
رواية اشباح المخابرات الجزء الثاني2الفصل التاسع والعشرون29 بقلم ايه محمد رفعت
أبقى رأسه منصوبًا، لم يحرك رقبته، يبقي على رقبته رهينة لدى نصل سكينها الحاد، بإرادته الكاملة، بل وما يزيد غريمه غيظًا ابتسامته الواثقة التي تحتل ثغره الماكر.
مرت "قُدس" من جواره، ومازال سكينها موضوعًا على عرقه النابض برقبته، باتت الآن قبالته تتطلع له بنظرةٍ احتبست فيها الغضب والكراهية، وغيظها الذي تمرد ليتسابق بالظهور في مُقلتيها.
سلط عينيه فيها، وصمته الثقيل وابتسامته الثابته تشن هجومها عليها، فاذا بها تتعمد أن تغرس طرفها الحاد بجلد رقبته، فتدفقت بضعة قطرات من الدماء لتلوث قميصه الأبيض الظاهر من أسفل جاكيته، ومع ذلك هاتفها ببرودٍ:
_بتمنى دمي اللي بيتصفى بين ايديكي يطمنك إني بني آدم مش ريبوت!
أبقت على يدها التي تطول رقبته، وقالت بحدةٍ:
_بتظلم الريبوتات لما بتجمعهم معاك، على الأقل بيتمتعوا بالذكاء اللي أكيد متعرفش عنه حاجة.
تخلت عنه الابتسامة الهادئة، واحتلتها موجة من الضحك، يتبعها خشونة نبرته:
_الآلة ما هي الا وعاء، بتشيل فيه اللي بنخزنه في ذاكرتها بايدينا، شكلك محتاجة كورس مكثف عن الروبوتات يا عيون الغزال!
استفزها تغزله الصريح بعينيها، وأكثر ما يغضبها أنها لم تكن مرته الأولى، شددت من وضع السكين على رقبته وقالت:
_معنديش خلق أسمع كلامك المستفز ده، إفتحلي الباب ده حالًا وخليني أمشي من هنا بهدوء، وده لمصلحتك إنت.
_وإلا؟
سؤال بارد تحرر منه وهو يطالعها بعدم مبالاة، فاستطردت لتثير توتره:
_رقبتك تحت ايدي، هتندم لو فضلت مكمل في طريق العناد ده.
رفع طرف عينيه لها، وقال باستنكار:
_يا دكتورة هو إيه اللي مش مفهوم في كلامي، بقولك خلاص بقيتي مراتي رسمي!
غرزت السكين بحدةٍ جعلته يبتسم في سخرية، زادت من إغاظتها:
_ده في شرع مين ده؟
رد ببروده الثقيل:
_لو حابة أتجوزك تاني وتالت بالطريقة اللي ترضيكِ معنديش أي مانع!
احتقنت مُقلتيها بفتيل الغضب، وما أن طال بها حتى وجدت ذاتها تفكر جيدًا فيما يريد ذلك الخبيث فعله، وبالطبع لن تسمح له أن يسجل هدفًا عليها.
قررت التعامل بذكاءٍ كما اعتادت، فتركت سكينها ومضت صوب أحد المقاعد، جلست تراقبه بنظرة باردة، فيما يهتف:
_إيه سر الهدوء الغريب ده؟
شيعته بنظرة ساخطة، وباستهزاء قالت:
_بستوعب المهزلة اللي أنا فيها، جيت هنا أعالج حالة معرفش امته وفين وازاي ارتبطت بيها، والمضحك إني لازم أتقبل الوضع ده بالإجبار!
وبمكرٍ يُدرس قالت:
_أنا حتى معرفش عنك أي حاجة!
استند على ذراعيه وردد:
_بسيطة نتعرف!
جلست على الأريكة تضع ساقًا فوق الآخرى، وهى تتطلع أمامها بثبات، ومن ثم حررت قولها الصارم:
_لو هنبدأها تعارف، معنديش مشكلة أديك فرصة، بس بشروطي أنا.
