رواية خيوط لاتري الفصل الثاني والعشرون22والاخيربقلم فاطمة مالكي
الخاتمه: إرث الحكيم.. ميثاقٌ لا ينفصم
(بعد مرور عشر سنوات)
لم تكن خيوط شمس القاهرة في صباح ذلك اليوم مجرد ضياء دافئ يعلن ميلاد جمعة مباركة، بل كانت أشبه بأصابع حريرية تمسح عن وجه قصر "الحكيم" عشر سنوات طويلة مضت على تلك الليلة الأسطورية التي زلزلت أركانه، وأعادت صياغة أقدار من فيه.
هذا القصر الذي طالما ساد في أرجائه الهدوء والسكوت الرتيب، استحال اليوم جنةً غناء تضج بالحياة، يعبق هواؤها برائحة القهوة المصرية الأصيلة، الممتزجة بعبير الشاي بالنعناع على الطريقة الجزائرية، ورائحة خبز الدار الطازج التي تملأ أركانه بالدفء والبهجة.
في الردهة الشرقية ذات الطراز العتيق، جلس عبد المعز على مقعده الخشبي الهزاز ببدلته الفاخرة التي لم يتخلَّ عن أناقتها يوماً، وقد خط الزمان على وجهه تجاعيد عميقة حانية؛ لم تكن تجاعيد شقاء أو ثقل كأيام عراكه الطويل مع الحياة، بل كانت تضج بوقار الرضا والسكينة. وبجواره، جلست رفيقة دربه الست أمينة متلحفة بعباءتها البيضاء الناصعة، تقبض بيديها على سبحتها العقيقية، وعيناها تفيضان بدموع دافئة وهي تراقب الصخب الدائر حولها.
دنت منها ابنتها رانيا، التي غدت سيدة مميزة تشع نضارة وحيوية، وطبعت قبلة دافئة على جبين والدتها. رانيا التي لم تهزمها الأيام يوماً وظلت متمسكة بروحها القوية وكبريائها، كانت اليوم تقف شامخة كأم وزوجة فخورة، بعد أن تزوجت من المهندس مروان—الذي أثبت لـ ياسين أنه رجلٌ بحق، وأحبها بصدق وغمر حياتها بالسعادة والدفء الذي تستحقه.
مسحت رانيا على يد والدتها بحنان وقالت بابتسامة عذبة: — تسلملي الحلاوة دي يا ماما.. عاملة إيه دلوقت؟ مرتاحة وسط الدوشة دي كلها؟
ابتسمت أمينة بصفاء وربتت على يد ابنتها بحب: — في نعمة وفضل يا قلب أمك.. طول ما شايفاكي مبسوطة وفي وسط عيلتك وجوزك صاينك وشايلك في عينيه، أنا بكون في ألف خير.
التفت عبد المعز إليهما، واعتدل في جلسته بوقاره المعهود، وقال بنبرة حنونة يملؤها الفخر: — مروان راجل وابن أصول يا أمينة، والحمد لله إن ربنا رزق رانيا باللي يقدرها ويعرف قيمتها بجد.
توردت وجنتا رانيا بخجل محبب، ونظرت لأبيها بامتنان وقالت: — ربنا يخليك ليا يا بابا.. استأذنكم أنا بقى أروح أشوف العيال بيعملوا إيه هناك عشان ما يقلبوش القصر!
استأذنت رانيا وغادرت بخطوات خفيفة تفيض حيوية لتلتحق بزوجها وأطفالها.
وبعد أن ابتعدت رانيا، مالت أمينة على زوجها عبد المعز، ووضعت يدها المرتجفة على يده الحانية، وهمست بصوت متهدج يرتجف بصدق المشاعر: — شايف يا عبد المعز؟ البيت اللي كان طول عمره هادي والسكوت مالي حيطانه.. ربنا بفضله ورحمته وببركة البنات الطيبين حنين وحنان قلبه وبقى جنة مليانة حياة.. كأن ربنا كافئنا على صبرنا وأنعَم علينا بلمّة العيلة والبركة دي كلها.
أمسك عبد المعز بكف رفيقة عمره الدافئ، وضغط عليه برفق مشوب بالهيبة والوقار، وعيناه ترنوان نحو السلم الرخامي الكبير بامتنان عميق وقال: — الحمد لله يا أمينة.. ربنا أتم نعمته علينا وبارك لنا في عمرنا عشان نشوف اليوم ده ونطمن عليهم. ياسين ابني بقى "الحكيم" بجد.. حكيم بقلبه ورحمته ولمة عيلته، مش بفلوسه وثقله ورجولته بس. بصي شوفي.. أهو نزل، سندي وظهري اللي بعتز بيه.
