رواية خادمتي الصامته الفصل الثاني والعشرون22بقلم اسماعيل موسي

رواية خادمتي الصامته الفصل الثاني والعشرون22 بقلم اسماعيل موسي
لم يكن محروس بحاجة إلى أن يرفع صوته كي يجعل كلماته تسري في العزبة، فقد عرف منذ سنوات أن الشائعة إذا خرجت من فم الرجل المناسب لا تحتاج إلى أكثر من آذان.

وكان يعرف أيضًا أن الناس لا يصدقون الشائعة لأنها صحيحة، بل لأن تصديقها يمنحهم تفسيرًا سهلًا لما يعجزون عن فهمه، ويمنح بعضهم لذة خفية في رؤية من يظنونه أعلى منهم ينحدر إلى موضعهم.

كانت كلماته عن تقى قد بدأت تنتقل من بيت إلى بيت، ومن مجلس إلى آخر، حتى صار اسمها يُذكر همسًا عند الأبواب وفي الطرقات، مقرونًا بكلام يمس سمعتها ويشوّه صورتها في أعين أهل العزبة.
وكلما أعاد أحدهم الحكاية، أضاف إليها شيئًا من خوفه أو حقده أو رغبته في أن يكون جزءًا من سر لا يعرفه أحد، حتى لم تعد تقى في ألسنتهم فتاة بعينها، بل صارت صورة صنعوها من ظنونهم، ثم راحوا يحاكمونها على أساسها.

ومع ذلك لم يصل شيء من ذلك إلى نوح باشا، فقد بقي القصر بعيدًا عن تلك الأحاديث، وظل نوح يعيش أيامه دون أن يعرف أن شيئًا من هذا الكلام كان يدور خلف الأسوار.

 أما محروس فكان يتابع الأمر بصبر، ينتظر اللحظة التي يستطيع فيها أن يجعل ما يقال في العزبة يصل إلى الباشا على هيئة حقيقة لا شائعة. لم يكن يريد مجرد تشويه تقى، بل كان يريد أن يزرع في قلب نوح شكًا لا يموت بسهولة؛ شكًا يجعل كل صمت منها دليلًا، وكل ارتباك اعترافًا، وكل محاولة للدفاع عن نفسها علامة على أنها تخفي شيئًا
وكانت الفرصة التي انتظرها أقرب مما ظن.

في ذلك الصباح خرجت تقى إلى مزرعة الدجاج، تحمل ما اعتادت أن تحمله من أعمال القصر، ولم تكن تعرف أن عينًا تراقبها منذ لحظة خروجها، وأن محروس  قد ترك ما في يده ولحق بها من بعيد، متعمدًا أن يختار مكانًا لا يكثر فيه المارة ولا تصل إليه أصوات القصر بسهولة.

كان يمشي خلفها وهو يقنع نفسه بأنه لا يفعل شيئًا يستحق اللوم، وأنه إنما يسترد حقًا يراه ضائعًا، لكن شيئًا في داخله كان يعرف الحقيقة، لم يكن يلاحقها لأنه يملك حقًا عليها، بل لأنه لم يحتمل أن تظل بعيدة عن متناول يده.
كانت تقى تمضي بين الأشجار حين سمعت وقع خطوات خلفها، فالتفتت، فرأت هجرس يقترب منها.

توقفت لحظة، وشعرت بأن جسدها سبق عقلها إلى فهم الخطر، ثم واصلت طريقها دون أن تمنحه اهتمامًا،لكنها كانت تسمع خطواته تقترب، وتسمع معها دقات قلبها وهي تتسارع رغم محاولتها أن تبدو ثابتة، أسرع حتى أدركها، ومد يده نحوها.
تراجعت تقى في الحال، وأدركت من نظرته أنه لم يأتِ لحديث عابر ، لم تكن نظرته تحمل سؤالًا يمكن أن تجيب عنه، بل امتلاكًا صامتًا،  مثل نظرات العمدة وكل رجال العزبه، كأنه جاء ليستعيد شيئًا يظن أنه صار له، مع أنها لم تكن يومًا شيئًا يملكه.
حاول أن يمسك بذراعها، فانتزعت نفسها منه، ثم تراجعت خطوة أخرى وهي تهز رأسها بعنف، لكن محروس لم يتراجع، بل مد يده إليها مرة ثانية، وكأن خوفها لم يكن يعني له شيئًا وربما كان خوفها يعني له أكثر مما ينبغي، لأنه رأى فيه اعترافًا بسلطته، ولم يفهم أن الخوف لا يمنح صاحبه حقًا، بل يكشف فقط مقدار ما يستطيع أن يسببه من أذى،اندفعت تقى بعيدًا عنه.
حاول اللحاق بها، لكنها كانت أسرع مما توقع، فقد عاشت عمرها كله في الحقول والأزقة، وعرفت كيف تهرب بين الأشجار والحواجز الترابية، بينما كان هو يلاحقها غاضبًا، يصيح خلفها ويهددها.

