
رواية اسميتها ريحانه الجزء الثاني2من عشقت محتالة الفصل الخامس عشر15بقلم سلمي جاد
كانت تجلس أمام المرآة تتزين، فاليوم هو يوم حنتها، لكن لم تكن بالسعادة التي تتخيلها، بل كانت شاردة تنظر لنقطة وهمية في الفراغ، لدرجة أنها لم تشعر بفتون التي دخلت عليها الغرفة وهي تدندن مع صوت الأغاني الصادر من أسفل.
فتون: «زينة شباب العيلة الحيلة الحلوة دي جابت رجليه»
قطبت فتون حاجبيها باستغراب عندما لاحظت شرود ريحانة، لتهتف:
«ريحانة»
انتفضت ريحانة بخضة: «فتون! إنتي هنا من إمتى؟»
«ده إنتي سرحانه خالص ،فيه حد يبقى سرحان كده وبكره فرحه؟»
ابتسمت ريحانة ابتسامة باهتة ولم تعلق.
لترفع فتون حاجبها بدهشة: «ريحانة، مالك يا حبيبتي؟ هو إنتي وسليم متخاصمين؟»
ضمت ريحانة شفتيها لثوانٍ وهي تحاول منع البكاء، إلا أنه قد فاض بها، لتنفجر فجأة والدموع تنهمر دون توقف من عينيها.
فتون بصدمة: «في إيه يا ريحانة؟ متقلقينيش أكتر من كده، احكيلي.»
ريحانة ببكاء: «سليم متغير معايا أوي يا فتون، من ساعة ما فرحنا اتحدد، كأنه بقى شخص تاني.»
اقتربت فتون وهي تربت على كتفها بمواساة: «طيب اهدي يا حبيبتي واحكيلي.»
بدأت ريحانة في السرد: «على طول بقى سرحان ومش بيتكلم معايا، حتى مش معايا في تجهيزات فرحنا. أنا حاسة إنه مبقاش يحبني.»
أردفت فتون: «إيه اللي بتقوليه ده؟ سليم بيموت فيكي. احكيلي بس كل اللي حصل.»
بدأت ريحانة في السرد مواقف سليم معها في الأسبوع الماضي.
فلاش باك
في شركة الدالي جروب، وخصوصًا مكتب سليم، كانت ريحانة تجلس على الأريكة الموجودة بركن المكتب، وبيدها كتالوج فساتين الأفراح تتأملهم بحيرة، لتردف فجأة:
«يا سليم، تعالى بقى تعالى اختار معايا. أنا محتارة ومش عارفة أختار أنهي موديل.»
تحدث سليم الجالس أمام مكتبه، وبيده اللابتوب يعمل عليه بتركيز: «أنا مش بفهم في الحاجات دي يا ريحانة. اختاري إنتي وابعتيه للمصمم.»
نفخت ريحانة بضيق وهي تقول: «ماشي يا سليم، براحتك.»
نظر لها سليم بجانب عينيه ليجدها تركت الكتالوج من يدها وهي تنظر أمامها بغضب.
تنهد، ومن ثم نهض واقترب منها حتى جلس بجانبها، وهمس بصوته الرجولي: «ريحانة.»
لم تجب، بل ظلت صامتة وهي تنظر أمامها.
ليقول سليم بصوت هادئ: «ريحانة، متزعليش مني، بس أنا مضغوط الفترة دي في الشغل، عشان عارفة، عشان أعرف آخد إجازة طويلة بعد فرحنا.»
ظلت ريحانة على صمتها، ليكمل سليم: «طيب، إنتي عارفة إحنا هنسافر شهر العسل بتاعنا فين بعد الفرح؟»
بدأ الغضب يتلاشى من ملامحها، لتنظر له بفضول: «فين؟»
«أمريكا... أنا عارف إننا مشينا بسرعة، لكن المرة دي هفسحك فيها حتة حتة.»
ريحانة بفرحة: «بجد؟»
أومأ برأسه بابتسامة، يتأمل فرحتها، ليسمعها وهي تقول: «عارف يا سليم ليه انبسطت؟ إنت هتروح أمريكا.»
نفى علمه بالإجابة، لتقول: «عشان دي البلد اللي اتأكدت من مشاعري ناحيتك. دي البلد اللي اعترفتلي بحبك فيها، وعشنا فيها مغامرات وأحداث كتير، رغم إنك مقعدتش فيها مدة طويلة. دي البلد اللي شوفت فيها شخصيتك الحقيقية اللي بتحاول تداريها ورا قناع برودك . عشان كده بقيت أشوفها بطريقة تانية، بقيت أعتبرها رمز حبنا يا سليم.»
صمت سليم وهو يسمع كلماتها المؤثرة، بلع ريقه بمرارة، ليحمحم بخشونة قائلًا: «طيب إيه؟ مش هتفرجيني على فساتين الفرح عشان نختار سوا؟»
التقطت الكتالوج من على الطاولة بحماس، وبدأت تشير له على أفضل الموديلات التي رأتها، بينما هو كان يسمعها، ولكن عقله مغيب، وبداخله يردد كلمة واحدة:
«أنا آسف يا ريحانة، غصب عني.»
عودة للواقع
قالت فتون بحيرة: «طيب ما هو صالحك واختار معاكي الفستان أهو، وهو الصراحة عنده حق يا ريحانة. هو مشغول ومضغوط عشان مين؟ مش عشانك وعشان يقضي معاكي وقت حلو بعد الفرح؟»
أومأت ريحانة برأسها بشرود، لتكمل: «طيب هحكيلك حاجة كمان حصلت من كام يوم، قبل ما آخد إجازة من الشركة عشان تحضيرات الفرح.»
قالت فتون: «قولي.»
ريحانة: «بصي، في يوم كنت قاعدة في مكتبي بشتغل عادي، وفجأة...»