ضم شفتيه معًا بمكرٍ، وفاه:
_آوه، وشروط أميرة القصر إيه؟
اجابته بكل قوة:
_أولًا أنا مش عبدة عندك عشان تحبسني هنا، ثانيًا وبحكم إني دكتورة فأنا متأكدة إنك بتحقني بشيء غريب بيخليني أفقد السيطرة على نفسي، فده لو اتكرر مرة تانية اعتبر إن فرصتك معايا انتهت من قبل ما تبتدي.
راقبها بغموضٍ جعلها تتمنى لو قفزت داخل عقله الخطير حتى تعلم كيف وبماذا يفكر هذا اللعين؟
ولكنه وكالعادة فاجأها بقوله الرزين:
_وثالثًا؟
هزت كتفها وهي تخبره:
_زي ما قولتلك محتاجة أعرف عنك كل حاجة، وللعلم في رابعًا وخامسًا ولحد مليون هبلغك بيهم كل ما أفتكر حاجة، فسيب بند شروطي مفتوح.
قهقه بصوتٍ مسموع، وهز رأسه بهدوء:
_هفتحلك دفتر تكتبي فيه شروطك كلها يا جميلة القصر.
واستطرد وهو يغمز لها بخبث:
_ بس بلاش تتمادي في شروطك أخاف عليكِ من وحش القلعة يتحرر فجأة ومنقدرش عليه لا أنا ولا إنتِ!
مالت بجلستها للأمام قبالته، وقالت بنظرة عميقة:
_خاف على نفسك واطمن عليا، أنا مبيتخافش عليا.
_بتحبي والدتك يا قُدس؟
صدمها بما قاله فجأة، ليقطع الحديث عنها، فاذا بها تبرق بتوترٍ محسوس، وباتقانٍ ردت بثقة:
_ومين مش بيحب مامته؟
رد بنظرات غامضة، مخيفة:
_أنا، وولاد عمي كلهم تقريبًا.
ومال برأسه قبالتها وهو يهمس بفحيح مرعب:
_لإننا ببساطة منعرفش حاجه عندهم، غير إنهم فتيات ليل!
توسعت مُقلتيها فجأة وهي ترمقه بدهشةٍ، فزرع ابتسامة خبيثة، وهو يتابع:
_بنات جميلة اختروهم بس عشان يستأجروا أرحامهم، ويمكن اغلبنا كمل بنفس النمط بس المرادي قررت أخرج عن المعتاد، حابب يكونلي أولاد بس مش بالطريقة القذرة دي.
واسترسل ليلقي بها عرض حائط من ألغام:
_هيكونلي أولاد منك يا قدس، والمرادي هتكوني معايا عشان تربيهم.
أفاقت من تأثير صدمات ما قال، ورددت بتيهة:
_بس أنت حكيتلي قبل كده إنك حبيت بنت واتجوزتها وكانت حامل وقت الحادثة.
زوى حاجبيه بدهشةٍ جعلت صدماتها تزداد تدريجيًا:
_إمته قولت ده؟! أنا مدخلش في حياتي واحدة ست غيرك إنتِ!
جابهته تذكره بإسم زوجته السابقة:
_وآيلا! اللي سميت كنترول جناحك كله باسمها!
بابتسامة واثقة وعينين ماكرتين قال:
_معرفش حد بالاسم ده!!!!
نظرة مشككة فيما يقول جعلته يغمز بمشاكسة:
_كل وحش بيحاول يوقع جميلته بطريقته، حبيت اعرفك إني عاشق ولهان وعندي تجارب سابقة، يمكن تتطمني إنك هتكوني بين ايدين أمينة وتسلمي قلبك وأنتِ مطمنة، بس للاسف مكنتيش بالسهولة اللي ظنيتك هتقعي في غرامي من أول نظرة.
واستطرد وهو يسند ظهره للخلف، يستقبل "ماتيو" الذي يحمل صينية المشروب له، ارتشف ما فيه وهو يتمتم:
_شكلي محتاج أعيد حساباتي من تاني، وأفكر في خطة جديدة توقعك في غرامي يا دكتورة!
****
عاد من بين الظلام يتمختر بمشيته، يتسلق فروع الأشجار تارة، ويقفز تارة آخرى، أرعب الطيور بخفة وانسيابية حركاته فغادرت عشها، تاركة له أجواء الغابة المُظلمة.
