
رواية اسميتها ريحانه الجزء الثاني2من عشقت محتالة الفصل السابع عشر17بقلم سلمي جاد
كان يسبح بمهارة أسفل الماء حتى سمع صوت ضوضاء وأصوات عالية قادمة من الشاطئ، في البداية اعتقد أنه مجرد شجار بين أحد السياح، إلا أنه انتفض فجأة ورفع رأسه تجاه الصوت عندما سمع صوت صراخ ريحانة.
خرج مهرولًا من البحر، يركض بسرعة، فتتساقط المياه من على جسده الرياضي، بينما خصلات شعره المبتلة تلتصق بجبينه من أثر المياه.
وجد تجمعًا من الناس يقفون يشاهدون ما يحدث، ليقترب سليم بغضب ظنًا أن ريحانة قد أصابها مكروه:
«فيه إيه؟»
لكنه صمت بذهول، بينما اتسعت عيناه من أثر الصدمة من المشهد أمامه... ريحانة تجلس على الأرضية الرملية، تمسك بشعر إحدى السائحات الراقدة على الأرض، تصرخ باستغاثة.
هز سليم رأسه بعدم تصديق ليفيق من صدمته ويركض سريعًا نحوهم، أمسك بريحانة محاولًا إبعادها، لكنها كانت مصممة على قطع شعر الفتاة، لتنجح أخيرًا في آخر لحظة عندما حملها سليم من على الأرض، وفي يدها بعض خصلات من شعر السائحة.
أمسك سليم بشدة من كتفها وقال بدهشة:
«إيه اللي حصل؟ هي عملتلك إيه؟»
مدت ريحانة شفتيها بغضب ولم تجب، بينما نهضت الفتاة من على الأرض بمساعدة صديقتها، لتصرخ بحسرة وهي تمسك خصلات شعرها المقطوعة وتقول بصوت عالٍ:
السائحة:
“I can’t believe this! She’s crazy! She cut my hair and ruined my look!”
«لا أصدق هذا! إنها مجنونة! لقد قطعت شعري ودمرت مظهري!»
ليقول سليم بجدية:
“What’s the problem? What happened?”
«ما المشكلة؟ ماذا حدث؟»
كادت الفتاة أن ترد، لكنها شهقت برعب وهي تجد ريحانة ترمقها بنظرات نارية، بينما تشير إلى رقبتها بتحذير أنها ستقت.لها إن نطقت.
اقترب مدير المنتجع قائلًا بغضب:
«لو سمحت، اتفضلوا معايا عالقسم. ده اسمه تعدي على السياح.»
قطب سليم جبينه بغضب، ليمسك يد ريحانة بشدة ويجعلها خلفه، ثم قال بثقة:
«ما يمكن السائحة هي اللي غلطانة.»
المدير ببرود:
«هنعرف مين اللي غلطان في القسم.»
ثم نظر بجانب عينيه لريحانة قائلًا بقرف:
«مع إني مش محتاج أعرف، كل حاجة باينة قدامي.»
جز سليم على شفتيه بغضب، وهمس بجانب أذنه بفحيح:
«إياك، ثم إياك تبصلها النظرة دي تاني. فاهمني؟»
بلع المدير ريقه برعب، فهيبة سليم الطاغية جعلته يهتز من الخوف، ليبتعد عن سليم بتوتر، ثم قال للسائحة:
“I’m sorry for what happened, miss. Please allow me to take you to the police station so you can tell us what happened.”
«أنا آسف عما حدث، آنستي. اسمحي لي أن أتوجه بك الى قسم الشرطة حتى تخبرينا بما حدث.»
قالت السائحة برعب:
“No, no! I don’t want that. I’ll just let it go. Just keep that crazy woman away from me.”
«لا، لا! لا أريد ذلك. سأتنازل عن حقي فقط. أبعدوا تلك المجنونة عني.»
