رواية راكان زيدان واصحابه الفصل الثاني والعشرون بقلم داليا السيد محمد

رواية راكان زيدان واصحابه بقلم داليا السيد محمد 
رواية راكان زيدان واصحابه الفصل الثاني لعشرون22 بقلم داليا السيد محمد
انهيار
انهارت مي بين ذراعا زوجها، حملها ووضعها بالفراش وببعض العطر عادت للوعي ولم تقاوم الدموع التي وصلت لعيونها وهو يقول بحنان 
"مي، مي هل تسمعيني؟"
فتحت عيونها لتراه بجوارها والفزع بعيونه فعاد يقول "مي، ماذا حدث؟"
لم تستطع المقاومة وهي تنهار بالبكاء فجذبها له وضمها لأحضانه وهو يربت على رأسها وقال "كفى حبيبتي، اهدئي مي"
هتفت "لا تتركني مرة أخرى ظافر، أنا لا يمكنني الحياة وأنت بعيد عني"
أبعدها ليحيط وجهها براحتيه والتقى بعيونها وقال "كان عليكِ إخباري مي، من حقي مشاركتك بكل شيء"
قالت بدموع "أنا آسفة ظافر لم أستطيع، خفت، خفت أن تتركني، أعلم أنه حقك ولكن غصب عني"
وعادت للبكاء فجذبها له بقوة وقال "سنجد حل حبيبتي، ربما لا يكون كذلك"
بكت وقالت "الطبيب قال أن جيناتي قد تتسبب بطفل لديه متلازمة داون، وهذا يعني طفل ذي احتياجات خاصة ظافر ونحن لن يمكننا التعامل معه"
عاد ليبعدها وينظر بوجهها الملطخ بالدموع وقال "سنعيد الفحوصات ونسأل أكثر من طبيب وبالنهاية سنترك الأمر لله، ربما لا يكون كما تظنين وطالما نحن معا يمكننا مواجهة أي شيء وكل شيء"
هتفت بحزن "لا ظافر، لا تضحي من أجلي يمكنك الزواج والحصول على طفل سوي هذا حقك"
مسح دموعها بيداه وقال "ولكني أريدك أنتِ مي، أنا أحبك أنتِ ولا يمكن لامرأة أخرى أن تدخل حياتي، أنتِ زوجتي وحبيبتي وستكونين أم أولادي أيا كانوا، سنفعلها سويا وسنقبل بكل ما سنرزق به ونخوض التجربة معا"
بكت مرة أخرى وقالت "أنا أحبك جدا ظافر لم أعرف الحب إلا معك، أنا كاذبة ظافر، لن أتحمل أن تتزوج امرأة أخرى، سأموت لو فكرت بذلك، سأموت ظافر"
عاد يضمها لصدره وهو يحاول منحها الحنان وهو يشعر بالحزن من أجلها ولكن الأمر أهون بكثير مما كان يظن
ليس العمل هو ما يهمها، بل اليأس والخوف والألم هو ما كانت تحمله وحدها والآن عليه أن يحمل عنها الأمر كله
****
ما أن دخلت رهف الشقة حتى رأت حبيبة تجلس وتتناول طعام أمام التلفاز فقالت "تبدين غير مشغولة"
ضحكت حبيبة وقالت "وأنتِ تبدين مشرقة وسعيدة أين كنتِ؟"
تركت حقيبتها الجلدية التي بها أوراقها والكتب الجامعية وجلست وهي تغلق عيونها ولا تصدق الحلم الذي كانت تعيش فيه 
"رهف، رهف ماذا بك؟"
فتحت عيونها للفراغ وقالت "لا شيء، متعبة، العمل كان كثير والافتتاح اقترب"
اعتدلت حبيبة وقالت "ألم تقابلي راكان مرة أخرى؟ الحقيقة أنه وسيم جدا رهف"
نظرت لها وتمنت لو تخبرها أنه ليس فقط وسيم، بل جذاب وغامض ولديه قوة جاذبية رهيبة، غير رجولته الواضحة ومع ذلك كانت ترفضه وتجعله يشعر أنها تظنه مثل فايز 
كيف يكون مثله وهناك فارق بينهما كما هو الفارق بين السماء والأرض؟
نادتها حبيبة "رهف أنا أتحدث معك"
نظرت لها وقالت "بل رأيته اليوم، عرض عليّ ترك الجامعة والعمل بالشركة بصفة دائمة بمرتب مضاعف"
صفقت حبيبة بقوة وقالت "رائع هكذا يمكننا شراء كل ما نريد والسفر للساحل بالصيف وإعداد مشروعي الصغير"
نظرت لها ورأت السعادة بعيونها ثم عادت حبيبة وقالت "أنا لم أوافق بعد"
رحلت ابتسامتها وهتفت "لا!؟ هل تمزحين رهف؟ لا أحد يرفض مثل تلك الفرصة"
قالت رهف "لا أعلم ولكن مركزي بالجامعة ليس بقليل حبيبة وأنتِ تعلمين أن وظيفة الشركات الخاصة لا تدوم وأخشى أن أفقد كل شيء"
تحركت حبيبة وانتقلت لتجلس بجوارها وقالت "لا أظن ذلك رهف، لا أعلم لماذا أشعر أننا نعرف راكان هذا منذ سنوات كثيرة، نظراته لنا غريبة، ليس بها ما يخيف بل يجعلنا نشعر بالراحة والأمان"
ثم نظرت لرهف وقالت "هل تعرفين رهف، أحيانا أتساءل لماذا نحن نعيش هكذا وحدنا بلا أحد؟ لا أم ولا أب، أنا لم أعرف الاثنان، لولا أني أعلم أنه الموت لقلت إنهم تخلوا عني رهف، ولولاك ما وجدت من يبقيني بالدنيا"
أمسكت رهف يد الفتاة وقالت بحنان وحزن "حبيبتي لا تتحدثي هكذا، لا أحد تخلى عنكِ وكما قلت هو الموت وهو لا يمنحنا اختيار، وماما منحتك ومنحتني الكثير من الحنان"
هزت حبيبة رأسها ودموع تكونت بعيونها وهي تقول "أعلم، لكن أحيانا أشعر برغبة برؤية أيا منهما، بابا ليس له حتى صورة واحدة يمكنني رؤيتها والتعرف عليه، أنا حتى لا أعرف أهل له، وأنتِ أيضا لا تعرفين عنه شيء، أحيانا أشعر أني لست أنا وأني أنتمي لعالم آخر لكن لا أعرفه"
تحركت لها ولفتها بذراعها وقالت بحنان "أنتِ تنتمين لي حبيبة، أنتِ ابنتي وأختي وكل حياتي، نحن لا يمكن أن ننتمي إلا لبعض"
واحتضنتها بقوة وأغمضت عيونها ولا تفهم ما الذي يحدث؟
 لأول مرة تتحدث حبيبة عن والديها وكأنها فجأة أدركت وحدتها أو ربما كلما كبرت كلما وعى عقلها أكثر وكثرت التساؤلات عن أشياء كانت مطوية بين السنوات 
****
وصل راكان الجونة والوقت كان متأخر ولكن الفندق كان بانتظاره والجميع يقفون للترحيب بالمالك الذي ما أن دخل حتى أسرع له المدير وقال "جناحك جاهز"
لم ينظر له وهو يقول "لا، سيف أريد رئيس أمن الشركة بالمكتب وكل من له يد بالأمر ولا تخبرني أن الوقت تأخر"
لم يرد سيف وهو يتأخر عنه والمدير يتحرك بجواره ورجال حراسته الذين وقفوا على باب المكتب الذي فتحه المدير لراكان وهو يقول "بماذا ترغب يا عمدة"
فتح جاكته ورجل الحراسة يتبعه ويضع جهازه على مكتب المدير وراكان يجلس خلفه وهو يقول "قهوة سادة"
فتح الجهاز وعبث به والمدير تحرك للخارج وسرعان ما وصل وافي وهو يدخل ويقول "الشرطة أغلقت التحقيق، بالضبط كالمرة السابقة"
لم يبعد نظراته عن الجهاز وقال "الفاعل واحد، هل قدرت الخسائر؟"
لم يجلس وافي وقال "لم أرى الموقع بعد، أتيت إلى هنا"
رفع له نظراته وقال "وهل ستفعل وافي؟"
أجاب وافي "ظننتك تريد أن تفعل بنفسك، أنت لم تأتي المرة السابقة"
عبث بالجهاز مرة أخرى ثم ارتد بالمقعد وقال "المرة السابقة كان على رائد ان يفعل ولم يحدث بسبب الحادث، واتيت أنت بدلا منه"