وبينما كان يتهادى بمشيته شعر بقبضة موضوعة على كتفه بقوة، جعلته ثابتًا في محله، وصوته فقط يتحرر عن جسده الساكن:
_لو حد غيرك اللي ثبتني التثبيتة دي كان زمان عضمه مرمي في شوال قطيفة وردي.
واستدار للخلف يتأمل من يتطلع له والقلق والخوف ينهشان عسليته، وقد سبق بسؤاله:
_إنت كويس؟
أشار "زين" على ذاته بتفاخر:
_أنا ميت فل وعشرة، ميقدروش يعملولي حاجه وإنت عارف.
وأضاف وهو يميل صوب كتف "ياسين"، يدعي بكاءه:
_الكلاب هروا قلبي بالجبن وطلعوني، رم أنت بقى عضمي بصينية رقاق باللحمة بسرعة.
احتقنت عيناه غضبًا، وهو الذي كاد أن يصيبه الجنون من شدة خوفه عليه، دفعه" ياسين" للخلف ومضى في طريقه دون أن يبالي بمن أسرع خلفه مهرولًا:
_إستنى يا شريك، بتكلم لسه أنا!!
واسترسل ومازال يهرول من خلفه:
_أنا محتاج أعرف منك إنت جيت هناك ازاي؟ واقنعوك ازاي تخش قصادي!
توقف "ياسين" واستدار له بتهكمٍ:
_ده لا مكانه ولا وقته للكلام ده.
ضحك وهو يلكز كتفه بقوة:
_بس حلوة النمرة اللي عملناها دي، على فكرة أنت كنت بتخفف ايدك عني، وإنت واهمهم إنك إيدك مطرقة، انت مكانك مش معانا هنا، إنت لازم تكون مع الممثلين، هتغطي عليهم كلهم من كتر تفانيك واتقانك للدور.
حك ذقنه باستسلام من أن يتمكن من السيطرة عليه، فولاه ظهره ومضى بطريقه، فاذا ب"زين" يسرع من خلفه قائلًا بحزنٍ واضح:
_أنا عمري ما حسبت حساب للحظة اللي أقف فيها قصادك يا جارحي، كنت بشوفك دايمًا في صفي ومحاولتش ادي فرصة لنفسي إني أشوفك خصمي أبدًا.
جاب عقله لحظة لن تُنسى، فاذا به يردد:
_في اللحظة اللي وقفنا فيها قصاد بعض رجع مشهد رحيم زيدان يترسم قدامي، اتاكدت إن مفيش خطوة خطاها معانا الا عشان يأمنا من اللي جاي، اللي حسبه وحطه في الحسبان اتحقق فعلا.
ربت "ياسين" على كتفه بقوةٍ، وقال:
_المهم إنهم منجحوش في اللي عايزينه، الموضوع طلع له أبعاد تانية يا زين، لما نوصل ارتاح شوية وهنتكلم في كل حاجة حصلت.
لمح "زين" كدمة زرقاء في وجهه المتورم قليلًا، فاذا به يتذكر لكمته الغاضبة التي نالها "ياسين" بصدر رحب، وكيف كان يمتص غضبه وتهوره بالقتال دون أن يأذيه جسديًا، رغم أنه يستطيع وإن أراد هزيمته فعلها.
فاذا به يتمتم بضيق غمر نبرته الهادئة، وهو يضمه بحزنٍ:
_تتقطع ايدي قبل ما تتمد عليك تاني يا جارحي.
ضمه "ياسين" وهو يخفي ابتسامته على طريقته بتأنيب ذاته لما حدث، رغم أنه نال اللكمات منه هو الآخر:
_تعيش وتمدها، وأعيش وأصدها يا شريك!
ضحك وهو يبتعد عنه، يمازحه:
_لا يا جارحي إنت تعيش وتمد ايدك آه بس في المطبخ يا حبيب أخوك، بطني من الجبن اشتكت وبكت وإنت اللي هتمسح عنها الدموع والجوع مع بعض.
