
رأس السنة
اتخذت سارة قرارها بالاعتذار منه، هو لم يخاطبها طوال الاسبوع الماضي وسفره غطى ومن المفترض أنه عاد بالأمس لكن سيارته لم تعد
ضوضاء بالأسفل جعلتها تسرع للنافذة لترى سيارته السوداء تدخل بقوة حتى توقفت أمام الباب وهو ينزل منها ويصفع الباب خلفه بطريقة لم تراها من قبل
تراجع الجميع من حوله حتى سيف جمد مكانه..
تحركت للخارج لتبحث عنه واصطدمت به على السلم فقالت "راكان أنا.."
لم ينظر لها وهو يتحرك لغرفته وصفع الباب خلفه وهي تنظر له بلا فهم حتى انتبهت للرجال بالأسفل فنزلت لترى سيف فقالت "ماذا حدث سيف؟"
هز أكتافه وقال "لا أعلم آنسة، لم أراه منذ أول الليل"
حتى لو كان سيف يعلم فلن يخبرها، هو كاتم أسراره وحارسه الأمين وأبدا لن يخون ثقة رئيسه حتى ولو كان من أجلها
وقف كثيرا تحت المياه الباردة رغم برودة الجو ولكن كل عضلاته انشدت أكثر وهو لم يبغي سوى ذلك،
لم يفتح عيونه وهو يراها أمامه تتحداه وبالحظة التالية كان يشعر بقبلتهم وكم أرادها أن تستمر للأبد، لم يعد يفهم نفسه
أغلق المياه وارتدى زيا رياضيا وتحرك للأسفل دون النظر لأحد والأجهزة هي من صرخت منه وهو لا يتوقف لساعات لم يعرف عددها
حتى سمع صوت ظافر يقول "متى عدت؟"
لم ينظر لظافر وهو يضم ذراعيه بالأستيك بقوة وأجاب "بالأمس"
تحرك ظافر حتى وقف أمامه وقال "لم تهاتفني"
لم يتوقف عن جذب الأستيك بقوة وهو يقول "كنت مشغول"
ظل ظافر يتابعه حتى قال "هل انتهيت من تجهيزات الافتتاح؟"
أنهى العدد وترك الاستيك وتحرك للعجلة وضبطها وهو يقول "نعم، نحتاج لك أو لمن ترشحه لإعداد الديكور الخاص بالمكان، ما زال أمامنا اسبوعين"
تحرك له ظافر وبدأت العجلة تتحرك وهو يجري عليها بسرعة كبيرة وظافر يتابعه ويقول "الليلة رأس السنة"
كان يعلم بالطبع ومع ذلك لم يرد فقال ظافر "ألن تهاتف وافي لنجتمع معا؟"
العرق تصبب على جبينه وجسده كله حيث كان قد خلع التي شيرت وظل بصدره العاري والذي لمع من العرق وقال "اختار المكان وهاتفه وأخبرني"
تحرك ظافر للعجلة وعبث بالأزرار حتى أوقفها وهو يهتف "توقف راكان وتحدث معي كما أفعل وأخبرني ماذا يحدث معك؟"
حدق بظافر حتى توقفت العجلة فنزل وتناول المنشفة وجفف وجهه وقال "لا شيء يحدث معي ظافر، الجميع مشغول، أنت بزوجتك، سفيان بتمارا، وافي بغضبه ورائد مريض ببلده فماذا تريد مني؟"
تحرك ولكن ظافر هتف "أريد منك أن تفعل ما كنت تفعله دائما راكان"
توقف ولكنه لم يلتفت وظافر يكمل وهو يتحرك له "كنت أنت من تجمعنا دائما راك، أنت من تبحث عنا وتصلح كل الأخطاء بيننا"
أبعد المنشفة ونظر لظافر ولم يتخلى عن هدوئه بعد أن استعاده بالتمارين وقال "أخبرتك أن حياتكم أصبحت مختلفة ظافر وأنا أحاول التكيف مع الجديد"
ظل ظافر يحدق به لحظة بصمت ثم قال "ماذا بك راكان؟ الأمر لا يخصنا بل يخصك أنت"
نظراته لظافر كانت فارغة كالعادة ولكنه كان يخفي خلفها غضب، غضب منها، من نفسه، من عقله الذي يصارعه
ابتعد ليذهب ولكن ظافر سد طريقه وقال "أعلم أنك لن تتحدث ولكن على الأقل لنفعل شيء لأصحابنا، أنت ووافي أولا وبعدها رائد"
ظل ثابتا دون النظر لظافر وقال "لا أحمل لوافي أي شيء ظافر ولو أردت هاتفته الآن فقط حددوا ما تريدون"
هز ظافر رأسه وقال "ماذا عن يختك؟"
ضاقت عيون راكان وقال "ماذا عنه؟"
قال ظافر "لنمضي ليلتنا على متنه"
فكرة مجنونة ولكن معهم الجنون يصبح متعة فهز أكتافه وقال "كما تشاء، سيف سيتولى الأمر ونلتقي بالميناء"
وتحرك ولكن ظافر عاد وقال "هاتف وافي"
لم يرد وهو يتحرك خارجا لغرفته وأخذ حمام بارد مرة أخرى وخرج والمنشفة حول خصره ليرى سارة تنتظره
توقف بدهشة لم يبديها فهي أول مرة تدخل جناحه وهي توردت لمظهره وقالت "لم تسمع دقاتي"
تحرك لغرفة الملابس وقال "كنت بالحمام، هل هناك شيء؟"
تحدثت من الخارج "أردت الاعتذار، سفيان أخبرني كل شيء، عن نفين"
أغلق أزرار القميص ودفعه داخل البنطلون وأغلقه خارجا من الغرفة وقال "هذا يبدل شيء؟"
أجابت وهو يثبت ربطة عنقه أمام المرآة "نعم راكان، يبدل الكثير، يؤكد على نبل أخلاقك مع أصحابك"
تحرك للغرفة مرة أخرى وقال وهو يجذب الجاكيت "وماذا؟"
خرج وهو يضع الجاكيت ويعدل منه ليغلقه فقالت "كيف تتركك النساء وأنت بكل هذه الوسامة؟"
للحظة استعاد كلماتها، أنا أرفضك، ثم أبعدها وهو يقول "كيف حال العمل معك؟"
قالت بسعادة "هائل لقد قطعنا جزء كبير من الفيلم والمخرج يخبرني أني ربما أسافر شرم لتصوير بعض المشاهد"
قال بهدوء "جيد هل نذهب؟"
أوقفته "أين ستقضي الليلة؟"
ضاقت عيونه وهو يقول "لماذا؟"
هتفت "تمارا اقترحت أن نجتمع نحن البنات ومعنا مي بالطبع بمكان ما ونحتفل ولكنها لم تحدد مكان لذا أسألك"
قال بلا ملامح "لن تكونوا معنا سارة، هي ليلة لنا، للرجال فقط"
قالت "لا، فقط اقترح لنا مكان"
ظل صامتا لحظة ثم قال "هل ليان معكم؟"
هزت رأسها وقالت "بالطبع تمارا لم تتركها"
قال بهدوء "هناك مكان بأعلى فندق الهرم يقيم حفلات جيدة سأخبر مديره برغبتكم به الليلة هل تريدوه خاص؟"
صفقت بسعادة وقالت "رائع، لا ليس خاص"
هز أكتافه وقال "فقط أخبروا ظافر وسفيان"
وتحرك من جوارها للخارج وهي بالفعل تهاتف تمارا لتخبر الباقين بفكرة راكان الرائعة
****
ما أن دخل السيارة حتى قال سيف "الشركة؟"
هز رأسه وهو يخرج هاتفه ويعبث به ثم اتصل، وقت طويل مضى قبل أن يجيب وافي "راكان"
نظر لخارج السيارة وقال "مرحبا وافي كيف حالك؟"
كان وافي بطريقه لشركته ولم يظن أن راكان سيهاتفه بعد ما كان بينهم ومع ذلك راكان دائما هو من يبدأ فقال "بخير راكان، عرفت أنك عدت بالأمس"
أجاب "نعم، موعدنا الليلة بالميناء على اليخت وافي، الليلة خاصة بنا نحن ولن تمر بدون وجودنا معا"
شعر وافي بألم بصدره وتأنيب لنفسه وقال "نعم راكان، لا يمكن أن تمر إلا ونحن معا صديقي"
حاول أن يبتسم وهو يغلق معه وسيف يقول "لا تبدو بخير"
لم ينظر لسيف ولم يرد وما زال يحاول تخطي الأمس بما كان فيه
لم تذهب للشركة وظلت بالبيت، مارست عملها على النت وهي لا ترغب برؤية أحد، هل حقا ستضعف وتطلب لمساته، هل سيهزمها؟
لا لن تسمح له، عليها أن تجعله يدرك أن العمدة لا يملكها وهي تستطيع قول لا له كما فعلت بالأمس ومع ذلك قلبها يؤلمها ويرفض تصرفاتها
ظلت تحتفظ بالهاتف بجوارها وظنت أنه قد يهاتفها ولكنه لم يفعل وهي لم تجرؤ على أن تفعل فبحثت عن أي شيء يشغلها واندمجت به
