رواية اجنحة الاحلام الفصل الاول1بقلم مريم وليد محمد


رواية اجنحة الاحلام الفصل الاول1بقلم مريم وليد محمد

- الأسبوع التاني اللي تنزلي فيه وأنتِ مقررة تدوري على شغل يا مريم! 
- مقداميش حل تاني غير إني أدور، أنتِ شايفة حاجة تاني! 
- لأ بس يعني.. 
- مبسش يا رحمة، مش هسيب الدنيا تبلعني، هجري لحد ما أوصل.. مش هسيب الجوع ينهش في عضمي وعضمهم. 
اتنهِـدت بهدوء وطبطبت على ضهري: 
- روحي يا حبيبتي ربنا يفتحلك أبواب رزقه. 
ابتسَـمت وجيت خارجة نادتني: 
- اتدفي كويس الجو برا برد، خدي البونبوني ده كمان.. اتمنى يومك يكون حلو زيك.

ابتسَـمت واخدته منها، وبعدين أخَدت الچاكيت الفرو بتاعي أو بالأدق بتاع ماما، ونزلت للمرة الـ 15 بدون وعي مني في رحلة البحث عن عمل حتى لا تفرمنا مفرمة الحياة، الهوا كان شديد بس شعور الجوع كان أشَد.. شعور العجز كان أصعب.. الدنيا كانت مُهلكة على بنت صغيرة زيي، قررت تواجه المجتمع بتاعنا لوحدها. 

- مساء الخير.. 
- مساء النور يا بنتي اتفضلي. 
ابتسَـمت ووقفت قدامه: 
- يزيد فضلك، حضرتك محتاج انسة تشتغل معاك في المكتبة؟ 
أتنهِـد وبصلي: 
- الحقيقة لأ مش محتاج، أنا كنت معايا زوجتي بس توفاها الله.. بس يعني شغل المكتبة مش كتير. 
حسيت بزعل، بس مكنش أول مرة يتقالي لأ.. فابتسـمت:
- ربنا يرحمها يارب، عن إذنك.. 
- بس لو أنتِ محتاجة شغل، ممكن أحتاج انسة.. بشرط. 
لفيت وشي ليه بسعادة فكمِل: 
- الحقيقة أنا بقيت أغلب الوقت كسول، المكتبة زي ما أنتِ شايفة تحسيها أنتيكا وتحفة من تحف الزمن حبيبتي عملتها بإيدها، وأحنا للأسف مخلفناش.. وأنا مش عاوز بعد عمرًا طويل ليا المكتبة دي تتقفل. 
بصيت لُه بأستغراب فكمل: 
- أنا معايا فلوس، معايا المكتبة، ومعايا موبايل كده مبعرفش اتعامل معاه.. خدي الموبايل وابدأي شغلي المكتبة دي اعملي اعلانات وكلام من ده تعرفي؟ 
حركت راسي بسعادة: 
- أكيد طبعًا أعرف.. 
ابتسَـم بهدوء: 
- يبقى تقدري تمسكي المكتبة معايا، أنا براس المال وأنتِ ديريها وظبطيها.. أكمني كبرت وخرفت، كل أملي اقعد في المكتبة دي بس افتكر حبيبتي أمل. 
حركت راسي بموافقة وكملت:
- وأنا موافقة.. بس يعني هو ممكن أقبض بدري شوية؟ يعني حضرتك ممكن تعتبرها سُلفة، وممكن تاخد بطاقتي كمان تخليها معاك.. اللي تعوزه. 
ضحك بصوت عالي وكمل: 
- ليه بنت زيك تفكر تسرق وهي في عمر الورد، اصل لو سرقتيني هتجيبي تاكلي الشهر الجاي منين.. عيني هديكي سلفة من مرتبك بدري. 

أمبارح بليل وأنا بصلي، كنت وصلت لقمة العجز.. مقدرتش أنطق، مقدرتش أدعي، دموعي نزلت لوحدها وأنا بردد "اللهُم أخرجني من حولي وقوتي إلى حولك وقوتك"، ياما أنتَ كريم يارب! معقول سامعني أنا؟

فتحت باب الشقة، وقفلته برجلي لأن إيدي الاتنين كانوا مليانين.. ناديت عليهم بصوت عالي وأنا مبسوطة:
- أنس، نور.. تعالوا بسرعة.. 