فلاش باك
كانت تجلس بمكتبها تكتب على اللابتوب بهدوء، حتى قاطعها دخوله من باب مكتبها، وما إن وقع نظرها عليه حتى ابتسمت بحب ونهضت:
«سليم.»
اقترب منها بخطوات هادئة حتى وقف أمامها مباشرة، وسند بظهره على حرف المكتب.
ريحانة بابتسامة : «أنا هندلت الصفقة الأخيرة وخلاص، مش ناقص غير نعمل الاجتماع ونمضي العقود.»
ابتسم بجانبية ونظر لها بصمت، لتقطب حاجبها باستغراب: «مالك؟»
«أصلي بفكر قد إيه أنا محظوظ إن حبيبتي بتفهم في شغلي، وكمان بتعملي مكاسب فيه.»
هزت ريحانة كتفيها بتمثيل التكبر: «عشان تعرف بس قد إيه إنت محظوظ.»
داعب خصلات شعرها بمرح ليقول: «بس للأسف مش هتحضري الاجتماع ده.»
ريحانة بدهشة: «ليه؟»
اقترب منها وأمسكها من كتفها بحنية: «عشان حبيبتي المفروض تاخد إجازة من النهارده لحد الفرح عشان تستعد وتروق دماغها.»
ريحانة باعتراض: «بس...»
«مفيش بس، دي أوامر.»
ابتسمت بجانب فمها وهي تنظر داخل عينيه السوداوين: «إيه ده بقى يا سليم بيه؟ إمتى هتأمرني من دلوقتي؟ أومال بعد الجواز هتعمل إيه؟»
تغيرت ملامح سليم فجأة وعاد لشروده، لتلاحظ ريحانة وتختفي ابتسامتها هي الأخرى، قائلة بضيق: «سليم.»
همهم بخشونة.
«إنت مش ملاحظ إنك بتتغير أول ما بقول حاجة لها علاقة بحياتنا بعد الجواز؟»
عاد سليم لوعيه وقال بسرعة: «مفيش الكلام ده، أنا بس سرحت في حاجة.»
ربطت يديها أمام صدرها وقالت بشك: «حاجة إيه؟»
نظر لها بعمق قائلًا: «هو إنتي كنتي عايزة فرح؟ يعني زعلتي لما اتفقت مع والدك إننا منعملش فرح؟»
تنهدت ريحانة وقالت بابتسامة حزينة: «الصراحة آه، أنا طول عمري كان نفسي أعمل فرح كبير يكون زي الروايات، بس...»
نظرت له بعيون تلمع من الحب: «بس مش مشكلة، أهم حاجة إننا هنتجوز ونعيش مع بعض لآخر العمر، صح؟»
أومأ برأسه وهو يجبر نفسه على الابتسامة: «صح، أهم حاجة نكون سوا.»
ومن ثم قال: «أنا هروح مكتبي بقى عشان أخلص شوية شغل، وبعدين أجيلك وأروح البيت.»
أومأت برأسها، ليغادر سليم المكان، بينما بقيت ريحانة تنظر لأثره بابتسامة عاشقة، ثم تنهدت وعادت لمكتبها لاستكمال عملها.
لكنها توقفت فجأة عندما تذكرت أن عليها تسليم ملف الصفقة لسليم، لتلتقطه على الفور وتتوجه لمكتبه. وعندما كانت على وشك الدخول، سمعت صوته يأتي من الداخل بوضوح بسبب الباب الذي كان يتركه مفتوحًا.
سليم متحدثًا في الهاتف: «عايزك تحجزلي طيارة مسافرة على إيطاليا بعد يومين.»
«مش مهم أي درجة، المهم إني أسافر وخلاص.»
بلعت ريحانة ريقها بصدمة وعدم تصديق مما تسمعه... إيطاليا؟ لماذا يريد السفر لإيطاليا في يوم زواجهم؟ أليس من المفترض أن يسافرا إلى أمريكا؟
غادرت المكان فورًا، وعيناها تلمعان بالدموع. لم تعد تفهم ما يدور بداخله، أصبحت الآن متأكدة أنه يخفي عنها شيئًا.
عودة للواقع
فتون باستغراب: «إيطاليا؟ وبعد يومين؟ يعني يوم فرحكم؟»
ريحانة بحزن: «أنا مبقتش فاهماه ولا عارفة هو بيفكر في إيه.»
فتون بتفكير: «طيب إنتي سمعتيه وهو بيتكلم في الموبايل، قال كام تذكرة؟ يعني هو بس اللي هيسافر ولا عايز تذكرة كمان؟»
ريحانة باستغراب: «مش عارفة، بس ليه بتسألي»
«يا بنتي، ما يمكن دي من ضمن المفاجأة اللي هيعملهالك بعد الفرح. يمكن عايزكم تسافروا لإيطاليا الأول وبعدين تروحوا أمريكا.»
ريحانة بحيرة: «تفتكري؟»
هزت فتون رأسها بتأكيد: «أكيد طبعًا يقصد كده.»
ومن ثم قالت: «يلا بقى يا عروسة، امسحي دموعك عشان الميكب ميسيحش، ويلا ننزل. دي البنات مولعين الدنيا تحت. يلا يا ريري، النهارده حنتك.»
أومأت ريحانة برأسها بابتسامة: «حاضر.»
وبعد تعديل مكياجها، اتجهت مع فتون للأسفل، حيث تقام حفلة الحنة.
_____________________________________________________________
دخل ردهة القصر ليجد سعد جالسًا يقرأ الجرنال، ليقول بابتسامة: «إزيك ياعمي؟ أومال سليم فين؟»
تنهد سعد بضيق: «أهلًا يا ياسين، كويس إنك جيت، عشان أنا تعبت مع الإنسان اللي فوق ده.»