العمل كان كثير حتى أخذ راحة قصيرة فرفع الهاتف وقال "مكتب الدكتورة رهف"
أجابت "حاضر يا فندم"
لحظات وعادت الفتاة تقول "لم تأتي اليوم يا فندم، اعتذرت بالهاتف"
أغلق وقد توقع ذلك، ضم يداه على وجهه لحظة وأمسك هاتفه وأخرج رقمها وظل اصبعه معلق حتى أعاد الهاتف لجاكته وما زال الغضب يأخذه
دقات الباب أعادته للعمل فلم يفكر سوى به
اليخت كان كبير جدا، حصل راكان عليه منذ ثلاثة سنوات عندما كان بلندن وعرضه أحد الكبار هناك عليه بسعر جيد وأعجبه بل وعاد على متنه لمصر وأصبح مكان رائع يقضي عليه وقت جميل عندما يكون بالإسكندرية لكن للأسف ليس كثيرا
ما أن نزل من السيارة وأغلق جاكته حتى لفحه برد الشتاء ونسيم البحر وتوقفت سيارة أخرى بنفس الوقت فأدرك أنها سيارة وافي
انتظره حتى نزل وتحرك له ووقف كلاهم متواجهين حتى اقتربا واحتضنا بعضهما البعض ووافي يقول "لا تغضب مني راكان، كنت غاضبا"
ربت راكان على كتفه وقال "لا مكان للغضب بيننا وافي"
ابتعدا بابتسامة رائعة وتحركا للداخل حيث كان ظافر وسفيان وصخب كبير وفرقة موسيقية وطاقم خاص لتجهيز الأطعمة ونساء ولكن ولا واحد منهم لمس امرأة
تحدث ظافر قائلا "مي أخبرتني بتلك الفكرة المجنونة لتمارا، هم أيضا يحتفلون سفيان"
ضحك سفيان وقال "أعلم، ولو لم أوافق لما تركتني هنا معكم وهي لا تعلم أن هناك نساء حولنا"
ابتسم راكان وقال "هذا جيد سفيان، لا نريد أن نمضي الليلة بالمشفى والأقسام"
ضحك الرجال وقال وافي "الغيرة عمياء يا صديقي"
قال ظافر "هي كذلك وافي، هل ليان معهم؟"
هز رأسه وهو يشرب زجاجة البيرة الفاخرة "نعم وهي أخبرتني أنها تريد دعوة أستاذتها بالجامعة، هي تعمل لديك راكان أعتقد رئيسة قسم ليان"
رحلت ابتسامته وهو يدرك تماما من يقصد وسأل "وهل وافقت؟"
هز وافي أكتافه وقال "لا أعلم، سفيان لم لا نلعب الورق، لنا كثير لم نفعل"
ابتسم سفيان وقال "أين الورق يا عمدة؟"
انتبه لهم وأشار لسيف الذي أخذ دقائق وعاد يقول "المائدة جاهزة"
تحركوا لمكان مختلف أكثر فخامة وجمالا والموسيقى تحولت لهادئة والنساء تجلس بلا نظرة من الرجال لهم، اللعب أخذهم حتى قال سيف "العد التنازلي يا سادة بعد دقائق"
رفعوا الأكواب وضربوها سويا وشربوا نخب صداقتهم، ثم أخرج كلا منهم هاتفه وتحرك مبتعدا
حتى هو تحرك للسطح والهواء البارد يضربه وجذب هاتفه وعثر على رقمها وضغط عليه حتى وصله الرنين..
كانت تجلس مع حبيبة أمام التلفاز وقد هدأ البكاء وتحكمت بنفسها رافضة التحدث مع حبيبة وقبل الثواني الأخيرة للسنة القديمة لترحل رن هاتفها ورأت اسمه، قلبها كاد يخرج من صدرها ولم تقاوم وهي تجذبه وحبيبة تبتسم ونهضت هي للشرفة والسماء تنير من الألعاب النارية وهي تجيبه فسمعته يقول
"كل عام وأنتِ بخير رهف"
صمتت وأغلقت عيونها من نبرته ثم فتحتها وقالت "كل عام وأنت بخير يا عمدة"
نفخ وقال "مرة أخرى رهف ولكن كما يجب أن تقال"
ابتسمت لغضبه ثم قالت "كل عام وأنت بخير، راكان"
ابتسم وقال "للأسف ليست المرة الأولى، لم أشأ أن تكون وقت الغضب"
قلبها كالطفل الصغير، سعيد بقطعة الحلوى التي نالها، راكان أجمل قطعة حلوى نالتها بحياتها وكل الغضب رحل وتحول لسعادة وهي تقول "يمكنك أن تنساها"
حدق بالسماء وقال "فعلت، لديك ضوضاء"
قالت "أقف بالشرفة والألعاب النارية كثيرة وأنت؟"
قال "وسط البحر، المياه والسماء والظلام المضاء بالصواريخ النارية"
تساءلت "والصحبة"
ضحك وقال "نساء كثيرة وأصحابي"
رحلت ابتسامتها وهي تردد "نساء كثيرة"
انتظر الرد حقا وهو يقول "بالتأكيد من سيحيي الليلة دكتورة، الرجال؟"
هتفت بغضب "إذن أغلق راكان واذهب لتستمتع بالليلة"
عاد يضحك وقال "أنا بالفعل مستمتع دكتورة"
أبعدت الهاتف وهي ترغب بقذف أي شيء بوجهه ولكنه ليس أمامها، سمعته يناديها فعادت تجيب "أردت تركك لتكمل متعتك يا عمدة، بالتأكيد تحوز على الأفضل والأجمل"
قال "الأفضل والأجمل بالفعل، لكن ليس أمام عيوني فقط صوت رقيق غاضب هو كل ما نلته"
صمتت وعاد قلبها يدق ثم قالت "هل تحصلون على تسجيلات للنساء بلا أجسام؟"
ضحك بقوة من كلماتها حتى توقف وقال "كنت أعلم أنكِ أذكى من ذلك دكتورة"
تورد وجهها ولم ترد فتبدلت نبرته وهو يقول "ألا تقدرين نفسك رهف؟"
تلجم لسانها ولم ترد وهو يكمل "لو طلبت رؤيتك لأحصل على الصوت والصورة سنعود للشجار مرة أخرى؟"
أغمضت عيونها ووضعت يدها على صدرها الذي لا يتوقف من أنفاسها وأجابت "أنت وسط البحر راكان"
أجاب بثقة "لا شيء يوقفني عما أريد، فقط وافقي وسأكون عندك حتى ولو كان الفجر"
ضحكت فضحك قلبه،
قلب!؟
أي قلب؟
صوت سارة يتردد، أنت بلا قلب
صوتها أزاح أي صوت من أذنه وهي تقول "وأصحابك؟"
التفت ليراهم يلعبون الورق فقال "ما زالوا يستمتعون"
قالت بهدوء مصطنع "لن أستطيع ترك حبيبة وحدها"
أغمض عيونه وتذكر الفتاة فقال "نعم، حسنا ما رأيك بالغداء غدا؟"
ابتسمت وقالت "لن تستطيع، لديك موعد مع مختص الافتتاح لرؤية القاعة وتحديد ما تريده"
تراجع وقال بجدية "لا أحد يعرف جدول مواعيدي رهف"
ضحكت وقالت "ولا أحد سيعرفه راكان سواي، طابت ليلتك ورأس سنة سعيد"
وأغلقت وهو ما زال بحيرته كما تفعل به بكل مرة، عنيدة، مثيرة، ذكية، فاتنة وقبلتها قاتلة
صوت وافي جذبه وهو يقول "شخص هام من انتزعك منا بتلك اللحظة يا عمدة؟"
لف وجهه لوافي وقال "ربما، متى ستهاتف رائد؟"
هكذا هو يدخل بالموضوع مباشرة، وافي أبعد وجهه وقال "أحتاج للوقت راكان"
هز رأسه وقال "الافتتاح اقترب، يمكنك اتخاذه سبب"
لم يرد وافي فنظر له راكان وقال "ماذا عن ليان؟ كيف حالها؟"
قال "لا أعلم، أحيانا أظن أنها تشبهك، تخفي ما بداخلها بطريقة نادرة كما هو أنت، حتى عيونك تخفي ما بداخلك، الحزن واضح من بكائها وفقدانها لوزنها وشحوب وجهها لكن صمتها قاتل راكان، قاتل ومؤلم"
أبعد راكان وجهه للبحر المظلم وقال "لن أخوض بحديث سيغضبك وافي ولكن هي بحاجة لصداقتك أكثر من إخوتك، اسمعها وافي، افتح لها صدرك وابعد خوفها منك بعيدا"
لم يرد وافي وكلمات راكان كانت ترن بأذنه وهو يعلن أنه على حق وعليه أن يستمع له، رسالة على هاتفه جعلته يخرجه ليراها من رائد "عام سعيد صديقي العزيز"
ابتسم راكان وكتب "عام سعيد صديقي"
****
السهرة كانت رائعة، نظرت تمارا لليان وقالت "تبدين أفضل حالا"