جلس وافي وقال "أعلم ولم تكن الخسائر بنفس الحجم ولن تقدر الآن راكان، النهار أفضل إنها الثانية صباحا"
دخل المدير وخلفه رجل الخدمة بالقهوة ووضعها فنظر له راكان وقال "هل هناك جماعات تثير المشاكل هنا مختار؟ بلطجية مثلا"
اعتدل مختار المدير وقال "بالجوار لا يا عمدة، لكن هناك مناطق غير آمنة بالطبع"
ظل ينظر لمختار ثم قال "بالصباح سأحتاج لمعرفة الكثير عنهم فجهز ما تعرفه"
هز الرجل رأسه ووافي يقول "ماذا ستفعل؟"
نظر لوافي وقال "سأجد الإجابة على ما يحدث وافي، نفس المخزن والشركة بنفس الشهر، مرة سرقة ومرة حريق والشركة ليس لديها أي تفسير"
دق الباب ودخل سيف وقال "مدير الشركة وصل"
أشار بإصبعه وقال "ليدخل"
أدرك الجميع أنها ليلة طويلة، إذا كان هو لا ينام الليل فليس الجميع مثله
سيف اعتاد تلك الحياة معه رجال الحراسة أيضا لكن وافي، مختار، كل من طلب حضورهم لم يعتادوا ذلك ولكن لا أحد استطاع الرفض والعمدة اعتصر الجميع ليعرف من وراء كل الخسائر التي أصابت فرع شركته هنا
****
ما أن وصلت ليان البيت حتى نزلت من السيارة والدموع لا تتوقف، صفية قابلتها بابتسامتها المعتادة لكنها رحلت على الفور عندما اندفعت ليان للأعلى دون رؤيتها ومن دموعها أدركت حالتها 
تحركت خلفها بلهفة وقلق حتى وصلت غرفتها لتراها مستلقية على الفراش وتدفن رأسها بالوسائد وتبكي بقوة فأسرعت لها وهي تناديها 
"ليان حبيبتي ماذا بك؟"
لم ترد وهي لا تسمع ولا تشعر بأي شيء حولها، كل ما تراه صورته مع عشيقته، كان يتلاعب بها ويوهمها أنه يبادلها نفس المشاعر وهو كان الصياد الذي يرمي الطعم لفريسته حتى يخرجها من الجحر لينقض عليها
كلمات صفية لم تفعل أي شيء لا مواساة ولا شفاء من الألم ولا تمحو المشهد من أمام عيونها 
****
الصباح مع راكان لا يأتي سريعا، فرك وافي عيونه وهو يجلس على الأريكة بنفس المكتب وآخر مسؤول يخرج مغلقا الباب خلفه وسيف يقف بجوار الباب منتظرا أوامر راكان الذي نهض برشاقة وكأنه كان يمضي الليل بفراشه
تحرك تجاه وافي وقال "يمكنك أخذ غرفة والنوم بها"
نظر له وافي بإجهاد وقال "وأنت!؟ ألا تشعر مثلي؟"
ابتعد من أمامه، النوم ليلا ليس له
منذ عودته من نهاية دراسته واستلامه وظائفه كنائب للعمدة ورحل النوم، تلك المشاهد التي كان يراها بإجبار من جده كانت تلاحقه، كيفية التفكير بالمصائب والحلول والمبررات التي لا تعني إلا الفشل لجده كانت تؤرقه 
لذا لم يعد يعرف النوم، ربما يغفل على مقعده، على أريكة مكتبه لكن الفراش دائما ما يظل مستويا ولا أحد يمسه ولا الكوابيس تتركه
قال "ربما، اذهب لتنام وأنا راحل"
نهض وافي واقفا وهتف "راحل لأين؟"
قال بهدوء لا يماثله به أحد "معرفة باقي الحقيقة"
ضاقت عيون وافي وهو يقول "هل هذا يعني أنك عرفت جزء منها؟"
هز رأسه موافقا وتحرك للباب وقال "اصعد لتنام"
وخرج وسيف يتبعه كظله ولا يتركه إلا لو رغب هو بذلك ومع هذا يظل سيف على علم بمكانه وهو يعلم ذلك ولا يمانع فهو رجله الأول، لكنه يحترم خصوصية رئيسه
قال وهو يخرج "أين مختار؟"
كان سيف يمسك هاتفه وهو يتحرك خلفه بخطواته الرشيقة وقال "سيتبعنا حالا"
ما أن خرج للبهو الكبير حتى توقف قبل بوابة الفندق الزجاجية ونظراته تسمرت على رجل يعرفه يخرج من المصعد ويتجه للاستقبال
تسمر سيف هو الآخر بجواره وهو يقول "لا!"
ظل راكان مكانه وهو يرى سيد البغدادي، الرجل الذي أطلق رجاله الرصاص على راكان ليلة رأس السنة الماضية
مختار وصل لهما وبدا وكأنه استيقظ حالا من النوم وهو يقول "أوامرك يا عمدة"
قال راكان "ذلك الرجل نزيل هنا؟"
لف مختار وجهه للرجل الذي يقف عند موظف الاستقبال ورجلاه معه ثم قال "نعم يا عمدة، وصل بالأمس وهو انتقى جناح مخصوص ونظم حفل صاخب به بالأمس مما أزعج النزلاء"
نظر سيف لراكان ولكن راكان قال "ارسل من يتبعه سيف ولا تغفل عنه"
عاد سيف لهاتفه بينما ظل راكان بمكانه ونظراته على الرجل وقال "هل لمح لاسمي من بعيد؟"
اندهش مختار وقال "لا يا عمدة"
ما أن خرج الرجل من الفندق حتى التفت لمختار وقال "ابعث برجال الأمن هنا لتفتيش الفندق كله الآن وابدأ بجناحه، سيف هل لديك رجال هنا؟"
تحرك عاطف بينما قال سيف "يمكنني التصرف"
قال "ليس هناك وقت، هو يدبر لشيء"
تحرك للخارج وهو يرى سيارة سوداء فاخرة ترحل فقال وسيارته تقف أمامه والسائق ينزل منها وراكان يقول "أريد تلك الأماكن سيف"
ركب السيارة ليقود وسيف بجواره وخلفهم سيارة حراسة وسيف يقول "أعلم، مختار منحني فكرة عنهم ولكن كان يمكنني إحضار الرجال لك هنا، من الخطر الذهاب لهم يا عمدة"
كان يقود وهو يقول "امنحني الاتجاهات سيف لا وقت لدينا، بالتأكيد هناك خطة جديدة هو يريد التحكم بالجونة وهو ما لن أسمح به"
عندما وصل لتلك الشوارع الفارغة إلا من مباني قليلة وقديمة جدا والمكان ليس نظيف وأشياء غريبة تظهر بالمكان تدل على الخطر 
ما أن نزل حتى ظهر رجلان بسلاح وهتف أحدهم "من أنتم وماذا تريدون؟"
لم يتوقف راكان وهو يقول "أين رئيسك؟ أخبره أن راكان زيدان يريد رؤيته"
توقف أمام الرجل الذي يشهر رشاش بيده ويوجهه تجاه راكان الذي ثبت أمام السلاح وكأنه غير موجود ونظراته تحرق الرجل الذي قال "راكان زيدان من؟"
أحنى راكان رأسه تجاه الرجل وقال "فقط أخبره"
لمح راكان رجال تظهر بأماكن مختلفة ولم يتحرك ولم يفكر حتى بجذب سلاحه الذي تحت جاكته والرجل يتراجع وهو يقول "فقط لا تتحرك وإلا سيطلقون النيران"
عاد الرجل لداخل المبنى القديم حيث اختفى وسرعان ما عاد وهو يقول "ادخل الرئيس سيقابلك وحدك"
تقدم سيف ولكن يد راكان ارتفعت لتوقفه والسلاح توجه لسيف الذي توقف لإشارة رئيسه والذي تحرك تجاه المبنى وعيونه تحفظ كل ما حوله. بالداخل رأى المكان الذي بدا كمصنع قديم مهجور ورجال انتشرت بكل مكان 
الرجل الذي كان بالمقدمة توقف أخيرا ليرى راكان رجل بنفس عمره يقف بالمنتصف وسلاحه بيده فتوقف راكان على بعد أمتار منه فقال الرجل
"من أنت وماذا تريد؟"