عضت ريحانة على شفتيها بغضب:
«أنا مجنونة يا بنت الـ... دول شايلينك من تحت إيدي»
أمسكها سليم من يدها واقترب هو ليقف أمامها بحماية، ثم قال بصرامة:
«مفيش مشكلة، نروح القسم زي ما إنت عايز. بس قسمًا عظيمًا لو البنت طلعت هي اللي غلطانة واتعرضت لريحانة، ليكون آخر يوم في عمرها.»
وهمس للمدير بشر:
«وعمرك إنت كمان.»
قالت صديقة السائحة بخوف:
Thank you. We don’t want to cause any trouble. We’ll leave now the Chalet ... I mean, we’ll leave Egypt altogether.
«شكرًا لكم، لا نريد افتعال مشكلة. سنغادر الآن الشاليه ...أقصد سنغادر مصر بأكملها.»
غادرت الفتيات، بينما ظل سليم يرمق المدير بنظرات نارية، ليفر المدير من أمامه هربًا من نظراته المرعبة.
تنهد سليم بهدوء، ثم استدار للواقفة خلفه وقال بحيرة:
«إيه اللي حصل بالظبط؟ كنتي بتضربي البنت ليه؟»
نفخت ريحانة بضيق، ونظرت له بغضب قائله:
«عشان قليلة الأدب وبتبص على حاجات غيرها.»
رفع سليم حاجبه باستغراب، ليقول بحيرة:
«حاجات إيه اللي كانت بتبص عليها؟»
لكنه وجد ريحانة تغادر فورًا من أمامه دون رد، وركضت إلى غرفتها لتتركه يقف وحيدًا، ينظر أمامه بدهشة وعدم فهم.
_____________________________________________________________
في القاهرة
كانت فتون تقف في ركن في إحدى الشقق، تمسك بكتالوج الديكورات وتنظمه بعملية، فهي تعمل كمهندسة ديكور.
اقترب شاب يتأملها بإعجاب واضح وناداها : «بشمهندسة فتون.»
رفعت نظرها عن الكتالوج وقالت:
«نعم يا أستاذ باسم، فيه حاجة معينة عجبتك؟»
«آه، أعتقد الاستايل اللي وريتيه لخطيبتي كان كويس.»
ابتسمت:
«تمام، حلو أوي. هكلم الصنايعية عشان يبدأوا التنفيذ، وإن شاء الله شهر بالكتير والشقة تكون متشطبة.»
تنهد بينما نظراته تتفحصها:
«أنا واثق فيكي يا فتون.»
ابتسمت فتون ابتسامة لم تصل لعينيها، فهي لم ترتح لهذا المدعو باسم، فمنذ رؤيته لها أول مرة وهو يلحقها بنظراته الجريئة.
استدارت وأعطته ظهرها، بينما تركيزها كله مصبوب في الكتالوجات، تحدد بالقلم ملحوظات على الديكورات. ليتقدم منها ببطء، ومد يده على كتفها، كاد أن يلمسها بقذارة، لكنه سحب يده سريعًا عندما سمع خطوات خلفه.
قالت تقى، خطيبته، بابتسامة وهي تتمسك بذراعه:
«حبيبي، أنا مبسوطة أوي، الشقة تجنن.»
هز رأسه بتوتر:
«هي فعلًا جميلة.»
ثم توجهت بحديثها لفتون:
«بجد تسلم إيديك يا بشمهندسة، إنتي بديكوراتك خليتي الشقة في حتة تانية ،أنا مكنتش متخيله إنها هتطلع بالجمال ده .»
ابتسمت فتون:
«أنا مبسوطة إنها عجبتك، وإن شاء الله لما كل الديكورات تركب، الشقة هتبقى أحلى كمان.»
قال باسم بابتسامة، وهو يتأمل فتون من أعلى لأسفل بجرأة:
«أنا متأكد إن البشمهندسة هتخلي البيت قطعة فنية، كفاية ذوقها.»