حاولت أن تبتسم وهي تقول "نعم، اليوم أفضل تمارا، وافي كان سعيد عندما هاتفه راكان وأنا سعيدة لعودتهم"
تدخلت سارة "كان غاضب جدا بالصباح، لم يبت بالمنزل وعاد بالصباح والغضب يلفه ومع ذلك تقبل الحديث معي"
قالت مليكة "راكان غامض سارة ولا يخبرك أبدا بما داخله"
ضحكت تمارا وقالت "كنت معجبة به وظننت أني أحبه حتى عرفت الحب مع سفيان"
لمعت عيون مليكة وقالت "أنا أيضا كنت معجبة به ولكن تجربتي مع يحيى علمتني الكثير"
حدقت مي بليان وقالت "ماذا عنك ليان؟"
لفت ليان وجهها لها وقالت "ماذا عني مي؟"
قالت "هل انتهى رائد من حياتك بعد ما حدث؟ هل صدقتِ أنه خانك؟"
هتفت تمارا بضيق "مي!؟"
لكن ليان قالت "اهدئي تمارا، اليوم تحدثت مع دكتورة كانت أستاذة بالجامعة عندي بالفرقة الثالثة وحاليا تعمل بالشركة عند راكان، هي رئيستي، وأخبرتني أن الحب الحقيقي لا ينسى ولو واجه مشكلة مثل ما واجهتني فعلي ترك حبي داخل قلبي وأغلق عليه وأعود للحياة وأعيش حياة طبيعية وأنا أفعل مي، أنا أعيش كي لا أقضي على نفسي بالألم والحزن فقد اكتفيت"
هزت رأسها وقالت تمارا "مثل ما حدث معي أنا وسفيان ولم أظن أني كنت أحبه ولكن البعد عنه جعلني أدرك أني لم أحب سواه وأنتِ ليان من كانت السبب بعودتي له لو تذكري، كانت كلماتك تنطق بالعقل ليان وحبك لرائد مناقض للعقل"
قالت مي "من الصعب الجزم بأن رائد يصلح للحب والزواج ليان"
ظلت تنظر لها وقالت "لم أفكر بكل ذلك يوم أحببته مي فالحب لا يخضع لأي أفكار، هو يهاجم بلا سبيل للهزيمة بل دائما يفرض نفسه وينتصر"
مليكة نظرت لمكان الرقص وقالت "الرقص، هيا دعونا نذهب ودعوا الحب الليلة ونلتقي به وقت آخر"
استجابت البنات لها حتى مي ونهضوا للرقص كلهم ومرحوا بسعادة وعند منتصف الليل رنت الهواتف كل مع حبيبه وجلست ليان بعيدة لم تنساه ولن تنساه
سيظل بقلبها كما قالت رهف
****
بالصباح كان الكل يعود لعالمه وكأن الأمس لم يكن، الحفل انتهى بوقت متأخر ومع ذلك كل منهم كان بمكانه تحضيرا للافتتاح وكالعادة سقط العمل عليه كالسيول وهو لا يمتنع حتى دخلت السكرتيرة وقالت
"موعدك مع متخصص الالكترونيات يا فندم"
رفع رأسه لها وتذكر رهف فقال "هل وصل؟"
أجابت "وصلت يا فندم"
تراجع بالمقعد وهو ليس بغبي فقال "لتدخل"
ظل ينظر للباب حتى رآها تدخل بابتسامتها الرقيقة فابتسم وقال "جدول مواعيدي أليس كذلك؟"
ضحكت وقالت وهي تجلس أمامه "أنت لا تعرف من تقابل يا عمدة؟"
اعتدل متقدما من طرف مكتبه وقال "عندما يكون أحد أعضاء الشركة فقط، من المفترض أنكِ، رئيس القسم"
لم ترحل ابتسامتها وقالت "وخبيرة الكترونيات يا عمدة والسيد رائد هو من حدد معي هذا الموعد قبل الحادث وتم تأجيله طبعا بسبب الحادث"
نهض وتحرك حتى جلس أمامها وقال "عرفت أن ليان دعتك لحفل الأمس؟"
أعادت خصلتها لخلف أذنها وقالت "نعم ولكني لا أعرف أحد ولا يمكنني ترك حبيبة، هي تسأل عنك"
أجاب "أنا أيضا أرغب برؤيتها فقط تعلمين انشغالي بتلك الفترة"
صدقت على كلماته "أعلم وهي تفعل، هل نتحدث عن العمل وقت العمدة ثمين"
ابتسم وقال "وقت العمدة كله ملك للدكتورة"
ثبتت عيونها عليه للحظة ثم أبعدتها وقالت "هل لديك طلبات خاصة؟ عن الافتتاح؟"
كان هو الآخر ثابت على عيونها الذهبية وأجاب "أسمعك أولا، أرى بعيونك أفكار كثيرة"
لم يلاحظ جهازها الذي كان على ساقيها وهي تضعه على مكتبه وتفتح وهي تقول "رائع، يمكنني منحك عناوين رئيسية"
نهض وقال "على مائدة الاجتماعات أفضل دكتورة"
نظرت لقامته الطويلة ثم حملت جهازها وقالت "كما تشاء"
****
دقت ليان باب مكتب تمارا ودخلت وهي تقول "هل لديكِ وقت لي؟"
أشرق وجه تمارا ونهضت من وراء مكتبها إلى ليان وهي تقول "لا أصدق أنك هنا"
احتضنتها وكأنها لم تكن معها بالأمس وهتفت "سعيدة بأنكِ استجبت لطلبي ليان، تعالي"
تحركت معها وقد طلبت منها مشاركتها بانتقاء ملابس الزواج وما شابه ذلك وليان لم تمانع، محبتها لتمارا بدأت منذ فترة وكلاهم يجدان راحة معا رغم فارق السنوات
عندما انتهت كلاهم من الانتقاء تفاجأوا بسفيان يدخل وهو الآخر تفاجأ بليان وهو يقول "مرحبا ليان، كيف حالك؟"
رحبت به بابتسامتها الخجولة وقالت "بخير سفيان. كيف حالك أنت؟"
ابتسم لتمارا وهي سعيدة برؤيته، كلاهم لم يعد يتحمل مرور يوم دون رؤية الآخر، العلاقة التي بدأت واهنة وعقلانية تبدلت لأخرى صلبة والقلب هو الملك المتوج عليها
جلس سفيان على الأريكة بجسده الضخم وقال "جائع، ما رأيكم بالغداء بمطعم العمدة؟ لديهم طعام إيطالي رائع"
بسرعة رحلت ابتسامتها، إيطاليا تعني رائد ورائد يعني ألم وحزن وذكرى سيئة، تدخلت تمارا "مطعم العمدة جيد وأنا أيضا جائعة هيا"
لكن ليان تخطت أحزانها وقالت "اعذروني لابد أن أذهب الشركة لدي عمل"
وقف سفيان وقال "سنأخذك بطريقنا"
هاتف مكتب تمارا رن فتحركت له بينما نظر لها سفيان وقال "ما زلت تفكرين به؟"
شحب وجهها ولم تجرؤ على النظر له فاقترب منها وقال "هل تدركين كل ما بينكم من عقبات ليان؟"
هزت رأسها ثم قالت "لقد انتهى الأمر سفيان، هو عاد لحياته مع تلك المرأة، هي كانت على حق، هي الوطن أينما ذهب سيعود لها هي قالت ذلك لي"
اقترب منها وقال "كاذبة، لا تصدقي أي كلمة مما قالته، ميرندا ليست كذلك ولن تكون بأي وقت ليان، رائد لم يتخذها أكثر من عشيقة ولا يخلص لها، هي مجرد محطة بحياته وستمر ولن يعود لها وأظن أنها مرت وانتهت بما حدث، لا يمكنني تشجعيك على تلك العلاقة ليان لأني أعرف رائد وأخشى ألا يتبدل بعلاقته بك وبالتالي لن تتحملي أفعاله لذا ما فعله كان صواب"
مسحت دمعتها الهاربة من عيونها وهزت رأسها وهي تقول "أعلم، خاصة من أجل وافي، فقط ما بينهم هو ما يؤلمني وأني السبب بانفصالهم"
ابتسم وقال "لا تخشين عليهم سيعودان بأقرب وقت وسنتأكد جميعا من ذلك"
ابتسمت وتمارا تعود ليخرجوا معا حتى نزلت ليان أمام الشركة ورحل هو وتمارا للمطعم للغداء
****
كانت أفكارها رائعة وأثارت إعجابه وما أن انتهوا حتى تراجعت وقالت "أنت صعب حقا يا عمدة"
نهض عائدا لمكتبه وقال "وأنتِ جديرة بمكانتك دكتورة"
أغلقت جهازها وعادت له وهو يخرج عصير من ثلاجته ويعود به لها وهي تقف وتحتضن جهازها أمامه وقالت "لا، أحتاج للعودة لدي عمل"
كادت تتحرك عندما قال "وأنا صاحب العمل"