خرجوا من جوا على صوتي، أول ما شافوا ايدي مليانة والحاجات هتقع مني جريوا اخدوها من ايدي: 
- إيه كل الحاجات دي جبتيها منين؟ 
- شيل منها الأول يا أنس دي هتقع.. 
ضحكت عليهم وقلعت الچاكيت بتاعي علقته ودخلت وراهم:
- بصوا بقى، أنا عندي خبر حلو.. 
أنس كمل وهو بيقفل الكشكول: 
- واضح من الشنط.. 
ضحكت وكملت:
- أنا لقيت شغل أخيرًا.. 
نور بصتلي بأستغراب: 
- شغل إيه اللي قبضتي فيه من أول يوم ده يا أبلة؟ 
- قلتلك 15 ألف مرة مبحبش أبلة دي، أخدت سلفة، عامةً موضوع كبير هحكيهولكم بعدين.. بصوا جبتلكم إيه! 
خرجت من الشنطة هيكول أسود واديته لأنس:
- ده هيكول علشان سمعتك من اسبوع وأنتَ بتقول لنور إن البرد صعب وإنك مش قادر تستحمله، ده للخروج وجبتلك ترينج حلو أوي للبيت استنى هطلعهولك.. 
طلعت الترينج وبعده ترينج لنور وشال: 
- وده الترينج بتاعك وشال بدل اللي اتقطع، متتكسفيش تقوليلي حاجة بعد كده.. مش وعدتكم هنتصرف سوا؟ 

أول ما شافوا الحاجة حطوها على الكنبة وقاموا حضنوني، في اللحظة اللي نور وأنس بيدخلوا فيها حضني بحس إني خلاص في أمان.. ملكت الدنيا في حضني، كفاية تقديرهم وامتنانهم طول الوقت لكل محاولة منِّي. 

- تعبتِ نفسك أوي يا مريم، طول الوقت بتتعبي نفسك علشاننا، صدقيني أول ما هاخد الاجازة هنزل أدور ليا على شغل وارتاحي أنتِ.. 
بوسته من خده وكملت:
- بس يا أنوس أنا ارتاحت كتير أوي، وخدت نصيبي في التعليم والراحة، دلوقتِ دوركم أنتوا.. وأنا معاكم لحد ما كل حاجة تتعدل. 
نور كملت بهدوء:
- متشيليش هم، أنا هعمل الأكل.. بس أنتِ علميني..
ضحكت بهدوء وأنا بلعب في شعرها:
- موافقة عامةً، بس مش دلوقتي.. دلوقتي وقت المذاكرة وبس.. 
اتنهِـدت وخرجت باقي الشنط: 
- جبتلكم كمان مكرونة ورز وخزين البيت كله، وجبت فراخ وبانية زي ما بتحبوا، بس معرفتش اجيب لحمة وعد هجيبهالكم لما اقبض الباقي.. متفقين؟ 
- مش ضروري، مش بنحب اللحمة. 
كملت وأنا ببصلهم بحماس:
- توقعوا هعملكم إيه دلوقتي؟ 
أنس كمل:
- ان شاء الله كيكة.. 
حركت راسي وخبطت كفي في كفه:
- صح يا أنوسي، كيكة شوكليت.. يلا خلصوا مذاكرة على ما اغير واعمل غدا خفيف وتقوموا تعملوها معايا.

غيرت هدومي وصليت فروضي ودخلت المطبخ أعمل الأكل، كنت حاسة إني مبسوطة وإن بابا وماما حبايبي مبسوطين بيا.. أنس ونور تؤام، الاتنين في أولى اعدادي، بعد ما أنا جيت بابا وماما حاولوا كتير يخلفوا بعدي بس محصلش نصيب، بعد ما فقدوا الأمل ماما عرفت إنها حامل فجأة في الخامس في نور وأنس، بابا وماما اتوفوا من تلات سنين كنت لسه في تانية جامعة، فمسؤولية أنس ونور انتقلتلي.. كانوا سايبين مبلغ مش صغير بس مش كبير، ميكفيش احتياجتنا.. ولأن عمرنا ما اتعودنا نمد ايدينا لحد، بدأت فلوسنا تخلص، ومكنتش لاقية شغل.. بس علشان ربنا كريم، كرمنا. 

- واو الكيك شكله حلو موت يا مريومة.. 
- علشان عملناه سوا. 
نور كملت وهي بتبصلي: 
- مش أحنا هنعمل كل حاجة سوا؟ 
ابتسَـمت وأنا بحضنها:
- أكيد يا نونو. 
- اتمنى تعيشي حياة جميلة وتخلفي اطفال علشان هتكوني حنينة معاهم. 

ابتسَـمت بزعل وكملت:
- ان شاء الله يا حبيبتي. 
***
صحيت من النوم الفجر صليته، وجهزت الفطار ليهم في لانش بوكس وعملت الغدا على السوى والتسخين بس، لبست چيبة بني واسعة وهيكول أبيض وچاكيت مشجر بنيات والطرحة، نزلتهم وركبتهم الميكروباص، وطلعت على الشغل. 