دوى صوت رنين هاتف فتون، لتخرجه من جيبها وتنظر للشاشة ثوانٍ، وابتسمت عندما وجدت اسم «يزن» يضيء الشاشة، لتقول:
«طيب يا جماعة، أنا كده خلصت معاكم. هستأذن أنا، ولو غيرتوا رأيكم في أي حاجة تخص الديكورات، عرفوني.»
استدارت لتغادر، ولم تلاحظ نظرات باسم المتفحصة لها، وعلى وجهه ابتسامة خبيثة.
غادرت الشقة ونزلت درجات السلم، بينما تضع الهاتف على أذنها وتقول:
«ألو، يا حبيبي، أنا خلصت شغل.»
ليأتيها صوته الرجولي الذي تعشقه:
«طيب يا قلبي، ابعتي لوكيشن عشان أجي أخدك ونخرج.»
أردفت فتون بفرحة: «بجد هتخرجني ... فين؟»
«لا، مش هقولك.»
مدت شفتيها بتذمر:
«أخص عليا يا يزن، قول بقى.»
«قولتلك مفاجأة. يلا، أنا جايك في الطريق... بحبك.»
ارتسم على وجهها ابتسامة دافئة:
«وأنا كمان.»
_____________________________________________________________
في الغردقة
فتحت باب غرفتها استعدادًا للخروج وحضور الاجتماع، وأثناء غلقها للباب سمعت صوت باب الجناح المقابل يفتح. استدارت برأسها لتجده... سليم.
تلاقت عيناهما لثوانٍ، لتلاحظ ريحانة هيئته الجذابة، حيث كان يرتدي كنزة ثقيلة باللون البني، ملائمة لأجواء الخريف التي بدأت بالظهور، مع بنطال جينز باللون الأسود.
أما سليم فتأمل هيئتها اللطيفة، حيث كانت ترتدي فستانًا باللون الأحمر الدافئ من قماشة الجوخ، بأكمام واسعة، وحزام حدد خصرها النحيل. ترفع خصلات شعرها على هيئة ذيل حصان كعادتها، بينما اكتفت بوضع توكة كريستال على شكل ورقة شجر في مقدمة رأسها، مما أعطاها شكلًا لطيفًا.
قال سليم بابتسامة خفيفة وهو يقترب منها:
«يلا بينا.»
أومأت ريحانة برأسها بهدوء، وانطلق سليم بينما كانت هي تسير خلفه. رفعت عينيها خلسة تتأمل مظهره الخلفي؛ ظهره المفرود، خطواته الواثقة، عطره الخاص الذي يملأ المكان. كل تلك الأشياء سببت الفوضى والارتباك بداخلها.
وصلا لقاعة المؤتمرات الموجودة بنفس المنتجع. دخل سليم أولًا وتبعته ريحانة. كان المكان عبارة عن غرفة واسعة ذات دهان رصاصي سادة، يتدلى من السقف نجفة كريستالية عملاقة، بينما في المنتصف توجد طاولة ضخمة حولها العديد من الكراسي يجلس عليها مستثمرون ورجال أعمال.
تقدم سليم وسحب كرسيًا لريحانة لتجلس عليه، ثم سحب كرسيًا بجانبها وجلس هو الآخر.
بدأ الاجتماع، والجميع يتناولون الأحاديث العملية، حتى قاطع حديث الجميع دقات على الباب، تبعها دخول شاب وسيم.
اقترب الشاب بابتسامة خفيفة:
«أنا آسف يا جماعة على التأخير، أنا مراد المحمدي، صاحب المنتجع.»
كان مراد شابًا في نهاية العشرينات، ذو بنية رياضية واضحة وملامح جذابة، يشبه الأجانب الى حد كبير، حيث يمتلك عيونًا زرقاء كموج البحر وبشرة بيضاء، مع شعر بني كثيف يصل لنهاية أذنه.