دفعه بنفور منه، واستكمل الطريق السري المندس بين الغابات والمتصل بمقرهم الآمن:
_شوفلك طباخ غيري، أنا إعتزلت.
لحق به وهو يحاول أن يسبقه:
_قولي مين اللي جابك هناك، تيام ولا كِنان؟
أشار له ساخطًا:
_الاتنين، واللي بيحركهم اللي فوقهم.
ردد "زين" بغضب:
_عثمان التميمي!
هز رأسه بتأكيدٍ، وقابله بوقفته ليخبره:
_شوفته وش لوش.
توسعت زيتونته بدهشةٍ، بينما يتابع "ياسين":
_ نزل ساحة الحرب وش لوش، وده شيء ممتع جدًا.
وضع يديه بجيوب جاكيته وهو يشاركه ذلك الانتصار الحافل:
_يا مرحب بالعجل اللي سكاكينه كترت.
ضحك" ياسين" ومضى رفقته:
_سكاكينه هو واللي وراه، إنت لاحظت حاجه في الفيديوهات اللي اتعرضت؟
هز رأسه وبذكاء وفطنة قال:
_الفيديوهات متسجلة في مكان مختلف عن اللي كنا فيه، صوت المية كان واضح جدًا، وده معناه إنه مكان معزول والمية محاوطاه، وبيدينا معنى أوضح إن اللي بيحصل ده بيتم في المكان اللي هدفنا عليه من البداية.
أكد "ياسين" باشارته، وأفصح بجمود:
_الجزيرة! ومفتاح الدخول ليها هو عثمان التميمي نفسه!
لوى شفتيه بتهكمٍ، وتنهد:
_مشوارنا طويل يا شريك، وكله مطبات.
عاد يطرق على كتفه بقوة داعمة:
_واحنا قده ونفسنا طويل.
ابتسم "زين" وحرر يديه من جاكيته، يفتحهما قائلًا:
_ما تجيب حضن كمان انا بردان واتدفيت بيك!
دفعه "ياسين" بنزق لحق قوله الساخر:
_انت عايز تتدفى ولا عايز رقاق باللحمة ولا وضعك إيه بالظبط!! أنا بقيت حاسس إني المربية اللي طالعة تأخد بالها منك إنت وعنيدة هانم.
على ذكرها تهيأ "زين" بالعودة لمكانه، وهو يتساءل بلهفة:
_طمني عليها، فاقت ولا لسه؟
مرارة الألم دفعت الحزن بصوته:
_بتفوق وبتنام تاني.
عاد يتساءل وهو يمضي بطريقه السريع حتى يصل لها:
_سبتها لوحدها ازاي وهي بالحالة دي؟
بقى "ياسين" محله يراقبه وهو يزيح فروع الاشجار، ليفتح باب المنزل السري، بينما يخبره:
_هي مش لوحدها.
فتح الباب وولج وهو يسأله باستغراب:
_مش لوحدها ازاي؟ مين معاها؟؟!!!
*******
وصلت الطائرة للموقع المتصل بهاتف "تيام"، هبط مسرعًا كمن ينازع أسفل طوفان المياه لالتقاط أنفاسه، يحاول الصعود بكل ما يمتلكه من قوةٍ، ومن حوله رجاله المسلحون، ينتظرون اشارة واحدة لاقتحام المكان بأكمله.
ولج" تيام" من الباب الخارجي المفتوح على مصراعيه، سحب احدى الاسلحة من رجاله، ودخل وهو يوجه أمره المباشر:
_فتشوا عنها في كل مكان، ولو لاقيتوا حاجه بلغوني.
انتشر رجاله بأكملهم في المشفى السري المندس أسفل هذا المبنى المتهالك، بينما يحوم "تيام" من خلفهم، وهو يتمنى أن يرى هذا الحقير قبالته، يقسم داخله بأنه سينهي أمره على الفور، ولن يترك رصاصة واحدة بخزانة سلاحه الا واستهدفه بها.
بحث عنها بكل زواية طالته وقلبه يخفق بجنونٍ، رعبه عليها كاد أن يصيبه في مقتلٍ، يكبت زئيره داخله بصعوبة، وكل ما يتمناه أن يراها سالمة، وأن يطلب العفو منها على ما فعله من أخطاء لا تغتفر.
