
رواية عيون الاسد الفصل الثاني والعشرون22 بقلم اميرة خالد
رفعت "ليالي" تليفونها بغضب أعمى، وطلبت فوراً رقم الراجل اللي مزروع يراقب "يعقوب".. ثواني ورد عليها بصوت ملهوف: – أيوة يا هانم.. أنا كنت لسه هكلمك حالا أبلغك!
قالت ليالي بنبرة صارمة وقوية: – بلا كلام كتير.. أنا عايزة أعرف حالا الهانم اللي جوه دي مالها وبتعمل إيه هناك؟!
رد الراجل بطاعة: – حاضر يا هانم.. خمس دقائق بالعدد وأجيب لك الخبر الأكيد.
قالت ليالي بحدة وهي ماسكة التليفون: – إياك تقفل السكة! أنا على الخط معاك.. ادخل دلوقتي واسأل واعرف لي كل حاجة بالتفصيل!
– حاضر يا هانم، ثواني أكون عندك.
دخل الراجل وقرب من مكتب الاستقبال، ووقف قدام واحدة من الممرضات وقال بلهفة: – لو سمحتِ.. عايز أعرف المدام اللي جوه دي مالها وعندها إيه؟
بصت له الممرضة باستغراب وريبة شديدة، وقالت: – هو إيه الحكاية؟! كل شوية حد يسأل عليها.. هو حضرتك صحفي ولا إيه؟!
بلع الراجل ريقه بسرعة وقال بكذب عشان يخلص: – أيوة.. أيوة صحفي! ممكن بقى تقولي لي هي عندها إيه بسرعة؟
بصت له الممرضة ببرود وقالت: – حاضر.. بس بشرط واحد، تكتب اسمي في الخبر وتشكرني!
رد بضيق وهو بيجز على أسنانه: – حاضر حاضر.. قولي بقى بسرعة خلصيني!
قالت الممرضة: – عندها ضعف عام وهبوط شديد.. والمفاجأة إنها "حامل في الشهر الأول"، والدكتورة كتبت لها على محاليل وأبر تثبيت عشان وضعها خطر!
ابتسم الراجل بخبث وقال: – تمام قوي.. تسلمي.
سابها وخرج من باب المستشفى وهو ماشي بسرعة، وكان التليفون مفتوح وليالي سامعة كل كلمة دارت بينه وبين الممرضة بحذافيرها!
قالت ليالي بصوت مرعب وعيونها بتطلع شرار أول ما سمعت خبر الحمل: – بقى حامل.. والست هانم بتلعب لعبتها وعايزة تربطه بعيل؟! وحياة ما أنا ما هخليها تتهنى لا على اللي في بطنها ولا على حياتها دي كلها!
جوة أوضة المستشفى، بدأت "عين" تفتح عينيها ببطء وصعوبة، وحركت راسها بتعب وهي مش مستوعبة المكان.
قربت منها "إنجي" بلهفة وفرحة عارمة ودموعها نازلة: – الحمد لله.. أنتِ كويسة يا حبيبتي؟! حاسة بإيه؟!
بصت لها عين بصوت ضعيف ومقطع: – أنا.. أنا بعمل إيه هنا؟!
طبطبت إنجي على إيدها بحب: – ما أنتِ تعبتي وفجأة أغمى عليكِ يا حبيبتي، وأنا اترعبت عليكِ وجبتك المستشفى هنا.
وقبل ما عين ترد، قرب "يعقوب" بخطوات سريعة ولهفة واضحة على وشكليته، وقعد جنبها وهو بيبص لها بعيون مليانة شوق وقلق: – أنتِ كويسة يا حبيبتي.. حاسة بوجع فين؟!
رفعت "عين" عينيها وبصت له بنظرة قوية وصارمة، ورجعت غمضت عينها وفتحتها تاني كأنها بتتاكد إن ده حقيقة مش وهم.. وقالت بنبرة منكرعة ومستنكرة: – هو.. هو أنا مش بحلم؟! أنت.. أنت موجود هنا بجد؟!
مسك "يعقوب" إيدها برقة وحنان عشان يحتويها، وقال بصوت دافئ ومؤكد: – أيوة يا حبيبتي.. أنا هنا، وجنبك ومش هتحرك من قدامك أبداً.
وبكل عزم وقوة باقيين فيها، شدّت "عين" إيدها من إيده بسرعة وبرفض قاطع، وبصت ناحية التانية عشان ما تبصش في وشّه أبداً!