سحب مراد كرسيًا وجلس بهدوء وهو يفك زرار بدلته، وقال بصوته الرخيم:
«تقدروا تكملوا الاجتماع.»
أكمل سليم حديثه عن خطة الإنتاج، بينما مراد كان يجلس ينصت له بانتباه، لكن بالصدفة رفع عينه ليجد ريحانة أمامه... ثوانٍ وبلع ريقه بصعوبة وهو يتأمل جمالها الأخاذ، ملامحها الأنثوية الرقيقة، عينيها ذواتي اللون النادر، شعرها الأسود الطويل.
همس مراد بابتسامة دافئة:
«مش معقول، إيه الجمال ده؟»
أنهى سليم ما يقوله، ثم نظر لريحانة الجالسة بجانبه بابتسامة عاشقة، اعتدل في كرسيه، لكن فجأة اختفت ابتسامته عندما وقعت عيناه على مراد الجالس في الكرسي المقابل له... جزّ على أسنانه بقوة، وانطلقت شرارات الغضب من عينيه الفحمية عندما لاحظ نظراته المسلطة على ريحانة، ليرمق المدعو مراد بحدة ويقول:
«أستاذ مراد، أنا شايف حضرتك مش مركز في كلامنا وسرحان. خير؟ سرحان في إيه؟»
حمحم مراد بإحراج وهو ينظر لريحانة:
«لا، أبدًا، مفيش حاجة.»
استلم رجل أعمال الأخر باقي الحديث ،بينما قبض سليم على كف يده بشدة عندما لمح مراد ما زال يتأمل ريحانة وابتسامة خفيفة على وجهه.
ليقول بنبرة غاضبة:
«أستاذ مراد.»
نظر له مراد بانتباه:
«أيوة.»
«اعذرني، بس فيه سؤال عايز أسأله.»
أومأ مراد بابتسامة:
«أكيد طبعًا، اتفضل يا سليم بيه.»
«إنت إيه اللي مقعدك معانا؟ عرفنا إنك صاحب المنتجع اللي قاعدين فيه، تمام، بس إيه سبب حضورك الاجتماع؟»
كاد مراد أن يرد، لكن قاطعه أحد رجال الأعمال الذي تدخل في الحديث:
«مراد بيه مش بس صاحب المنتجع يا سليم بيه، ده من أشهر رجال الأعمال في الغردقة، ده غير إنه من المستثمرين في سلسلة شركات الأدوية اللي بتتصدر برة مصر.»
قال مراد بابتسامة خفيفة:
«سليم بيه طبعًا أشهر من النار على العلم، بس أنا يعتبر مبخرجش من الغردقة خالص ومقيم فيها، ومجتش فرصة مناسبة أقابل حضرتك ونتعرف.»
نظر سليم له بابتسامة سمجة ولم يعلق.
انتهى الاجتماع بعد فترة، ونهض الجميع. اقترب سليم من ريحانة حتى يغادروا سويًا، لكن ناداه أحد رجال الأعمال ليتحدث معه في أمور العمل. استمر سليم لدقائق معدودة في الحديث، ليستدير برأسه بالصدفة، ثوانٍ واتسعت عيناه بغضب وهو يلمح مراد يتحدث مع ريحانة.
أما عند ريحانة، فكانت تجمع الملفات على الطاولة، ثم وقفت بانتظار سليم وهي تنظر له دون وعي، تتأمل هيبته وهو يتحدث مع رجل الأعمال. فهي طوال الاجتماع كان اهتمامها كله مسلطًا عليه، تراقب طريقة حديثه، نظراته، وهيبته الطاغية، لكن قاطعها في أفكارها صوت يأتي من خلفها:
«يا آنسة.»
استدارت وقالت باستغراب:
«أيوة؟»
قال مراد بابتسامة:
«هو حضرتك سكرتيرة سليم بيه؟»
نفت ريحانة برأسها:
«لا... أنا أبقى المدير التنفيذي لشركة السويسي جروب.»