عقد ذراعيه أمام صدره وقال "راكان زيدان"
ضاقت عيون الرجل وظل صامتا لحظة ثم قال "لا أعرفك، ما الذي تريده؟"
أجاب راكان بلا تردد "من الذي أحرق شركة.. ومخزنها؟"
تراجع الرجل قليلا ثم قال "أنا لا أعمل بذلك وحتى لو عرفت لماذا أخبرك؟"
فك راكان ذراعيه ووضعهم بجيوبه وقال "لأنهم يخصوني، ألا تعلم لمن تنتمي الشركة؟"
أجاب الرجل "سمعنا أنها تخص العمدة بالقاهرة ولكن لم نتأكد من الأمر"
سأله "وأنت لا تعرف العمدة"
ظل الرجل ثابتا لحظة ثم أخفض سلاحه وقال "الآن عرفته، لا أحد سواه يواجه تلك الرشاشات بلا ذرة خوف، سمعت عنك من والدي فأنت منحته فرصة للنجاة بيوم ما عندما كاد يقتلك وأنت عفوت عنه بل وساعدته، أعتذر ولكني لم أراك من قبل، اخفضوا السلاح، تفضل يا عمدة"
بالطبع تذكر راكان الذكرى التي تحدث عنها ولكنه لم يعلق وتحرك والرجال تخفض سلاحها والرجل يتراجع لراكان الذي دخل ونظراته تتجول بالمكان حتى وجد مقعد خشبي بلا ظهر فجلس 
توقف الرجل أمامه وهو يقول "عطية محمود، تخصص مخدرات يا باشا، أوامرك؟"
قال راكان "أخبرتك ما أريد، تلك الرجال المسؤولة عن حريق المخزن والشركة"
لم يجلس الرجل وقال "المتخصص بذلك هو عزب مطواة، ويعيش بمكان منعزل ولديه مجموعة من التابعين كلهم مساجين وقتلة ولابد أن يكون من استأجره ثقة أو ذي مركز"
صمت راكان قليلا دون النظر للرجل ثم قال "كيف أصل له؟"
تحرك الرجل مقتربا من راكان وقال "المكان هناك غير آمن يا باشا، من الأفضل إخراجه من وكره وهو لا يخرج إلا بحالة واحدة وأظن الآن هو أفضل وقت"
ضاقت عيون راكان وقال "وفيم انتظارك؟"
****
تحركت تمارا مسرعة إلى سيارتها وهاتفها يرن فأجابت "أهلا سفيان"
كان يدخل مكتب جده وهو يهاتفها وقال "صباح الخير جميلتي، أين أنتِ؟"
قالت وهي تدير السيارة "أريد رأي ليان ببعض التصميمات، لذا سأمر عليها قبل الذهاب للشركة"
جلس أمام جده وقال "تمام هل فكرتِ بمكان الفيلا الجديدة؟"
أجابت "ليس بعد، ربما أفعل اليوم، ألن تذهب الشركة؟"
نظر لجده وقال "سأفعل، ربما العشاء لي الليلة"
ضحكت وقالت "لو ملكت وقتك أيها المهم"
ضحك وقال "أتفرغ من أجل عيونك"
أغلق كلاهم ونظر لجده الذي قال "ماذا فعلت مع ميرفت؟ أرادت أموال لجراحة جديدة؟"
أبعد سفيان وجهه وقال "وماذا أفعل جدي؟ تعلم أني أمنحها كل ما تريد"
نهض الجد والذي بدا متعب وقال "وحاتم؟ لم أراه منذ تلك الحادثة لأخت صديقك"
أبعد سفيان وجهه وقال "هو هنا بمصر، لكنه يرفض العودة لي أو للبيت، لا أعلم بماذا يفكر ولكني لم أهاتفه منذ ما فعله مع سارة"
جلس الجد العجوز أمام حفيده وقال "عليك أنت أن تعيده سفيان، أنت رب تلك الأسرة"
ظل ينظر لجده وقال "وهل من الصواب ما فعله جدي؟ كدت أخسر صديق عمري بسببه"
أجاب الجد "وهو أخوك ولا يمكنك خسارته، هاتفه وأعد علاقتك به"
ظل صامتا يفكر بكلماته ولا يعرف ماذا يفعل
وصلت تمارا لفيلا ليان ونزلت لتفتح لها صفية فقالت "كيف حالها الآن؟"
قالت صفية "ليست جيدة يا ابنتي، لم تتوقف عن البكاء، لا أعرف ماذا أصابها؟"
كانت تصعد الدرجات وهي تسمعها حتى وصلت لغرفة ليان، دقت الباب ثم دخلت دون انتظار لترى الفتاة متكومة على جانبها على الفراش وشعرها مبعثر حولها
أسرعت لتجلس بجوارها على الفراش وهي تناديها "ليان، ليان حبيبتي ماذا حدث لك؟"
فتحت عيونها والدموع تغرقها وهي لا تجد كلمات سوى "خائن"
لم تسمعها تمارا وهي تحاول أن تجعلها تنهض ولكنها أغلقت عيونها ولم تجيب وتمارا تحاول إفاقتها بلا فائدة فنهضت تمارا وأخرجت هاتفها من الحقيبة واتصلت بطبيب تعرفه 
منحها الطبيب مهدئ وقال "أعصابها منهارة لكنها ستكون بخير وبحاجة للراحة"
لم تناقشه تمارا وهو يتحرك خارجا وقد كانت ليان نائمة بعد أن منحها الطبيب مهدئ 
اقتربت وجلست بجوارها عندما دخلت صفية وقالت بصوت منخفض "ماذا حدث يا ابنتي؟"
نظرت لها وقالت "لا أعلم، هي متعبة، عندما تفيق تخبرنا يا دادة"
رنين الهاتف الأرضي جعل صفية تتحرك خارجة لحظة ثم عادت وقالت "الأستاذ رائد على الهاتف ويسأل عن ليان"
نهضت تمارا وأسرعت للخارج لتجيب، أمسكت السماعة وقالت "رائد أنا تمارا"
تراجع لحظة ثم قال "تمارا!؟ ماذا تفعلين عندك؟ أين ليان؟"
قالت "ماذا حدث رائد؟ ليان منهارة ولا أعلم ماذا أصابها؟"
أغمض عيونه وتوقفت أنفاسه وألم يضرب صدره غير ألم جراحه
نادته تمارا فقال "ماذا قالت لكِ؟"
هتفت بغضب "أخبرتك أنها كانت منهارة رائد ودادة صفية هي من هاتفتني، هل حدث شيء بينكم؟"
هل تعرف ما بينهم؟ قال "ماذا تعرفين عنا تمارا؟"
ما زالت غاضبة وهي ترد "كل شيء رائد، ليان أخبرتني كل شيء"
هز رأسه وقال "أريد أن أتحدث معها هي أغلقت هاتفها ولا تجيب على أي اتصال"
قالت "الطبيب منحها مهدأ ونامت"
رفع رأسه وهتف "طبيب، يا الله ! أنا السبب، أخبرتها أنها لا تستحق رجل مثلي"
هتفت "ماذا فعلت بها رائد؟ وافي لو رآها بتلك الحالة لن يصمت"
ابتلع ريقه وقال "أتت بالأمس وميرندا كانت هنا"
دارت حول نفسها ووضعت يدها على فمها وهي تقول "وماذا رائد؟ ماذا حدث؟"
عاد له المشهد دون أن ينسى عيونها المتألمة مما رأت وقال "ميراندا كانت تحاول إغوائي وليان رأتها ولكن أقسم إني كنت أبعدها عني، تمارا أنا لم أرغب بأي امرأة مثلما أرغب بليان"
هتفت بغضب وألم "ولكنك لا تهتم بأن تكون مخلص لها، أنت لن تتبدل رائد فقط ابتعد عن ليان فهي أنقى من أن تعرف رجل مثلك، أنت ستدمرها، ابتعد عنها"
وأغلقت الهاتف والغضب يزداد داخلها والحزن يضربها على صديقتها الصغيرة والبريئة والتي أحبت رجل أسقطها ببئر عميق ملئ بالألم وهي غرقت به دون وسيلة للنجاة ولم تحاول أن تسمع لرائد
****
دفع رجال راكان باب الشقة بقوة حتى انكسر وانفتح الباب وسيف يخرج سلاحه وكذلك الرجال ودخل راكان بينهم ليجد رجال ثملة ونساء شبه عارية وبدا أنهم منذ الليل هنا
سيطر رجال راكان على المكان بينما تحرك هو لغرفة بعينها ودفع بابها بقوة فانتفض رجل من على الفراش شبه عاري، محاولا التقاط سلاحه..