توقفت ورأسها يرتفع لتصل لوجهه، هي لا ترغب بالبقاء، قربه يعيدها للضعف وهي لا تحب ضعفها لذا قالت "لم أنسى ذلك أبدا"
مال برأسه متسائلا "هل من المفترض أن يعني ذلك شيء؟"
أخفضت وجهها وقالت "بالطبع" ثم عادت لعيونه وقالت "هو يعني كل شيء، أنت العمدة وكلنا نعمل لديك"
أحنى رأسه ليقترب من وجهها وقال "أخبرتك من قبل أنكِ تقللين من نفسك"
نفت برأسها وهي تقول "أنا لا أفعل، أنا أذكرك وأذكر نفسي بمن أنت ومن أنا، نحن على قضبان متوازية لن تلتقي بيوم ولو التقت فلن ينتج إلا الدمار وأنا لست مؤهلة لتحمل دمار يطيح بحياتي فقد تعبت حتى حققت ما أنا عليه"
لم يبعد وجهه وهو يقول "هل أبدو لكِ رجلا فارغا يبحث عن المظاهر والشكليات؟"
نفت برأسها فعاد يقول "مكانتك العلمية هي من وضعتك هنا، وشخصيتك العنيدة هي من تجعلني أغضب بجنون وأهدأ بلحظة، أنتِ ماء ونار رهف، ثلج ولهيب، أنتٌ شيء نادر لم أراه من قبل"
كلماته كانت تخترق حصونها وتندفع لقلبها وكأنه مات وكلماته صاعقة كهربائية تعيده للحياة
جذبت نفسها من عيونه وأخفضت وجهها وهي تقول "لست كذلك، أنا مجرد امرأة عادية فقط دعني أعود لعالمي" ورفعت وجهها له وأكملت "الواقع أفضل من الأحلام راكان وكلانا يفضل الواقع لأنه الحقيقة التي نحن عليها"
فتح فمه ليجيب عندما رن هاتفه فتراجعت وقالت "عندما توافق على أفكاري أخبرني"
وتحركت خارجة وهو دفع شعره للخلف بأصابعه وهي رمته بكلمات يفهمها جيدا، الفوارق الاجتماعية، السماء والأرض، الأبيض والأسود، كل ما هو متناقض يمثلهم، ابن الثراء راكان زيدان، العمدة أملاكه لا تحصى ولا تعد، رهف فتاة من عامة الشعب، تجاهد بكل قوتها لتحقق ذاتها وأهدافها فماذا سيخبر العالم عنها؟ ولماذا يفعل من الأساس؟ ليس هناك ما يدفعه لذلك
رنين الهاتف عاد مرة أخرى فعاد له واسم رائد يضيء فأجاب بعصبية "ماذا رائد؟"
تراجع رائد الذي فك جبيرة ساقه وتحرك على عكاز طبي وهو يقول "هذا الغضب بسببي!؟ هل قطعت شيء؟ لو لم أكن أعرفك جيدا لظننت أنك كنت مع امرأة"
جلس على مقعده وقال بضيق "وهل سيسعدك الأمر؟ أن أكون مع امرأة؟"
رفع رائد رأسه بدهشة وقال "هل تسأل؟ من هي؟ ما شكلها؟ جميلة، قصيرة أم طويلة؟ هيا راكان تحدث أثرت فضولي"
نجح بجعله يبتسم وقال "هل الحادث أثر على رأسك؟ كنت مع الدكتورة المسؤولة عن الكترونيات الافتتاح فهل تهدأ؟"
جلس رائد خلف مكتبه ببطء وأطلق صافرة وهو يقول "دكتورة؟ العمدة يسقط واقفا"
أغمض عيونه من سخرية صديقه وقال "هل تعود للجدية؟"
ابتسم رائد وقال "أنا جاد جدا راك، هل هي جميلة؟ الدكتورة؟"
لمعت عيونه عند رؤيته لصورتها أمامه ولكنه قال "ألا تهتم سوى بجمال المرأة؟"
لمس وتر داخله ومع ذلك تخطاه كما درب نفسه منذ عودته وقال "العلم والأخلاق والجمال راكان، أنت بحاجة لذلك"
سأله "واسم العائلة؟"
رد بدون تفكير "شكليات تضييع مع أشياء كثيرة أهم مثل ما أخبرتك به"
صمت وهو تقريبا يفكر بنفس الشكل، جذبه رائد "لن تخبرني؟"
تراجع بالمقعد وقال "ربما، هل نزعت الجبيرة؟"
انساق رائد معه فهو يعلم صديقه وقال "نعم ونزلت المكتب، ما أخبار الافتتاح؟"
أجاب "الإعداد يسير ببطء وأحتاج الكثير بالأيام القادمة، لن تأتي؟"
تجهم وجه رائد وصمت فأكمل راكان "وافي أصبح أهدأ وربما"
قاطعه "الأمر لا يتعلق بوافي راك تعلم، أني لست غاضب منه"
تأنى بكلماته وهو يقول "ما زلت تفكر بها؟"
أغمض عيونه ورآها أمامه بدموعها وابتسامتها ورقتها، راكان جذبه ففتح عيونه وقال "ماذا تريد أن تسمع راكان؟"
قال "الحقيقة"
قال بسخرية "ليس قبل أن تفعل أنت"
ابتسم راكان وقال "عندما يكون لدي شيء سأفعل"
دق بابه ودخل سيف الذي نظر له بجدية ورائد يقول "كاذب"
ضحك وقال "سيف وصل وهذا يعني"
قاطعه رائد "أن أذهب للجحيم"
عاد يضحك وأغلق وقذف الهاتف على المكتب ونظر لسيف يسأله "هيا تحدث"
تردد سيف ثم قال "أولا حاتم يحاول تخريب فيلم الآنسة سارة"
لم تتبدل ملامحه وهو يقول "وثانيا؟"
قال سيف "الباشا يدبر لك"
ابتسم ونهض متحركا لسيف حتى وقف أمامه وقال "أولا نحتاج لزيارة لحاتم، ثانيا الباشا يلعب بوقت قاتل، يعلم أني مشغول لذا يظن أني سأغض البصر عنه، لم يتعلم"
لم يرد سيف فعاد للمكتب وقال وهو يجذب الهاتف "سارة بالموقع؟"
هز سيف رأسه فقال "وحاتم؟"
أجاب سيف "بالمنزل"
تحرك وقال "جيد، هيا"
****
خرجت من الحمام بقميص جديد وروب قصير مماثل ورأته يقف يتحدث بالهاتف فتحركت له وأحاطته من الخلف بذراعيها فابتسم والتف لها وهو يقول "حسنا ماما ربما نمر غدا، نعم أنا ومي، إلى اللقاء"
ألقى الهاتف على المقعد القريب ولفها بذراعيه وهتف "أعشق هذا العطر مي"
وانحنى ليأخذ قبلته وكانت له رقيقة، محبة، راغبة به بنفس مقدار رغبته بها
أبعد شفتيه وهمس "أحبك"
ابتسمت وقالت "وأنا أعشقك ظافر"
عاد لقبلتها حتى ابتعد وحملها للفراش واستمتع معها كما يفعلان دائما وربما تلك الفترة الأخيرة كانا يفعلان كل شيء من أجل الحمل، رغبا بشدة بطفل حتى ولو كان غير سوي، كان كلاهم يحلم كالأبوة والأمومة، طفل يجمعهم للأبد
بالصباح مرا على ياسمين التي ابتسمت لهما وتناولا الإفطار سويا حتى قالت ياسمين فجأة "تمنيت أن أنال حفيد ولكن يبدو أن ذلك لن يحدث"
رحلت ابتسامة مي بالحال وربما تذكرت حبوب منع الحمل التي كانت تأخذها مما أوقفها عن الاستمتاع بالطعام بينما قال ظافر "ما زلنا ببداية الزواج ماما، لم يمر سوى شهران على زواجنا"
نظرت ياسمين لمي التي لم ترفع وجهها وقالت "البعض يحمل من أول شهر"
توقف هو الآخر عن الطعام وقال "لقد أجرينا كل الفحوص اللازمة ماما، كلانا سليم ولا شيء يعوق الحمل"
قالت الأم بجدية "ربما مي بحاجة للراحة، العمل يؤثر"
رفعت وجهها أخيرا وقالت "لا ماما، لا علاقة للعمل والطبيب لم يعترض، فقط الأمر ببيد الله"
لم تتركها ياسمين وهي تقول "ونعم بالله حبيبتي ولكننا نأخذ بالأسباب"
تراجعت مي والضيق بدا عليها فقالت "والعمل هو الأسباب؟ أنا لن أترك عملي ماما، هو تعبي ومجهودي وما حققته خلال كل تلك السنوات ولن أترك كل هذا يضيع هكذا"
قال هو بهدوء "مي اهدئي"
نظرت له بينما قالت ياسمين "لكل شيء ثمن حبيبتي ولابد من أن ندفع"
أجابت بحدة "وقد أترك عملي وأيضا لا يحدث حمل ماما، الكثير من النساء تحمل رغم العمل فلماذا أختلف عنهم؟"
نظرت لها ياسمين بقوة وقالت "لأنكِ ترغبين بأن تكوني، أم أن الأمر ليس كذلك؟"
