رواية عشقت ابنة الصعيد الفصل التاسع عشر19بقلم فاطمة عبد الرازق
عند أدهم
وصل أدهم إلى القاهرة، وكانت الشقة التي أعدّها له عز مجهزة منذ وقت، ومستأجرة باسم أدهم تحسبًا لأي طارئ، حتى إذا وصل فهد أو آسر إلي أدهم، فلن يتمكنا من كشفه بسهولة.
دخل أدهم الشقة وأغلق الباب خلفه، ثم اتجه إلى الداخل.
كانت الشقة غارقة في هدوء ثقيل، لا يُسمع فيه سوى صوت أنفاسه وحركة ريان الصغيرة.
جلس أدهم أمام الطفل، ووضع الطعام أمامه، وبدأ يطعمه بهدوء.
كان ريان يأكل دون أن يدرك شيئًا عن الخطر المحيط به، بينما كان أدهم يحدق في وجهه بين الحين والآخر، ثم يسرح بعيدًا.
تخيل حور أمامه...
تخيلها وهي تنظر إليه بالحب الذي طالما حلم به.
تخيل اليوم الذي تصبح فيه إلى جواره، ولا يستطيع أحد أن ينتزعها منه.
ارتسمت ابتسامة شاردة على وجهه، وتمتم في نفسه:
"قريب يا حور... قريب هتبقي ليا، ومش هيقدر آسر ياخدك مني."
كان يعيش داخل حلمه، غير مدرك أن هذا الحلم بدأ يتحول إلى كابوس، وأن الخيوط التي ظن أنه يمسك بها بدأت تنفلت من بين أصابعه.
وفجأة...
رن هاتفه.
توقف أدهم عن إطعام ريان، ونظر إلى الهاتف الموضوع أمامه.
كان الرقم مجهولًا.
تردد للحظات، ثم أجاب:
- ألو... مين؟
أتاه صوت من الطرف الآخر:
- اسمعني يا أدهم... أختك عندي.
تجمد أدهم في مكانه.
كان الصوت مألوفًا بصورة جعلت الدماء تنسحب من وجهه.
قال بصدمة:
- فهد؟!
جاءه الرد ببرود:
- أيوه... فهد.
انتفض أدهم من مكانه، وقال بخوف:
- بسنت؟! إنت عملت فيها إيه؟!
ابتسم فهد ابتسامة جانبية وهو ينظر إلى بسنت الجالسة بجواره، ثم قال:
- لسه مفيش حاجة حصلت... بس لو ريان مرجعش الفيلا النهارده، متضمنش تشوف أختك تاني.
صرخ أدهم:
- متچربش منها يا فهد!
نظر فهد إلى بسنت مرة أخرى، ثم قال بنبرة باردة:
- يبقى رجّع ريان... وساعتها أختك ترجعلك سليمة.
ثم أضاف بلهجة تحمل تهديدًا واضحًا:
- وأنا مش ضامن رجالتي ممكن يعملوا إيه في أختك لو ريان مرجعش... وساعتها هتبقى عااار.
ارتجف صوت أدهم:
- فـ..
لكن فهد أغلق الهاتف في وجهه.
ظل أدهم واقفًا في مكانه لثوانٍ، والهاتف لا يزال في يده.
ثم فجأة...
انفجر.
وبدأ يتحرك في الشقة بعصبية، يضرب يده بالحائط تارة، ويمررها بين شعره تارة أخرى.
كانت أنفاسه متلاحقة، وصدره يعلو ويهبط بعنف.
- بسنت...
خرج اسمها من بين شفتيه كأن مجرد نطقه يؤلمه.
نظر إلى ريان، ثم عاد وأخذ يتحرك بجنون.
- لا... لا... مستحيل!
كان الغضب والخوف والارتباك يتصارعون داخله.
قبل ساعات فقط، كان يظن أنه هو من يملك الورقة الأقوى...
كان يظن أن ريان هو نقطة ضعف حور.
والآن...
انقلب السحر على الساحر.
أصبح هو نفسه أسيرًا لنقطة ضعفه.
أخته.
الشخص الوحيد الذي لم يتخيل يومًا أن تمتد إليه يد أحد بسببه.
ضرب أدهم الحائط بقبضته حتى احمرّت يده، ثم صاح:
- يا فهد الكلب!
توقف للحظة، ثم نظر إلى ريان.
كان الطفل ينظر إليه ببراءة، غير مدرك أن وجوده هو سبب هذه الحرب كلها.
انخفض أدهم إلى جواره، وأخذ نفسًا عميقًا، لكنه لم يستطع السيطرة على نفسه.
قال بصوت مخنوق:
- أنا عملت إيه فيكي يا بسنت...