- صباح الخير يا عمو حسن.. ابتسَـم ولَف: 
- أهلًا بصاحبة المكتبة الجديدة.. 
ابتسمتله ودخلت جوا، قلعت الشنطة وحطيتها على كرسي فكمل:
- أقعدي بقى افطري واشربي الشاي وبعدين ابدأي شغل براحتك.. أنا هقعد برا هنا، هتلاقي كل رف عليه اسعاره. 
حركت راسي بِأيجاب وكملت: 
- حضرتك معاك موبايل عاوزني اعمل من عليه الشغل ولا اعمل من موبايلي! 
- بصي يا بنتي أعملي كل اللي يريحك، المناسب معاكِ.. اعتبري المكان مكانك، المكتبة بتاعتك. 

احساس يخليني أخرج شغفي كله في المكتبة، أرُصها بشكل أحلى، أحط فيها انتيكات، وأظبطها كده.. 

- مساء الخير، كنت عاوز اوري حضرتك اسم كتاب وتقوليلي بكام.. 
كنت مدياله ضهري، بس الصوت خضني.. دقات قلبي بدأت تزيد والكتاب وقع من ايدي، جبت الكتاب بتوتر ولفيت لُه.. فكان هو، يدوب الزمن غيرُه شوية، طلعله دقن تقيلة سِنة.. مناخيره لسه بتحمَر في البرد، ولسه شعره متغيرش.. روحت ناحيته فكانت عيونه متتخيرش عنِّي. 

- مريم! 
اتنهِـدت وكملت: 
- وريني اسم الكتاب.. 
- دي فعلًا صدفة خيرٌ من ألفِ ميعاد. 
اتنفِـست وأنا بحاول أخرج توتري في النفس ده ومديت لُه ايدي: 
- الكتاب؟ 
- دعنّي أنظُر إليك.. 
بصيت لُه بخضة:
- نعم! 
ابتسَـم وهو بيشيل الورقة في جيبه، وبيكمل:
- اسم الكتاب؛ دعني أنظر إليك
حمحمت وكملت:
- دقيقة.. 

"معقول اقولك روح منغير ما اكون مجروح، ولا باقي على حاجة! لأ ده أنتَ مش عارف، معقول تصدق أبيع منغير ما اتوه ولا اضيع ولا اخافش من حاجة! لأ ده أنتَ مش عارف." 

- الكتاب أهو.. 
- سعر الكتاب كام؟ 
- 80
طلع محفظته، وخرج منها الفلوس.. أعتقد كان قاصد يوريني صورتي في محفظته، اخدت الـ 100 جنية ورجعتله الـ 20 بهدوء. 
- لسه ايدك بترتجف، من البرد ولا علشان شوفتيني؟ 
رفعت عيني وكملت بهدوء:
- شرفتنا يا فندم، بإذن الله مش آخر تعامل. 
ابتسَـم بغلاسة وهو بيحط إيده على الڤاترينه:
- من الناحية دي متقلقيش، مش هيكون الأخير.

بصلي لثواني وبعدين ابتسـم لآخر مرة وهو ماشي، قلبي نبضاته بتزيد، وشي مخطوف أنا واثقة، ايدي ساقعة.. إنا لله وإنا إليه راجعون أنا مُتت ولا إيه بعد الشر! 
- عمو حسن تشرب قهوة؟ 
- نجرب القهوة من ايدك وماله.. 
ابتسَـمت ودخلت عملت قهوة، غمضت عيوني وأنا بفتكر آخر مرة! 

- يعني إيه نسيب بعض يا مريم؟ دي حاجات مكانتش موجودة في قموسنا، مش اتفقنا نشيل سوا الدنيا كلها، أنا وأنتِ والدنيا هتبقى أخف بينا.. 
كملت بثبات خارجي: 
- مفيش أنتِ يا أدهم، فيه أنتِ وأنس ونور.. أنتَ مش مضطر تشيل هم مش همك، مش مضطر وأنتَ في أول حياتك توفر فلوس لأطفال مش تبعك، أنا مقدرش انشغل عنهم.. 
- بس أنا مشتكتش، اخواتك أخواتي زي ما كانوا أهلك أهلي! فيها إيه؟ 
قلعت الدبلة وكملت وأنا بقف:
- فيها إن حياتي دلوقتي مينفعش يبقى فيها حد غير أخواتي، أنا مش عاوزة أكمل.. 
جيت خارجة ناداني:
- مش عاوزاني؟ بطلتِ تحبيني يا مريم! 
دموعي نزلت فجأة، مسحتها وبصتله بثبات: 
- آه مش عاوزاك، سيبني اعيش حياتي وامشي. 
- أمشي! هتقدري؟ 
مشيت وملفتش ورايا، ولا مرة. 