هبط ياسين الحكيم درجات السلم بخطواته العريضة الثابتة التي لم تفقد هيبتها يوماً، بل زادها الشيب الخفيف الذي خط صدغيه وسامةً وجاذبية تأسر القلوب. كان يحمل على كتفه طفله الأصغر "عبد المعز" (3 سنوات)، بينما تتشبث بيده ابنته "مريم" (10 سنوات). ومن خلفه، كانت حنين تخطو بدلالها المعهود ورشاقتها الفاتنة، عيناها العسليتان تشعان بالهدوء والسلام النفسي، تتابع طفلهما الأوسط "مازن الصغير" (8 سنوات) وهو يسير بوقار مصطنع يحاكي مشية والده.
اتجه ياسين مباشرة نحو والده، وانحنى ليقبل يده وجبينه بوقار شديد، ثم انحنى على يد والدته أمينة يقبلها، قبل أن يسلم طفله الصغير لجدته التي طوقته بذراعيها وهي تدعو بدموع تفيض حناناً: — ربنا يحميك يا ياسين يا بني.. ويخليلك مراتك البنت الأصيلة اللي نورت دنيتنا ودخلت السعادة لقلوبنا.
ابتسم ياسين وعينه تلمع ببريق هادئ، والتفت ليررحب بـ مروان زوج شقيقته الذي تقدم وصافحه باحترام متبادل، حاملاً ابنه الصغير "هاني" (5 سنوات)، بينما كانت ابنتهم الكبرى "ملك" (9 سنوات) تجري لتمسك بطرف فستان حنين وتطالب بقطع الحلوى.
في الحديقة الخلفية الشاسعة، وسط أشجار الياسمين الفواحة والورد البلدي الممتد على الجوانب، كان الصخب قد بلغ ذروته. لم يكن ما يحدث مجرد لعب أطفال، بل كان "برلماناً دولياً طريفاً" يجمع عشرة أطفال انقسموا إلى جبهتين؛ جبهة تتحدث بلهجة جزائرية، وجبهة تقاتل بلهجة مصرية شديدة الطرافة.
وقف "إياد" (10 سنوات)، ابن ياسين وحنين، والنسخة الكربونية المصغرة من أبيه في ملامحه الصقرية ونظراته الحادة. كان واضعاً يديه في خصره بغرور طفولي محبب، ويوجه تعليماته بلهجة جزائرية صارمة إلى ابنة عمه مازن، "ليليا" (8 سنوات)، التي كانت ترتدي فستاناً أبيض وتضج شقاوة وعناداً ورثتهما عن أمها حنان.
صاح إياد بنبرة قوية واثقة هزت جنبات الحديقة: — يا طفلة قتلك أحكمي البلاصة هادي! واش بيك ما تفهميش؟ هبلتيني! الماتش هادا تاع رجال، وإذا حابة تلعبي معنا، لازم تسمعي الهدرة وتكاحزي (تبتعدي) من قبال السيركل!
التفتت إليه ليليا، ووضعت يدها على خصرها الصغير بتحدٍ طفولي فاجأ الجميع، وأطلقت ضحكة ساخرة: — شكون هي الطفلة اللي تحكي عليها يا سي إياد؟ والله غير نلعب ونص! وباباك هو اللي قالي العبي و ماتخافي من حتى واحد و لي يقلقك أنا نضربو، وأنا راني نسالكم بيناتي (ضربة جزاء) ومنروحش من هنا حتان نلعبها!
وفي مواجهتهما، وقفت "ملك" (9 سنوات)، ابنة رانيا ومروان، ممسكة بكرتها الملونة الصغيرة، وعقدت حاجبها بغيظ شديد لعدم فهمها لمصطلحاتهما، ثم صرخت بنبرة حاسمة تفيض طرافة كأنها سيدة بيت مخضرمة: — بقولكم إيه يا بتوع الجزائر أنتوا! أنا مش فاهمة ولا كلمة من اللي بتقولوه ده! يعني إيه طفلة وبلاصة؟ اتكلموا عربي زينا يا جماعة! الكورة دي بتاعتي، وهلعب يعني هلعب.. والنعمة لو مخلتنيش أشوط هروح أقول لخالو ياسين وهو هيحبسكم في الأوضة!
انفجر الصغير "ياسين الصغير" (ابن مازن وحنان، 10 سنوات—البكر الذي ولد مع توأم ياسين) ضاحكاً، وحاول فض الاشتباك بنبرة حكيمة متأثرة بوقار خاله ياسين، فخاطب ابن عمته قائلاً: — خليها تلعب معانا يا إياد، راهي صغيرة مسكينة وبنت عمتنا، لازم نلعبو كامل كيف كيف بلا ما نزعفوها.