_المكان كله فاضي يا باشا.
جملة تحررت على لسان واحدٍ من رجاله، جعلته يهوى من أعلى سحابة أحلامه التي نسجها بعشقها الذي تجدد من بين الظلام. فاذا به يزدرد ريقه ليخرج كلماته:
_يعني إيه؟
أجابه رجل آخر منهم:
_دورنا في كل مكان، مفيش أي أثر لوجود حد هنا، الظاهر إنهم سابوا المكان قبل وصولنا بدقايق.
استدار حول ذاته بجنون، حتى ظن أنه سيقتل من حوله، فاذا بهاتفه يستقبل رسالة جعلته ينتبه فور وصولها، فتح الهاتف يتفحصه بلهفة، عسى أن تكون قد فرت قبل وصوله وتخبره الإن بمحلها.
خابت آماله حينما وجد رسالة من رقم مجهول، وبالطبع بعد قراءتها علم هوية المُرسل.
«كان نفسي أستقبلك استقبال ملوكي، بس للاسف مش فاضي، بالنسبة للي إنت جاي عشانها فهي خلاص راحت في سكة مفيش منها رجوع تاني، جزاء الخيانة وتستحقه، فبلاش تتعب نفسك وتدور عليها أو عليا..»
ألقى "تيام" هاتفه بعنفوانٍ، وهو يفرك رأسه التي كاد أن ينفجر من شدة عصبيته وغضبه، وصراخه الذي أرعب رجاله:
_مش هسيبـــــك يا كلـــــب!
******
اتبعته للداخل ومازالت لا تعلم لماذا أحضرها إلى هنا، مرت من أمامه تتفحص تلك الشقة الفاخرة القابعة بنهاية هذا المبنى السكني الضخم.
استدارت "رزان" صوب زوجها الذي يتأملها بصمتٍ ثقيل، جعلها تتساءل في حيرة:
_إنت جايبني هنا ليه يا كِنان؟
ترك الحقيبة التي تحمل ملابسها ومتعلقاتها الشخصية جانبًا، ثم مضى إليها يجيب:
_جايبك عشان أعالجك من القرف ده، قبل ما توصلي لمرحلة الادمان ده إن مكنش حصل أساسًا.
انتابها خوف قاتل مما قاله، فابتلعت ريقها وفاهت بارتباكٍ:
_إنت اللي هتعالجني؟
ابتسم ساخرًا مما قالت، وكأنها تشك أنه لن يسطيع فعلها، مضى "كنان" بالحقيبة صوب غرفة النوم المخصصة لها، وهو يتمتم بوجعٍ يعتصر أضلعه:
_ومين غيري عنده الخبرة عشان يعالجك!
وأضاف وهو يستمر بنقل ثيابها في الخزانة الخشبية:
_هنفضل هنا كام يوم لحد ما تتعافي من القرف ده يا رزان.
أخفضت عينيها أرضًا حتى لا يرى دموعها، ولكن صوتها خرج مهزوز:
_تفتكر هقدر أبطله؟
ترك ما بيده ومضى صوبها يحاوطها بحنان وقلق يدفنه داخله:
_هننجح مع بعض، أنا مش هسيبك تضيعي مني بسبب القرف ده.
تعمقت بعينيه الساحرة، تحاول أن تفيق من سحرهما المعتاد عليها، ورددت بانكسار:
_ولما إنت عارف إنه قرف وعندك الاصرار عشان تعالجني ليه بتأذي الناس بايدك يا كِنان؟
تخشبت معالمه قبالتها، بل وسحبت الكلمات عنه، جعلته يهتز بوقفته بارتباكٍ يحاول اخفاءه بحزم:
_أنا مأذتش حد، هما اللي وصلوا نفسهم لحد هنا.
منحته بسمة ساخرة ونطقت:
_حتى لو هما اللي وصلوا نفسهم للوضع ده، بلاش تكون ليهم الوسيلة السهلة اللي بتوفر ليهم القرف ده.
ترك ما بيده وتوجه للخروج وهو يتهرب من الحديث بالامر:
_كملي رص حاجتك، أنا شوية وراجع.