مراد بانبهار:
«ثواني... دي بتاعت أدهم السويسي؟ بس مش كان هو اللي ماسك الإدارة؟ متهيألي.»
أومأت برأسها بابتسامة:
«ما أنا استلمت الإدارة مؤخرًا بصفتي بنته.»
اتسعت عيناه:
«مش معقول! إنتي بنت أدهم السويسي؟ فرصة سعيدة جدًا يا آنسة.»
قالت ريحانة بهدوء:
«ريحانة.»
صمت مراد وهمس باسمها كأنه يتذوق حروفه، ليقول بعد ثوانٍ:
«آنسة ريحانة، ممكن تقبلي عزومتي على العشا...»
كاد أن يكمل الجملة حتى شعر بسخونة رهيبة خلفه ،وأنفاس حاره تصتدم برقبته من الخلف، تبعها صوت سليم الخشن، والذي ازداد رهبه بسبب الغضب:
«مراد بيه، تسمحلي أعدّي؟»
قطب مراد جبينه باستغراب، فالمكان واسع من حوله، إلا أنه رجع خطوتين، ليتفاجأ بسليم يمر بجانبه، ثم فجأة دفعه بكوعه الصلب ليتراجع مراد للخلف، وهو يسمع سليم يقول بأسف مصطنع:
«أوووه، سوري، مخدتش بالي.»
اقترب سليم من ريحانة، ثم فاجأها بوضع يده على كتفها وجذبها نحوه بشدة، وقال بابتسامة دافئة،وهو ينظر داخل عينيها:
«يلا بينا نطلع الأوضة.»
اتسعت عينا ريحانة من الصدمة، ولم تكد تستوعب ما فعله حتى جذبها سليم وخرج من القاعة بسرعة، تحت أنظار مراد الذي يتابعهم بنظرات حزينة، وهو يقول بخيبة أمل:
«يا خسارة .. يلا مليش نصيب، شكلهم متجوزين.»
_____________________________________________________________
في القاهرة، عيادة الدكتور ياسين برهام
كان يفحص أحد الأطفال، وما إن انتهى حتى نزع سماعته الطبية وقال لأم الطفل:
«عنده أزمة شعبية، هكتبلك شوية أدوية، وياريت ما تعرضيهوش لهوا بارد قدر الإمكان.»
«تمام يا دكتور.»
خرجت الأم برفقة طفلها.بينما جلس ياسين خلف مكتبه والتقط الموبايل، ثم فتحه، لكن ثوانٍ وارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه وهو يتأمل خلفية الهاتف، فكانت صورة مأخوذة في إحدى المطاعم، تجمعه بآيات وإياد، حيث يمسك هو بالهاتف على وضع السيلفي، وبجانبه آيات تبتسم برقة وخجل، وبينهما إياد يضحك بمرح.
لمس ملامحها بإبهامه على شاشة الهاتف، يلمس ملامحها الرقيقه بيده، ثم تنهد تنهيدة مليئة بالمشاعر وأعاد الهاتف مكانه.
وفي هذه الأثناء، دخلت الممرضة وعلى وجهها ابتسامة خبيثة.
ياسين بجدية:
«فاضل كام حالة برة؟»
«فاضل خمسة يا دكتور، بس فيه واحدة برة عايزة تدخلك.»
قطب جبينه باستغراب من طريقة حديثها:
«ما تدخليها، فيه إيه؟»
الممرضة بابتسامة ماكرة:
«أصلها بتقول إنها خطيبتك.»
اتسعت عينا ياسين بصدمة:
«إييه؟!»
لم يكد يفيق من صدمته حتى لمحها تظهر من خلف الباب. ابتلع ريقه بصعوبة وهو ينظر لها نظرات هائمة، مرت ثوانٍ قبل أن يفيق على صوت حمحمة الممرضة التي تكتم ضحكتها بصعوبة.