قطب ياسين جبينه باستغراب: «سليم؟ ماله؟ أنا بتصل بيه من أول اليوم ومش بيرد.»
«البيه طاحن نفسه في الشغل ومبيجيش غير وش الصبح، بذمتك دي عمايل عريس بكره فرحه؟»
أومأ ياسين برأسه: «طيب يا عمي، أنا طالع أشوفه.»
صعد ياسين درجات السلم حتى وصل إلى الطرقة، ومن ثم وقف أمام جناح سليم، دق الباب بهدوء ثم دخل.
قطب جبينه بدهشة عندما وقع بصره على الجناح، كان الظلام الدامس يغرق المكان إلا من ضوء القمر الطبيعي القادم من الشرفة. مسح المكان بعينيه حتى لاحظ خيال شخص يجلس على الأريكة. اقترب ياسين بخطوات بطيئة حتى وقف أمامه ليراه بوضوح، يجلس بدون حركة، كأنه تمثال، مرتديًا ثيابًا سوداء، رافعًا رأسه لأعلى وعيناه مغلقتان.
«سليم.»
لا رد.
أعاد ياسين النداء، ولكن بصوت أعلى هذه المرة.
فتح سليم عينيه القاتمتين كسواد الليل، تلمعان في ظلام المكان كأنهما ماسة.
سليم بصوته الرجولي الذي يدب الهيبة في النفس: «إيه اللي جابك؟»
«جاي أشوفك. معقول ده احتفالك إن بكرة فرحك؟ ده النهارده آخر يوم في حياة العزوبية، يعني المفروض نحتفل.»
نهض سليم بتثاقل من الأريكة، ثم بدأ في فك أزرار قميصه وهو يتوجه لحمام الملحق بالجناح: «أنا داخل آخد شاور عشان رايح الشركة.»
نظر ياسين للساعة الملفوفة حول معصمه بدهشة: «دلوقتي؟!»
سليم ببرود: «أيوة، لازم أخلص كل الشغل اللي ورايا قبل ما أسافر.»
ربت ياسين بمرح وهو يصفعه في كتفه: «أيوة يا عم، هتبقى مشغول في شهر العسل، مين قدك. ارزقني يا رب.»
نظر سليم له بصمت قبل أن يحول نظره عنه، وهو يتحدث بنبرة باردة: «أنا مسافر إيطاليا بكرة.»
ياسين بتفكير: «إيطاليا حلوة برضه لشهر العسل و...»
كاد أن يكمل قبل أن يتصنع مكانه عندما قاطعه سليم قائلًا ببرود: «أنا مسافر إيطاليا لوحدي.»
ياسين بصدمة: «إزاي؟ وريحانة؟»
ظل سليم على صمته، ينظر لياسين بعينين قاتمتين، ولا يوجد على وجهه أي رد فعل.
مرت ثوانٍ قبل أن يقول ياسين بهمس وعدم تصديق: «سليم، أنا أكيد اللي جه في دماغي غلط..»
بلع سليم ريقه بصعوبة، لكنه قال بصرامة: «أنا هنهي كل حاجة بكرة.»
ياسين بصدمة: «سليم، إنت لسه حاطط في دماغك فكرة الانتقام من أدهم السويسي؟»
سليم بغل: «أنا عمري ما نسيت عشان أفتكر دلوقتي.»
ياسين بغضب: «لا، لازم تنسى. إنت بتحب ريحانة، مستحيل تعمل فيها كده وتكسرها.»
ضغط سليم على أسنانه حتى برز خط فكه الحاد: «أنا محبتهاش.»
ياسين بصدمة: «نعم؟»
سليم ببرود: «كل ده كان تمثيل، ضمن الخطة اللي حطيتها.»
ياسين بغضب أعمى، اقترب منه وأمسكه من ياقة قميصه: «وإيه هي الخطة بقى؟ توقعها في حبك وبعدها تكسرها وتمشي؟»
نظر سليم بنظرة باردة كالجليد: «برافو عليك يا ياسين.»
ولكن فجأة دوى صوت لكمة قوية، يليها صمت قاتل يقطعه أنفاس كلاهما العالية.
رفع سليم يده ليمسح خط الدم بجانب فمه إثر اللكمة التي تلقاها من ياسين، ثم نظر له بغضب.
بينما قال الآخر بغضب: «إنت غبي، وهتضيع كل حاجة من إيدك. أنا فكرت حبك لريحانة هيغير تفكيرك ويمحي الشر اللي جواك، بس للأسف كنت غلطان.»
سار نحو باب الغرفة ليتجه للخروج، ولكن قبل أن يغادر استدار وقال ببرود: «اعمل حسابك، أنا مش جاي للفرح بكرة. مستحيل أشارك في اللعبة القذرة دي.»
ثم غادر المكان تحت أنظار سليم، الذي وقف ينظر لأثره ببرود، بينما أنفاسه العالية تنافي قناع البرود الذي يرسمه.
_____________________________________________________________
في صباح يوم جديد مليء بالأحداث.
استيقظت جميلة على صوت أدهم وهو يتحدث بالهاتف في أمور العمل، لتنهض ببطء وتقترب منه حتى وصلت خلفه تمامًا، لتضمه من ظهره بحب وهي تغمض عينيها براحة.
أما أدهم، فعندما شعر بضمها، ابتسم وهو يمسك يدها بحب، بينما استمر في التحدث في الهاتف حتى أغلق الخط.
التفت لها بهدوء، ثم اقترب وقبّلها من جبهتها، قائلًا: «صباح الخير يا حبيبتي.»
«صباح الفل. إيه، سمعتك بتتكلم في شغل. إنت نازل الشركة النهارده؟»
أومأ برأسه بتأكيد: «آه، للأسف عندي اجتماعات مهمة، هخلصها وأجي علطول.»