لكن راكان كان أسرع وهو يجذب سلاحه ويصوبه للرجل ولم ينظر للمرأة التي التفت بالغطاء وراكان يقول "لا تفكر بلمس السلاح عزب"
توقف الرجل بمكانه رافعا يداه وهو يقول وأنفاسه متقطعة "من أنت وماذا تريد مني؟"
أخفض راكان سلاحه وقال "شركة.. والمخزن"
تراجع الرجل من السؤال وقال "ماذا عنهم؟"
كان راكان يتقدم من الرجل وهو ينظر بعيونه وقال "من طلب تخريبهم؟"
ظل عزب صامتا لحظة وهو يتأمل ملامح راكان على ضوء الغرفة الخافت وقال "لا أعرف عما تتحدث"
وقف راكان أمامه وقال "أنا لا أكرر كلماتي عزب"
نبرة راكان كانت قوية فقال عزب "ومن أنت بالأساس؟"
أجاب "راكان، راكان زيدان، العمدة الذي أحرقت مخزنه وخربت شركته والآن أريد إجابة"
شحب وجه عزب وهو يردد "العمدة؟ أنا لا شأن لي، أنا اتفقت على عمل ونفذته مقابل أجر"
ظل راكان هادئا وطويل البال وهو يعيد سلاحه لجرابه ويقول "لم تجب سؤالي وهذا غير جيد لك"
هتف "ليس لدي أي إجابة يا هذا والآن اخرج من هنا وإلا.."
لم يكمل لأن قبضة راكان كانت تصطدم بذقنه فترنح للخلف، اعتدل ووجه لكمة لراكان الذي صدها بذراعه ثم دفع قبضته الأخرى بمعدة عزب الذي انحنى وأعاده راكان بلكمة أخرى بوجهه دفعته للخلف حتى كاد يسقط لكن..
 يد راكان قبضت على عنقه وأعادته أمامه وهو يقول بغضب "وإلا ماذا؟ أخبرني ماذا ستفعل لأني لن أخرج إلا لو حصلت على إجابة أو انتزعت لسانك قبل أن أخرج من هنا، انطق"
لم يستسلم الرجل ودفع قبضته بمعدة راكان ولكن جدار صلب واجه قبضته فالتمرينات القاسية التي يقضي بها ساعات من وقته لم تذهب هباء.. 
دفع راكان قبضته بوجه الرجل مرة واثنان حتى تهشمت أنفه والرجل يلوح بقبضته بالهواء ويتراجع أمام لكمات راكان التي اصطدمت بمعدة الرجل ووجهه بلا رحمة وبسرعة جعلته لا يعرف كيف يتفاداها حتى ارتطم بالجدار من خلفه وسقط على الأرض تحت قدمي راكان بلا قوة على النهوض
ركع راكان بجواره وقال "والآن أسمعك، أظنك استعدت ذاكرتك"
لم يستطع عزب أن يرفع جسده المنهك ووجهه الدامي وراكان يجذبه من شعر رأسه ليرى وجهه المدمر والرجل يقول "سأخبرك، سأخبرك كل شيء"
عندما خرج راكان كانت الرجال قد أحكمت وثاق رجال عزب وراكان يمسح يده من دماء عزب وسيف تحرك له وقال "هل تحدث؟"
هز رأسه وقال "سيد البغدادي"
هتف سيف "مرة أخرى؟ ألم يتعلم؟"
لم ينظر له راكان وهو يقول "هل عرفت أين ذهب؟"
قال سيف "سأعرف، هؤلاء؟"
تحرك راكان للخارج وقال "الشرطة"
هز سيف رأسه وتبع رئيسه وهو ينفذ الأوامر
****
دخل ظافر البيت فابتسمت ياسمين له وهو يقبلها ويحتضنها بحنان وهو يقول "اشتقت لكِ ماما كيف حالك؟"
كانت سعيدة لرؤيته وهي تربت عليه وتقول "بخير حبيبي وأنا أيضا اشتقت لك، كيف حال مي؟ لماذا لم تأتي معك؟"
جلس الاثنان وقال "لديها عمل هام اليوم وأنا لم أخبرها، أردت رؤيتكم والاطمئنان عليكم، كيف حال مليكة؟"
قال المرأة "لا شيء جديد ظافر، لقد أنهت كل شيء مع يحيى بلا تفكير وأنا عنفتها على ذلك، لماذا لم تمنحه وقت ليفكر وهي كذلك؟ ثم ما الخطأ بأن تتفرغ لبيتها وزوجها؟ كل النساء تفعل ذلك"
قال بلا تفكير "ولماذا تتنازل هي عن طموحها وحلمها ماما؟ لو كان يحبها كان قدم تنازل هو الآخر، نساء كثيرة متزوجة وتعمل وناجحة بكلا الأمرين، يحيى أناني ماما، أراد كل شيء لنفسه ولم يفكر بسعادتها"
شعرت بالضيق وقالت "ليس كل الرجال مثلك، توافق على عمل زوجاتهم"
صوت مليكة قاطعهم وهي تقول "ليس ظافر فقط ماما، سفيان أيضا فعل والكثيرين، يحيى لا يريد لي النجاح هو حتى لم يهتم بأي شيء يخصني، لم يحضر عيد ميلادي ولا المسابقة التي فزت بها، لم يهتم يوما بأن يسمع عزفي، هو لا يهتم سوى بنفسه فقط"
نظرات الأم كانت غاضبة وهي تقول "هو رجل مليكة وهو من عليه كل المسؤولية لذا لابد أن يكون ناجح"
ظلت مليكة واقفة وهي ترد بهدوء "المشاركة جزء هام بين الزوجين ماما، الطرفين عليهم مسؤولية، حضرتك توليت مسؤوليتنا بينما بابا تولى العمل"
وقفت ياسمين وقالت "لا تخلطي الأمور مليكة والدك.."
قاطعها ظافر "والدنا لم يقدر ما فعلته معه ماما وربما يحيى كان سيفعل المثل معها، بابا كان دائما يذكر نجاحه وأنه سبب ما نحن فيه ولم يذكرك يوما وبالنهاية تزوج وتركك"
هتفت بغضب "كيف تجرؤ؟"
تدخلت مليكة "هو لم يقصد ماما هو فقط يحاول إخبارك ماذا سيكون مصيري مع رجل مثل يحيى، أناني ولا يفكر سوى بنفسه"
هتفت ياسمين "وهل والدكم كذلك؟ هو لم يقلل مني بأي وقت، ربما تلك المرأة هي التي أغوته ويوما ما سيعود لي"
تحرك ظافر لوالدته وقال "اهدئي ماما نحن لم نقصد شيء، لكن بابا لم يقدر وجودك بحياته كل تلك السنوات، ربما لم يوافق على الطلاق لأننا بينكم لكن هو أيضا لم يعد يذكرنا ولا يهتم بنا وكأن وظيفته كأب انتهت معنا وهذا يعني أن يحيى قد يفعل المثل لأنه لن يهتم سوى بنفسه ومتعته"
لم توافقه أيضا وهي تقول "حسنا افعلوا ما شئتم فيبدو أنكم ظننتم أنفسكم كبار بما يكفي للحكم على الجميع بما في ذلك والدكم"
وتركتهم وتحركت للأعلى وتابعها الاثنان ومليكة تقول "ما زالت تحبه وتدافع عنه رغم ما فعله"
نظر لها ظافر وقال "تعلمين أن من يحب لا يكره مليكة، أنتٌ لم تحبي يحيى أليس كذلك؟"
قالت بتأني "أعتقد ذلك ظافر فأنا لم أجد أي صعوبة بإخراجه من حياتي، بل ووجدت أني لا أستطيع تفويت تصرفاته معي والاختيار لم يكن صعب"
ابتسم وقال "تبدلت كثيرا مليكة"
ابتسمت وقالت "ربما محنة ماما وبابا هي السبب ظافر، أنت عبرت بالضبط عن أفكاري بما حدث"
ربت عليها وقال "أعلم وواثق أن اختيارك القادم سيكون هو الصواب"
****
لم تفق ليان من تأثير المهدئ سوى بالمساء وتمارا تدخل غرفتها وقد اعتذر سفيان عن العشاء كما توقعت وهي تمنت أن يفعل من أجل ليان
ما أن فتحت الفتاة عيونها حتى جلست تمارا بجوارها على الفراش وشعرت ليان بتعب غريب بكل جسدها واندهشت لرؤية تمارا فقالت بضعف "ماذا حدث؟"
ساعدتها تمارا على الاعتدال وقالت "كنت بحالة سيئة ودادة هاتفتني والطبيب كان هنا ومنحك مهدئ"
ظلت تنظر لها بعيون متورمة ومحلقة ووجه شاحب ثم أغمضت عيونها لتسترجع ما كان فقالت تمارا "ماذا حدث ليان؟"
لم ترد لحظة وهي تتذكر المشهد الذي اقتلع قلبها من صدرها وأنهى أمل حياتها فنادتها تمارا فقالت بألم "كان معها، مع عشيقته، كانت بأحضانه تمارا"
سقطت دموع من عيونها فأمسكت تمارا يداها وقالت "هو لا يستحق دموعك هذه حبيبتي، كنت تعلمين حقيقته"
لفت وجهها لتمارا وقالت "ولكني صدقته، صدقت أنه لا يريد سوواي وأنه سيكون رجل آخر من أجلي، كل مشكلتنا كانت وافي وليس ميرندا والنساء"
هتفت تمارا "ما كان عليك تصديقه ليان، لقد خدعك وأنا أيضا تركتك تسقطين بالفخ، ما كان عليكِ ترك قلبك يسقط بهواه، لقد حكمت على نفسك بالعذاب"
هزت رأسها والدموع تتساقط وهي تقول "معك حق، أنا لابد أن أنساه، لكن كيف أنساه تمارا وقلبي يؤلمني جدا، لم أعد أريد أن أعيش تمارا، أريد أن أموت، أريد أن أموت"