بص "يعقوب" لـ "جاسر" بنظرة حادة تحمل معنى واضح، وفهم جاسر بسرعة هو عايز إيه. قرب جاسر من "إنجي" وقال بصوت هادئ ومقنع: – تعالي يا إنجي.. أنا عايزك في كلمتين برّه.
ردت إنجي بجدية وعناد: – مفيش كلام بينا، وأنا مش هسيب أختي لوحدها مع البني آدم ده!
وطى جاسر صوته وقال بنبرة جدية: – اسمعي مني بس.. ده موضوع مهم بيخص عين وصحتها، تعالي نتصرف برّه ثانية واحدة.
وقفت إنجي بسرعة وقلقها زاد، وبصت لـ "عين" وهي بتطمنها: – طب يا حبيبتي، أنا رايحة الحمام وجاية حالا مش هأخر عليكِ.
هزت "عين" راسها بتعب وهي بتقول بصوت ضعيف: – ماشي يا حبيبتي.. متتاخريش.
– حاضر، وهجيب لك معايا عصير يروق دمك.
خرجت إنجي ورا جاسر وقفلت الباب وراها.. وفي اللحظة دي، اتحرك "يعقوب" بسرعة البرق وقفل باب الأوضة بالمفتاح من جوه، عشان يضمن إن مفيش مخلوق هيقاطعهم أو يدخل بينهم تاني!
حاولت "عين" تتعدل على السرير بسرعة وهي بتستند على كتافها، لكن وجع شديد ضرب إيدها من مكان إبرة المحاليل، فكرمشت وشها وقالت بصوت مألم: – آه..!
قرب منها "يعقوب" بخطوات سريعة وملهوفة ومد إيده يهديها: – أنتِ كويسة يا حبيبتي؟! وجعتي نفسك ليه بس؟!
بعدت "عين" وشها بحدة وقالت بصوت مجروح: – ما تقولش الكلمة دي.. متقولش حبيبتك!
رد عليها بنبرة صادقة وعميقة وهو عيونه متبتة فيها: – لا هقولها.. أنتِ حبيبتي، وروحي، وبنتي، ومراتي، وكل دنيتي اللي باقية لي!
دمعت عيون "عين" من كتر القهر والغضب وقالت بوجع: – أنت كذاب.. كذاب!
هز راسه بهدوء وقال: – على فكرة أنا مش كداب.. ولازم تسمعي مني كل حاجة وتعرفي الحقيقة بنفسك.
ردت بعناد وصوت مهزوز: – أنا مش عايزة أسمع منك ولا كلمة.. ومش عايزة منك حاجة غير الطلاق!
حس "يعقوب" إن أعصابه بتفلت وإن الغضب بيطوش عقله، لكنه افتكر فجأة كلام الدكتورة وتحذيرها من أي انفعال أو صدمة عليها في وضعها ده.. أخد نفس عميق، وبلع غضبه، وقعد قصادها بهدوء وقال بنبرة لينة: – ماشي.. اعملي فيا كل اللي انتِ عايزاه، اطلبي الطلاق واعملي اللي يريحك، بس اسمعيني الأول.. احكمي بعد ما تعرفي كل حاجة، ماشي؟!
دورت "عين" وشها الناحيه التانية بعناد ورفض تام، فبدأ "يعقوب" يحكي لها ويحط قدامها كل التفاصيل من أول يوم كان في الملجا..
وفي الوقت نفسه، برّه الأوضة..
كانت "إنجي" واقفة قدام "جاسر" بوقفة حادة وعيون مليانة غضب واستجواب: – خلصني يا جاسر.. أختي عندها إيه بالظبط؟! وما تخبيش عليّ!
رد جاسر بهدوء وهو بيحاول يحتوي ثورتها: – اختك زي الفل ومطمن عليها.. بس أنا أصلاً اللي كنت عايز أتكلم معاكِ أنتِ!
برقت إنجي بعيونها وقالت بسخرية مُرة: – هتتكلم في إيه؟! كفاية بقى كدب وغش ولعب بعقولنا!
قرب منها خطوة وقال بنبرة مكسورة وصادقة: – اسمعيني الأول.. أنا ما كدبتش عليكِ في حاجة تخص مشاعري. أيوة، هدير كانت في حياتي وكنت فعلاً هتجوزها، بس من أول ما عينك جت في عيني وقلبي دق لك جامد، مبقتش قادر أفكر في أي حد غيرك أنتِ وبس! هي انتهت بالنسبة لي ومبقاش لها أي مكان.. وأنا رحت فعلاً ونهيت كل حاجة مع والدها. بس اللي اكتشفته بعدها عن عيلتها دي.. كان كابوس صعب ومصيبة سودا!