 لم تكن تسمع الكلمات كاملة، لكنها كانت تسمع نبرته، وكانت النبرة وحدها كافية لتخبرها أن ما سيحدث إن أمسك بها لن يكون أقل قسوة مما تخشاه،لم تلتفت
كانت تعرف أن التوقف يعني أن تقع بين يديه، ولذلك واصلت الركض بكل ما بقي في جسدها من قوة، حتى ابتعدت عن القصر وعن المزرعة وعن الطريق الذي تعرفه، وصارت الأشجار والحقول تتعاقب حولها دون أن تعرف إلى أين تأخذها قدماها.

كان الخوف يدفعها إلى الأمام، لكنه كان ينتزع منها قدرتها على التفكير؛ لم تعد تبحث عن طريق، بل عن نجاة، ولم تعد تعرف إن كانت تهرب من محروس  وحده أم من كل ما يمكن أن يفعله بها إذا عادت،لم تتوقف إلا بعدما أعياها الركض
التفتت خلفها،لم تره،
كانت أنفاسها متقطعة، وقلبها يخبط في صدرها بعنف، ويداها ترتجفان، لكنها لم تعد قادرة على العودة من الطريق نفسه. ظلت تمضي بعيدًا، لا تبحث عن مكان بعينه، وإنما تبحث فقط عن مسافة تفصلها عنه وكلما فكرت في التوقف، تخيلت يده وهي تمتد إليها من جديد، فعاد جسدها إلى الحركة قبل أن يتخذ عقلها قرارًا.
أما محروس، فقد وقف وحده بعد أن أدرك أنها أفلتت منه،
كان يستطيع أن يعترف بفشله، لكنه لم يكن من الرجال الذين يحتملو أن يعودوا خائبين.
لم يكن يخشى أن يقال إنه عجز عن الإمساك بفتاة، بقدر ما كان يخشى أن يضطر إلى مواجهة نفسه، وأن يعترف بأن تقى لم تهرب لأنها مذنبة، بل لأنها رأت فيه خطرًا،والأسوأ من ذلك أنه كان يعرف أن مجرد افتضاح ما فعله قد يقلب الأمر عليه، لذلك احتاج إلى حكاية أخرى، حكاية تجعل هروب تقى يبدو جريمة لا فرارًا منه، وتمنحه هو دور الرجل الذي كشف الخيانة بدل أن يكون الرجل الذي دفعها إلى الهرب.

وحين عاد إلى القصر لم يتوجه إلى أحد من رجال العزبة، ولم ينشر ما حدث بينهم كما فعل من قبل، بل انتظر حتى سنحت له الفرصة التي يستطيع فيها أن يقف أمام نوح باشا وحده. كان يعرف أن الكذبة حين تُقال أمام جمع من الناس تصبح قابلة للنقاش، أما حين تُقال في لحظة مناسبة لرجل واحد، فإنها تتسلل إلى داخله قبل أن يجد من يردها،
وحين وجد نوح، تقدم إليه بوجه يحمل من الاضطراب ما يكفي لإثارة انتباهه.
 لم يكن اضطرابه كله مصطنعًا؛ فقد كان خائفًا بالفعل، لكن خوفه لم يكن على تقى، بل على نفسه، وعلى أن تنكشف صورته الحقيقية خلف القصة التي جاء بها،
قال محروس  إن تقى هربت.
رفع نوح عينيه إليه، وسأله عن السبب.
وهنا ألقى هجرس بالكذبة التي أعدها في الطريق، كان قد رتبها في ذهنه أكثر من مرة، وحذف منها ما قد يثير الشك، وأبقى على ما يعرف أنه يوقظ غضب نوح ويجرحه في أكثر مواضع كبريائه حساسية.
قال إنها سرقت ذهب الباشا ثم هربت، وإنها لم تكن كما ظنها نوح، وإن ما حدث في العزبة لم يكن سوى بداية للحقيقة التي لم تظهر كاملة بعد، ظل نوح ينظر إليه دون أن يقاطعه.
فأضاف محروس  أن تقى لم تكتفِ بالسرقة، بل راحت تتحدث عن الباشا داخل العزبة، وتدعي أن بينهما علاقة، وأنها كانت تتباهى أمام الناس بقربها منه، وأنها استغلت مكانتها في القصر لتصنع لنفسها شأنًا لم يكن لها.

