
"في إيه يا رحيم؟ وشك مخطوف إكده ليه؟"
رحمة سألته بقلق وهي ماسكة وردة ياسمين بيضا في إيدها. رحيم، اللي قلبه عمره ما خاف من الرصاص، اترعب عليها في اللحظة دي. إزاي هيقولها إن أبوها وسندها مقبوض عليه تحت رحمة مريض بالانتقام؟
بمهارة ورثها عن أبوه، خفى ملامح الصدمة وابتسم وهو بيبوس إيدها: "مفيش حاجة يا جلب رحيم. ديه رضوان بيبلغني إن في مشكلة زغيرة في حسابات المزرعة ولازم أروح أشوفها بنفسي."
رحمة كشرت بشك: "متأكد يا رحيم؟ لو في حاجة قولي، إحنا مبقاش في بينا أسرار."
هنا تدخل "عزيز الجبالي" اللي لمح المصيبة في عين ابنه، فغطى عليه: "شغل المزارع مابيخلصش يا بتي.. روحي إنتي شوفي خالتك درة جوه، وأنا هراجع معاه الحسابات دي جبل ما ينزل."
رحمة هزت راسها وابتسمت لرحيم: "ماتتأخرش عليا."
"مسافة السكة وأكون في حضنك." همس رحيم وعينيه متبعاها لحد ما دخلت.
أول ما الباب اتقفل، وش رحيم اتحول لبركان بيغلي وبص لأبوه: "طارق الكلب خطف اللواء محمود يا أبوي! دبرله حادثة على الطريج الصحراوي، وخده في مصنع الحديد المجهور. طالب أروحله لوحدي من غير غفر، ولو بلغت البوليس هيجتله!"
عزيز خبط بعصايته على الأرض بغضب أعمى: "الواد البندري ديه اتجنن! بيلوي دراع الجبالية؟ إنت مش هتروح لوحدك يا رحيم، دي مكيدة. هتروح على كيفنا إحنا. إنت تسبجني وتعمل نفسك استسلمت، وأنا ورضوان والرجالة هنحاوط المصنع. أول ما تأمن حماك اديني الإشارة، وجُسماً بالله لأخلي مصنع الحديد ديه مگبرة ليه ولكلابه."
رحيم عينيه برقت بالموت: "الكلب ديه بتاعي يا أبوي.. أنا اللي هخلص عليه بيدي."
في مصنع الحديد المهجور على الصحراوي، اللواء محمود مربوط في كرسي ومضروب، بس بيبص لطارق باحتقار: "إنت مفكر إنك هتنفد؟ رحيم هيسحقك."
طارق ضحك بهستيريا ومسدسه في إيده: "رحيم زمانه جاي بيترعش عشان ينقذ سيادتك. أول ما يدخل، رجالتي هيفرغوا في صدره 30 رصا*صة، وهبعت جثتك وجثته هدية الصباحية لعروسته!"
باب المصنع الحديد انضرب بالرجل واتفتح على آخره. دخل "صقر الصعيد" رحيم، لابس بنطلون وقميص أسود، ورافع إيديه الاتنين دليل إنه أعزل، وبيبص لطارق ببرود خلاه يبلع ريقه من الرعب.
"شرفت يا صقر الصعيد!" طارق استخبى ورا اللواء وحط المسدس على راسه: "وقف عندك! طلع سلاحك وارميه برجلك وإلا هفجر دماغه!"
رحيم طلع مسدسه ورماه بهدوء: "أنا إهنه أهو يا جبان. سيب الراجل وواجهني راجل لراجل."
طارق صرخ في رجالته العشرة: "استعدوا يا رجالة! أول ما أقول اضربوا، عايزُه مصفة!"
رحيم ابتسم ببرود وقال بصوت فحيح: "جبل ما تدي الأمر يا بتاع البندر.. بص فوجك إكده."
طارق بص لفوق بصدمة.. على الممرات الحديدية بتاعة المصنع، ظهر عشرات من غفر الجبالية موجهين بنادقهم على روس رجالة طارق بدقة قناصة. ومن الباب الخلفي دخل عزيز ورضوان.
"نزّل سلاحك إنت وكلابك، وإلا هخلي لحمكم يختلط بحديد المصنع ديه دلوك!" زأر عزيز بصوت رج المكان.
رجالة طارق رموا سلاحهم واستسلموا فوراً. طارق اتجنن وشد المسدس أكتر على راس اللواء وصرخ بدموع: "محدش يقرب! هقتله وأموت معاكم!"
في الجزء من الثانية ده، رحيم إدى إشارة بعينه لأبوه. عزيز ضرب رصاصة تحذيرية في الهوا.. طارق اتخض وغمض عينه ثانية واحدة، كانت كافية لرحيم إنه ينطلق زي السهم، مسك إيد طارق ولواها لورا لحد ما كسرها! المسد*س وقع، ورحيم اداله بوكس وحشي كسر مناخيره، وشاله رماه بكل قوته في برميل حديد ضخم.