نهضت مي بعصبية وقالت "بل أفعل ماما ولكن بطريقتي، ظافر أحتاج للذهاب كي لا أتأخر"
نظراته كانت غاضبة منهما على السواء ومع ذلك نهض وقال "ماما لابد أن نذهب، أنا أيضا لدي عمل، الافتتاح اقترب جدا"
ودعتهم المرأة وبدا الغضب بعيون المرأتين وركبت بجواره فقال "لم يكن من الصواب طلب الذهاب بتلك الطريقة مي"
هتفت بغضب "وهل كان من الصواب تدخل والدتك بحياتي ظافر؟ أنت تعلم كم أحب عملي ورغم ذلك الطبيب لم يذكر أي شيء عنه"
اهتم بالطريق وقال "بعض الراحة لن تضرك بشيء حبيبتي"
هتفت بغضب "أنت تؤيدها إذن؟"
نظر لها وقال "اهدئي مي، هي مجرد فكرة ومحاولة"
هتفت "لن أترك العمل ظافر من فضلك لا تفعل بي ذلك"
هز رأسه وقال "حسنا، دعينا لا نستبق الأحداث"
توقف أمام شركتها وهي تنظر له وكلماته لم تنهي الأمر فلم ترد والتفتت ونزلت وما زالت غاضبة ونفخ هو الآخر والأفكار تتزاحم برأسه رغبته بطفل كبيرة لكنه يعلم أن لا مانع الآن من الإنجاب وعليه الصبر قليلا
****
حاتم تحرك خارجا من فيلته وتحرك للسيارة عندما رأى سيارتين يتحركان ليقفا خلف سيارته فتوقف وقد عرف القادم
رأى سيف ينزل ليفتح له وهو ينزل بثبات كعادته
لطالما كان يكرهه ويكره قوته ومكانته، كم تمنى يوما أن يكون مثله ولكنه أبدا لن يكون
تحرك راكان تجاهه حتى وقف أمامه ونظر بعيونه وقال بلا مقدمات
"تلاعبت بسارة مرة ودمرتها وقرصت أذنك برقة من أجل أخيك، وعدت فعفوت عنك وتركتك تعود، لكن أن تفكر مرة أخرى بالوقوف بطريقها أو الإضرار بها فهو ما يمكنني أن أقتلك عليه حاتم ولن يهمني سفيان أو سواه فاحذر بخطواتك لأني أقف على كل واحدة منها، ابتعد عن سارة، أنا أحذر مرة واحدة فقط"
وتحرك عائدا للسيارة بلا انتظار أي رد من حاتم الذي تجهم وجهه ثم شحب ثم تلون بألوان مختلفة وهو يتابع سيارة راكان تذهب والحراسة خلفه..
ارتجف وهو يطلق أنفاسه وأغمض عيونه ثم فتحها وقال "اللعنة فلتذهب سارة لأي جهنم بعيدا عني لماذا أهتم؟ سيدمرني مرة أخرى، لابد أن أعود لعقلي وأن أبتعد عنه بقدر المستطاع"
التفت سيف لراكان الذي قال "مزارع الحلبي سيف، على الطريق الصحراوي"
نظرات سيف كانت تعني الحيرة وهو يقول "الحلبي؟ لماذا؟"
ابتسم وقال "هل فقدت سحرك سيف؟ الباشا"
تراجع سيف وقال "لا!؟"
أبعد وجهه وقال "أخو زوجة ابنه وبالتأكيد مكان جيد ليختبئ به"
أبعد سيف رأسه وقال "لذا لم تمانع بالحراسة؟"
لم يرد وهو ينظر بالخارج ورأسه تعج بالكثير
****
دق باب رهف بالشركة فأذنت لترى ليان أمامها، ابتسمت لها وقالت "ليان! أهلا ادخلي"
دخلت ليان وقالت "أحتاج لشيء منكِ دكتورة"
أشارت لها لتجلس وقالت "بالطبع، ما هو؟"
رفعت لها بقرص صلب وقالت "بعض التعريفات هنا لا أعرف كيفية التعامل معها والدكتور ليس متعاون نهائيا"
هزت رأسها وجذبت القرص منها ووضعته على جهازها وقالت "اقتربي ودعينا نرى"
اندمجت معها بالشرح وقت حتى انتهت فقالت ليان "فهمت دكتورة، طريقتك سهلة وبسيطة بالشرح، كل الطلبة كانوا يذكرون ذلك ومع ذلك توقفتِ عن التدريس"
ابتسمت وقالت "كان لدي أسبابي ليان وبصراحة عرض العمدة جاء بوقت مناسب فقد كثرت المشاكل بالجامعة"
قالت ليان "دكتور فايز؟"
حدقت بها ثم قالت "نعم"
أخفضت ليان عيونها لحظة ثم عادت لها وقالت "هل عرفتِ ماذا قال بعد رحيلك؟"
ظلت تنظر لها ثم قتلها الفضول وقالت "ماذا؟"
قالت ليان "تحدث عنكِ وعن راكان، هل تعرفينه؟ أقصد بشكل شخصي؟"
نهضت رهف وتحركت لتقف أمام ليان وقالت "نعم، أنقذني من فايز الذي تهجم على بيتي والعمدة أوقفه ومرة أخرى حاول خطفي وتدمير بيتي وراكان أيضا هو من تصدى له وبالطبع الأمر تطور لمقابلة واثنان"
ابتسمت ليان وقالت "لا أصدق أن العمدة يقابل امرأة"
تورد وجهها وارتبكت وهي تبتعد وتقول "ليس كما تظنين ليان"
وقفت ليان وقالت "حتى لو، أن يهتم لأمرك بتلك الطريقة فذلك يعني الكثير دكتورة"
التفتت لها بعيون مستنكرة فارتبكت ليان وقالت "آسفة دكتورة، لم أقصد التشكيك بكِ بأي شكل ولا راكان فهو ليس رجل هوائي والنساء آخر اهتماماته، لذا بدا الأمر مثير للدهشة"
لم ترد وهي كانت كذلك لوقت طويل حتى أجبرها على تقبل وجوده بحياتها دون أن تسأل لماذا، ابتعدت مرة أخرى وقالت "أنا نفسي لا أفهمه ليان، اهتمامه بي وبحبيبة يثير حيرتي ومع ذلك لم يجيبني ولو بسبب واحد مقنع"
تحركت ليان حتى توقفت أمامها وقالت "ليس كل شيء يحدث له سبب مقنع دكتورة"
مالت برأسها وقالت "رهف، نحن رجال علم وبحث ليان ولابد من سبب لكل شيء"
ابتسمت ليان وقالت "إلا تلك الأمور رهف، لكنت وجدت سبب لما حدث لي"
صمت لفها ولم تجد إجابة حتى قالت ليان "حقا أنا سعيدة جدا بأنه جعلك تدخلين حياته وحياتنا، كان لابد أن تأتي حفل رأس السنة لتتعرفي على تمارا خطيبة سفيان التي كانت معي بذلك اليوم أمام الشركة، ومي زوجة ظافر وأخته مليكة وسارة أخت راكان، تعارفنا خلال العام الماضي وأصبحنا صديقات"
ابتعدت وقالت "مرة أخرى ليان"
كان عليها إخبارها أنها لا تصلح لتكون بينهم، هي تعرف كل تلك النساء من الميديا فأين هي منهم؟
شعرت ليان بتبدل رهف فاستأذنت ورحلت وجلست هي وشعرت بحزن غريب يلفها
لقد أخبرته ما يؤرقها، الفروق الاجتماعية، حفيد زيدان، العمدة وابنة الشعب
هل تسخر منها الأقدار؟
****
رأته كثيرا بالأيام التالية ولكن بإطار العمل لتجهيز قاعة الاحتفالات بالشركة وكان جاد جدا ولم يملك أيا منهم وقت لمناقشة أي أمور شخصية
تجربتها كانت بالصدارة وعرف أنها ستنقل الشركة لمكان آخر، لذا منح رهف مكانة مرتفعة جدا بالشركة وقرارتها تنفذ دون الرجوع له
ظافر ووافي وسفيان تواجدوا بشكل دائم وتعرفوا عليها بحكم أنه جعلها المسؤولة عن الاحتفال بشكل كامل بعدما أعجبته أفكارها ولاحظ أصحابه تهوره معها والمكانة التي منحها لها ولكن لا أحد منهم يتحدث
مع الوقت تعرفت على تمارا واختارت معها فساتين الفتيات اللاتي سيقمن بالخدمة مع الرجال وتقديم فقرات لأطفال تقدم فكرة عن المشروع للضيوف بشكل بسيط وسهل
لكن تمارا لم تكن سهلة في التعامل معها ولا كلماتها الغير بريئة ولكنها لم تكن تهتم فالعمل كان أولى اهتماماتها
نظمت أيضا غداء يحتوي أطعمة من كل البلدان واقترح عليها راكان طباخ مطعمه وفعلت بلا تفكير حتى تبقى يوم على الافتتاح وهي ما زالت بالقاعة..