أوقفته مُتسائلة بحيرة:
_رايح فين؟
قال دون أن يستدير لها:.
_راجع تاني يا روز.
تركها في حيرة من أمرها وفيما سيطولها حتى تتعافى كليًا من هذا الأمر، بينما بالخارج يستقبل "كِنان" رسالة عبر هاتفه جعلته يبرق بصدمة، وفي لحظة تخفى عن الأعين دون إن يسلك باب الخروج من تلك الشقة، وكأن الأمر عاجلًا بدرجة جعلته يخرق القوانين.
*****"
كانت تجلس على الطاولة المستديرة بالمطبخ، ويدها مسنود على الرابط الذي يحيط كتفها، اتجه إليها زين مسرعًا والسعادة تكاد أن تقفز من عينيه، فمال صوبها يقبل رأسها وهو يردد بحنان وفرحة:
_حمدلله على السلامة يا ميري.
أحاطت ذراعه الذي يحيطها، وهي تميل إلى صدره تحتضنه وزُرقتها منغسمة بين عسلية من يتطلع لها من خلف زين، إلى أن قطع صمته حينما قال بصوتٍ هادئ:
_أحسن دلوقتي؟
خجلت من نظراته الدافئة، وسؤاله المهتم، فهزت رأسها وهي تجلي أحبالها:
_الحمد لله أحسن بكتير.
راقبهما زين بفتور، ثم جذب المقعد المجاور لها، وقال وهو يطرق على ذراعها السليم:
_نورت مكانك يا مروان ياشطا، فاتتك الطالعة دي بس تتعوض، المرة الجاية ألقيك قدامي على الحلبة بدل الجارحي، بس للامانة مش ضامن ردة فعلي، لذا كوني حريصة يا فتاة ويُفضل متجيش خالص في أي طالعه سبقتك أنا فيها!
وأضاف وهو يشير إلى ياسين ومن ثم لشعلة النيران:
_جارحي يلا بسرعة جهزلنا أكلة كده ترم العضم، وياريت تكون كلها لحوم بلاش جبن الله يفك عانستك وتتجوز يا شيخ.
حدجه بنظرة نارية، واذا به يخطف نظرة سريعة للاعلى، ثم عاد يتطلع له مُبتسمًا بخبث:
_عنيا يا حبيبي، بس هحتاجك تطلع في اوضة التدريبات تجبلي موبايلي عما أجهزلك العشا.
وهمس بخفوت استمعت له مرين جيدًا:
_هيكون عشاك الاخير قبل التابوت.
فرقع أصابعه بارهاق، ونهض يتثاءب:
_شوح اللحم وحمي البوتجاز واطلق روايح التسبيكات والحبشتكنات لحد ما أنزلك.
اشار باصبعه على عينيه، بينما يراقبه زين باستغراب لطاعته الزائدة عن الحد، وما أن صعد الدرج الاول حتى أشار له على ابنة عمه:
_خد بالك من البايرة عما أنزل، أوعوا تشبطوا في بعض وانا مش هنا، أتأدبوا لحد ما أرجع.
هز ياسين رأسه بتأكيد، وهمس:
_ده لو رجعت يا حبيبي.
صعد زين للاعلى، بينما اقترب ياسين منها، سحب المقعد المقابل لها وسألها بلطف:
_أخدتي أدويتك؟
رفعت زُرقتها إليه، تتطلع له على استحياء، وما تراه الآن لقطات متفرقة له وهو يحملها، ويصرخ فيها بألم وهلع، لقطة آخرى له وهو يبكي على سجادته ويتضرع إلى الله ينجيه ويدعو لها.
سحبت مرين بصرها عنه، وهي تقاوم مشاعرها التي تفيض بحبه الشديد، الذي يزداد مع الوقت بالرغم من عنادهما وحروبهما التي لن تنتهى.
ناداها ياسين بقلق حينما طالت بالصمت:
_مريــن!
رفعت عينيها له باستفهام، فعاد يسألها:
_أخدتي الأدوية اللي سبتهالك مع الباشا؟
تحرر عنها صوتها، وهي تحاول الثبات قبالته:
_أخدته في ايدي وأنا طالعه أوضتي أغير هدومي، بس نسيت أخده خالص.