حمحم ياسين بإحراج:
«خلاص، اتفضلي إنتي.»
خرجت الممرضة، بينما دخلت آيات وسارت بخطوات بطيئة نحو ياسين الواقف أمامها، ونظراته مسلطة عليها.
وقفت أمامه مباشرة وقالت برقة:
«إزيك يا دكت...»
صمتت ثواني وهي تعض على شفتيها بخجل، ثم قالت بنبرة هامسة لكنها وصلت لمسامع ياسين، الذي اتسعت عيناه من الصدمة:
«إزيك يا ياسين.»
وضع ياسين يده على قلبه الذي ينبض بسرعة رهيبة، وقال بتعب:
«ونبي براحة عليا، أنا مش حمل الصدمات دي ورا بعضها.»
ضحكت آيات برقة، ليعض ياسين على شفتيه وهو يتنهد:
«يا لهوي، دي بتضحك كمان! طيب أعمل إيه في نفسي؟»
آيات بخجل حقيقي، وهي تفرك أصابعها بتوتر:
«دكتور ياسين، أرجوك بس.»
اقترب منها بسرعة وقال بلهفة:
«لا، دكتور إيه؟ أنا مش عايز أسمع كلمة دكتور دي منك تاني. عايز أسمع ياسين... ياسين وبس.»
أومأت برأسها بخجل، ثم قالت بتوتر:
«أنا عارفة إن من وقت ما عرفتني وأنا مصدرالك الوش الخشب، وإنت رغم كده مستحملني.»
تنهد ياسين وقال بصوت هائم:
«أنا مستعد أستحملك العمر كله يا آيات.»
نظرت لأسفل وقالت:
«أوعدك الفترة الجاية هتغير وأحاول أعبر عن اللي جوايا ومخافش... عشان أنا قضيت سنين كتير خايفة... بس كفاية بقى كده.»
ثم نظرت بعينيها نحوه، لتجده ينظر لها بعينيه البنيتين، نظرات كلها حب ولهفة وغرام ، لتتغلب على توترها وتقول:
«أوعدك يا ياسين إني مش هخاف تاني بعد النهارده. طول ما إنت جنبي أنا هبقى أقوى واحدة في الدنيا، ومش هخاف من حد، وهتحدى كل الصعوبات.»
همس ياسين باسمها بخفة:
«آيات.»
همهمت بهدوء، ليكمل ياسين بهيام:
«أنا بحبك.»
تعالت أنفاس المسكينة، وقبضت على يدها بشدة، تحاول فتح فمها ونطق تلك الكلمة، لكنها تجد صعوبة شديدة في ذلك، كأن هناك سلاسل حديدية تربط لسانها وتمنعها من الاعتراف.
آيات بتلعثم:
«أنا... أنا...»
أشار ياسين على فمها بخفة وهو يقول بحب:
«ششششش... أنا مش عايز أسمعها منك دلوقتي. هسمعها لما تكوني مستعدة، وصدقيني اللي عملتيه النهاردة كفاية عندي. أي نعم، أنا طماع وعايز أكتر... بس معلش، نستحمل عشان خاطر القمر ده.»
ضحكت آيات بخجل، ليقول ياسين بحب:
«أنا لسه فاضلي كام حالة. إيه رأيك تقعدي قصادي على الكنبة لحد ما أخلص؟ أنا عارف إن إياد لسه في الحضانة وإنتي في البيت لوحدك.»
أومأت برأسها وقالت برقة:
«ماشي.»
جلست آيات على الأريكة، وبعد دقائق بدأت الحالات بالوفود، بينما هي تراقب ياسين وطريقة معاملته مع الأطفال؛ صبور ولطيف لأقصى حد، بينما هو من حين لآخر يختلس النظر تجاهها، لا يصدق أن ما يعيشه الآن... واقع.