"بعدك هحس بمين، معقولة حب سنين.. يخلص في غمضة عين؟ لا لا لا، لا وألف لا.. ده أنا قلبي بعد غيابك تاه." 

- مريم يا بنتي أنتِ كويسة؟ 
بصيت للقهوة كانت هتفور فقفلت عليها على طول، حركت راسي بِإيجاب وأنا بمسح دموعي، ابتسَـمت ومديت لعم حسن القهوة: 
- تسلم ايدك، أمل كانت أستاذة قهوة، بتعمل قهوة تجنن.. 
اتنهِـد وهو بيبص لبعيد وبيتكلم بشغف: 
- كانت أمل فعلًا، عارفة كنت بقعد اشغلها أغنية أمُ كلثوم، أمل حياتي.. يا حب غالي ميتنسيش.. أمل متتنسيش فعلًا. 
ابتسَـمت بهدوء وكملت:
- اللي بنحبهم عمرهم ما يموتوا في قلوبنا. 
حرك راسه بآه وكمل:
- ولا ينفع نموت بعدهم، أنا راجل كبير ومكحكح حياتي تقف بعد مراتي عادي، إنما أنتِ صغيرة.. 
- يعني إيه؟ 
- الشاب اللي كان هنا ده يبقالك ايه، حبيبك القديم؟ 
ضحكت غصب عني بزعل وكلمت:
- لأ خطيبي القديم، كنا هنتجوز بس محصلش نصيب.. 
- أراهن على إيه إنك أنتِ اللي سبتيه؟ 
اتنهِـدت بهدوء: 
- ولا حاجة، مش مضطر حضرتك تراهن.. أنا فعلًا اللي عملت كده. 
- محاولش تاني معاكِ.. 
- حاول كتير، بس عزلت، وغيرت رقمي وغيرت دايرة معارفي، قفلت دفتر قديم في حياتي وبدأت حياة جديدة. 
- الحب مش دفتر يا مريم، الحب موسوعة.. 
ابتسَـمت وكملت:
- اديني لما شفت عنيه اكتشفت إني لسه معرفتش انساه أهو يا عمو. 

"وافتكرت لما جت عيني في عينه سنيني معاه، وافتكرت وعد كان بيني وبينه زمان خدناه، وافتكرت مسكته في ايدي وايدي خلاص سيباه!"
فضلت قاعدة لبليل في المكتبة، لحد ما وقتي خلص قفلت ومشيت.. كنت حاسة إني تايهة، مش عارفة أروح فين! 

- وأنتِ هتعرفي تنسيه لو عملتِ كده! 
- حتى لو منسيتش يا رحمة، بس هو ينسى.. لازم ينسى إني كنت في حياته. 
اتنهِـدت وكملت: 
- بس دي أنانية يا مريم، مينفعش ميعرفش إن امه طلبت كده، هتطلعك وحشة قصاده.. 
- ولو عرف إيه هيتغير غير إنه هيتضايق؟ 
- كان هيتصرف.. 
- بس أنا معنديش حاجة غيرهم اعيش علشانها. 
- طب وهو؟ 
- هو عنده ناس كتير تحبه، تقف معاه وتسنده، أمه هتجوزه بنت خالته.. هيعيش حياة سعيدة! 
- أدهم هيكون تعيش منغيرك. 
- وهيكون تعيش معايا. 

"وأديك يلي افتكرت نسيت.. قابلته الليلة واتهزيت، طب ازاي فيه حاجات بتموت.. وتيجي الصدفة تحييّها" 

- مريومة جيتِ.. عارفة عملت إيه؟ 
حضنتها وكملت:
- عملتي إيه؟ 
- سخنت أنا وأنس الاكل علشان متتعبيش زيادة.. 
- طب ولما تتلسعوا
- محدش فينا صغير، بطلي تحسسينا بكده، خشي غيري وصلي وتعالي.
حركت راسي بِإيجاب مكنتش قادرة اناهد معاهم، دخلت غيرت كانوا هم جهزوا الأكل، قعدنا سوا ناكل وبعدين نور كملت:
- ممكن تسرحيلي شعري وتعمليهولي ضفيرة؟ 
- عيوني بعد الأكل هعملهولك.. 

كنت قاعدة بضفر شعرها وبفتكر ماما حبيبتي، أنا عيشت كل تفصيلة حنينة.. تضفير الشعر، حدوتة قبل النوم، ريحة الأكل كل يوم في البيت، ماما أول يوم مدرسة.. علشان كده بتمنى أعوض نور وأنس عن كل حاجة معاشوهاش، أكون معاهم دايمًا، أعوضهم كل حاجة ملحقوش يعيشوها.