لكن المعركة لم تنتهِ هنا؛ فقد تدخل باقي الأطفال؛ فوقفت الطفلة "حنين الصغرى" (6 سنوات، ابنة مازن) وبجانبها أختها الرضيعة "مليكة" في عربتها، والتوأم "مريم" (ابنة ياسين) تحاول تهدئة أخيها إياد، بينما انضم الصغير "هاني" (ابن رانيا) إلى شقيقته ملك وهو يشير بإصبعه الصغير مهدداً بلهجة طفولية: — أنا كمان العب كورة.. كورة بتاعن ملوكا!
على الشرفة العريضة المطلة على هذا الصخب اللذيذ، كان مازن يجلس برفقة زوجته حنان، وقد تداخل البياض بشعره الأسود الكثيف لكن روحه الشقية وعيونه المشاكسة لم تتغير. ضرب مازن كفاً بكف وهو ينفجر ضاحكاً من قلبه بصوته الرنان: — يخرب عقولهم! شفت يا ياسين؟ عيالك وعيالي وعيال رانيا عاملين برلمان دولي تحت الشجرة! إياد ابنك ده نسخة منك، طاغية صغير ومش عايز يسيب بنتي ليليا في حالها من صغرهم. وقسماً بالله ليطلع عينه لما يكبروا، البت واخدة عناد حنان، والعناد ده لما بيشتغل بيحرق الأخضر واليابس ومبيسمعش لحد!
ابتسمت حنان بغمزة ذكية وهي تداعب كتف زوجها: — جرى إيه يا مازن؟ بنتك بـ ١٠٠ راجل وبتدافع عن مكانها.. ولا تحب تطلع مغلوبة على أمرها زي ما كنت بتعمل زمان؟
عقّب ياسين الحكيم بابتساسة وقورة دافئة وهو يقف بجوارهما، ووضع يده بثقة على كتف رفيق عمره وصاحبه وقال: — وإنت فاكر إني هسيب بنت مازن تروح لغير ابني؟ إياد مش بس واخد اسمي وملامحي، ده واخد قلبي وعقلي كمان.. وليليا هي الحصن والوطن اللي هيتحكم فيه وينتمي ليه لما يكبر. إحنا بدأنا الحكاية دي بالتعب والكفاح والدموع، وهما هيكملوا الأسطورة بالحب.
مع اقتراب الظهيرة، التأم شمل العائلة الكبيرة حول طاولة ملكية ضخمة شُيدت في قلب الحديقة تحت ظلال الأشجار الوارفة.
تصدر عبد المعز باشا رأس المائدة ببدلته الرسمية الفاخرة ووقاره الأبوي، وبجانبه الست أمينة والعم مصطفى بزيّه الجزائري التقليدي الأصيل ووقاره الشامخ، بينما كانت الخالة زليخة تشع بوجه بشوش تملؤه البركة وهي توزع بحنان بالغ أطباق "الكسكسي" بالخضار واللحم و"الشخشوخة" البسكرية، وتضعها بجوار صواني "المحشي" و"البط" المصرية التي أعدتها الست أمينة ورانيا وحنان، في تناغم بديع هدم كل حواجز الجغرافيا واللغات.
كانت حنين تجلس بجوار ياسين، ترمقه بعينين تلمعان بالحب والامتنان الفائق وهي تراه يقطع اللحم الطري ويضعه بيديه في صحن والده ووالدته أولاً، ثم يدير كأسه ليصب الماء للعم مصطفى والخالة زليخة، بعفوية رجل تشرّب معنى البر والأصول.
قالت حنان وهي تضحك وتحاول السيطرة على حركة طفلها الصغير: — شفتي يا حنين؟ ولادنا كبروا ولسانهم طوال أكثر مننا حاجة تبرد القلب.. حتى ولاد مازن وياسين خلاص، بقوا يهدرو ويفهموا جزائري ومبقا يفوتهم والو في الهدرة!
ضحك مروان (زوج رانيا) وعلق قائلاً: — ده أنا بقيت أسمع حنان وحنين وهما بيتكلموا في المطبخ بالجزائري، أقول خلاص حرب البسوس قامت والبيت هيتهد، وأكتشف في الآخر إنهم بيتفقوا على تتبيلة الفراخ!
ساد الضحك والمرح أرجاء المائدة، وتمازجت الضحكات الصافية بصوت ملاعق الأطفال وصراخهم الطريف طلباً للطعام. وفجأة، ساد صمت دافئ حين وضع عبد المعز مسبحته ببطء على الطاولة، وتطلع إلى ابنه ياسين بعينين رقرقت فيهما دموع الفخر والامتنان. وبحشرجة في صوته أظهرت مدى تأثره بهذه اللحظة المباركة، قال الباشا بصوت متهدج:
— ياسين يا بني.. أنا عشت عمري كله بعافر وأشتغل عشان أعملكم اسم كبير وظهراً حامي يرفع رأسكم في كل مكان. بس النهاردة، وأنا شايف لمتنا دي، وشايف ولادكم حوليا.. عرفت إن أكبر نجاح حققته في حياتي مش الشركة ولا السوق.. النجاح الحقيقي هو أنتم. تسلم إيدك يا بني.. وتسلم رجولتك وحكمتك اللي جمعت العيلة دي وصانتها ووسعت مطرحها. أنا مطمن دلوقتي أكتر من أي وقت فات، وعارف إن بيت آل الحكيم هيفضل دايماً عامر بالحب والبركة والجدعنة.