رفعت "إنجي" حاجبها بسخرية مُرة وعيونها مليانة تحدي: – نعم؟! وعبيطة أنا بقى عشان أصدق الكلام ده كله بالساهل؟!
رد "جاسر" بثبات وهو بيطلع تليفونه من جيبه ويفتحه بسرعة: – طبعاً عارف إنك مش هتصدقيني بالكلام.. اتفضلي شوفي بنفسك!
مد التليفون قدامها، وبدأت "إنجي" تشبع عينيها من الشاشة؛ شافت فيديوهات واضحة لـ "هدير" وهي بتسرق الملفات المهمة من الشركة من وراه، ده غير التسجيلات الصوتية والمكالمات اللي بتكشف كل مخططاتها مع عادل. وخلال ثوانٍ، سمعت ودنها ألفاظ وكلام خارج من هدير بيكشف حقيقتها الوضيعة.. لحد ما خطف التليفون من إيدها بسرعة وقال بجدية: – كفاية كده.. بلاش توجعي ودنك أكتر من كده! تأكدتِ بقى يا ست البنات إن أنا مظلوم وإنها هي اللي كانت بتلعب من ورايا؟
سكتت "إنجي" تماماً ومردتش بكلمة واحدة.. الصدمة والاعتراف جواه قطعت لسانها، وفضلت واقفة مكانها ثواني قبل ما تقعد بتعب على الكرسي. نزل "جاسر" على ركبه قدامها على الأرض، وفتح إيده مسك إيديها بحنان وتوسل: – عشان خاطري يا إنجي.. انسى كل اللي فات، وخلينا نبدأ صفحة جديدة مع بعض، أرجوكِ!
أول ما سمعت نبرته المكسورة والصادقة، انفجرت "إنجي" في العياط ودموعها نزلت شلالات وهي بتقول بصوت مهزوز ومرتجف: – أنت ما تعرفش أنا كنت محتاجة لك قد ايه.. كنت بموت لوحدي وكان نفسي اترمي في حضنك وأنت بتبعد عني!
مستناش ثانية واحدة.. قام بسرعة وشدها لحضنه الدافئ بكل قوته، وضمها لصدره وهو بيطبطب على ضهرها بحب جارف: – حقك عليا يا حبيبتي.. ألف حقك عليا! والله ما هبعد عنك تاني أبداً، ولا هخلي أي مخلوق يتدخل بينا.. أنتِ وبس كل دنيتي.
فضلت "إنجي" مستخبية في حضنه وعمالة تعيط بحرقة وتفرغ كل الخوف والقهر اللي جواها، وهو حاطط إيده على راسها بيطبطب عليها بحنان كأنه بيلَمّ شتاتها.
جوة الأوضة، كان الوضع مختلف تماماً وفي عالم تاني مليان مشاعر متناقضة.. "عين" قاعدة على السرير، بتسمع كل تفصيلة وكل كلمة بيحكيها "يعقوب" وقلبها بيتقطع عشانه وعشان القسوة اللي شافها في حياته.
خلص يعقوب كلامه، وبص لها بعيون مليانة ترجي وحب جارف وهو بيمسك إيدها بحنان: – أنا كده حكيت لك كل اللي حصل.. وعرفتِ كل حاجة بعينك يا عين. أنا مش عايز أي حاجة من الدنيا دي غيرك أنتِ.. أنتِ جنتي على الأرض، أنا بحبك يا عين، وعمري ما حبيت ولا هحب غيرك أنتِ وبس!
رفعت عين عينيها المليانة دموع وبصت له بصوت مهزوز ودافي: – يا يعقوب.. أنا مصدقة كل كلامك، وحاسة بكل وجع عشته.. بس بالرغم من كل ده، أنا ما اقدرش أقبل ده! ما اقدرش آخد الطفل من أمه مهما حصل!
عقد يعقوب حواجبه برفض قاطع وقال: – يا عين افهميني.. كل حاجة اتحلت قانونياً والولد أنا سجلته باسمي، بس صدقيني.. ليالي ما تنفعش تبقى أم أصلاً، دي واحدة باعت ابنها!
بصت له عين بلوم وصوتها مكسور: – حتى لو.. أنت عايزني آخد الطفل من أمه؟ مستحيل.. مهما كانت هي مين، دي أمه! مستحيل أعمل كده، أكيد قلبها بيوجعها على ابنها، إزاي تهون عليها روحتها؟!