ثم رفع عينيه نحو السقف، وكأنه يبحث عن مخرج:
- أعمل إيه دلوقتي؟!
لأول مرة منذ بدأ كل شيء...
لم يكن أدهم يملك الإجابة.
---
عند فهد
وصل فهد إلى فيلته الخاصة، ودخلت بسنت معه.
وما إن أغلقت الباب خلفها حتى ألقت بنفسها على الأريكة، ثم تنهدت براحة وقالت:
- آااه ياااني... السفر ده متعب أوي!
جلس فهد على الأريكة المقابلة لها، وقال بتعب:
- حقيقي.
بدأت بسنت تتأمل المكان من حولها، واتسعت عيناها بإعجاب.
- ما شاء الله... بيتك حلو چوي! كنت بشوف البيوت دي في الأفلام بس.
ابتسم فهد وقال:
- أديكي شوفتيها على الحقيقة.
ثم أضاف وهو ينظر إليها:
- أكيد أدهم أخوكي دلوقتي...
قاطعته بسنت:
- متعصب چوي.
ضحك فهد:
- ما أنا متخيل. أول ما عرف إن أخته عندي، أكيد حس إن الدنيا اتقلبت عليه.
ابتسمت بسنت:
- يستاهل.
رفع فهد حاجبه:
- يستاهل؟
- أيوه.
- إنتِ بتتكلمي عن أخوكي.
تنهدت بسنت، وقالت:
- أنا مش ضد أخويا يا فهد... بس أخويا بيأذي حور وهو مش واخد باله.
صمت فهد، بينما تابعت:
- هو شايف إنه بيحبها، بس اللي بيعمله مش حب. ده أذى.
نظر إليها فهد بإعجاب واضح، وقال:
- واضح إنك بتحبي حور.
ابتسمت بسنت بحزن:
- حور دي خيتي... وأنا من يوم ما هربت وأنا قلبي مش مطاوعني إني أسيبها.
ثم رفعت رأسها فجأة وقالت:
- بس هو مفيش واكل؟ أنا چعانة چوي.
ضيّق فهد عينيه وقال:
- طب بالراحة، هتفضحينا.
نظرت إليه بسنت باستنكار:
- واه! هو في حد بيچدر ع الچوع؟! چوم چوم شوفلنا وكل عندك.
ضحك فهد:
- مفيش أكل عندي. يا إما باكل عند ديجا، يا إما باكل هنا بس دليفري.
عقدت بسنت حاجبيها:
- مين ديچا دي؟
- دي حِمات حور.
اعتدلت بسنت في جلستها، وقالت بدهشة:
- أنا كيف نسيت أسألك... حور كيف اتچوزت صاحبك؟
ابتسم فهد، ثم بدأ يحكي لها كيف تزوج آسر من حور، والسبب الذي دفعهما إلى الزواج، وكيف كان هدف آسر في البداية حماية حور وريان.
كلما استمعت بسنت إلى التفاصيل، تبدلت ملامح وجهها.
وحين انتهى فهد، امتلأت عيناها بالدموع.
قالت بحزن:
- يا عيني يا خيتي... من يوم ما أهلك ماتوا، مشوفتيش يوم زين.
نظر إليها فهد للحظات.
فقد أدرك أن مشاعرها تجاه حور صادقة، وأنها لم تكن تساعده لمجرد إنقاذ نفسها، بل لأنها تريد إنقاذ حور أيضًا.
نهض من مكانه وقال:
- طيب، أنا هطلب لينا بيتزا... إيه رأيك؟
مسحت بسنت دموعها بسرعة، وتحولت ملامحها في لحظة من الحزن إلى الفرح.
- اشطاا! أنا بحب البيتزا چوي!
ثم أضافت بحزن:
- كانت حور دايمًا تعمل لينا البيتزا...
توقفت لحظة، ثم عادت ابتسامتها:
- بس تجيبها بالچبنة والچمبري!
ابتسم فهد وهو ينظر إليها باستغراب.
كان مزاجها يتغير في لحظات بصورة جعلته عاجزًا عن فهمها.
قال ضاحكًا:
- ماشي يا ستي... وأنا هطلب زيك.
---
عند آسر
كان آسر يقود سيارته في طريقه إلى القاهرة، ، بعدما أصر فهد عليه أن يعود، خصوصًا بعد أن بدأت الخيوط تتجمع حول اختفاء ريان ومقتل الدادة.
خصوصًا بعد أن بدأت الخيوط تتجمع حول اختفاء ريان ومقتل الدادة.
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، وما إن رأى اسم زين حتى أجاب فورًا:
- أيوه يا زين.