كانت الكلمات ثقيلة، لكنها خرجت من فم محروس  متتابعة، كأنه يريد أن يغمر نوح بها قبل أن يجد فرصة للتفكير.
كان يخشى الصمت بين جملة وأخرى، لأن الصمت يمنح الحقيقة فرصة للظهور، لذلك ملأه بالكلمات، وبالتفاصيل التي لم يسأله عنها أحد، وبنبرة رجل يزعم أنه جاء ليحمي كرامة سيده بينما كان في الحقيقة يحاول أن يلوث كرامة امرأة لم تستطع أن ترد عليه.

ثم قال إن على الباشا، إن أراد أن يتأكد، أن يسأل أي رجل من رجال العزبة، وسيقول له الكلام نفسه، لأن الجميع يعرفون ما كانت تقى تقوله عن علاقتها به،كان نوح صامتًا،
لم يجب على الفور، ولم تظهر على وجهه تلك الصدمة التي كان هجرس ينتظرها، وإنما ظل ينظر إليه نظرة طويلة، كأن عقله يعيد ترتيب كل كلمة سمعها ويضعها إلى جوار ما يعرفه عن تقى.
 لم يكن صمته دليلًا على تصديق، لكنه لم يكن رفضًا صريحًا أيضًا، وهذا ما جعل محروس  يتشبث بالأمل.

 أما نوح فكان يشعر بشيء أثقل من الغضب يتشكل داخله، إحساس بأن أحدًا يحاول أن يدفعه إلى كراهية شخص لم يمنحه فرصة للدفاع عن نفسه.
كانت تقى بالنسبة إليه فتاة عرفها في أضعف حالاتها، ثم رأى كيف حملت العمل فوق كتفيها دون شكوى، وكيف حفظت كرامتها وهي لا تملك من الدنيا شيئًا، وكيف بقي صمتها هو الشيء الوحيد الذي لم تستطع الحياة أن تنتزعه منها.
كان يعرف أن صمتها لم يكن فراغًا، بل حصنًا بنتْه حول نفسها بعدما تعلمت أن كل كلمة قد تُستخدم ضدها، وأن الفقراء لا يملكون رفاهية الخطأ، لأن خطأهم لا يُغتفر بينما يُسمى خطأ الأقوياء نزوة عابرة.

أما أن تكون قد سرقت ذهبه، ثم راحت تتحدث عن علاقة بينهما، فذلك لم يكن مجرد خبر يصعب تصديقه، بل كان شيئًا يتناقض مع كل ما عرفه عنها.
 لم يستطع أن يتخيلها وهي تستخدم اسمه لتتباهى، لا لأنها عاجزة عن الكلام، بل لأنها كانت تعرف أن قربها منه قد يكون عبئًا عليها أكثر مما هو امتياز.
 وكان يتذكر نظراتها كلما اقترب منها، ذلك الحذر الذي لم يفهمه في البداية، ثم أدرك أنه لم يكن خوفًا منه وحده، بل خوفًا من العالم الذي لا يرحم امرأة إذا ظن أنها اقتربت من رجل أعلى منها.

ومع ذلك ظل محروس  واقفًا أمامه، ينتظر أن يرى أثر كلماته، كان يراقب وجه نوح كما يراقب الصياد فريسته، يبحث عن ارتعاشة غضب أو لمعة شك، عن أي علامة تؤكد أن الحكاية وجدت طريقها إلى قلبه،لكنه لم ير شيئًا، فبدأ يشعر بأن كذبته لا تستقر، وأن كل كلمة قالها تعود إليه كأنها اتهام له هو،
وقال مرة أخرى، محاولًا تثبيت روايته، لو سألت أي واحد في العزبة يا باشا، هتسمع الكلام نفسه،عندها رفع نوح عينيه إليه
كانت نظراته هادئة، لكن هدوءها لم يكن مطمئنًا. كان هدوء رجل لم يحسم حكمه بعد، لكنه بدأ يعرف أن أمامه من يحاول أن يحسمه نيابة عنه.
 وفي تلك اللحظة شعر محروس  بأن المسافة بينه وبين نوح قد اتسعت فجأة، وأنه لم يعد يقف أمام سيد ينتظر خبرًا، بل أمام رجل بدأ يسأل نفسه لماذا جاءه هذا الخبر بهذه السرعة، ولماذا جاءت كل تفاصيله جاهزة، ولماذا كان هجرس حريصًا على إدانة تقى أكثر من حرصه على البحث عنها.