***
- عاوز كتاب، ونظرة، وإجابة، وعتاب.. 
كنت واقفة على السلم بعلق لوحة، بصيت لُه بخضة وكنت هقع فكمِل بخوف: 
- مريم حاسبي.. 
مسكت في السلم بسرعة لحد ما توازنت، نزلت من على السلم فكمل بعتاب: 
- مش تخلي بالك؟ 
- هو أنتَ عبيط؟ ما أنتَ السبب خضتني وكنت هقع.. 
- كنتِ عاوزاني اكح قبل ما اتكلم؟ كنتِ هتتخضي نفس الخضة علشان حافظة كل حاجة تخصني.. 
كملت بعصبية كأنِّي ببعد عنِّي تهمة مش فيا:
- مش فاكرة عنك حاجة، دي أوهان فارغة.. 
ابتسَـم وهو بيبص على رقبتي: 
- وسلسلتي اللي لسه مقلعتيهاش أوهام فارغة؟ 
دارتها بالطرحة فكمل وهو بيبص على ايدي: 
- والأسورة اللي قلتلك متخلعيهاش طول ما أنا في قلبك أوهام فارغة؟ 
بصيت لُه بعصبية وكملت: 
- أدهم أرجوك ده مكان شغل، قول عاوز إيه وأمشي من هنا.. 
كمل كأنِّي متكلمتش: 
- طيب وعيونك، نظرتك، ملامحك وأنا معاكِ.. كل دول أوهام فارغة؟ 
- سيبني في حالي وأمشي.. 
- لأ مش هسيبك وأمشي، ملقتكيش بعد سنتين علشان أمشي.. سنتين كنت ضايع فيهم بدور على روحي اللي ضاعت مني بسببك، يا جبانة، يا أنانية.. 
عيوني دمعت وكملت: 
- طيب اللي تشوفه، أتفضل أمشي من هنا.. 
كمل وعيونه فيها ألف عتاب، فيها ألف سؤال، وحنين.. وشوق لأيامنا، أحلامنا زمان، بيتنا اللي بنيناه سوا.. واللي هديته لوحدي. 
- لو مشيت مش هرجع، أو هرجع.. مش عارف أمتى هخف منك، بس أنتِ المرض الوحيد اللي أحب كونّي مريض بيه طول العمر.. 
كمل وهو بيرفع ايده:
- حتى دبلتك متخلعتش، عارفة ليه! علشان أنا وأنتِ مش حكاية يا مريم، أنا وأنتِ مش ماضي.. مصيري أعرف كل حاجة، ومش هتنازل عن إني اسمعها منك.

"معقول حبيبي مشيت، معقول فاكرني نسيت.. لو قلبي قال حاجة، من جرحه قالهالك، ده أنا لما كنت بقول بقصد كلامي يطول يمكن تقول حاجة! اسمعها أصفهالك.. بعدك هحس بمين معقولة حب سنين يخلص في غمضة عين؟ يا حبيبي لا." 

الكوبلية كان شغال في مكان بيبيع الورد جنبنا فكمِل بابتسامة زعلانة: 
- حرام والله يخلص في غمضة عين.. 
- علشان خاطري يا أدهم كفاية، علشان خاطري بلاش.. لو لسه عندي خاطر عندك أمشي. 
كان لسه هيتكلم، بس لقيت زباين.. مسحت دموعي وبدأت امشيهم، فجأة بدأ يجي زباين، اتسحلت معاهم.. لحد ما الوقت بتاع الشغل خلص، قفلت المكتبة وببص ورايا لقيته. 

- هو أنتَ مبتزهقش؟ 
- لو أعرف إنك مبتحبنيش مكنتش جريت وراكِ، مكنتش حاولت.. بس أنا عارفك يا مريم أكتر منّي. 