ضمتها تمارا لها وهي منهارة بالبكاء بين أحضانها فقالت "كفى حبيبتي هو لا يستحق، لابد أن تتماسكي وتكوني أقوى من ذلك وتنسيه وتعودي لحياتك وتبحثي عمن يستحق قلبك"
هتفت "قلبي مات تمارا، لم يعد له وجود ولو فكر يوما بالحب مرة أخرى سأقتله مرة أخرى"
ربتت تمارا عليها وقالت بحزن من أجلها "حسنا حبيبتي، فقط استعيدي نفسك أولا وعودي لحياتك وأي شيء سوى نفسك لا يهم، انسيه ليان، يجب أن تنسيه، حبه لم يسبب لكِ إلا الألم وأنتِ لا تستحقين ذلك"
عادت للبكاء بين أحضان صديقتها وهي تقول بضعف "ليتني ما أحببته تمارا، قلبي يؤلمني، ليتني ما أحببته"
****
كان كالمجنون منذ عرف ما أصابها، راكان فقط من يمكنه أن يساعده ولكن هاتف راكان مغلق
تراجع بالفراش وألم قلبه يزداد ولا يعرف ماذا يفعل، النهار مضى كالسلحفاة، كل لحظة كان يتلوى فيها على الجمر، هاتفها مغلق وتمارا لا تجيبه ولا يمكنه إخبار سفيان أو ظافر
على الظهيرة دق بابه ورأى ميرندا تدخل مرة أخرى وابتسامة بارد على وجهها وهي تقول "فكرت أنك بحاجة لمن يسليك حبيبي"
الغضب ارتفع لوجهه وهو يقول "ألم أخبرك أني لا أريد رؤيتك؟"
لم تتراجع حتى وقفت بجوار فراشه وقالت "كنت غاضب وأعتقد الآن أنك.."
قاطعها بقوة "ما زلت غاضب فارحلي واتركيني ميرندا"
رحلت ابتسامتها وهي تقول "من أجلها؟ تلك الفتاة؟"
لم تتبدل ملامحه وهو يقول "لا شأن لكِ، فقط اتركيني"
هتفت بغضب "أتركك وأنا جئت من إيطاليا من أجلك؟ أتركك وأنا معك منذ خمس سنوات ومن أجل ماذا؟ من أجل فتاة بعمر ابنتك؟ هل جننت رائد؟ فتاة كهذه تتلاعب بك وتجعلك تطردني أنا؟ أنا ميرندا المرأة التي تحملت كل نزواتك طوال تلك السنوات لأني أعلم بالنهاية أنك ستعود لي لأني وطنك"
قال بغضب زاد من كلماتها "لم أطالبك بتحمل أي شيء ميرندا، كنت تعرفين من أنا طوال تلك السنوات، لم أخدعك ولم أكذب عليكِ بشيء ولم أخبرك أنكِ الوطن كما تدعين، لأنكِ لم ولن تكوني كذلك، كنتِ تعلمين حدود علاقتنا ولم أعدك بشيء فعلى ماذا تعترضين الآن؟"
شحب وجهها ولم يرحل غضبها وهي تقول "كنا معا خمس سنوات رائد، كنا نعيش معا كرجل وامرأة لن يفترقا، حتى وأنت تقضي أمسياتك مع نساء أخرى لم تطلب خروجي من حياتك فما الذي تغير الآن؟"
هتف بها "ما تغير أني لم أعد أريدك أن تتحملي أي شيء من أجلي، فقط اخرجي من حياتي ولا تنتظري مني العودة"
هتفت "من أجل ماذا؟ تلك الفتاة؟"
عاد وقال "أخبرتك ألا شأن لكِ بها، لقد انتهت قصتنا ميرندا ولم يعد بيننا أي شيء وبالتأكيد طائرتي الخاصة ستعيدك من حيث أتيتِ وستتبعك هدية مناسبة لزيارتك ولكنها ستكون الأخيرة"
ظلت تحدق به وجنون الغضب واضح بعيونها حتى قالت "كما تشاء رائد ولكن تذكر أنك من بدأ"
وتحركت خارجة بقوة غضبها وربما غيرتها التي اشتعلت داخلها من تصرفاته وتراجع هو بالفراش وما زال متعب من التفكير بالمرأة الصغيرة التي اندفع لها بكل مشاعره بلا تفكير بعواقب حياته العابثة وها هو الآن يعاني ويدفع الثمن 
عاد للاتصال براكان الذي كان يدخل الفندق عائدا من مغامرته مع عزب وسيف يمنحه هاتفه وهو يقول "سيد رائد"
جذب الهاتف وأجاب "رائد؟"
أجاب رائد بغضب "أين أنت راكان؟ منذ الأمس هاتفك مغلق"
كان يتحرك لمكتب المدير وهو يقول "بالجونة رائد ماذا حدث؟ هل أصابك شيء؟"
هتف به مرة أخرى "الجونة!؟ ومتى ستعود؟"
جلس خلف مكتبه ومختار وسيف يتبعوه فقال "قهوة مختار"
تابعه سيف وقال "وإفطار، أو غداء أي شيء"
أبعد راكان نظراته وهو يجيب أسئلة رائد "لا أعلم، ماذا حدث؟"
حكى له رائد ما كان فأغلق عيونه وفركهم بأصابعه ورائد ينتهي ويقول "أريد رؤيتها راكان، لابد أن أراها"
قال بهدوء "ليس الآن رائد، هي لن تسمع لأي كلمة ستخرج من فمك الآن، ميرندا رائد؟ هل حقا تركتها تراك معها؟"
هتف رائد بجنون "المجنونة لم تخبرني أنها أتت من إيطاليا لقصرك لتراني، وليان اختارت الوقت الذهبي لتدخل علينا، أكاد أجن راكان، كنت أدفعها عني بعيدا ولكن بالتأكيد ليان لم ترى سوى وجودها بأحضاني، أريد الاطمئنان عليها راكان، سأجن وأنا سجين بذلك الفراش اللعين"
فتح راكان عيونه وقال "اهدأ رائد، أخبرتك أنك لن تحصل منها على شيء"
هتف "وماذا راكان؟ ما الذي يمكنني فعله؟"
أجاب "لا شيء ربما أهاتف تمارا وأعرف منها أي شيء، فقط اهدأ ولا تفعل شيء مجنون"
قال بجنون حقيقي "لقد طردتها، ميرندا، طردتها راكان، لم أعد أريد أي امرأة، أخبرها بذلك راكان، أخبر تمارا بذلك لتخبرها"
قال بهدوء "حسنا رائد سأفعل فقط اهدأ"
أنهى الاتصال وقذف الهاتف على المكتب فالتقطه سيف وقال "أنت متعب"
دق الباب ودخل مختار ورجلان خلفه بالطعام وخرجوا فقال "ألم تصل للبغدادي؟"
رنين هاتف سيف جعله يجيب وانتظره راكان حتى هز له رأسه وهو يقول "وجدته"
قال راكان "ليأخذوه للقاهرة سيف وليس هنا"
هز سيف رأسه ومنح رجاله أوامره وتناول راكان الطعام عندما انفتح الباب ودخل وافي وبدا هو الآخر متعب وهو يقول "متى عدت؟"
نظر له راكان وقال "ربع ساعة، ماذا فعلت؟"
جلس وافي أمامه وتناول معه طعام وأشار راكان لسيف لينضم لهم ووافي يقول "جمعت صورة مبدئية للخسائر والحمد لله، الرجال أوقفت الأمر قبل أن يستفحل، الشرطة تمارس التحقيقات ويحتاجون أقوالك"
لم ينظر لوافي وهو يقول "بانتظارهم حتى أعود مصر"
نظر له وافي وقال "ظننتك ستبقى!؟"
لم ينظر لوافي وهو يقول "أنت موجود"
حدق به لحظة ثم قال "هل وصلت للجاني؟"
نهض راكان وقال باختصار "نعم، هل تريد العودة؟ يمكن لظافر متابعة الأمر لو كنت مشغول، أنا لابد أن أعود وافي"
أكمل وافي طعامه وقال "لا، الأمور تسير جيدا بمصر، ربما يمكنك الاطمئنان على ليان، هي لا تجيب على هاتفها منذ الأمس ودادة صفية أخبرتني أنها مصابة ببعض الانفلونزا"
أشعل راكان سيجاره الفاخر ونظر لوافي من بين دخانه قبل أن يقول "حسنا سأفعل وافي، ما أن أصل حتى أمر عليها"
دق الباب ودخل مختار بارتباك وهو يقول "الشرطة بالخارج يا عمدة"
نهض سيف ووافي فتحرك راكان لمقعده خلف المكتب وقال "بانتظارهم مختار ولا تنسى القهوة"
تحرك مختار للخارج وهو يقول "أوامرك"
ما أن خرج حتى دخل رجال الشرطة للداخل فلم ينهض راكان، فقط سيف من نهض ليقف بجوار راكان ورجل بملابس الشرطة، ضابط، واثنان خلفه والضابط يقول "رائد محمد رزق"
هز راكان رأسه وقال "أهلا سيادة الرائد تفضل"
جلس الرائد أمامه وقال "بحاجة لأقوالك سيد راكان بصفتك المالك للشركة ومن قبلها المخزن"
أجاب راكان بهدوء "لتسأل سيادة الرائد"
****
كان العمل متعب لها بسبب إصابتها، ما زالت ساقاها لا تحملها ومع ذلك لم تشكي بل ظلت صامدة، الأيام كانت رائعة والعمل ممتع وتعرفت على الكثير من الممثلين وطاقم التصوير والمخرج كان يعاملها أفضل معاملة حتى توقف كل شيء فجأة.. 