ولم يعرف محروس  في تلك اللحظة أن الكذبة التي ظن أنه أحكم إغلاقها بدأت تترك ثغرة صغيرة، وأن نوح باشا لم يكن الرجل الذي يصدق حكاية لمجرد أن كثيرين قد يرددونها.

في الوقت الذي كان فيه محروس  ينسج روايته أمام نوح باشا، كانت الخيوط الأخرى من المؤامرة قد اكتملت في مكان آخر من العزبة
كانت مريم قد نفذت ما اتفقت عليه مع محروس، وسرقت ذهب نوح باشا من حيث كان محفوظًا، ثم أخفته بالطريقة التي تجعل الشبهة تتجه إلى تقى وحدها، وكان محروس ينتظر وصول الذهب إليه، لا بوصفه مجرد غنيمة، وإنما بوصفه الدليل الذي سيمنحه القدرة على إحكام الطوق حول الفتاة وإبعادها عن القصر
وحين وصل الذهب إلى يده، أمسكه محروس لحظات طويلة، يتفحص القطع الذهبية تحت ضوء خافت، وكانت الغوايش تلمع في راحته بلمعان بارد لا يشبه فرحة المال بقدر ما يشبه نشوة رجل رأى خطته تقترب من نهايتها
لم تكن مريم بعيدة عنه، وكانت تعرف أن ما فعلته في ذلك اليوم قد جعل عودتها إلى الوراء مستحيلة، لكنها لم تكن تفكر في تقى بقدر ما كانت تفكر في نصيبها مما وعدها به محروس، أما هو فقد كان أكثر دهاء، فقد أخفى الذهب في موضع لا يمكن أن يصل إليه أحد، ثم ترك الحكاية تمضي كما أراد لها أن تمضي، تقى تهرب، والناس يتحدثون، ومحروس يقدم روايته، ونوح يقف في المنتصف محاصرًا بأخبار لا يعرف أيها الحقيقة
وفي ذلك اليوم نفسه لم تظهر تقى مرة أخرى
مر الصباح، ثم انتصف النهار، ثم أخذت الشمس تميل ببطء نحو الغرب، ولم تعد الفتاة إلى القصر، ولم تظهر في الطريق المؤدي إلى العزبة، ولم يسمع أحد صوت خطواتها بين البيوت أو في الحقول
وفي البداية ظن بعضهم أنها ستعود حين يهدأ خوفها، ثم مضت الساعات ولم تعد
أما نوح، فكان غيابها يزداد ثقلًا في نفسه كلما طال الوقت، فقد كان يعرف أنها لم تكن من النوع الذي يترك مكانًا آمنًا دون سبب، وأن الفتاة التي قضت حياتها كلها تبحث عن سقف يحميها لن تختار الهرب إلى المجهول إلا إذا شعرت بأن بقاءها أصبح أخطر من الرحيل،ولم يكن يعرف أين ذهبت
بعيدًا عن القصر، كانت تقى قد وصلت إلى مكان لم تعرفه من قبل، مكان انقطع فيه الطريق الترابي عن البيوت، وابتعدت فيه أصوات الناس حتى لم يبق حولها إلا الحقول الممتدة والسماء الواسعة
كانت قد مشت طويلًا دون أن تعرف إلى أين تتجه، حتى خانتها قدماها، فجلست تحت شجرة كبيرة عند حافة أرض زراعية، وأسندت ظهرها إلى جذعها، ثم تركت جسدها يهبط ببطء كأنها لم تعد تملك القوة لتبقيه منتصبًا
لم تكن تشعر بالجوع وحده، ولا بالتعب وحده، وإنما كان داخلها شيء أشد قسوة من الاثنين،كانت وحيدة
ولأول مرة منذ عادت إلى قصر نوح، لم يكن هناك باب تستطيع أن تطرقه، ولا وجه مألوف يمكن أن تنظر إليه، ولا مكان تعرف أنها ستعود إليه في نهاية النهار
امتدت الحقول أمامها حتى الأفق، وكانت النباتات تتحرك ببطء تحت نسمة المساء، أوراقها تتلامس ثم تفترق، كأنها تتحدث بلغة لا تصل إلى البشر
