاج الخيل ورحيم بيراقبها بانهيار وفخر. وقفت قدام الحصان "غضب" بتكمل الضمادة، ورحيم قرب وسند على الباب وقال بصوت دافي:
"وغضب اللي جوه جلبي.. إمتى هتعالجيه يا رحمة؟ إمتى هتبطلي عناد وتعترفي إنك بتحبيني؟"
رحمة دمعت وقالت بقلة حيلة: "رحيم.. إنت متعرفش حاجة عني. أنا حياتي في القاهرة معقدة، أنا مخطوبة غصب عني لواحد مبيرحمش اسمه طارق، وهربت هنا عشان أبعد عنه!"
عيني رحيم اسودت بغضب مرعب وشديد: "مخطوبة؟! يعني الكلاب اللي حاولوا يخطفوكي إمبارح مكنوش تبع تار.. كانوا تبع خطيبك؟!"
رحمة هزت راسها وهي بتعيط: "أيوه! طارق ممكن يعمل أي حاجة وسيئ جداً، ولما عرف إني هنا اكيد بعتهم وهتأذيك بسببي!"
وفجأة.. صوت ضرب نار ضرب في الهواء برة الإسطبل، وفرامل عربيات كتيرة وقفت بعنف في ساحة المزرعة!
وصوت طارق طلع في الميكروفون: "اطلعي بره يا رحمة! واطلع يا رحيم يا جبالي!"
رحيم سحب مسدسه من وسطه فوراً وحط رحمة ورا ضهره، وخرج بخطوات ثابتة وجبورة.
الساحة كانت محاصرة بـ 7 عربيات دفع رباعي سوداء ورجالة مسلحين، وطارق واقف في النص بغرور ومعاه اللواء محمود والد رحمة.
رحمة صرخت من ورا ضهره: "بابا!" وجت تجري بس رحيم درها بكتفه الصلب ورا ضهره ورفض تطلع.
طارق قال بسخرية ورفع مسدسه: "سيب خطيبتي ومراتي المستقبلية تطلعلي دلوقت حالا، بدل ما أخلي المزرعة دي قبرك!"
رحيم ولا اتهز فيه جفن، رفع مسدسه بهدوء ووجهه بالظبط بين عينين طارق وقال بصوت جهوري هز المكان:
"خطيبتك دي هتبجى حرم رحيم عزيز الجبالي... والست بتاعتي مابتخرجش من حمايتي غير على جبرها. واللي هيفكر يجرب خطوة واحدة من رجالتك إهنه في أرضي... جُسماً بالله العظيم، لأخليه يندفن فيها الليلة!"