قال زين بصوت جاد:
- آسر، إنت فين دلوقتي؟
- راجع القاهرة.
- كويس إنك رجعت... علشان أنا وصلت لحاجة لازم تعرفها بنفسك.
عقد آسر حاجبيه:
- خير؟
سكت زين لثوانٍ، وكأنه يجمع أفكاره.
- الرقم الدولي اللي كلم الدادة قبل مقتلها واختفاء ريان؟
شد آسر يده على عجلة القيادة.
- أيوه، عرفت صاحبه؟
- لسه... بس اكتشفت حاجة أخطر.
- اتكلم يا زين.
- الرقم ده كان ليه اتصال تاني.
- إمتى؟
- يوم حادثتك.
ساد الصمت داخل السيارة.
قال آسر ببطء:
- يوم حادثتي أنا؟
- أيوه... نفس اليوم اللي حصل فيه الحادث.
- واتصل بمين؟
- ده اللي بحاول أوصله. الرقم عمل اتصال في توقيت قريب جدًا من وقت الحادث، وبعدها بفترة قصيرة اتقفل.
ضاقت عينا آسر.
- يعني نفس الرقم اللي كلم الدادة... ظهر يوم حادثتي كمان؟
- بالظبط.
ظل آسر صامتًا، وعيناه مثبتتان على الطريق.
ثم قال:
- إنت متأكد إن البيانات مش فيها خطأ؟
- متأكد. راجعتها بنفسي أكتر من مرة.
- قدرت تحدد مكان الرقم وقتها؟
- عندي نطاق تقريبي لمكانه، لكن محتاج أراجع باقي البيانات قبل ما أقولك المكان بشكل نهائي.
قال آسر بحسم:
- اعمل اللي عليك، وأنا أول ما أوصل القاهرة هاجيلك.
قال زين بقلق:
- آسر، اسمعني كويس... متروحش لأي مكان لوحدك لحد ما نعرف صاحب الرقم.
- ليه؟
- لأن لو الرقم ده مرتبط بالدادة، وريان، وحادثتك... يبقى إحنا مش بنتكلم عن صدفة.
أخذ آسر نفسًا عميقًا، ثم قال:
- وأنا كمان مش مصدق إنها صدفة.
- أول ما أوصل لأي معلومة جديدة هبلغك.
- وأنا مستني مكالمتك.
أغلق آسر المكالمة.
وظل صامتًا للحظات، بينما سؤال واحد فقط ظل يدور في رأسه:
من صاحب الرقم الذي كان يظهر في كل مرة تحدث فيها مصيبة؟
ثم قال من بين أسنانه:
- يا أدهم الكلب... مسيري أعرف مين اللي وراك.
---
عند عز وأدهم
كان أدهم قد أتصل بعز و قال لها إنه يأتي له مُسرعّا ،جلس أدهم أمام عز، وملامح التوتر والغضب واضحة على وجهه، بينما وقف عز أمامه يحدق فيه بنظرات باردة.
قال أدهم فجأة:
- فهد رن عليا.
رفع عز حاجبه باهتمام:
- وقالك إيه؟
ضغط أدهم على أسنانه:
- قالي إنه خطف بسنت... أختي.
تغيرت ملامح عز قليلًا، لكنه سرعان ما استعاد هدوءه.
- إيه؟؟ بتقول أي؟؟
أدهم بضيق:
ــــ فهد خطف بسنت... أختي.
عز بتوتر:
ــــ وبعدين؟
ضحك أدهم بسخرية ممزوجة بالغضب:
- بيقولّي أسلّم ريان، وهو يسلّمني بسنت... وإلا مش ضامن رجالتُه ممكن يعملوا إيه فيها.
اقترب عز منه وقال:
- وإنت صدقته؟
صرخ أدهم:
- دي أختي يا عز! إنت فاهم يعني إيه أختي؟!
رد عز ببرود:
- فاهم كويس... بس إنت كمان لازم تفهم إن ريان هو الورقة الوحيدة اللي في إيدنا ضد حور.
وقف أدهم بعصبية:
- بسنت ممكن يحصلها أي حاچة!
- وريان؟
صمت أدهم.
تابع عز:
- إنت فاكر إن حور هتعمل إيه لو عرفت إننا سبنا ريان؟ دي مستعدة تعمل أي حاجة علشان أخوها يرجع لها. طول ما ريان معانا، نقدر نضغط عليها ونخليها تطلق من آسر.
ضرب أدهم بيده على الطاولة:
- أنت متعرفش عوايدنا عاااد ف الصعيد دي لو حصلها حاچه تبقا بصمة عااار ،أنا أعمل إيه ببسنت؟!