هو عادي اسمحله يمشي جنبي؟ أشم ريحته من بعيد؟ أحس بوجوده حواليا! 
- بردانة؟ 
حركت راسي بنفي فضحك:
- مكنتش هقلعهولك يا ستي.. 
بصيت له ورجعت بصيت قدامي فكمِل وهو بيمدلي الچاكيت: 
- طب بطلي عبط جسمك بيتنفِض. 
- بس بقى بجد عدى سنتين! 
بصلي بزعل ورجع ربع ايده وهو ماشي جنبي: 
- أنا زعلان أوي بجد، زعلان أوي.. 
- زعلان ليه؟ 
بصلي وكمل بابتسامة: 
- صوتك لسه حلو أوي. 
بصيت لُه بأستغراب فكمل: 
- علشان حلفت إني لما أشوفك هبهدلك، ههزقك، هقولك كل الكلام الوحش.. مقدرتش.. 
اتنهِـدت وكملت: 
- يوسف ومامتك عاملين ايه؟ 
حرك راسه وكمل:
- مش عايش معاهم دلوقتي، سيبت هناك وجيت هنا بالصدفة.. 
ابتسَـم وهو بيكمل: 
- اعتقد مش صدفة، ده قَدر. 
مردتش فكمِل: 
- نور وأنس عاملين إيه؟ 
- حلوين، سألوا عنك كتير.. كنت بقولهم إن خلاص، أنس زعل أوي. 
- وأنا كمان يا أنس والله زعلت أوي. 
بصيت لُه وكملت:
- ممكن تبطل علشان بزعل؟ 
- إني زعلت؟ 
- بسببي.. 
ابتسَـم وكمل: 
- عادي، ضروري الإنسان يتوجع أوي كده لما يحب أوي. 
- حقك عليا يا أدهم، آخر حاجة أقصدها في الدنيا اضايقك.. 

"أنا بترجاك الله يجازيك، يا شاغلني معاك.. وشاغلني عليك، وإن غبت سنة أنا برضوا أنا، وإن غبت سنة أنا برضوا أنا.. لا أقدر انساك ولا ليا غنا ولا أتوب عن حبك أنا" 

فضلنا واقفين دقايق قدام بعض في الشارع ساكتين، عيوننا بس اللي بتتكلم، كُنا جنب العمارة.. فوقنا على صوت من فوق:
- أدهم! 
كان صوت أنس من فوق بصيت بغباء:
- يالهوي أنس شافك.. 
تجاهل كلامي وبصله وضحك وشاورله ينزل، وأنس مكدبش خبر حبيبي اختفى ودقيقتين لقيته بيجري من باب العمارة عليه بيحضنه:
- وحشتني اوي يا أنوس.. 
- وأنتَ كمان وحشتني أوي، مش كنا متفقين إننا ملناش دعوة بحاجة وإننا أصحاب وهتفضل تشوفني؟ 
- كلمتك كتير على رقمك ورقم نور ومريم بس كلهم كانوا مقفولين، متزعلش حقك عليا.. 
أنس بصلي بزعل وكمل: 
- مش قلتِ إن أدهم مش بيتكلم عندك؟ 
بصيت لُهم بعصبية بسيطة: 
- ما خلاص بقى أنا زهقت منكم انتوا الاتنين، يلا يا أنس أطلع.. 
- لا هقعد مع أدهم شوية. 
كملت بنرفزة بسيطة وأنا بوريله الساعة:
- يا حبيبي تقعد فين يدوب تطلع نتغدى وتخلص واجباتك وتنام الساعة 8!
- حلو يعني مش 12 وبعدين بكره الجمعة اجازة.. 
أدهم كمل وهو بينزل لمستواه:
- اولًا مبنزعقش ولا بنحط راسنا براس مريم، صح؟ 
حرك راسه بِإيجاب فأدهم كمل وهو بيبصلي: 
- ممكن اخده نتمشى شوية ونلعب بلايستيشن؟ 

الجو كان برد أوي، بصيت لُهم هم الاتنين بأستسلام وكملت وأنا بقلعله الجاكيت:
- الجو برد البس جاكيتك، واستنوا هنا هرميلك الجاكيت بتاعك.. 
حرك راسه بفرحة وكمل:
- مش هنتأخر متخافيش ولو اتأخرت برضوا متقلقيش أنا مع أدهم.. 
اتنهِـدت بتعب وسيبتهم وطلعت، وأنا طالعة خبطت على رحمة:
- اطلعيلي علشان مموتش نفسي دلوقتِ.. 
- فيه إيه اعوذ بالله.. استني هلبس الطرحة وطالعة. 