عبست بضيق: «معقول يا أدهم؟ حتى يوم فرح بنتك وراك شغل؟»
ابتسم بجانب فمه وهو يحاوط كتفها: « صدقيني مش هتأخر، أوعدك. هكون هنا عالظهر، ماشي؟»
ابتسمت جميلة بدفء: «ماشي.»
ليكمل أدهم: «أنا اتفقت مع الشركة اللي هتنظم الفرح، هتيجي كمان ساعة كده تبدأ في تزيين القصر.»
«ماشي يا حبيبي.»
لكنها صمتت فجأة وهي تراه يهندم بدلته أمام المرآة، لتقترب وتقف بجانبه قائلة برقة: «أدهم.»
همهم بخشونة، لتقول: «إنت كويس؟»
ترك المشط من يده وهو يقول: «آه يا حبيبتي، فيه إيه؟»
«مش عارفة، حساك مش طبيعي. ولا تكون زعلان عشان ريحانة هتسيبنا النهارده وتروح على بيت جوزها؟»
ابتسم أدهم وهو يضمها: «عايزة تفهميني إنك مش زعلانة؟»
تنهدت جميلة: «اسكت يا أدهم، أنا بحاول أتوه الموضوع كل ما ييجي في بالي... معقول يا أدهم، ريحانة مش هتنام النهارده في أوضتها؟ معقولة من النهارده بنتي مش هتبات معانا تاني؟»
لامس وجنتها بحب: «حبيبتي، دي سنة الحياة. مش إنتي اللي كنتي بتحلمي عن اليوم ده؟»
أومأت برأسها بابتسامة، ليكمل: «وبعدين أنا عايز نجوز ريحانة، وبعدها على طول نجوز يزن، والبيت يفضى علينا.»
ضحكت جميلة برقة على حديثه، ليضمها أدهم بحب وهو يربت على ظهرها بحنية، بينما تنهد بضيق، فهو بالفعل يشعر بقبضة في قلبه منذ الصباح، لا يعلم سببها.
_____________________________________________________________
حلّ المساء سريعًا، ليعلن عن قدوم ليلة ستغيّر ترتيب كل شيء.
عند ياسين، كان يقف أمام المرآة يهندم بدلته، والتي كانت عبارة عن قميص أبيض، وجاكت كحلي مع بنطال من نفس لون القميص، وحذاء كلاسيك أسود.
التقط عطره الخاص وبدأ بالرش على رقبته وقميصه، وما إن انتهى حتى التقط هاتفه المحمول والمحفظة، وخرج من باب الشقة متوجهًا نحو باب الشقة المقابلة.
سحب نفسًا عميقًا قبل أن يدق الباب دقات خفيفة. ثوانٍ، وفُتح الباب لتظهر هي.
ملاك على هيئة بشر، كما همس ياسين. تعالت دقات قلبه وهو يتأمل جمالها الأخاذ في فستان أزرق ذي لمعة خفيفة أبرزت بياضها الناصع، مع حجاب أبيض رقيق يزين وجهها الملائكي.
ضمت شفتيها بخجل عندما لاحظت نظراته المسلطة عليها، وبدأت في فرك أصابعها بتوتر عندما استمر الصمت في المكان.
أما ياسين فكان في عالم آخر، اشتاق لها بشدة، نعم، فهو لم يرها منذ أسبوع بعد آخر مرة عندما اصطحبها لقصر السويسي، باستثناء مرة واحدة جاء بنفسه ليخبرها الخبر السعيد، وهو نجاح خلعها من مازن، وكان ذلك في اليوم التالي. كان يعلم أنها كانت تتهرب منه طوال الأسبوع الماضي بسبب ما قاله في ذلك اليوم، حيث لقبها بخطيبته، وبالرغم من أنهما لم يتناقشا في الموضوع، إلا أنها اختفت الأيام الماضية، وكانت ترسل له إياد بعض الوقت كل يوم لكي يلعب معه، لذلك كان الصغير إياد هو حلقة الوصل بينهما. لذلك طلب من إياد أن يخبرها بأن تأتي معه يوم عقد قران سليم وريحانة، وهي أجابت بالموافقة.
حمحمت برقة ليفيق الآخر على صوتها، ويقول بصوت هادئ: «اتفضلي.»
دخلا المصعد سويًا، ليحل الصمت مرة أخرى، باستثناء صوت الأسانسير وهو ينزل الطوابق المختلفة.
لتكسر ياسين الصمت بصوته الخشن: «إياد نام؟»
أومأت برأسها بابتسامة: «أيوة، معاد نومه جه، بس طنط نادية جارتنا قالتلي أسيبه ينام عندها لحد ما أجي.»
هز رأسه بتفهم، ليسمعها تقول بصوتها الرقيق: «بس واضح إنك إنت وسليم صحاب أوي.»
ابتسم بخفة: «إحنا أكتر من إخوات وملناش في الدنيا غير بعض.»
ليهمس بصوت منخفض: «بس هو غبي، لكن أنا مقدرش مكنش معاه في يوم زي ده.»
آيات باستغراب: «نعم؟»
هز رأسه بنفسه: «ولا حاجة.»
وصل المصعد أخيرًا للدور الأرضي، ليخرج ياسين أولًا وتتبعه آيات للسيارة.
كان يقود بهدوء في شوارع القاهرة البهية بأضوائها المبهجة، خصوصًا مع حلول الليل، فكانت نسمات الهواء القادمة من الشرفة تبث الراحة والهدوء في النفس. مد يده نحو الكاسيت، لتأتي بالصدفة أغنية تعبر عن حالته معها.
موسيقى هادئة يتبعها...