قال عز ببرود:
- تسيبها.
نظر إليه أدهم بعدم تصديق:
- أسيب أختي؟!
- أيوه.
اقترب أدهم منه، وقد أصبح صوته أكثر حدة:
- إنت بتطلب مني أسيب أختي علشان حور؟! و الطخ شرفنا ف الأرض؟!
- أنا بطلب منك تفتكر إحنا بدأنا ليه من الأساس.
- أنا بدأت علشان حور!
- وأنا بقولك إن ريان هو الطريق الوحيد اللي هيوصلك لحور.
هز أدهم رأسه بعصبية:
- لا... بسنت ملهاش ذنب.
ابتسم عز بسخرية:
- وإنت شايف إن ريان ليه ذنب؟
تجمد أدهم مكانه.
تابع عز:
- طفل عنده تلات سنين... وإنت اللي خطفته وجبته هنا. دلوقتي فجأة افتكرت إن بسنت ملهاش ذنب؟
صرخ أدهم:
- متچلبهاش عليا!
- أنا مش بقلب حاجة عليك... أنا بفكرك بالحقيقة.
صمت أدهم للحظات، ثم قال بصوت مخنوق:
- بسنت أختي...
- وحور بالنسبالك إيه؟
رفع أدهم عينيه إليه.
قال عز ببرود:
- لو سلمت ريان، هتخسر الورقة الوحيدة اللي معانا. حور مش هترجعلك، وآسر هيحميها، وإنت هتفضل واقف تتفرج عليهم.
قبض أدهم يده بقوة.
- مش هچدر أسيب بسنت.
اقترب عز منه وقال:
- يبقى انساها.
رفع أدهم رأسه فجأة.
تغيرت نظراته تمامًا، وقال بحسم:
- لا.
توقف عز.
- يعني إيه؟
- يعني بسنت هترچعلي... حتى لو خسرت حور.
اتسعت عينا عز قليلًا:
- إنت مجنون؟!
- يمكن.
ثم تابع أدهم:
- بس مش هسيب أختي تموت أو يحصلها حاچة بسببي.
صرخ عز:
- وإنت فاكر إن فهد هيسيبك ترجع ريان ببساطة؟!
- أنا مش هچابله.
- أمال؟
أجاب أدهم بهدوء:
- هسيب ريان في الشقة.
نظر إليه عز باستغراب:
- وهتعمل إيه؟
- هبعت لفهد عنوان الشقة.
صرخ عز:
- أدهم!
لكن أدهم لم يتراجع.
- أنا هاخد بسنت... وريان هيرچع لأخته.
اقترب عز منه بعصبية:
- إنت كده بتضيع كل اللي عملناه! طول ما ريان معانا، حور تحت ضغطنا. هي مستعدة تعمل أي حاجة علشان ترجعه، وإحنا نقدر نفضل نضغط عليها لحد ما تطلق من آسر!
نظر إليه أدهم بثبات:
- وأنا مستعد أخسر حور... ولا أخسر أختي و الطخ شرفنا ف الطين.
ساد الصمت للحظات.
ثم أضاف:
- فهد عايز ريان؟ هياخده.
- وإنت واثق إنه هيسيب بسنت؟
ارتسمت على وجه أدهم ابتسامة غامضة.
- أنا هتصرف.
ثم استدار متجهًا نحو الباب.
صرخ عز خلفه:
- أدهم! لو خرجت من هنا وسلمت ريان، كل خطتنا هتنهار!
توقف أدهم عند الباب دون أن يلتفت.
وقال بصوت هادئ:
- الخطة اللي مبنية على طفل... عمرها ما كانت خطة من الأساس.
ثم فتح الباب.
وقبل أن يخرج، التفت إلى عز وقال:
- ابعتلي عنوان الشقة.
تجمد عز في مكانه.
- ليه؟
ابتسم أدهم ابتسامة غامضة:
- علشان أبعت العنوان لفهد بنفسي.
ثم خرج وأغلق الباب خلفه.
ظل عز واقفًا في مكانه، وعيناه معلقتان بالباب المغلق.
لأول مرة...
شعر أن اللعبة بدأت تفلت من بين يديه.
أما أدهم، فكان يسير في الممر بخطوات ثابتة، بينما يد واحدة تقبض على هاتفه، والأخرى ترتجف قليلًا.
لقد اتخذ قراره.
بسنت أولًا.
لكن ما لم يعرفه أدهم...
أن تسليم ريان لم يكن نهاية اللعبة.
بل ربما كان بداية كشف الحقيقة كاملة.
وفي مكان آخر...
كان هاتف فهد على وشك استقبال رسالة ستغيّر كل شيء.