_____________________________________________________________
وصل سليم أخيرًا لممر الغرف، ليقف في المكان الفاصل بين غرفهم، وفي هذا الوقت تحديدًا شدت ريحانة يدها من قبضته، فهو ظل ممسكًا بيدها منذ خروجها من قاعة الاجتماعات وصولًا لممر الغرف.
ريحانة بغضب:
«تقدر تفهمني إيه اللي إنت عملته تحت ده؟»
رفع حاجبه ببرود:
«عملت إيه؟»
عضت ريحانة على شفتيها بانفعال من بروده، لتقول وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
«والله يعني متعرفش!؟ إيه اللي إنت عملته قدام مراد ده؟ هيقول عني إيه؟»
اقترب منها بغيره واضحه، قائلًا بصوت عالٍ:
«نعم يا أختي؟ مين مراد ده كمان اللي هعمله حساب ولا هاخد بالي من تصرفاتي قدامه؟»
ثم كشر بخشونة قائلًا:
«ثم اشمعنا يعني مهتمية بشكلك إيه قدام اللي اسمه مراد ده؟»
فتحت فمها بدهشة من كلماته، لتؤشر بسبابتها أمام وجهه بتحذير:
«سليييييم .....أولًا خد بالك من كلامك وركز في معناه كويس، ثانيًا أنا مقصدش مراد بعينه، أنا مسمحلكش تتصرف معايا كده قدام أي حد، أيا كان مين.»
وأثناء ما كانت تسترد أنفاسها المقطوعة من أثر الانفعال، شهقت فجأة عندما اقترب سليم على غفلة وقبّل إصبعها المرفوع في وجهه.
ابتعدت وهي تضم شفتيها بخجل، وقد بدأ وجهها بالاحمرار، لتقول بتلعثم:
«إنت... إنت...»
ابتسم بجانب فمه بمكر:
«أنا إيه؟»
قالت بتوتر:
«إنت قليل أدب ومستفز!»
لتغادر فجأة من أمامه وتدخل لغرفتها وتغلق الباب في وجهه بعنف.
نظر سليم للباب المغلق أمامه بتركيز، ليقول بتحدٍ:
«ماشي يا ريحانة، احرقي دمي واختبري غيرتي زي ما إنتي عايزة، بس هنشوف مين فينا اللي نفسه أطول وهيكمل المعركة للآخر.»
_____________________________________________________________
ليلًا في القاهرة
كانت فتون تجلس بغرفتها تجفف خصلات شعرها القصيرة المبتله من أثر الاستحمام، وفي ذلك الأثناء صدر صوت رنين هاتفها بالغرفة، لتترك المجفف بسرعة، على اعتقاد أن المتصل هو يزن. نظرت للشاشة بفرحة، لكن اختفت فرحتها عندما وجدته رقمًا غير مسجل. قطبت جبينها باستغراب وأغلقت الخط، فهي معتادة على عدم الرد على أرقام غريبة.
عادت لتجفيف شعرها، لكن الاتصال استمر أكثر من مرة، لتضطر فتون للرد أخيرًا.
«ألو.»
جاءها صوت من الجهة الأخرى:
«ألو، إزيك يا فتون؟»
قطبت جبينها باستغراب:
«مين حضرتك؟»
«إنتي معرفيش صوتي؟ عمومًا، أنا باسم اللي كنتي بتعملي ديكورات شقته من كام ساعة.»
نفخت بضيق وقالت باقتضاب:
«أيوة يا أستاذ باسم، فيه حاجة؟»
«أنا عجبني أنا وتقى خطيبتي كام استايل من اللي عرضتيهم علينا النهارده، واتفقنا نروح الشقة دلوقتي عشان نشوفهم في الطبيعة.»