تأثرت القلوب بكلمات الأب الصادقة التي جاءت كشهادة فخر وتاجٍ على رؤوس الجميع. اغرورقت عينا الست أمينة بدموع الفرح، واقتربت حنين بحسها الأنثوي الدافئ وحضنت يد حماتها تقبلها برفق، بينما ابتسمت رانيا بامتنان وهي تمسك بيد زوجها مروان الذي نظر إليها بحبٍ وطمأنينة.
أمسك ياسين يد والده، وقبل كفه باحترام وعاطفة جياشة، وقال بنبرة رخيمة تفيض هيبة ومحبة عميقة: — بعد الشر عليك يا حاج.. ربنا يطول في عمرك وتفضل تاج على رأسنا، وتشوف ولاد ولادنا بيشيلوا اسمك بكل فخر. القصر ده جدرانه اتعجنت بطعم الحب. إحنا بنينا إمبراطورية اقتصادية ضخمة بره وبقى لينا اسم يهز السوق، بس الإمبراطورية الحقيقية والغالية فعلاً هي اللي قاعدين قدامي دلوقتي حولين المائدة دي.
مع ميلاد لحظات الغروب الساحرة، وهبوط خيوط الشمس الذهبية الأخيرة وراء الأفق لتترك سماء القاهرة بلونها القرمزي الآسر، أضاءت أنوار الحديقة الدافئة تلقائياً لتنعكس على وجوه الحاضرين بسحر لا يوصَف.
استأذن ياسين الجميع، وطلب تشغيل معزوفتهم المفضلة التي رافقت خطى رحلتهم الطويلة وشهدت على عهودهم الأولى. صدح صوت الفنان "بلال الصغير" بأغنيته الشهيرة ليمتد في أرجاء الحديقة الهادئة كسحر يلامس شغاف القلب.
نهض ياسين بوقاره المعهود وهيبته الإمبراطورية، وتمشى بخطوات واثقة ثابتة ونظراته معلقة بالكامل بزوجته وملهمته حنين. وبكامل العشق، انحنى قليلاً ومد كفه إليها أمام عائلته وأبنائهما الأربعة الذين التفتوا حولهما يراقبون المشهد بشغف طفولي وابتسامات حية تملأ الوجوه.
وقفت حنين، ووضعت يدها الناعمة الرقيقة في كفه القوية الدافئة، وبدآ يتمايلان بهدوء وانسجام تام تلاشت فيه كل حواجز السنين وعقبات الأيام، يرقصان رقصة الروح التي تعلن انتصار الحب على الحرب، واللين على القسوة.
وفي لفتة عفوية خطفت قلوب الجالسين، وأبكت الست أمينة من فرط تأثرها وجعلت مازن يصفق بحماس؛ اقترب الصغير "إياد" من "ليليا"، ونظر إليها بذات النظرة الصقرية الحامية التي تميز والده ياسين، ثم أمسك يدها بتقليد طفولي دقيق لوالده، ليبدأ الصغار يتمايلون مع الكبار في لوحة فنية بديعة لخصت حكاية عقد من الزمان انتقل فيه الإرث بحذافيره.
انخفض ياسين برأسه قليلاً نحو أذن حنين، وهمس بصوت دافئ يرتجف بالمشاعر الصادقة الخالصة: — نحبك يا حنين.. نحبك لآخر نفس في صدري. إنتِ المعجزة الوحيدة اللي خلت الأسد يركع قدام الحب ويكسر جليده، والوطن الغالي اللي لقيت فيه راحتي وأماني بعد طول سنين الغربة والتعب. ربي يحفظك ليا يا لاله حنين يا معشوقة قلبي.
أغلقت حنين عينيها براحة تامة، واستندت برأسها على صدره العريض والصلب، وهي تستمع لدقات قلبه المنتظمة القوية التي تعزف لحن الأمان والوفاء، مدركة بيقين لا يتزعزع أن "إمبراطورية الحكيم" لن تسقط أو تهتز أبداً؛ لأن أساسها لم يُبنَ من مال أو نفوذ أو جدران صماء، بل كان عشقاً صادقاً كُتب بلغة الروح.. وميثاقاً غليظاً لا ينفصم.
تمت