الغفر فكوا اللواء محمود، ورحيم وطى جاب طارق من شعره وهو بينزف وقال: "احمد ربك إن قانون أبوي بيمنعني أگتلك. هتقضي باجي عمرك في السجن، وكل يوم هتفتكر فيه اسم رحيم الجبالي، هتبكي دم."
أمر الغفر يسلموه للشرطة، وجري على اللواء محمود اللي حضنه بفخر: "إنت بطل يا بني.. رحمة كان معاها حق لما اختارتك."
بالليل في السرايا، رحمة كانت هتموت من القلق ورايحة جاية في الأوضة لحد ما سمعت صوت عربيات. جريت على البهو حافية، واتسمرت مكانها لما شافت رحيم داخل ساند أبوها، وقميصه متقطع وبينزف من كتفه.
"بابا! رحيم!" صرخت رحمة وجريت حضنت أبوها بانهيار، وبعدين بصت لرحيم اللي كان بينهج وعينيه مليانة عشق وتعب. اترميت في حضنه بقوة: "إنت روحت للموت عشاني؟ كان ممكن أخسرك يا رحيم!"
رحيم ضمها جامد ودفن وشه في شعرها: "الموت ديه هو إني أشوف دمعة من عينيكي يا حوريتي. أنا جولتلك، الصجر فرد جناحاته عشان يضلل عليكي، ومش هلمها طول مافيا نفس."
في أوضتهم، رحمة كانت بتنضفله جرح كتفه ودموعها نازلة.
"بيوجعك؟" سألته وهي بتعيط.
مسك إيدها وباسها: "وجع الجرح ما يسواش هفوة من وجع جلبي لما بشوفك بتبكي.. دوايا مش في الشنطة دي يا دكتورة... دوايا في عنيكي."
رحمة سابت القطنة وحاوطت وشه بإيديها واعترفت لأول مرة: "أنا بحبك يا رحيم. بحبك لدرجة إني مش متخيلة حياتي قبل ما أشوفك."
رحيم اتصدم ثانية وبعدين شالها قعدها على رجله بلهفة: "جوليها تاني يا جلب رحيم."
"بحبك يا صقر الصعيد."
خطف شفايفها في بو*سة محت كل الرعب والدم اللي شافوه، وعاشوا ليلة رومانسية أسطورية أثبتت إن القوة الحقيقية في حنية الراجل على حبيبته.
بعد مرور شهرين..
الحياة بقت جميلة في قنا. اللواء محمود رجع القاهرة، طارق في السجن، ورحمة اندمجت في حياة الصعيد وبقى ليها مستشفى بيطري خاص بيها في المزرعة.
في يوم الصبح، رحمة واقفة في الإسطبل بتلعب مع الحصان "غضب"، دخل رحيم بجلابيته وابتسم: "صباح الخير يا دكتورة جليبي."
راحت اترمت في حضنه: "صباح النور يا حبيبي، خلصت شغل بدري؟"
"عزيز بيه عامل جعدة كبيرة الليلة في السرايا، وعنده خبر مهم رايد يجوله للكل. يلا عشان تجهزي."
بالليل، المندرة كانت مليانة بكبارات العيلة. عزيز خبط بعصايته عشان يسكتوا وقال:
"أنا كبرت، والعمدية رايدة شباب يشيلها. ولدي رحيم أثبت إنه صجر حجيجي.. عشان إكده، أنا بتنازل عن العمدية لولدي 'رحيم الجبالي'. من الليلة دي، هو كبير الجبالية."
المندرة اتقلبت تصقيف وتهليل، ورحيم باس إيد أبوه وراسه.
في عز الفرحة دي، رحمة حست بدوخة ومسكت راسها. درة لاحظت وسندتها: "مالك يا بتي؟"
رحمة بتعب: "حاسة بدوخة وغممان نفس من الصبح يا خالة."
درة ضحكت ولمعت عينيها بالفرحة: "يا ألف نهار أبيض! دي أعراض حمل يا بتي! السرايا هتنور بولي العهد!"
رحيم اتسمر مكانه، وبعدين جري شال رحمة ولف بيها زي المجنون قدام الكل: "يا ولاد الكلب يا غففففففر! اضربوا نار لحد الصبح! الصجر هيجيله وريث!"
بعد يومين..
رحمة كانت قاعدة في مكتبها الصغير في العيادة البيطرية بالمزرعة، بتراجع شوية ملفات والابتسامة مش مفارقة وشها كل ما تفتكر فرحة رحيم بخبر حملها، وإزاي بقى بيعاملها كأنها حتة إزاز خايف عليها من الهوا.
الباب خبط، ودخلت ممرضة شابة شايلة صندوق قطيفة كبير لونه أزرق غامق ومربوط بشريطة فضي بتلمع.