اللي مصبرني عليك، إن أنا شايف في عينيك
حب العالم ده بحاله، خليك على كده خليك
حرمت عليّ النوم، شيّلت القلب هموم
وإنت ولا حتى في بالك، طولت عليّ اليوم
نظر لها بجانب عينه، والحيرة مرتسمة على ملامحه، وعيناه تترجانها أن ترأف بحاله.
وادي حالي معاك، تعبني هواك بقالي كتير
يا ليالي طوال، على ده الحال بقالي كتير
أغمضت آيات عينيها بحيرة، لا تعلم حقيقة مشاعرها، فبسبب تجربتها السابقة أصبحت تهاب الحب. التقت عيناهما لثوانٍ، وصوت المغني في الخلفية يكمل.
أنا شايفك وإنت بعيد، شوقك عمال بيزيد
أول ما عينيك تقابلني، أسمع صوت التنهيد
الحب عليك مكتوب، ولا فيه في الحب هروب
ريح بالك وإتكلم أنا زيك برضو بدوب
أكملت الأغنية في الخلفية، بينما ظلت آيات صامتة، غارقة في حيرتها.
_____________________________________________________________
في قصر السويسي
تم تحويل القصر بالكامل استعدادًا لحفل كتب الكتاب، فقد قامت شركة ترتيب الأعراس بتحويل المكان لأفخم القاعات. كان القصر مزينًا من الداخل والخارج على طراز يجمع بين الرقي والبساطة، فكانت أغلب الديكورات باللون الأبيض، كالبلالين والشموع والزينة التي تزين القصر من الخارج.
حتى المسبح لم يخل من البلالين والأضواء الذهبية، بينما زينت الأشجار بأضواء كريستالية جعلت كل من يراها يظن أنها أشجار صناعية، بينما تواجد العديد من الطاولات يجلس عليها المقربون في العائلة. كانت موسيقى هادئة تعمل بالخلفية، أضافت للمكان سحرًا ورومانسية. فقد كان زفافًا بسيطًا يجمع الحبايب والأقارب، بدون المبالغة التي نراها اليوم.
نزلت درجات السلم بهدوء، وهي ترفع طرف فستانها الذي كان باللون الوردي، بلمعة بسيطة زادت من جمال صاحبته، يتسدل بقصة من عند الخصر لينتهي عند نهاية ركبتها بطبقة دانتيل مماثلة للدانتيل الموجود على طرف الأكمام.
كانت مع ريحانة من بداية اليوم تساعدها في الاستعداد، وتتجهز هي الأخرى، حتى انتهت لتتركها مع الميكب أرتست تضيف آخر اللمسات. وما إن همّت بالتوجه للخارج للترحيب بالمعازيم حتى سمعت صوت صفير إعجاب قادمًا من باب الجنينة.
رفعت نظرها لمصدر الصوت، لتجده هو يقف بهيبته وكاريزمته المعتادة، يضع كف يده في جيب بنطاله، مرتديًا بدلة توكسيدو باللون الكحلي عكس لون بشرته الفاتحة، واكتفى بمنديل أبيض في جيب الجاكت العلوي، ليزيده مزيدًا من الأناقة.
اقترب منها وهو يتأملها بحب يلمع بعينيه، ليقول: «إيه الجمال ده؟»
ابتسمت فتون بخجل، واستدارت حول نفسها وسألته: «بجد الفستان حلو عليا؟»
يزن بهيام: «يجنن.»
ليضيف بجنون: «فتون، أنا مبقتش قادر! إحنا فرحنا إمتى بقى؟ يعني سليم وريحانة اللي مبقالهمش كام شهر يعرفوا بعض، سبقونا وفرحهم النهارده.»
اقتربت منه ولمست كتفه بدلال: «اهدى يا حبيبي، كلها شهر وأخلص الجامعة ونتجوز على طول.»
تنهد بنفاذ صبر: «آاااه، نفسي أغمض عيني، أفتحها ألاقي الشهر ده عدى.»
ضحكت بمرح، ليعض الآخر على طرف شفتيه بتصنع الغضب: «اضحكي يا أختي اضحكي، ما كل ده هيطلع عليكي في الآخر.»
هزت فتون رأسها بنفي: «مش فايدة فيك.»
قاطع حديثها صوت قادم من الخارج: «العريس وصل.»
لتقول: «يلا يا يزن، العريس وصل، يلا نطلع.»
«يلا.»
قالها بنبرة حنونة وهو يمد لها كتفه، ناظرًا لها بعيون تلمع من فرط الحب، لتمسك يده، وعلى وجهها ابتسامة رقيقة، ويتوجها للخارج.
_____________________________________________________________
كان يقف بهدوء، يرفع رأسه ببرود، متجاهلًا جميع الأنظار المسلطة نحوه، فقد كان في قمة جاذبيته ببدلة توكسيدو سوداء كالفحم، أسفلها قميص أبيض ناصع، وببيونة من نفس لون البدلة تلتف حول عنقه الصلب المزين بختم الرجال. خصلات شعره الكثيفة بلونها الفحمي اللامع كانت مسرحة للخلف بدقة، مع بعض الخصلات القصيرة التي نزلت على جبينه لتضيف له مزيدًا من الوسامة والسحر.
كان يقف أدهم وجميلة ومعهما سعد وياسين، بالإضافة إلى علي وزوجته ياسمين، حول سليم، حتى اقترب أحد منظمي العرس ووجه حديثه لأدهم ويزن وسليم:
«من فضلكم ركزوا معايا. أدهم بيه ويزن بيه، حضراتكم هتطلعوا تجيبوا العروسة وتقفوا عند باب الجنينة، وحضرتك يا سليم بيه هتكون واقف قدام الباب والنور هيكون مطفي، وأول ما النور يشتغل العروسة هتخرج مع والدها وأخوها، حضرتك هتقرّب تسلّم على أدهم بيه ويزن بيه، وبعدين تبوس العروسة من رأسها وتمشي بيها بهدوء لحد ساحة الرقص عشان ترقصوا الرقصة الأولى، تمام؟»
أومأ الجميع، وغادر كلٌّ من أدهم ويزن لأعلى، ومعهما جميلة وياسمين وفتون.