وفوقها كانت السماء تتغير ببطء، فقد انحسر ضوء النهار من أطرافها، وبقيت في الغرب مسحة شاحبة من الذهب، بينما بدأت طبقات من الغيم تتجمع في الجهات البعيدة، وتحولت الأرض شيئًا فشيئًا إلى كتلة واسعة من الظلال
كانت الطيور تعود إلى أعشاشها، تطير في جماعات صغيرة فوق الأشجار ثم تختفي بين الأغصان، وفي مكان بعيد كان صوت ماء يسير في ساقية لا تُرى، رتيبًا ومنتظمًا، كأنه نبض خافت لذلك العالم الذي لم يتوقف رغم أن حياتها توقفت فجأة،ضمت تقى ذراعيها حول جسدها،لم تبكِ في البداية
كانت قد تجاوزت مرحلة الدموع، أو ربما كانت الدموع أكبر من أن تجد طريقها إلى الخارج، فقد تراكم في صدرها من الخوف والخذلان ما جعلها عاجزة حتى عن البكاء
تذكرت أباها وهو يتبرأ منها أمام العمدة
وتذكرت غرفة الحجز، والجدران الطينية الباردة، والليل الطويل الذي ظنت أن الشرطة ستأتي بعده فتقول كلمة تنهي الظلم،ثم تذكرت نوح
تذكرت كيف حملها من الوحل، وكيف أشعل المدفأة، وكيف أعطاها ثيابه دون أن يسألها عن شيء، وكيف جلس ينتظر خروجها من الحمام دون أن يجعلها تشعر بالخوف منه
لكن تلك الذكريات نفسها كانت تؤلمها الآن
لأنها لم تعد تعرف إن كان يصدقها أم لا
وربما كان هذا هو أقسى ما في الأمر كله
أن يكون هناك شخص واحد في العالم ظنت أنه سيرى حقيقتها، ثم تجد نفسها بعيدة عنه، لا تستطيع أن تشرح له شيئًا، ولا تملك وسيلة للعودة إليه،حل الليل فوق الحقول
واختفت آخر خيوط الضوء من السماء، وبدأت النجوم تظهر واحدة بعد أخرى في الفراغ الداكن، بينما أخذت الريح تزداد برودة وهي تمر بين سيقان الزرع
انكمشت تقى تحت الشجرة، ووضعت رأسها على ركبتيها
كانت تسمع أصواتًا لا تعرف مصدرها، حركة حيوان بين الأعشاب، حفيف أوراق، نداء طائر بعيد، ثم صمتًا طويلًا لا يقطعه سوى الريح
كل شيء حولها كان حيًا، إلا أنها شعرت بأنها منفصلة عن الحياة
كانت الحقول تمتد بلا نهاية، لكنها لم تجد فيها مأوى
والسماء كانت واسعة إلى حد يجعل وحدتها أكثر وضوحًا
والليل، بدلًا من أن يسترها، جعلها تشعر بصغرها وضعفها، كأنها نقطة ضائعة في مساحة لا يعرفها أحد
رفعت رأسها إلى السماء
ظهر القمر بين السحب للحظات، ثم غاب، وعندما عاد ضوؤه الخافت سقط على أطراف الحقول، فأظهر أوراق النباتات وهي ترتجف تحت الريح، ثم انطفأ كل شيء مرة أخرى عندما غطته الغيوم،ظلت تقى في مكانها، لم تكن تعرف كم من الوقت مر
ولم تكن تعرف أين ستنام، ولا ماذا ستفعل في الصباح، ولا إن كان عليها أن تعود إلى العزبة أو أن تواصل السير حتى تصل إلى مكان لا يعرفها فيه أحد
كل ما كانت تعرفه أنها لا تستطيع العودة الآن
فقد تركت خلفها عالمًا لم يعد لها فيه بيت، ولا أب، ولا اسم تستطيع أن تحتمي به
وفي تلك العزلة، بينما كانت العزبة تواصل حياتها من دونها، كانت تقى تكتشف للمرة الأولى معنى أن يكون الإنسان وحيدًا حقًا؛ أن يكون محاطًا بكل هذا الاتساع، ولا يجد في العالم كله يدًا واحدة تمتد إليه
تعليقات



<>