كانت تهتم بالأضواء والساوند سيستم وتحاورت مع الرجل الذي سيتولى كل شيء وكانت تشير له على الجهاز بما سيتم وهي ترفع وجهها ويدها لتشير للمطلوب عندما رأته يقف عند باب القاعة كما اعتاد أن يفعل بمكتبها
عندما توقفت لاحظ المهندس فوجه نظره ليرى راكان فنهض هو الآخر لرؤيته، تقدم راكان للداخل وتوقفت هي حتى وصل لهم ونظر للرجل الذي كان مماثل لعمرها تقريبا وقال "هل انتهيتم؟"
قالت بهدوء زائف "آخر شيء، الختام، نحن لم نضع اللمسات الأخيرة والمهندس أحمد يفعل معي"
لف وجهه لها وقال "ألا يعمل على الأمر سواه؟"
لم تفهم سؤاله ولكنها قالت "هو من سيتولى الكل، الباقين مجرد مساعدين"
هز رأسه وقال "متى ستنتهون؟"
قالت "دقائق"
تحرك لمائدة من الذين تم تزيينهم بمفارش ثمينة وجلس على مقعد ووضع ساقا على الأخرى فارتبكت من وجوده ونظراته القاتمة التي رحل منها لون العسل حتى عادت للرجل واسترجعت تركيزها رغم وجوده القوي
أغلق أحمد الجهاز وقال "تمام دكتورة، ستتولين ضبط السنتر وأنا سأفتح من عندي وهكذا يتم الاتصال بالموقع مباشرة"
هزت رأسها وقالت "نعم، لكن ليس قبل أن أفتح الموقع، العمدة سيمنحني كلمة السر وبعدها سأمنحك الإذن بالدخول وذلك حتى ندير الدائرة"
هز رأسه ونهض وتحرك خارجا وهي تجذب ما يخصها ولم تنظر له وهو يتحرك تجاها وقال "هل تعملين معه بمفردك؟"
عبثت بالجهاز العمومي وهي تقول "نعم، هو الأفضل"
أمسك يدها ليجذب اهتمامها فقد ضايقه لامبالاتها معه وقال بحزم "رهف أنا أتحدث معك، اتركي ذلك الجهاز اللعين وانتبهي لي"
نبرته الغاضبة جعلتها ترتجف وتتوقف أصابعها على الجهاز ورأسها يرتفع له لترى وميض عيونه التي تلفظ بما داخله
عادت للجهاز وعبثت به حتى أغلقت الشاشة الكبيرة ونهضت لتقف أمامه وقالت "أنا لم أكن ألعب"
لم يتبدل مزاجه وهو يكاد لا يعرف نفسه من الغضب الذي تدفعه له وقال "معه وحدكم؟"
ضاقت عيونها وهي لا تفهم حتى قالت "أخبرتك أنه المسؤول الرئيسي وهو من سيتولى غدا.."
قاطعها بقوة "هل تعرفين كم الساعة؟ هل تدركين أن الجميع رحل إلا أنتم؟"
ارتبكت ولم تجد إجابة ومع ذلك قالت بضعف "لم أشعر بالوقت، كان لابد من.."
هتف "من ماذا؟ النهار كان طويل رهف"
هتفت "الأمور تتعقد بلحظة راكان وحل أزمات النت لا تتم بدقيقة واليوم أجرينا تجربة وواجهنا مشاكل لذا تأخرنا"
لم يتراجع "أنتِ وهو؟ وحدكم؟"
هزت رأسها بالنفي ونبرته تخيفها أكثر ولم تعد تتحمل غضبه ومع ذلك قالت "بل الطاقم كله لكن الساعة الأخيرة كنا"
وصمتت وشعرت بصوتها يختنق وهو يستجوبها بطريقته الغاضبة فابتعدت لتجذب حقيبتها وقالت "كنا نضع الأمور السرية التي لا يطلع عليها سوانا"
جذبها من ذراعها وهتف "لا تمنحيني ظهرك وأنتٌ تخاطبيني رهف"
اصطدم بالدموع بعيونها مما أوقفه ولكن هي لم تتوقف وهي تقول "نعم، للحظة نسيت أني أتحدث مع العمدة"
جذبت قرص صلب من على طاولة الأجهزة ودفعته له وقالت "كل ما يتعلق بالمجموعة هنا ولابد أن تكون معك"
أخذ القرص منها فتحركت مبتعدة بكل قوتها للخارج
نفخ بقوة واستدار ليلحق بها وقد وصلت للمصعد ورآها تدخل فلحق بها ودخل وهي تمسح دموعها والباب يغلق خلفه وهي لا ترفع عيونها له عاد ينفخ وهو يقول
"أخبرتك أنك تدفعيني للغضب بشكل لم أعرفه من قبل"
لم ترد والباب انفتح، الأمن وقف انتباه له وهو يتحرك للخارج والزينة بكل مكان وهي تتحرك بجواره وتعلم أنه لن يتركها تذهب وحدها
سيف كان يقف بالخارج وتحرك ليفتح لها الباب الخلفي توقفت ونظرت له، تحداها بنظراته أن ترفض فدخلت بينما قال سيف
"الباشا رحل، الجنازة غدا"
رد وهو يدخل بجوارها "أرسل تعازينا الحارة"
أغلق سيف وكالعادة لم يدخل معهم ورفع هو الحاجز وأبعدت هي وجهها وقد أجبرت الدموع على التوقف حتى قال "أريد حضور حبيبة غدا"
لفت وجهها له بدهشة فالتقت بعيونه التي استعادت لونها والفراغ عاد لهم فأبعد عيونه وقال "لقد وعدتها أن تفعل"
رددت "وعدتها؟ متى وأين؟"
أجاب "عندما التقينا بذلك اليوم، هي ترغب برؤية المجموعة ولم أفكر برفض رغبتها"
سألته "هي لم تخبرني ولم تستعد ولا أنا، لن أكون متفرغة لأكون معها"
لف وجهه لها وقال "ما معنى هذا؟"
أبعدت وجهها "هل ظننت أني سأترك مسؤولياتي؟"
قال بلا تفكير "وماذا يفعل المهندس أحمد؟ أم ترغبين بالتواجد معه؟"
رفعت رموشها الطويلة عن عيونها لتلتقي بعيونه وقد أدركت كلماته وقالت "أحمد سيتولى الافتتاح وأنا سأتولى التجربة"
صمت قليلا ثم قال "التجربة ببداية الحفل، باقي الحفل ليس مسؤوليتك ولو كان امنحيه لأحمد"
أبعدت وجهها عنه ولم ترد وهو فعل المثل ولعن كل لقاءاتهم التي لا تنتهي، بل وتبدأ بشجار لا نهاية له
أدركت أنهم بطريقهم للمطعم، لم تجادل فقد كانت جائعة ومتعبة من العمل ولا رغبة لها بالجدال وهو ليس بحالة تسمح بقبول إلا ما يريده
جلست وهو أمامها والمسؤول يتبعهم كظلهم فقال هو "تفضلين العشاء الآن؟"
لم تنظر له وهي تهز رأسها بالقبول ربما تنتهي منه بسرعة وترحل، الصداع يدق برأسها وتعب الأيام السابقة يضربها وما حدث منه
سمعته يقول "هل تختاري؟"
لم تكن بمزاج جيد ومع ذلك نظرت بالقائمة وانتقت مشويات عادية وهو طعامه الإيطالي المفضل ورحل الرجل فعاد لها وقال "ألا يمكننا اللقاء مرة دون جدال؟"
رفعت عيونها له وقالت "أنت تغضب كثيرا معي"
ظل متراجعا بالمقعد وقال "بلا سبب؟"
أخفضت عيونها ولم ترد فاقترب من المائدة وقال "هل تدركين وجودك معه وحدكم بمبنى كامل وبذلك الوقت رهف؟"
لم تنظر له وهي تقول "كنا نعمل وليس شيء آخر، هل تتوقف عن التلميح لأشياء غير صحيحة؟"
لانت ملامحه ومع ذلك قال "هو مناسب"
لم تفهم وهي تقول "مناسب لأي شيء؟"
لم يرتد بالمقعد وهو يقول "لكِ، كنتم مندمجين معا"
تراجعت بالمقعد وهي تفهم تلميحاته فقالت بقوة "حقا!؟"
ظل يواجها وهو يقول "أنتِ لم تشعري بوجودي لأكثر من خمسة عشر دقيقة"
ظلت تبحث عن رد حتى قالت بغضب "تقصد أني كنت أهيم به وهو يتغزل بي؟"
وصل الطعام فتراجع بالمقعد وكلماتها أوقفت ما يحوم داخله وهو لا يعلم ما الذي يفكر به ويفعله؟ وكأنه ليس راكان الذي عرفه طوال عمره
انفض الرجال من حوله ولم تتحرك للطعام ولا هو ونظراتها بعيدة ورأسها يكاد ينفجر من الصداع حتى قال
"رهف"
نبرته جذبتها جعلتها تنظر له وهو تلقاها بهدوء قائلا "الطعام"