بينما بقي سليم واقفًا بمفرده، اقترب منه سعد وهو يربت على كتفه، والفرحة واضحة على ملامحه: «مبروك يا ابني، ده أسعد يوم في حياتي.»
ابتسم سليم بجانب فمه ابتسامة لم تصل لعينيه: «الله يبارك فيك يا بابا.»
سعد: «أنا هروح بقى أقعد.»
أما ياسين فربت على كتفه بهدوء، بينما هو ينظر له بهدوء: «أنا مش عارف إنت ناوي على إيه بالظبط، بس أتمنى متندمش بعدين. أنا جيت بس النهارده عشان مهانش عليّا أسيبك لوحدك يوم فرحك.»
ليتركه ويتجه للمكان الذي يجلس فيه كلٌّ من سعد وآيات وباقي العائلة.
أما سليم فنظر لأثره بهدوء، ولا يوجد على ملامحه أي تعبير. ثوانٍ، واقترب بخطوات بطيئة تجاه باب الجنينة، وكل خطوة يخطوها تقربه أكثر من غايته...
بعد لحظات، أُغلقت الأنوار ليحل الظلام على المكان وتتوقف الموسيقى، والكل متحمس لرؤية العروس. ثوانٍ، ودوى صوت طبول تدق تشبه تلك التي تُستخدم لاستقبال الأمراء والملوك.
ثوانٍ أخرى، وأضيئت الأنوار، ليرفع سليم عينيه للباب، ويراها... حورية من الجنة، بفستان أبيض خرافي، كأنه صنع خصيصًا لها، ذو فصوص لامعة متأثرة عند الصدر والأكتاف، ومن عند الخصر قماش من الحرير الناعم يحتضن خصرها النحيل، بينما انسدل باقي الفستان لينفرش على الأرضية .كانت تشبه الأميرات في إحدى القصص الخيالية.
على اليمين كان يقف أدهم، الذي يرتدي بدلة سوداء أنيقة ذات هيبة ووقار، يحتضن كف يدها الموضوع على ساعده، بينما عيناه تنظران لطفلته التي كبرت وأصبحت عروسًا، واليوم يسلمها بيده لعريسها.وعلى اليسار وقف يزن، وعلى وجهه ابتسامة سعيدة، فأخته الصغيرة التي رباها على يده تتزوج.
اقتربوا بخطوات بطيئة نحو سليم الواقف على بعد أمتار منهم، ينظر لها بنظرات مبهمة، ولكن لم يستطع التغلب على الشيء القاطن في صدره؛ قلبه الذي يدق بجنون، نبضاته المتسارعة كطبول الحرب كلما اقتربت منه خطوة، وفي الخلفية صوت حسين الجسمي:
خطوة ورا خطوة بتمشيها
دي اللحظة اللي أنا مستنيها
والأرض اللي بتمشي فوقيها
مفيش قدك يا حبيبتي عليها
اقترب سليم بضع خطوات نحوها، على الرغم من أن المُنظم يشير له من بعيد بأن يبقى مكانه، إلا أنه كان يقترب بخطوات بطيئة وعيناه مسلطتان عليها، بينما هي تنظر له بخجل وعيناها تلمعان من الفرحة.
خطوة ورا خطوة بقربلك
جاي لك علشان أفرح قلبك
وعمري اللي فات قبل ما أقابلك
مش بحسب أيامه من قبلك
مدت يدها لتعدل طرف الفستان المفروش حولها بشكل دائري، بينما أكملت كلمات الأغنية في الخلفية:
فستانك الأبيض اللي هياخد منك حتة
وعشان اليوم ده رسمت عملت أنا مليون خطة
والناس بتغني والدنيا بتعزف زفة
والمزيكا تعلى ومعاها بتعلى السقفة
وصل سليم أخيرًا لهم، ليجد أدهم يربت على كتفه بقوة، وعيناه تنظران له نظرات غير مفهومة، كأنه يحذره بدون كلمات.وفعل يزن المثل، ولكن كان سلامه مختلفًا عن أدهم، فقد ربت على كتفه بابتسامة دافئة وغادر مع أدهم، ليتركاهم واقفين بمفردهما.
اقترب سليم منها، وعيناه السوداوان تنظران داخل عينيها الفيروزيتين بعمق، كأنه يريد الاحتفاظ بتلك النظرة بداخله. اقترب منها بشدة وقبّلها من جبينها، ولكن لم يبتعد، بل ظل على حالته لثوانٍ، شفتيه مطبقتين على جبينها وأنفاسه الساخنة تضرب في وجهها. ليبتعد أخيرًا بعد دقيقة كاملة عندما لاحظ المنظم المسؤل عن تنظيم الزفاف وهو يؤشر له أن يبتعد،كان المنظم على وشك الإصابة بجلطة، فسليم لم يلتزم بأي من أوامره.
حبيبتي وعمري وأميرتي
يا بكرا اللي ماددلي إيديه
يا قصري وبيتي وجزيرتي
وحلم قدرت أوصل ليه
وصلا أخيرًا لمنصة الرقص، ريحانة تضع يدها على ساعد سليم وتسير بجانبه ببطء، حتى أصبحا في منتصف المنصة، لتجده يضع ذراعه بالكامل ويلفه حول خصرها، بينما ظل متمسكًا بيدها الأخرى بين كفه العريض، وتكمل كلمات الأغنية في هذا المقطع المعدل بالذكاء الاصطناعي، فتم تبديل الاسم الموجود بالأغنية، وهو ليلى، باسمها... ريحانة.