طلعت جهزت الأكل وحطيته على قد نور فبصتلي باستغراب: 
- مش هتاكلي معايا؟ 
- مش جعانة يا نونو كلي أنتِ..
بصتلي بزعل: 
- هو علشان أنس مش موجود؟ 
كملت بعصبية:
- هو أنس ماله يا نور بقولك مش عاوزة اكل فيه ايه.. 
قامت وقفت بعصبية ودخلت الاوضة وقفلت الباب بصوت عالي: 
- ماشي يا نور عنكم ما كلتوا كلكم.. 
فتحت الباب لرحمة فكملت وهي بصالي بخضة:
- هو فيه إيه يا حبيبتي أنتِ اتجننتِ؟ عماله تزعقي في الكل ليه ما تهدي.. 
- اسكتِ يا رحمة بقى سيبيني في حالي علشان حاسة إني هتجنن، هو أنا كنت ناقصة أشوفه؟ بيرجع حياتي ليه ده ما صدقت ظبطت حياتي منغيره، وأقنعت أنس إن خلاص هو مش موجود! 
اتنهِـدت بزهق وقعدت قدامي:
- أدهم! 
حركت راسي بآه وسندت راسي بأيدي على التربيزة فكملت بهدوء: 
- بقولك إيه متعمليش مصدومة، كلنا كنا عارفين إن ده اللي هيحصل وإن أدهم هيرجع وإنه هيواجهك وإن أقل حقوقه يعرف ليه.. 
- لأ يا رحمة فكرت الموضوع كده خلص.. 
- طب ومقلعتيش حاجته ليه يا حبيبتي لما هو خلص؟ 
كملت بعصبية:  
- هو فيه إيه كلكم بتحاسبوني ليه، ألا ما حد فيكم كان فاهم أنا بعدي بأيه من أول اللي حصل! محدش راح قاله وخلصني من عذاب إني أسيب الراجل الوحيد اللي بحبه.. 
- مريم محدش مضطر يقوله لما أنتِ تبقي مش عاوزة تقوليله فأهدي شوية واقعدي. 
- مش هقدر احس بذنب إني عرفته! مش هقدر أقوله أمك قالتلي ابعدي عن ابني وعن حياته وانه مش هيقدر يصرف على تلات يتامى! اقوله روح قاطع أمك علشان ست قليلة الأدب؟ 
باب الاوضة اتفتح فجأة ولقيت نور واقفة مربعة ايديها وشعرها منكوش شوية وعنيها حمرا:
- يعني أنتِ سيبتي أبيه أدهم علشان مامته؟ 
اتنهِـدت بزهق وشاورت لرحمة بسخرية: 
- أتفضلي دي بقى اللي كانت ناقصة فعلًا.. لا تصبحوا على خير أنا معنديش طاقة.

سيبتهم ودخلت الأوضة، قفلت عليا بالمفتاح، خرجت الصندوق بتاعي من فوق الدولاب وقعدت على الأرض.. الحمدلله سمحت لنفسي وأخيرًا أعيط، صور بابا وماما، صوري مع بابا وماما، صور خطوبتي، الهدايا اللي كانوا جايبينهالي.. والهدية اللي خبيتها وأنا برجعله حاجته.. فردت كل حاجة قدامي وقعدت أعيط، ليه كده بس! مش صغيرة على إني استحمل كل ده لوحدي! بابا وماما والراجل اللي بحبه.. ليه أعيش لوحدي وأنا مع الكل! 

- تعرفي يا مريم؟ أنا مبحلمش بيوم غير اليوم اللي هشوفك فيه بفستان الفرح.. 
- بفكر أفصله، ولا اشتريه؟ 
رفع حاجبه وكمل: 
- يعني على حسب الستايل، بس اعتقد فصليه.. أنتِ يتفصلك كل حاجة مخصوص.. 
خرج حاجة من جنبه وكمل: 
- بالمناسبة؛ دي كمان متفصلالك مخصوص.. معمولة علشانك. 
بصيت لُه بأستغراب، وأخدت الهدية من ايده.. فتحتها لقيتها سلسلة، جميلة أوي.. مكتوب عليها اسمي! 
- يا خبر يا أدهم! دي جميلة أوي.. 
- علشان مريم تستاهل كل الجميل.
ابتسَـمت بهدوء وكملت: 
- بحبك. 
- وأنا بحبك موت موت.. 

فتحت عيني على صوت هبد الباب، صحيت لقيتني نايمة مكاني على الأرض، كنت بردانة أوي.. حواليا الحاجة وماسكة السلسلة بأيدي، فتحت الباب لقيت نور وأنس بيحضنوني. 
- أنا آسف مكنتش أعرف إنك هتزعلي كده.. 
- أنا مكنتش أعرف إنك متعصبة أسفة بجد. 
حضنتهم وبوست راسهم وكملت: 
- انتوا ملكوش دعوة، أنا بس كنت متضايقة شوية.. اكلتوا! 
حركوا راسهم بلأ، بصيت في الساعة لقيتها 12 كملت بخضة:
- يا خبر طيب يلا ناكل الوقت اتأخر اوي.. 

- بكره عندك شغل؟ 
حركت راسي بنفي: 
- عمو حسن قالي مبنفتحش الجمعة.
- يبقى نقعد سوا نتفرح على فيلم.. 
حركت راسي بماشي وضحكت: 
- ايوه بإذن الله، بس هو انتوا عندكم طاقة تصحوا؟ 
- نمنا بالنهار علشان نسهر شوية. 
حركت راسي بماشي وكملت: 
- أدهم خد رقمي منك يا أنس؟ 
فضل ساكت مردش فكملت:
- مش هتعصب.. 
اتنفِـس بأستسلام وحرك راسه: 
- آه، وسابلك رقمه. 
حركت راسي بماشي وكملت أكل..