عندما رأت حركة غريبة حولها لترى تجمع من الناس وعندما انفض التقت به وقد كانت تعلم أنها ستراه فهذا الوسط سيجمعهم بأي يوم وها هو اليوم قد أتى
لم يتوقف عن الحركة تجاها وانفض الناس من حولهم وكأنهم كانوا يدركون ما يحدث حتى توقف أمامها وهي لا تهرب من نظراته، راكان يهزم من أمامه بهدوئه فلم لا تفعل مثله؟ 
قلبها الذي يدق كالجبان عليه أن يبقى داخل قفصه العظمي ولا يفكر بالفرار لأنها لن تسمح له
سمعته يقول "مرحبا سارة، سعيد بعودتك"
رفعت رأسها وقالت بهدوء أخيها "مرحبا حاتم، شكرا لك، اسمح لي"
ولكنه أوقفها وقال "سارة انتظري، من فضلك"
توقفت بدهشة من طلبه والغريب أنها لا تجد أي شيء داخلها تجاهه، هل كانت حقا تحبه؟
قال بعيون لا تفهمها وربما كما قال لها أحدهم "هل نسيتِ أنه ممثل ناجح ويمكنه تمثيل أي دور بنجاح؟" لذا عليها ألا تصدقه 
"سارة أردت رؤيتك لمعرفة هل انتهى الأمر لك؟"
قالت بلا تبدل بملامحها، هي الأخرى ممثلة وستستخدم نفس سلاحه "بالطبع انتهي، كان لابد أن ينتهي لأنه كان خطأ، خطئي أنا وأنا لا أهرب من أفعالي"
اقترب وقال بنبرة حملت ندم لم تصدقه "خطئك أنكِ أحببتني أليس كذلك؟"
هزت رأسا بالنفي وقالت "خطئي أني صدقتك حاتم ونسيت أنك ممثل ناجح ومشهور، انبهرت بك وبكل ما حولك لذا كان علي أن أدفع الثمن وقد فعلت"
شحب وجهه وربما نهض بعض الغضب داخله وهو يقول "هل هذا يعني أنه لم يكن حب؟"
لم تمنحه إجابة صريحة وهي تقول "وهل كان ما لديك لي حب؟ لا تتحدث عن الحب حاتم لأنك لم تعرف هذا النوع من الحب وكل ما عرفته هو حب نفسك فقط"
زاد غضبه وهو يقول "من تظنين نفسك لتتحدثي عني هكذا؟ هل ظننتِ أن أخيك سينقذك مني؟ أبدا، هل تعرفين شيء، أنا حقا لم أحبك بأي يوم، كل ما أردته هو أن أنتقم من أخيكِ لما فعله معي من أربع سنوات عندما انتزع مني الفتاة التي أحببتها وانكسر قلبي بسببه، ها هو قد انكسر قلبه من أجلك وعرف معني الألم"
اتسعت عيونها من الذهول وهي تهتف "أخي!؟ كنت تنتقم من أخي في شخصي أنا؟"
ابتسم بزهو وانتصار وهو يقول "بالطبع، فرصة وأتت لي على طبق من ذهب"
لم تشعر بنفسها وهي تصفعه على وجهه وهي تهتف "أنت حقا ندل جبان وتستحق ما فعله أخي بك"
وتحركت مبتعدة بكل قوتها وهي تحاول ألا تبكي لأنه لا يستحق ذرة حزن عليه وراكان هو السبب، ما كان لها أن تعود وتترك حياتها الهادئة التي كانت تعيشها لكن لو لم تفعل ما عرفت التمثيل ودخلت تلك الحياة، راكان يدمر حياتها بلا سبب ولا ذنب ارتكبته
****
انتهت المحاضرة ولملمت أوراقها والتف بعض الطلبة حولها للأسئلة وكانت تجيب بابتسامة رقيقة حتى انتهوا فتحركت خارجة لمكتبها عندما رأت فايز يتحرك خارجا من غرفة العميد وتوقف لرؤيتها 
لكنها تجاهلته وتحركت لمكتبها ولكن ما أن دخلت حتى رن هاتف مكتبها فأجابت لتجد سكرتير العميد يخبرها برغبته برؤيتها
شعرت بالقلق من صوته،ؤي هل حدث شيء؟ فايز كان معه فهل دبر لها شيء؟
تحركت لمكتب العميد ودخلت وأشار لها السكرتير فدخلت مكتبه فنظر لها بوقاره المعهود وقال "أهلا دكتورة رهف، تفضلي"
جلست فقال "بالطبع أنا أعرفك جيدا، كونك أصغر دكتورة والأفضل بشهادة الجميع يجعلني فخور بوجودك هنا، لكن هناك أشياء تجد، أعلم إني لست بحاجة للسؤال حولها، لكن هو مجرد إجراء روتيني"
شعرت بالقلق وهي تفرك أصابعها وقالت "ماذا حدث يا دكتور؟ هل هناك شيء بخصوصي؟"
اعتدل وقال "أعلم علاقتك بفايز وما يفعله معك، لذا أي كلمات ينطق بها وتخصك يجب أن أتحقق منها أولا"
دق قلبها، هل يمكن أن يخبره عن راكان؟ ألا يخشى العمدة؟ 
قالت بقلق "لقد أصابني القلق يا فندم"
قال الرجل "فايز يقول أنكِ تحاولين اجتذاب بعض الطلبة كي ينالوا كورسات دراسية لديكِ بالمال مقابل منحهم الامتحان، قال إن بعض الطلبة شكو له"
اتسعت عيونها وهي لا تصدق ما يقول حتى هتفت "كاذب، أقصد بالطبع لم أفعل يا دكتور، أنا أعمل هنا منذ سنوات ولم أفعل مرة واحدة، أنا ليس لدي وقت بالأساس، أنا أعمل كخبيرة بشركة عالمية للإلكترونيات ولا وقت لدي لذلك"
ضاقت عيونه وقال "هو لمح لذلك أيضا لكن ليس بتلك الطريقة"
عادت للدهشة وهي تقول "أي طريقة إذن؟"
ظل مترددا حتى قال "يشكك بعلاقة مع.."
وبالطبع فهمت فنهضت واقفة وهي تهتف بغضب "إلى هذا الحد ولن أقبل يا فندم، أنا أتهمه بالتشهير بي وأطلب التحقيق وسأقدم بلاغ ضده، هو لن يشوه اسمي وشرفي هذا.."