وقالوا الشعر عن ريحانة
وكتبوا في سحرها دواوين
وأنا وريحانة بقينا لبعض
في دنيتنا سوا عايشين
ريحانة بصوت منخفض: «سليم، أنا فرحانة أوي، ده أسعد يوم في حياتي.»
نظر لها سليم بصمت، عيناه تنظران بداخل عينيها بعمق غريب، قبل أن يسحب رأسها ويضعها بداخل صدره، وهو يتمايل مع نغمات الأغنية.
انتهت الأغنية، لتتعالى التصفيقات الحارة لهذا الثنائي، وتتغير الأغنية لإحدى الأغاني الرومانسية، ويطلب الشاب الواقف عند الـDJ من جميع الكابل الانضمام لساحة الرقص.
نظر ياسين للجالسة بجانبه، تتأمل الكابل وهم يرقصون بابتسامة خفيفة، ليقترب منها قليلًا بصوت منخفض: «نرقص؟»
فتحت آيات عينيها بدهشة: «نعم؟»
ولأن ياسين كان يعلم تمامًا أنها سترفض، لم يعطها فرصة، ومسك يدها الموضوعة على الطاولة وسحبها.
وقفت وهي تنظر حولها بتوتر، تشعر وكأن جميع الحاضرين ينظرون لهما، بينما ياسين كان في عالم آخر، يمسك بيدها، الاثنتان بين كفيه. لم يرد أن يضع ذراعه على خصرها حتى لا تتوتر أكثر، ليكتفي بمسك كف يدها الرقيق الذي كاد يختفي بين كفه الصلب.
رفعت نظرها نحوه لتنصدم عندما تلاقت عيناها بعينيه، لتجده ينظر لها بنظرات مختلفة، عيناه بهما لمعة غريبة، كأنه سمح لنفسه أخيرًا بالتعبير عن مشاعره.
ليهمس باسمها بشجن: «آيات.»
ابتلعت ريقها بصعوبة: «نعم؟»
تصلب جسدها وسارت البرودة في مفاصلها عندما أكمل، بحب: «أنا بحبك.»
تعالت أنفاس المسكينة، وعيناها متسعتان على مصرعيهما، تريد الهروب ولكن لا تستطيع، تشعر بتيبس جسدها، ليكمل الآخر، غير مدرك لحالها: «تتجوزيني؟ وأوعدك هنسيكي كل الوجع اللي عيشتيه، واعتبر إياد زي ابني.»
تجمعت الدموع في مقلتيها، وأنفاسها السريعة كانت واضحة لدرجة أن صدرها يعلو ويهبط. كاد ياسين أن يتحدث، لكنه تصنم عندما قالت: «أنا آسفة يا دكتور، بس أنا منفعكش. أرجوك تنسى المشاعر اللي جواك ناحيتي، وأنا من بكرة همشي من الشقة وهدور على بيت تاني. أنا آسفة أوي، عن إذنك.»
نظر ياسين لأثرها بصدمة، يشعر وكأن دلو ماء ساقع سقط عليه في عز البرد، لكنه لم يكن قد استوعب صدمته حتى سمع صوتًا قادمًا من الـDJ يقول: «المأذون وصل.»
فجلس الجميع حول طاولة مستديرة ذات مفرش أبيض، المأذون في المنتصف، عن يمينه يجلس أدهم، يضع يده بيد سليم المختبئة تحت منديل أبيض، والجميع حولهم، والزغاريد تملأ المكان، خصوصًا عندما رفع المأذون المنديل وهو يقول جملته الشهيرة:
«بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير.»
وما إن أنهى المأذون جملته حتى تعالى التصفيق والتهليل والمباركات.
الجميع يهني ويبارك، وتغيرت الموسيقى لأغانٍ حماسية تعبر عن الفرحة. نهض سليم بتثاقل، كأنه تمثال، لم يشعر حتى بعبارات المباركة الموجهة له. وجهه يمتلئ بالجمود، وعيناه مسلطتان على المشهد الموجود أمامه؛ ريحانة التي تحتضن والدها، وابتسامة واسعة تزين ملامحها.
وفي هذه الأثناء، تفاجأ الجميع بسليم الذي مد يده وسحب ريحانة تجاهه. استغرب الجميع فعلته، فهو لم يكن يسحبها بشكل رومانسي، بل بشكل عدائي، كأنه ينتزعها من حضن والدها، وينظر لأدهم بنظرات مظلمة مليئة بالكره.
ريحانة بابتسامة واستغراب: «براحة يا سليم، إنت بتوجع إيدي كده.»
ظل سليم على صمته، ونظراته موجهة نحو أدهم، الذي ينظر له هو الآخر، وهو قاطب جبينه باستغراب من تغيره المفاجئ.
وفجأة، وبدون مقدمات، رفع يد ريحانة لأعلى تحت أنظار الحاضرين، الذين بدأوا ينظرون له بانتباه، قبل أن ينصدم الكل عندما ترك سليم يد ريحانة فجأة من يده، ثم دفعها بقوة نحو أدهم.
كانت ريحانة على وشك السقوط على الأرض بسبب ثقل فستانها، إلا أن أدهم التقطها على آخر لحظة، ثم نظر لسليم الذي يقف أمامه ببرود.
أدهم بغضب عارم: «إنت اتجننت؟!»
سعد بعدم فهم: «سليم، إيه اللي إنت بتعمله ده؟ إنت مش في وعيك؟»
ابتسم سليم بسخرية: «بالعكس، أنا النهارده فايق جدًا، وجاي أقفل حساب قديم... قديم أوي، بقاله واحد وعشرين سنة.»
يزن باستغراب: «حساب إيه؟ ما تتكلم بوضوح يا بني آدم إنت.»