ظلت تنظر له ثم تحركت للطعام وتناولته وهو فعل المثل وهاتفه يرن فأخرجه ليجد اسم رائد فأجاب "رائد"
قال رائد "الدكتورة أرسلت تعليماتها للطاقم ولكنها لم تخبرهم متى يبدأ العمل بها وهاتفها مغلق ولا تجيب"
نظر لها وقال "هي معي"
هتف رائد "مرحي يا رجل، هذا تقدم واضح"
قال بجدية وهي شاردة لا تسمعه "توقف رائد، سأجعلها تتواصل معهم"
ضحك رائد وقال "سهرة سعيدة صديقي"
أغلق ونظر لها وقال "إيطاليا تحاول التواصل معك ولكن هاتفك مغلق"
نظرت له وقالت "ماذا!؟ آه نعم أغلقته وقت الاجتماع ونسيت أن أفتحه"
وضعت يدها على حقيبتها لتأخذ الهاتف فأمسك يدها فرفعت عيونها له وهو قابلها بعيونه وقال "ليس وأنتِ معي"
دق قلبها بقوة ولمسته تذيب غضبها، جذبت يدها وعادت للطعام ثم قالت "أنت جاد بأمر حبيبة؟"
قال "أنا لا أمزح بأي شيء رهف، وأنتِ انهي التجربة وانضمي للحفل، لن تكوني خلف الكواليس، أريدك بالواجهة، كل المسؤولين موجودين والتجربة لكِ ومن حقك التمتع بنجاحك"
قالت "لا أرغب بذلك"
توقف عن الطعام وهو ينظر لها بعيونه اللامعة "لا ترغبين بماذا؟"
قالت "بحضور الحفل، يمكن لحبيبة أن تفعل لكن أنا لا أحب تلك الأجواء"
لم يصدق ما تقول ولم يفهمها وهو يقول "من أجل ما حدث بيننا؟"
واجهته وهي تقول "بل لأني لا أجد نفسي بتلك الأمور، لا أعرف كيفية التعامل مع أشخاص كالذين سيحضرون"
أنهى الطعام وقال "كاذبة"
توقفت عن الطعام وهي تنظر له وهو يخرج سيجاره ويشعله ويشير للمسؤول الذي أسرع له وهو ينفخ الدخان ثم قال "قهوة، دكتورة؟"
قالت "قهوة أيضا، مضبوطة"
تحرك الرجل ورجال تصل لتزيح الأطباق وهو لا يظهر من خلف الدخان وهي بدت متعبة وهو لاحظ ذلك وما أن ذهبوا حتى قال "تبدين متعبة"
رفضت وقالت "أنا بخير، لماذا تريد مني الحضور؟"
قال "تحبين الجدال رهف ولا تملين"
الصداع يشتد برأسها فرفعت أصابعها لجبينها وهي تقول "لا، سأكون موجودة كما تشاء"
اعتدل وقال "ماذا بكِ؟"
لم تنظر له وأبعدت يدها وهي تقول "لا شيء"
وضع الرجل القهوة وابتعد فقال بقلق "أنتِ متعبة، هل نذهب؟"
نظرت له ورأت القلق بعيونه فقالت "لا أنا بخير، سأكون موجودة بالشركة منذ الصباح ولن يمكنني العودة لاصطحاب حبيبة"
قاطعها "سأرسل من يأتي بها ويمكنك استخدام مكتبي لاستبدال ملابسك، مكتبي رهف وليس مكان آخر هل تفهمين؟"
هزت رأسها وقالت "ليان ممتازة، يمكنك منحها مركز جيد وستكون جديرة به"
تراجع بالمقعد وعاد للتدخين وقال "أعلم، تنهي دراستها ومكانها محفوظ بالطبع، وحبيبة؟ ما هي اهتماماتها غير السيارات"
قالت "لا شيء سواها، تريد أن تدخل هندسة ميكانيكا لتعمل بمجال الميكانيكا والسيارات، لم يمكنني إيقافها عن ذلك"
صمت قليلا ثم أطفأ السيجارة وقال "لدي ورشة ميكانيكا خاصة بي"
حدقت به وهي تقول "أنت؟ ميكانيكا؟ أنت تعبث بالسيارات وتلطخ نفسك بالشحم؟"
ابتسم وقال "نعم، كيف تجديني عندما تنظرين لي؟"
ظلت بالفعل تنظر له وهو يواجها حتى قالت "أسد"
ظل صامتا لحظة ثم قال "لماذا؟"
قالت "لديك صفاته، الثقة بالنفس، السيطرة، العناد، نفاد الصبر، الأناقة ،الإبداع، الإخلاص، الشجاعة، الصدق، الغيرة والغضب"
ابتسم وقال "كل هذا أنا؟"
هزت رأسها وقالت بمرح "ومغرور"
ضحك وهو يرتاح بالمقعد وابتسمت هي الأخرى حتى رحل التوتر من بينهم وسألته "وكيف تراني؟"
أجاب "كأنثى الأسد، السرعة والذكاء والقوة في الاعتماد على نفسها في صيد فرائس تفوق حجمها في بعض الأحيان لتأمين غذائها وغذاء من يخصها، عند المصريين القدماء كانت رمز القوة"
ابتسمت وأكمل "نسيت العناد وإثارة غضبي"
ضحكت هي الأخرى وقالت "تبدو كمن يقرأ كثيرا"
أجاب "لستِ وحدك دكتورة"
اتسعت عيونها وقالت "لا!؟"
هز رأسه وقال "لدي ماجستير وكتوراة في إدارة الأعمال، القراءة جزء من العلم وأنا أحب العلم"
ابتسمت وقالت "نضيف ذلك لصفاتك يا دكتور"
قال بهدوء "أفضل العمدة، هي ما أنا عليه"
أنهت القهوة وقالت "منذ متى؟"
أنهى القهوة وقال "ما رأيك لو نسير قليلا على الكورنيش؟"
نظرت لساعتها وقالت "كنت تتحدث عن الوقت"
كان قد وقف فانحنى وقال "ليس وأنتِ معي"
تورد وجهها ونهضت وتحرك المسؤول له ولكنه لم يهتم وهو يتركها تتقدمه
أشار لسيف فتراجع وتحرك معها ليصلا للكورنيش وبدا الجو بارد ومع ذلك استمتعت بالمكان كان هادئ وليس مزدحم، وضع يداه بجيوبه فقالت
"لم تجيب"
قال "فعليا منذ خمس سنوات، لكني العمدة الصغير منذ عشر سنوات، زيدان كان يؤهلني لذلك منذ أن وضعوني بين ذراعيه"
قالت بفضول فهو لم يتحدث بالمرة السابقة ربما يفعل الآن "تحبها؟ العمودية؟"
لف وجهه لها وقال "أكذب لو قلت لا فلم أعرف سواها، ما تعلمته منه لا يتناسب إلا معها"
صمتت لحظة ثم عادت وقالت "الجميع يخافك؟"
لم ينظر لها وهو يقول "لم أطالبهم بذلك، الجميع يعرف قوانيني"
قالت "أحيانا أخاف منك"
لف وجهه لها وقال "مثل اليوم، أعلم"
قالت "متى تستمتع بحياتك؟"
قال "عندما أجتمع مع أصحابي رغم أننا نتطرق للعمل، لكن هم من ينتزعوني من العمدية"
صمتت ولم ترد فتوقف والتفت لها ففعلت المثل وقال "ومعك"
توقف قلبها لحظة عن الدق وتقريبا نست أنفاسها وهي تحدق بعيونه الصافية وقالت "لم تجعلني أشعر بذلك، دائما العمدة هو من يقف أمامي، أنا لم أعرف راكان خارج ذلك الرداء"
تمنى لو كانوا وحدهم حتى يمكنه لمس وجنتها أو سرقة قبلة أخرى منها، قال "راكان هو من يغضب ويثور ويتهور، أما العمدة فالهدوء هي سمته الأصلية، معك لا حواجز رهف"
قالت بقلب مفتوح لرجل اختلطت شخصياته عليها ولم تعد تعرف من تحب؟ "ورغم أني أغضبك وأثير جنونك لكنك تصر على وجودي معك"
اقترب وقال "لا تسألي ذلك السؤال فلا إجابة لدي، فقط أصبح وجودك بحياتي أمر لا غنى عنه، هو أنتِ من ترتدين رداء العمودية وتخفين رهف خلفه، رهف التي لا أعرف عنها شيء"
ارتفع صدرها يعلو ويهبط بأنفاسها وهي تقول "أنا لا أخفي عنك أي شيء، ليس لأنك يمكنك معرفة كل شيء وإنما لأن ليس لدي ما أخفيه، ليس عنك"
تورد وجهها وابتسم وقال "اسحبيها"
ابتسمت وقالت "سأفعل ولكنك ستظل العمدة"
هتف "بخيلة، هل تعرفين أن كل كلماتك معي تصورني كالغول معك"
ضحكت وقالت "الجميلة والوحش"
وتحركت تاركة إياه واقفا وهو ما زال يبتسم حتى لحق بها وهو يقول "أوافق بشرط"
لفت وجهها له وقالت "الشرط من حقي، أنا الجميلة التي تقبل بالوحش"
ضحك وهي كذلك حتى قال "لن أسحب الشرط"
لفت وجهها له وقالت "لأسمعه أولا"