ولم تطاوع لسانها والعميد ينهض ويتحرك تجاهها ويقول "اهدئي يا ابنتي، أنا أعرف غرضه جيدا فهو لا يستطيع نسيان ما فعلته معه، ولكن لديه صور لكِ مع السيد راكان تدخلان مكان معروف"
شحب وجهها وهي لا تجد كلمات تنطق بها وتذكر العشاء مع راكان، ظلت تحدق للعميد ثم قالت "نعم، أنا أعمل لدى السيد راكان وهو من أنقذني من فايز، ألم يخبرك أنه حاول التهجم علي بشقتي والسيد راكان أنقذني منه مرة واثنان؟"
تراجع الرجل وهتف "كيف يفعل ذلك؟"
تورد وجهها وهي تقول "هذا ما دفع سيد راكان للتواجد والدفاع عني، وبذلك اليوم كان يعرض علي العمل لديه بدوام كامل"
ظل ينظر لها ثم ابتعد من أمامها وقال "كلماته لن تخرج خارج مكتبي رهف لكني لا أضمنه هو، لو كان لديكِ حل لإيقافه فافعلي لأني أعلم أن نواياه سيئة"
لم تجد كلمات ترد بها ولكن عقلها كان يأمرها بأن تبتعد عن فايز وتترك له الساحة ولن تخبر راكان بأي شيء وإلا سيقضي على فايز ويصدق في ادعائه عليها تجاه راكان وستحظى بفضيحة هي لن تقوى عليها
ما أن خرجت من مكتب العميد وتحركت عائدة لمكتبها حتى رأت فايز يقترب منها وعلى وجهه علامة انتصار وسمعته يقول "هو يظن أن لا أحد يمكن أن يهزمه؟ هو على خطأ الرجل تهزمه امرأة"
وتركها وذهب وهي تحدق بمكانه الفارغ ولا تعرف معنى كلماته
هل يقصد راكان؟ وهل هي تلك المرأة؟ وأين الهزيمة؟ 
هي لم تراه منذ العشاء ولم يهاتفها فهل انتهى الأمر بالعشاء؟ رجل مثله لديه العديد من المسؤوليات لن يتركها من أجلها
لم تدخل مكتبها وتحركت خارجة من الجامعة وانتظرت سيارة أجرة أخذتها للشركة، ونزلت عندما رأت سيارة حديثة وصغيرة تقف وتنزل منها فتاة شابة جميلة حقا وبدت متعبة وكادت تتعثر فأسرعت لها لتساندها وهي تقول 
"ماذا بك؟"
كانت المرأة التي تقود قد نزلت لتسرع لها وهي تقول "أخبرتك أنكِ بحاجة للراحة ولكنك لا تسمعين"
كانت الفتاة تستند على يد رهف وهي تقول بضعف "أنا بخير لا تقلقي، شكرا لك"
ابتسمت رهف لها والمرأة الأكبر والأجمل والأكثر أناقة تنظر لرهف وتقول "شكرا لكِ، سأقوم بتوصلها للداخل"
ولكن رهف لم تتركها وهي تقول "أنا أعمل هنا، يمكنك تركها معي وسآخذها إلى حيث تريد"
نظرت لها الفتاة وسألتها "بأي قسم؟"
راقت لرهف رقة الفتاة وعيونها البريئة فقالت "ليس قسم بل من الخبراء، أنا دكتورة رهف خبيرة برمجة الكترونية"
تراجعت الفتاة وقالت "دكتورة رهف! أنا أعرفك، أنا طالبة بالفرقة الأولى ولكن الكل يتحدث عنك بالكلية ولم أعلم بوجودك هنا"
تورد وجه رهف وقالت "شكرا لكلماتك"
قالت الفتاة "أنا ليان، أتدرب بقسم البرمجيات نفس قسمك دكتورة، وهذه تمارا صديقتي المقربة ومصممة أزياء شهيرة وتعمل بشركة عالمية بفرعها هنا"
لم ترحل ابتسامتها وهي تقول "مرحبا آنسة تمارا، سعيدة بالتعرف عليكم، يمكنك تركها معي وسأتابعها حتى مكان تدريبها"
هزت تمارا رأسها وقالت "شكرا لكِ دكتورة وفرصة سعيدة"
رن هاتف تمارا فتركتهم وعادت للسيارة ورائد لا يتوقف عن الاتصال ولكنها لا تجيب.. 
بينما تحركت ليان مع رهف للداخل وما زالت تستند عليها وهما يتبادلان الحديث عن دراسة رهف والعمل حتى وصلت مكتبها وتركتها رهف عائدة لمكتبها 
عندما رن جرس انتهاء الدوام أسرعت ليان تلملم أشيائها وتحركت رهف لمكانها ولكنها رأت عماد يقف أمام ليان فقالت "ليان هل نذهب؟"
شعرت بعيون ليان تلمع لرؤيتها وقد أراد عماد الذهاب معها ولكنها كانت ترغب بأن تظل وحدها، الدراسة والعمل هما ما جعلاها اليوم أفضل
لم ترغب بالبقاء بالفراش، هي ليست ضعيفة وكلمات تمارا من أنه لا يستحق تضربها بقوة، رؤيته وهو مع عشيقته لا تفارقها وظلت تراهم بالمحاضرة وبشاشة الجهاز وبكل مكان ومع ذلك لن تبقى بالبيت
هتفت "نعم دكتور، من فضلك"
تراجع عماد وبدا أنه يعرف رهف لأنه قال "أهلا دكتورة رهف، أول مرة نراكِ هنا"
ابتسمت وبدا بنفس عمرها فقالت "أتيت من أجل ليان، يبدو أنك تعرفني"
قالت "مهندس عماد، ونعم بالطبع أعرفك، الكل يعرفك ويعرف تجاربك وأبحاثك الشهيرة وأنكِ أصغر دكتورة، السيد راكان ينتقي العاملين معه"
هزت رأسها وعادت لليان وقالت "هيا ليان"
ابتعد من طريقها وتحركت بشكل أفضل مع رهف ودخلا المصعد فقالت "يبدو معجب بكٌ؟"
قالت ليان بلا ملامح "لا أظن، نحن مجرد زملاء، أنا لم أعرفه إلا من أيام قليلة"
هزت رأسها فقالت ليان "حضرتك تقيمين بالقرب من هنا؟"
خرجا من المصعد وكان الظلام قد نزل وهي تجيب "لا، واليوم لابد أن أمر على حبيبة ابنة أختي بالدرس لأخذها، هي بالصف الأول الثانوي"
كانوا يتحركون للخارج عندما لاحظوا توقف سيارتان حديثتان، عرفت رهف واحدة منهما وليان أيضا عرفتها، أمام باب الشركة فتوقفت ليان وكذلك رهف ورأوا سيف ينزل ليفتح له الباب 
نزل وأغلق جاكته وتعلقت عيونها به وهو ينظر لها ثم سقطت نظراته على ليان وهو يتحرك لهما وتوقف أمامهما وقال "أرى أنكما معا"
لم تعرف إلى من كان يتحدث وعيونه تتجول بينهما وأخذت ليان المبادرة بضيق واضح "لقد تعارفنا بالصباح، هي دكتورة بالجامعة التي أدرس بها وتعمل معنا هنا"
نظر لرهف ثم عاد لليان وقال "وافي لن يعود اليوم، ستأتين معي"
لم تفهم رهف كلماته، هل يعرف الفتاة؟ ومن وافي؟ وما هي صلته بالفتاة وبوافي هذا؟ وأين ستذهب معه؟ هل هي واحدة يعرفها و..؟ 
لا، لا يبدو عليها ذلك ولا تصرفه يتحدث بذلك، إذن ما العلاقة التي تربطهم؟
قطعت ليان أفكارها وهي تقول "السائق هنا راكان، لا تشغل بالك بي"
تراجعت رهف وإزالة الألقاب بينهم تعني الكثير لذا فضلت الانسحاب وقالت "اسمحوا لي، لابد أن أذهب"
نظر لها بقوة وقال "لن تذهبي لأي مكان، لدينا حديث لم ينتهي"
انتقلت الدهشة لليان التي تجولت نظراتها بينهما وقالت "أنت تعرفها؟"
عاد لليان وقال "نعم، هيا سأعيدك البيت ثم أعيد الدكتورة"
لكن رهف قالت "لا، حبيبة تنتظرني ربما يوم آخر"
كادت تتحرك لكنه قال بحزم تعرفه "أعلم، سنمر عليها بالطريق، هل نذهب؟"