اقترب ياسين من سليم وحاول سحبه من كتفه: «سليم، خلاص، لو سمحت تعالى معايا.»
أبعده سليم بقوة وشراسة، لدرجة جعلت ياسين يتراجع للوراء وكان على وشك السقوط. ثم بدأ في الاقتراب من أدهم، ليقف أمامه مباشرة ويقول:
«إنت تعرف أنا أبقى مين يا أدهم بيه؟»
صمت لثوانٍ قبل أن يفجر قنبلته الموقوتة: «اسمحلي أعرفك باسمي الحقيقي... أنا سليم إبراهيم السويسي يا أدهم بيه، ولا أقول يا... ابن عمي.»
اتسعت عينا أدهم على مصرعيهما، ينظر له بصدمة، وقال بعدم تصديق: «إنت سليم ابن عمي إبراهيم؟»
صمت أدهم وهو يستوعب. فقد سمع سليم يقول هذا الاسم أثناء كتب الكتاب ،لكنه لم يركز في تركيب الاسم.
بدأ المعازيم بالمغادرة واحدًا تلو الآخر، فلم يتبقَّ بالمكان سوى عائلة أدهم، وعائلة علي، وعائلة سعد.
ريحانة بعدم تصديق، والدموع تنهمر دون توقف على وجنتيها، ومكياجها أصبح ملطخًا: «أنا مش فاهمة حاجة... إيه اللي إنت بتقوله ده يا سليم؟ إزاي إنت ابن عم بابا؟»
اقترب منها سليم وقال بهدوء، وعلى وجهه غل: «هفهمك يا حبيبتي. أبويا يبقى عم أبوكي، عمه اللي هو اتسبب في إنه وصّله للسجن، ومكتفاش بكده، ده موت أمي وخلاني يتيم وأنا لسه عيل عنده عشر سنين.»
صمتت ريحانة لثوانٍ قبل أن تبلع ريقها بصدمة: «متقوليش إن الراجل اللي كنت بتحكيلي عنه، إنه قتل عيلتك، يبقى...»
قاطعها سليم: «بالظبط يا قلبي، يبقى أبوكي.»
هزت ريحانة رأسها بنفي، والدموع تغرق وجنتيها: «مستحييييل.»
قال سليم: «هي دي الحقيقة. لو مش مصدقاني، اسألي أبوكي.»
رفعت ريحانة نظرها لأدهم وقالت: «بابا، قول حاجة. إنت فعلًا كنت السبب في موت أهل سليم؟»
نفى أدهم برأسه: «كذب. مش دي الحقيقة. أمك برمجت دماغك إنك تكبر وإنت كارهني، زي ما أبوك عمل معاها، وفهمها إني السبب في سجنه. أبوك ياما حاول يأذيني ويأذي مراتي، اتسجن بسبب أعماله الفاسدة.»
سليم بجنون، بصوت عالٍ: «متجيش سيرة أهلي على لسانك»
اقترب يزن منه بغضب: «اتكلم كويس مع أبويا.»
لكن أوقفه أدهم: «سيبه يا يزن. للأسف هو جواه حقد وكره ناحيتي مبني على كذب.»
«متقولش كذب إنت اللي دمرت حياتي، إنت السبب في كل حاجة وحشة حصلتلي. إنت اللي موت أبويا بقهرته، وإنت اللي موت أمي.»
«أمك ماتت لوحدها بعد ما عرفت حقيقة أبوك اللي إنت مش عايز تصدقها.»
صمت سليم، وأنفاسه السريعة تقطع الصمت، قبل أن يرفع يده فجأة ويبدأ بالتصفيق بهدوء: «إنت تستاهل جايزة في التأليف يا أدهم بيه، بس للأسف المرة دي مش هصدقك.»
«عشان لما حاولت أسامحك زمان عشانها، رجعت لقيت أمي ميتة. كنت مستعد أتخلى عن انتقامي وأعيش أنا وأمي في سلام، ومدخلش ريحانة في انتقامنا، لكن إنت خُنت كعادتك.»
ريحانة باستغراب: «وأنا إيه علاقتي؟»
نظر لها سليم بعمق، قبل أن يقول بنبرة باردة: «إنتي كنتي أساس كل حاجة. أمي خطفتك زمان عشان تنتقم من أبوكي. أنا اللي كنت بهتم بيكي واتعلقت بيكي جدًا، سميتك ريحانة، وشوفت فيكي طفولتي اللي اتلوثت بالانتقام والكره. شوفت فيكي البراءة اللي اتسلبت مني بدري، لدرجة فكرت أسيب كل حاجة وأتخلى عن انتقامي عشانك. وفعلا رجعتك لأهلك، ولما رجعت البيت عرفت إن أمي ماتت بعد ما أبوكي كان عندها هو ورجالته.»
اتسعت عينا ريحانة بصدمة، لا تصدق كمية الاعترافات والصدمات التي تعرضت لها اليوم.
لتتكمل قهرتها عندنا قال سليم: «وقتها الانتقام بقى أضعاف جوايا، وقررت أكون أقوى ولما أكون مستعد أرجع وانتقم.»
سألته ريحانة بصوت منخفض مليء بالبكاء: «وانتقمت؟»
نظر لها سليم بعمق، عيناه السوداوان مثبتتان داخل عينيها، وبعد ثوانٍ قال: «لا، لسه فاضل آخر حاجة.»
صمت لثوانٍ، وهو يجبر نفسه على نطقها: «إنتي طالق يا ريحانة.»
ثم استدار وغادر المكان دون أن يلتفت خلفه.
الجميع في حالة صدمة وذهول، وفجأة وبدون مقدمات سقطت ريحانة فاقدة للوعي وفستان زفافها الأبيض انفرش حولها.