هز يعقوب راسه بأسى ومرارة وقال: – ياريت يا عين.. ياريت كل الناس قلبهم زي قلبك النقي ده! ليالي دي ما عندهاش قلب أصلاً.. لو كان عندها ذرة إحساس زي ما بتقولي، ما كانتش رمت ابنها عند الناس عشان هم اللي يربوه وسابته من غير ما تشوفه سنين طويله واول ما عرفت ان انا اتجوزت راحت جابته عشان يبقى الكارت اللي تضغط عليا بيه وتعرف تاخد من ورايا فلوس كثيره! لو كانت أم بجد، كانت جابته في حضنها، ووقفت قدام العالم كله، وقالت "ده ابني"، وطلبت مني أتجوزها عشانه.. لكن هي ما فكرتش في كده لحظة! خافت على مصلحتها وعلى الفلوس وشغلها اللي بتكسبه من ورايا، وسابته وكأنه قطعة غيار! وأنا متأكد مليون في المية إنك أنتِ.. أنتِ هتكوني أم حنينة عليه، وأحسن منها ألف مرة!
سكتت "عين" تماماً.. ومردتش عليه بكلمة واحدة، فضلت باصة قدامها والصمت سيد المكان، وعقلها بيحارب بين كرهها لليالي وبين شفقتها على الطفل الصغير اللي ما لوش ذنب في الدنيا دي.
بص لها يعقوب بنظرة كلها تفهم واحترام لرأيها، وقال بهدوء وهو بيقف بحذر: – أنا مش هضغط عليكِ يا عين.. هسيبك تفكري براحتك، وخدِي كل الوقت اللي تحتاجيه.
ولسه هيبعد خطوة، حس بإيد ضعيفة بتمسك طرف هدومه وبتشده بحذر. لف راسه بسرعة، لقى "عين" ماسكة فيه وبصاله بعيون ناطقة بالكلام اللي لسانها عجز ينطقه.
مستناش ثانية واحدة.. مال عليها بسرعة وشدها لحضنه الدافئ بكل قوته، وكأنه كان خايف تطير منه. غمضت "عين" عينيها بقوة، ودفنت وشها في صدره، وسمحت لروحها تشم ريحته ومكتسباتها اللي كانت مشتاقة لها بوجع.. حضنه كان طوق النجاة وسط بحر من العواصف.
أما "يعقوب"، فالموضوع كان بالنسبة له كأنه بيروح ويسافر ويرجع تاني لبيته وأمانه. مال براسه ومرر شفايفه بحنان طاغٍ على رقبتها، وهمس بصوت مبحوح ودافي جوه حضنها: – وحشتيني قوي يا قلبي.. وحشتيني بجنون يا عين!
وفجأة، اتقطع اللحظة دي على صوت "إنجي" وهي بتخبط على الباب بقوة ولهفة: – افتحي يا عين.. أنتِ كويسة جوه؟! طمنيني!
ضحك "يعقوب" بخفة وهو بيبعد عنها بحذر، وقال بصوت واطي ومشاكس وهو بيبص للباب: – ابقي فكريني أجوز إنجي لجاسر.. عشان شكلها مش هتنفع تقعد معانا كتير!
ضربته "عين" بخفة في كتفه وهي بتخبي ابتسامتها المكسوفة، فقام يعقوب وفتح الباب.
أول ما الباب اتفتح، دخلت "إنجي" زي البرق وجريت على السرير واخدت "عين" في حضنها وهي بتعيط بخضة: – أنتِ كويسة يا حبيبتي؟! فيكِ حاجة؟!
ابتسمت "عين" بضعف وقالت: – أنا كويسة.. مفيش حاجة، اهدي بس.
اترمت "إنجي" في حضنها وقالت بسعادة: – أنتِ ما تعرفيش أنا كنت هموت من الرعب لما أغمى عليكِ.. بس الحمد لله إنك كويسة، وفرحت أكتر إن أنا هبقى خالتو!
بصت "عين" لها باستغراب لأنها لسه ما تعرفش، وهنا دخل "يعقوب" وقال بابتسامة: – أصل أنا نسيت أقول لك.. مبروك يا حبيبتي، أنتِ حامل!
وقعت الكلمة على ودان "عين" زي الصاعقة، ومن غير ما تحس.. تلقائياً حطت إيديها على بطنها بصدمة مطلقة
يتبع