لم تعجبها نبرته الآمرة ولن تنتظر صورة أخرى من فايز وهي تركب سيارته لذا قالت "لا شكرا، إلى اللقاء"
قبض أصابعه بقوة على جانبيه وكتم غضبه منها وهي تتحرك مبتعدة وهو لا يتحرك ويتابعها بعيونه وهي توقف سيارة أجرة وتدخلها ولا تنظر خلفها 
سمع ليان تقول "لم أعرف أنك تعرفها؟"
عاد لها واستعاد هدوئه وهو يقول "أنا أعرف كل من يعمل لدي ليان، هيا ادخلي السيارة"
دخلت السيارة وهو بجوارها وتحرك السائق بهم فنظر لها وقال "نحتاج لأن نتحدث ليان"
أبعدت وجهها بلا رغبة بالحديث فهي تعلم أن راكان يعرف كل شيء فقالت "وأنا لا أريد أي حديث"
لم يتركها وهو يقول "لابد أن تسمعيه"
لفت وجهها له بغضب وقالت "وحتى لو فعلت، هل تظن أني سأصدق أي كلمة مما سيقولها؟ هل ترغب من ألا أصدق ما رأيت؟ أنا رأيتهم راكان، رأيتهم معا على الفراش ببيتك هل تعي ما أقول؟"
ولمعت الدموع بعيونها فأبعدت وجهها وهو نفخ من الموقف الذي اشتعل بغباء ميرندا وماضي رائد الأسود ومع ذلك قال "رائد تبدل"
لم تنظر له فعاد وقال "لو انتظرتِ قليلا لرأيته وهو يبعدها عنه، هو لم يعد يريد كل ما كان فقد مل وتعب منه، هو يريدك أنتِ"
لفت وجهها له والدموع على وجنتيها وقالت "حتى يمل ويتعب مني أنا أيضا ويشتاق لحياته التي لم يعرف سواها ووقتها يلقيني بلا رحمة، كفى راكان أنت تعلم أنه لن يكون ذلك الرجل الذي ظننت أنه سيكون"
لم يستسلم وهو يقول "هو بحاجة لسبب قوي كي يستقيم ليان وهذا السبب هو أنتِ، أنا أكثر شخص يعرفه وأعرف كيف يكون بوجودك، لقد قاوم كثيرا وجودك ولكن بالنهاية سقط ضعيفا واستسلم لمشاعره تجاهك"
زادت دموعها وهي ترد "زائفة، مشاعره تجاهي زائفة وبمجرد رؤيته لامرأة جديدة سيلقي بي خلفه من أجلها، أرجوك لا تدفعني لطريق لن ألقى به سوى الشوك والجراح، لا أنكر أني أخطأت يوم تركت مشاعري تنجرف له لكني الآن أصحح الوضع، لقد أوقفت مشاعري ولن أترك قلبي يتحكم بي مرة أخرى، لم أعد أريد حتى أن أراه راكان، أرجوك لو كنت بالفعل تكن لي أي مشاعر كأخت ساعدني لأبتعد وأشفى"
كانت نظراتها تترجاه وهو ظل ينظر لها ولا شيء يبدو على وجهه فأبعدت وجهها للنافذة وهو أدرك أنها لن تستمع للمزيد وقلبها المجروح لم يشفى بعد فتولاه الصمت ولم يجادل أكثر وهي نزلت أمام الفيلا وشكرته ودخلت وتمارا تهاتفها
نظر لسيف وقال "أين الدكتورة؟"
أجاب سيف "لحظة يا عمدة"
أغمض عيونه فهو تقريبا لم يرتاح منذ..؟ 
لا يعلم لقد نسى آخر مرة أخذ فيها راحة، رن هاتفه ففتح عيونه وأخرج الهاتف وتنفس بقوة لاسم رائد ثم استسلم وأجاب "رائد"
سيف أشار له "بالطريق للبيت مع الفتاة"
هز رأسه وأشار لسيف بالعودة للقصر بينما رائد يهتف به "هل رأيتها؟ هل تحدثت معها؟ راكان لماذا لا تجيب؟"
لم يعرف ماذا يخبره ولكن لا بديل للصدق فقال "نعم رائد لقد رأيتها، هل تهدأ، هي بخير وأنا بطريقي للقصر"
كلمات راكان لم تشبع الذعر الذي كان يتملكه وهو يقول "ألم تتحدث معها راكان؟ هل تركتها تذهب؟"
أبعد وجهه للنافذة وقال "هي ترفض الاستماع لأي كلمات رائد، ما رأته يغلق آذانها عن أي مبرر حتى ولو كان الحقيقة"
صمت رائد وبدا مصدوما فعاد راكان يقول "أنا بالطريق رائد" 
أغلق معه ثم اتصل بها ولكنها بالطبع لم ترد فنفخ بقوة وهو يسب بسره من عنادها وجنونها وهي طالبته بأن يعتاد فهل يمكنه أن يفعل؟
****
كانت تفتح باب شقتها وحبيبة تتبعها وهاتفها يرن
دخلت الشقة وأضاءت ثم تركت أكياس الخضروات والبقالة وأخرجت الهاتف لترى اسمه وحبيبة تقول "جائعة رهف"
لم ترد على حبيبة ولا عليه، كانت حائرة وتشعر بغضب من نبرة الأمر التي تحدث بها معها، كما كانت تتوخى الحظر بسبب فايز الذي بدا أنه يراقبها 
تحركت للمطبخ وأفرغت الأكياس وذهنها مشغول بتلك الفتاة ليان ومعرفته بها، ماذا تقرب له؟ ومن وافي؟ ولماذا يقوم بتوصيلها؟
أعدت الطعام وعادت لها حبيبة بعد أن استبدلت ملابسها وقالت "أحتاج لأموال للغد رهف، الاسبوع القادم بداية الامتحانات"
وضعت الطعام وقالت "لذا الدروس أصبحت مضاعفة"
تناولت حبيبة الطعام وقالت "نعم"
جلست هي الأخرى وقالت "حسنا، سأترك لكِ المال قبل أن أذهب بالصباح"
وصمتت وذهنها مشغول ولكن حبيبة قالت "ماذا قررتِ فعله بالعمل مع أبيه راكان؟"
رفعت عيونها لها وكأنها لم تكن ترغب بالتحدث عن الأمر ولكن حبيبة تعلقت بالأمل بحياة أفضل فقالت "أنتِ ترغبين بذلك العمل أليس كذلك؟"
أخفضت حبيبة عيونها للطبق وقالت "لأنه الأفضل رهف، لم لا ترغبين به؟"
تناولت الحساء وقالت "بل ما زلت أفكر حبيبة، راكان يريد كل ما لدي وأنا أحب عملي بالجامعة"
ابتسمت حبيبة وقالت "راكان يبدو رجل جيد، دافع عنكِ ووفر لنا الحماية بلا مقابل فلماذا تترددين بالعمل معه؟ أنا أرتاح له"
ظلت تنظر لحبيبة بدهشة وقالت "ترتاحين له!؟ كيف؟ لا أفهم"
ضحكت الفتاة وقالت "لا تذهبي لبعيد، أعلم أنه لو تزوج صغيرا لأنجب فتاة بعمري، أنا أقصد أني أقبل وجوده بحياتنا على خلاف فايز، هل تذكرين كم كنا نتشاجر كثيرا بسببه وأني لم أرغب به وكنت وما زلت أكرهه؟"
كانت على حق فهزت رأسها فعادت حبيبة تلف بالملعقة داخل الحساء وهي تحدق به ثم قالت "لكن راكان لا، راكان مختلف، ربما لديه ملامح جامدة لا تُظهر ما داخله لكن لا أعلم لماذا أشعر وكأني أعرفه جيدا"
ظلت رهف تنظر لها بصمت حتى عادت حبيبة لها وقالت "اعملي معه رهف، أعلم أني صغيرة على منحك نصيحة ولكن لطالما كنا صديقتين أليس كذلك؟"
عادت تهز رأسها فقالت حبيبة "حسنا فكري جيدا ولكن من فضلك لا ترفضي"
وصمتت الفتاة وهي تعود للطعام
قربهم منذ الصغر جعلهم أكثر من الأخوات، بالنسبة لها هي تشعر تجاها بالمسؤولية، ليس فقط كأخت كبرى ولكن كأم ومنحتها بالفعل مشاعر صادقة ونمت بينهم صداقة قوية 
الآن تشعر بأن الفتاة لديها أشياء خفية داخلها ربما لأول مرة تخفيها عنها وهي لن تجبرها عليها بل ستتركها حتى تخبرها بها وحدها
تعليقات



<>