قال "تقبلين هديتي"
توقفت لتواجهه كما فعل وهي تسأله "أي هدية؟"
أجاب "ستصلك بالغد بمكتبي، هل توافقي؟"
قالت بمرح "على الوحش؟ سأفكر"
وتحركت ولكنه أمسك يدها ليوقفها فالتفت له ونظرت ليده وعادت له وقال "اقبلي"
تلك العيون تقودها للجنون فقالت "أخبرني ما هي أولا"
قال "ستغضبين وتلقين بتلك الأجواء الرائعة بالقمامة ونعود للشجار من جديد"
قالت بلا تفكير "لا أريد، يعجبني راكان الأليف"
ضحكت ولكنه لم يفعل وهو يقول بجدية "ستكونين غدا موجودة وسط الجميع وتفسرين ما يحتاج للتفسير للزوار، مكانك بجواري"
فهمت فقالت بهدوء "لا تكمل أنا بالفعل أعلم كيف أظهر بتلك الحفلات، أنا دكتورة راكان دعيت لحفلات كثيرة وتم تكريمي من رئيس الوزراء ووكيل الوزارة، لن يعرف أحد أني من عامة الشعب"
ضغط على يدها قبل أن تسحبها وقال "أعلم تاريخ حياتك كله رهف منذ يوم ولادتك وحتى لحظتك هذه، لكن غدا يوم خاص بي وأريد رؤيتك كما أريد وليس كما يريد الآخرين، كونك من عامة الشعب أو من سواه لا يعنيني بشيء؛ عقلك، علمك، نجاحك، شخصيتك، كل هذا هو ما يعنيني"
قالت "إذن دعني على طبيعتي"
ظل يحدق بها حتى قال "لو لن تمنحيني تلك المحاضرة عن عامة الشعب مرة أخرى فسأوافق"
ابتسمت وقالت "قلت إنك تحب العلم لم تفر من المحاضرات الآن؟"
وجذبت يدها وعادت تتحرك بمرح فعاد يبتسم للمرح الذي تميزت به ووضع يداه بجيوبه وتحرك خلفها فالتفت له بابتسامتها وهي تسير بظهرها وقالت "توقف عن العمودية، ليس هناك من يخضع لك الآن"
والتفتت لتسرع بخطاها وبالفعل خلا المكان إلا من القلة وهي توقفت أمام النيل فلحق بها ووقف بجوارها ولاح الصمت عليهم حتى لف وجهه لها كما فعلت وقالت "أحتاج للعودة للبيت"
هز رأسه وما أن تحركا للطريق حتى كانت السيارات تقف أمامهم ونزل سيف ولكنه فتح لها الباب فدخلت وهو تبعها وهو يقول "بيت الدكتورة"
أغلق الحاجز كالعادة وتحركت السيارة والتقت نظراتهم وكلاهم يريد الحديث فضحكا وقال "ماذا؟"
قالت "ألم تفكر بالصحافة وأنت تتجول على الكورنيش معي؟"
قال "وما فائدة العمودية؟ هي قوانين رهف"
هزت رأسها فقالت "ماذا أردت أن تقول؟"
أجاب "سأضع سيارة بسائق لكِ، لن ترفضي"
ابتسمت وقالت "كف عن التهور راكان ولا تفتح أبواب التساؤلات من حولك"
مال تجاها وقال "هل شعرتِ مرة أني أخفيكِ عن أحد؟"
حقا لا، لم تجيب صراحة ولكنه قال "أخبرتك كثيرا أني لا أخشى شيء أو أحد"
هزت رأسها ولم ترد ولكنه لم يتركها ويده تلمس يدها مرة أخرى فالتفتت له فابتسم وقال "لن أقبلك، أنتظر حتى تطلبي، ما زلت أذكر"
هتفت بمرح "تعلم أني لن أفعل، تعلم أن تكون مؤدب معي كي لا تثير غضبي"
مال تجاها وقال "ألم أخبرك كم تكوني فاتنة وأنتِ غاضبة؟"
تورد وجهها والخجل يضربها ولكنها سيطرت بنفس المرح وقالت "هذا يعني أني.."
قاطعها "جميلة"
هزت رأسها وقالت "لا راكان، بعالمك ملكات جمال، أنا لا شيء بجوارهم"
قال بصدق "لم أراهم بأي يوم، أنتِ من رأيتها بذلك اليوم أمام الشركة عندما سقطت بين ذراعي"
لم تنسى، بكل لحظة تذكر ذلك اليوم عادت نظراته لشفاها وهمس "هيا رهف، اطلبي قبلتي"
الضعف يدفعها للجنون، ذلك القرب يسقطها ولكن لا، هتفت بمرح "أبدا، أنت من تحداني فلتتحمل نتيجة كلماتك يا عمدة"
نفخ بقوة موقفا غضبه، ليس منها ولكن لضعفه أمامها ورغبته بها وتحديها له بتلك الطريقة
توقفت السيارة ونزلت وتبعها فقالت "إلى أين؟"
قال وهو يمسك يدها ويجذبها للداخل "لشقتك رهف، لن أتركك بالشارع بالثانية بعد منتصف الليل"
تحركت خلفه كالطفلة الصغيرة ودفء يده يسرى ليدها وجسدها
توقف أمام باب شقتها ودفعها برفق لتستند على الباب وهو يحبسها وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة وعيونها على عيونه
أدركت أنه لن يتركها تذهب بسلام وهي لا تريده أن يذهب، الأمسية التي بدأت بخوف وغضب ودموع انتهت بمرح وسعادة و..
همس أمام وجهها "اطلبي رهف، أريد أن أُقبلك ولكن ليس قبل أن تطلبي"
كان قربه منها الهلاك ولم تعد تستطيع مقاومته ومع ذلك همست "لن أكون رهف راكان"
لمس وجنتها بأصابعه وهو يقول "وأنا أريد رهف، لنعدل التحدي، هل ترفضين قبلتي؟"
عندما لم ترد لم يفكر وهو يلف ذراعه حولها ويجذبها له وينحني ليقبلها بلا مقاومة منها ويداها ارتفعت على أكتافه وتحولت الرقة لقوة ويده الأخرى تخترق عنقها وخصلاتها وهي تستجيب له حتى توقفت فتوقف هو الآخر بصعوبة ولم تنظر له ولكنه أمرها
"انظري لي، رهف انظري لي"
رفعت عيونها له وما زال يضمها له والتقت بعيونه فقال "أنا لن أضرك بأي يوم، فقط ثقي بي"
ظلت تنظر له وقالت "أفعل راكان، فقط لا تجعلني أندم"
هز رأسه وانحنى وقبلها برقة وظل قريبا من وجهها وقال "أكاد لا أعرف نفسي وأنا معك"
همست "لكني أصبحت أعرفك، شكرا لوجودك معي الليلة"
ابتسم فابتعد لتخرج المفتاح، فتحت والتفتت له فابتسم وقال "لن أراكِ سوى بالحفل"
هزت رأسها فتراجع وكأنه يصارع نفسه بالبقاء وأجبر نفسه على الابتعاد وقال "طابت ليلتك"
منحته أجمل ابتسامة ملكتها وقالت "طابت ليلتك"
اختفى فأغلقت الباب واستندت عليه وأغمضت عيونها وقلبها ما زال يدق ولكن ليس كما وهو معها، قبلته تمنحها الحياة، تعلم أنها خطأ ولكنها أضعف من أن تقاومه
ركب السيارة ولحق به سيف وهو يقول "لديك الكثير"
لم يجيب وما زال يفكر بها ويشعر بشفتيها على فمه وابتسامتها، مرحها
سيف أعاده بإصرار "من أين نبدأ؟"
نظر له وقال "عد للشركة"
هز رأسه ثم قال "صحفي حاول التقاط صورة لكم، أنت تجازف راكان"
نظر له وقال "وأنت تحشر أنفك فيما لا يخصك سيف"
لف وجهه له وقال "حقا؟ على الكورنيش راكان؟ أنت لم تفعلها بشبابك"
لم ينظر له وهو يقول "وهل كانت هي موجودة لأفعل؟"
لم يصدقه سيف وقال "حقا؟ أنت رفضت أميرات"
لف وجهه له وقال "هي دكتورة سيف، أنت تراها وهي تعمل، هي تدير المشروع كله دون أن تدري"
سأله سيف "وماذا؟ أنت لست رجل علاقات عابرة"
حدق به وقال "ولا هي"
عاد سيف يسأل بشكل مختلف "ولا زواج"
لم يترك عيونه ثم لف وجهه للنافذة وقال "سابق لأوانه سيف، لدينا الأهم وعندما ننتهي بالتأكيد سأجيد التفكير"
لم يزيد سيف وهو لم يرغب بالمزيد، سؤال واحد ظل عالقا بجوف سيف وربما خشي من أن يسأله فتلك الأيام التي يعيشها صديقه لم يعشها من قبل ولين ملامحه وهو معها تجعل سيف يرغب بأن يظل معها للأبد
يتبع