خجلها الغريب جعله في حالة من الاهتمام لمعرفة ماذا يحدث معها، نصب ياسين عوده واتجه إلى الدرج، فأوقفته بسؤالها:
_صاحبك صعب عليك وقررت تساعده؟
استدار ضاحكًا بجاذبية مُهلكة:
_لا طبعًا، واحد وطالع في أحضان باباه، هساعده في أيه وهو أساسًا بيلح عليا أخده في حُضني أدفيه من البرد، أعتقد مفيش حضن أدفى واحن من الاسطورة ولا أيه؟
ضحكت بصوتٍ مسموع، وهي تهز رأسها له:
_فعلًا.
ابتسم لها بعشق ينبع رغمًا عنه، وحينما طالت النظرات بعناق بعضها البعض، استغفر ياسين داخله وتنحنح باحراج:
_أنا طالع أجيبلك الادوية، على الكومدينو صح؟
سحبت بصرها عنه بارتباك وهي تهز رأسها بخفة، فاستكمل طريقه للاعلى، حتى وصل إلى غرفتها، ولج للداخل يتجه للكوماد بخطوات متعجلة للخروج من غرفتها الأشد فتنة منها برائحتها المنعشة التي تملأها.
سحب ياسين الادوية من أعلى الكوماد المجاور للفراش الخاص بها وما كاد بالمغادرة حتى انتبه لورقةٍ بارزة من أسفل وسادتها.
توقف محله فجأة، واستدار يراقب لون تلك الورقة المميزة التي يشعر بأنه يعرفها جيدًا، وفجأة سحبها وهو يفتحها بدهشةٍ وصدمة اجتاحته كليًا حينما وجدها الورقة ذاتها التي رسمها في صغره لها بالنقاب، حينما تم اختطفهم، وحينما رآها ترتدي النقاب للمرة الأولى.(كتاب عتاولة المخابرات للطلب واتساب 01121530961)
تذكر حينما ألقوه في حبس منفرد بعدما شعروا بمدى خطورته رغم أنه كان فتى صغيرًا، تذكر حينما حمل إحدى الأوراق ، وجلس ينفس عن غضبه بما استمع إليه، ةبدأ يحرك أصابعه لينقل صورتها التي انطبعت داخل قلبه، بعينيها التي جعلتها ساحرة آخّاذة، رسم عينيها البارزة من خلف النقاب، وأسفل رسمته وجد ذاته يدون
«إني أحبك بعدد ما في الرافدين من قطراتِ
وبحجمِ ما غنى العاشقون من آهاتِ
وأنتِ في الأرض آخرُ الملكاتِ
وأنا أحبك بقدرِ ما عبّرتِ الريحُ من حكاياتِ
وبعمقِ ما خبّأ الليلُ من همساتِ
أنتِ في الأرضِ آخرُ الملكاتِ
في عينيكِ سحرٌ يفوق الوصفَ في اللغاتِ
يا من هواها أذابَ القلبَ والكلماتِ»
وحينما انتهى تطلع لها بألمٍ، وهو يحرر صوته المختنق عبر أوردته:
_بموتي لو مسوا منك شعرة!
يتذكر ذلك القسم جيدًا الذي خرج من فتى لم يتخطى السابعة عشر من عمره، ومثلما اعتاد أن يكون رجلًا ويوفي بوعده كما تربى على يد الدنجوان ياسين الجارحي، ولقد كان وفيًا بوعده لها، أنقذها مرتين، الاولى حينما خلصها، والثانية حينما فاداها من تلك الرصاصة الغادرة، وتركها تستقر بظهره الذي بات ساتر منيع لحمايتها، وحينما افاق بالمشفى لم يجد تلك الورقة التي شهدت على رسمته وكلماته العاشقة، وها هي تعود له الآن بعد تلك السنوات، لتصيبه بصدمة آخرى، أنها كانت برفقتها كل تلك الاعوام، ولم تفرط فيها أبدًا، بل تحتفظ بها أسفل وسادتها!!
...