رفعت حاجبها بحيرة وهي تنظر على ساعة الحائط لتجدها الثامنة مساءً:
«دلوقتي؟»
ليردف باسم بخبث:
«أيوة، أصل أنا بكرة مسافر سفرية شغل وهقعد أسبوع، فلو استنينا لحد ما أرجع هنكون اتأخرنا، وإنتي عارفة فرحنا قرب ومحتاجين الشقة تتشطب بسرعة.»
صمتت لثوانٍ بتفكير قبل أن تأخذ قرارها:
«تمام يا أستاذ باسم، نص ساعة وأكون عندك.»
أغلقت الخط ونظرت أمامها بشرود... إذا أخبرت يزن، لن يوافق بالتأكيد على خروجها في هذه الساعة المتأخرة. نظرت حولها بحيرة قبل أن تنهض فجأة قائلة:
«أنا مش هقوله، أحسن عشان ميقلقش على الفاضي. أنا كده كده مش هتأخر، يادوب هشوف الديكورات وأمشي على طول.»
لذلك قررت عدم إخباره. توجهت نحو الدولاب واختارت فستانًا أسود مريحًا، وارتدت ملابسها سريعًا، ثم خرجت من الغرفة استعدادًا للخروج.
خرجت للصالة لتجد علي وياسمين يجلسون أمام التلفاز.
قالت فتون:
«بابا، ماما، أنا خارجة.»
علي بابتسامة:
«خارجة مع يزن؟»
بلعت ريقها بتوتر، فهي لم تتخيل أنه سيسألها، لذلك قالت بسرعة:
«أ... أيوة، هنتعشى سوا.»
ياسمين بابتسامة:
«ماشي يا حبيبتي، اتبسطوا، بس متتأخروش يا روح قلبي.»
أومأت برأسها:
«حاضر، أنا همشي بقى.»
خرجت من الشقة وهي تدعي في نفسها أن يمر الوقت بسلام، لكنها لم تكن تعلم ما ينتظرها بعد قليل.
بعد نصف ساعة، ترجلت من التاكسي أمام البناية. نظرت أمامها بتوتر، ثم سحبت نفسًا عميقًا وهي تحاول تهدئة نفسها قبل أن تقرر الدخول.
صعدت السلالم بهدوء، ومع كل سلمة كانت تشعر بشعور غريب يتملكها. كان هناك كارثة على وشك الحدوث.
حتى وصلت أمام باب الشقة. مدت يدها لتطرق الباب، لكنها تفاجأت بالباب يفتح فجأة، ليظهر من خلفه باسم:
«نورتي يا بشمهندسة، اتفضلي.»
فتون بتوتر:
«أومال الآنسة تقى فين؟»
«تقى جوا.»
ثم مال برأسه للخلف:
«يا تقى، يلا تعالي عشان بشمهندسة فتون جت عشان توريكي الديكورات.»
أدار وجهه لها ،ناظرًا بمكر:
«شكلها مش سامعاني. اتفضلي إنتي ادخلي وأنا هناديها من جوا.»
ثم دخل هو أولًا واختفى.
أومأت فتون برأسها، وقد بدأ الخوف يتسلل لقلبها.
خطت أول خطوة داخل الشقة، وما إن استدارت حتى وجدت باسم يظهر من العدم ويغلق الباب بقوة، وعلى وجهه ابتسامة خبيثة وهو يقترب منها ببطء:
«أخيرًا بقينا لوحدنا.»
فتون برعب:
«فيه إيه يا أستاذ باسم؟ إنت قفلت الباب ليه؟ وفين الآنسة تقى.»
ضحك الآخر بسخرية:
«هو أنا مقولتلكيش؟ ماهو مفيش تقى... تقى نايمة في بيتها في سابع نومة.»
ثم ضحك بشدة وهو يقترب أكثر:
«إحنا لوحدنا في الشقة.»
هزت فتون رأسها برعب، وكادت أن تفتح فمها لتصرخ، حتى اقترب باسم سريعًا ووضع يده على فمها يكتم صراخها، ثم حملها تحت مقاومتها واتجه لإحدى الغرف.