الممرضة: "يا دكتورة... في مندوب جاب الصندوق ديه وجال إنه أمانة لازم تتسلم في إيدك إنتي بس، وطلب تمضي على الاستلام."
رحمة باستغراب وفضول: "صندوق إيه ده؟ ومين اللي بعته؟"
الممرضة: "ماخابراش يا دكتورة، بس المندوب جال إنها هدية من حد مهم جوي."
رحمة مضت على الاستلام والممرضة خرجت. حطت الصندوق على المكتب، كان تقيل شوية وطالع منه ريحة برفان رجالي هي حافظاه صم.. ريحة "رحيم"!
بإيدين بترتعش من الفرحة، فكت الشريطة وفتحت الصندوق. عينيها وسعت وشهقت بفرحة طفولية والدموع اتجمعت في عينيها.
الصندوق مكنش فيه هدايا عادية، كان جواه حاجات معناها أكبر بكتير. في النص، كان في "جلابية صعيدي وعمة" صغيرين جداً متفصلين لمولود رضيع ومطرزين بخيوط فضة، وجنبهم حدوة حصان صغيرة جداً من دهب خالص مكتوب عليها "وريث الصقر".
المفاجأة الأكبر كانت تحتهم.. رحمة سحبت ملف جلد فخم، ولما فتحته لقت عقود وورق رسمي متوثق. دي كانت عقود ملكية وتسجيل أكبر وأحدث مستشفى بيطري متكامل في الصعيد، متسجل باسم "مستشفى الدكتورة رحمة الجبالي للطب البيطري"، ومعاهم تصميمات هندسية للمشروع اللي الشغل بدأ فيه فعلاً على أطراف أراضي الجبالية!
وبين الورق، لقت جواب بخط إيد رحيم مكتوب فيه:
"حوريتي ودكتورة جلبي... يوم ما عيني خبطت في عينيكي وإنتي بتدفعي عن الجرو الزغير، عرفت إن جلبي دج للرحمة اللي هتروض جساوتي. إنتي عالجتي خيلي وعالجتي روحي، ودلوك جه الوجت إنك تحججي حلمك وتعالجي كل روح ضعيفة في الصعيد. المستشفى دي حلمك اللي وعدتك أبنيهولك، والجلابية دي لولي العهد اللي هيكمل مسيرتنا. أنا مابخلفش وعدي لجلبي... بحبك يا ست السرايا، ويا أغلى دكتورة في دنيتي."
دموع الفرحة نزلت من عين رحمة، وضمت الجواب لقلبها جامد وهي مش قادرة تستوعب حجم حب الراجل ده ليها.
"عجبتك الهدية يا حرم العمدة؟"
الصوت الدافي الرخيم خبط في ودنها من عند الباب. رفعت راسها لقت "رحيم" ساند بكتفه العريض على الباب، حاطط إيديه في جيوبه، وبيبصلها بابتسامته الساحرة اللي بتدوب أي حصون جواها.
قامت جري ورمت نفسها في حضنه مش هاممها إنهم في المزرعة. رحيم لف إيديه القوية حواليها وشالها لف بيها في الهوا وسط ضحكاتها الباكية من السعادة.
ولما نزلها، حاوطت رقبته بإيديها وقالت بذهول: "إنت مجنون يا رحيم! مستشفى بحالها؟ وتصميمات وتراخيص في اليومين دول بس؟"
رحيم مسح دموعها بصباعه بحنية وعينيه بتفيض بالشغف:
"أنا أبنيلك بنادر بحالها مش مستشفى بس. أنا جولتلك إني مش هلغي وجودك، أنا هكبر وجودك عشان الصعيد كله يفتخر إن حرم رحيم الجبالي هي الدكتورة رحمة. أنا رايد أشوف لمعة الفرحة دي في عنيكي كل يوم."
رحمة همست بصدق وعشق: "أنا بحبك أوي يا رحيم... بحبك لدرجة إني حاسة إن قلبي هيقف من الفرحة."
رحيم: "سلامة جلبك يا نبض رحيم."
مال عليها وباسها برقة وشغف عميق، بوسة بتلخص كل العشق والامتنان اللي اتحدى كل الفوارق.
بعد عنها ببطء، وسند جبينه على جبينها وغمزلها بخبث: "بس اعملي حسابك.. بعد ما تولدي وريث الجبالية، المستشفى دي مش هتاخدك مني كتير، عشان أنا صجر طماع، ومابشبعش من حوريتي واصل."
ضحكت رحمة من قلبها ودفنت وشها في صدره الصلب. السفينة أخيراً رسيت بعد كل العواصف، والماضي اندثر، عشان تبدأ رحلة حب وهدوء دافية مليانة ضحكات عيال وأحلام بتتحقق في حضن "صقر الصعيد" اللي لقى جنته على الأرض.
تمت بحمد الله ♥