قعدنا سوا اتفرجنا على فيلم، وبعدها كل واحد دخل ينام.. مسكت الموبايل لقيته بيرن: 
- وحشني يظهر إنك رديتِ.. 
ابتسَـمت غصب عني وكملت وأنا بخرج البلكونة لقيته واقف تحت البيت فأتخضيت: 
- أنتَ بتعمل إيه هنا؟ 
- بشبَع عيوني منك علشان لو قررتِ تختفي فجأة.. 
- ممشتش بمزاجي. 
فضل ساكت ثواني وبعدين أخد نفس وكمل: 
- مقولتليش ليه قبل ما تمشي السبب وسيبتيني اختار.. 
اتعدلت في وقفتي فجأة فكمِل: 
- رحمة ونور حكولي اللي حصل لما كنا تحت، رحمة كان معاها رقمي كلمتني علشان تقول لأنس يجي.. لما أصريت عليها حكتلي، سمعت صوت نور مصرة تتكلم.. أخدت الموبايل وحكتلي النقاش اللي حصل بينكم. 
- أنا هدخل اهزقها علشان أنا مطلبتش منها تعمل كده! 
كمل بجمود بسيط:
- مش هتكلمي حد فيهم، ولا هتتكلمي أصلًا تاني.. ولا هتتصرفي لأنك مبتعرفيش تتصرفي. 
- هو أنتَ ليه بجد والله؟ 
اتنهِـد وكمل وهو بيتسنِد على عمود نور:
- علشان بحبك.. 
- طب حاسب من عند العمود قلتلك تسعين مرة متسندش على عواميد نور، وامشي روح بيتك الجو برد.. 
كمل بضحكة بسيطة: 
- قلقانة عليا ولا إيه؟ 
بصيت لُه وبعدين شيلت الموبايل من على ودني وبصيت لُه بغلاسة ودخلت وقفلت ورايا باب البلكونة، بصيت عليه من الشباك لقيته ضحك.. لف وشه ومشي. 
بس أنا محدش قالي إنِّي مش هعرف أنسى الولد اللي حبيته من وأنا في تانية ثانوي، لما عيوني وقعت عليه فجأة بالغلط لقيته باصص عليا.. 
أول دقة قلب، 
أول حب في حياتي، 
أول ولد اتكسِف لما أبصله وأنزل عيوني لتحت.. 
أول واحد يقولي بحبك، 
وأول واحد يصرح بحُبه ليا قدام بابا ويضرب بعصاية المقشة.. 
وبعدها بسنتين يقعد يقرأ معاه فاتحتي عادي! 
عمر ما حد قالي إن الحب جميل كده، وإن يوم ما نقع لأول مرة مش هنعرف نخرج تاني، 
وعمر ما حد قالي إن فيه رجالة حلوة.. الحقيقة أدهم هو كل الرجالة الحلوة في عنيا.
***
عدا حوالي تلات شهور، معرفش إيه اتغير فجأة! كل حاجة رجعت زي الأول.. بس بابا وماما مرجعوش.. كان أنس واقف جنبي ماسكني من إيد ونور من الايد التانية.. وهو واقف قدام الباب مبتسِـم، لابس بدلة جميلة أوي شبهه.. قرب منِّي بهدوء وأخد ايدي من ايد أنس وباسها وبعدين باس راسي: 
- وادي اللي في خيالي بيحصل قصادي، حبيبي جنبي وفي حضني الليلة دي.. 
ضحكت بهدوء وبصيت في الأرض بكسوف فرفع راسي بِأيده وكمل:
- أنتِ عارفة إنك أول وآخر بنت في حياتي؟ لا عرفت أبص لبنت غيرك، ولا عرفت أحس بمشاعر ناحية أي انسانة في الدنيا غيرك، مقدرتش اتكلم مع واحدة تانية.. أنتِ البدايات والنهايات وكل حاجة حلوة يا مريم. 
مكنتش عارفة أقول إيه فأخدني بحضنه وهو بيتنفِس نفس طويل، كأنُّه كان بيعبر عن راحته وأخيرًا في النفس ده: 
- أنتَ تعرف إني بكره الرجالة، بس أنتَ الراجل الوحيد بعد بابا وأنس اللي أقدر أديله روحي! 
- أنتِ روحي يا مريومي. 

"كل الطُرق لِلهرَب مِنك تُؤدي إليك، فَـ.. لِأين سأهرُب!" 

                  الفصل الثاني من هنا
تعليقات



<>