
رواية خلف أسوار الحماية الفصل السابع والعشرون27بقلم ملك أحمد
تميم : ألو؟
ــــــــــــــــــــ
في الشركة...
ـ نزلت ليان من سيارتها ببطء، ثم أغلقت الباب خلفها.
ـ وقفت للحظات أمام مبنى الشركة، تنظر إليه بشرود.
ـ لم تكن تريد الذهاب إلى الداخل...
ـ لكنها لم تكن تملك مكانًا آخر تهرب إليه من أفكارها.
ـ تنهدت بعمق، ثم رفعت رأسها واتجهت إلى الداخل.
ـ دخلت الشركة، ألقى عليها بعض الموظفين التحية، فاكتفت بابتسامة بسيطة وهي تمر من أمامهم.
ـ وصلت إلى مكتبها.
ـ جلست على مقعدها، ثم وضعت حقيبتها بجانبها.
ـ سحبت أحد الملفات وفتحته، وبدأت تراجع الأوراق الموجودة أمامها.
ـ كانت عيناها تتحركان بين السطور...
ـ لكن عقلها لم يكن هنا.
ـ كان ما يزال عالقًا في الليلة الماضية.
ـ في تميم...
ـ في اعترافه.
ـ في عينيه عندما قال لها إنه يحبها.
ـ وفي اللحظة التي قرر فيها أن يبتعد عنها رغم كل شيء.
ـ توقفت عن تقليب الأوراق.
ـ ظلت تنظر إلى الصفحة أمامها دون أن تقرأ كلمة واحدة.
ـ ليان : خلاص يا ليان... هو اختار البعد.
ـ قالتها بهدوء، وكأنها تحاول إقناع نفسها قبل أي شخص آخر.
ـ سكتت قليلًا.
ـ ثم أغمضت عينيها.
ـ ليان : بس هو البعد عني فعلًا راحة؟
ـ فتحت عينيها مرة أخرى.
ـ أخذت نفسًا عميقًا، ثم وضعت القلم على المكتب.
ـ ليان : يمكن أنا اللي كنت فاهمة غلط من الأول.
ـ ابتسمت بسخرية.
ـ ليان : أو يمكن هو اللي خلاني أفهم غلط.
ـ أسندت ظهرها إلى المقعد.
ـ للحظة، عادت إلى كل المواقف التي جمعتهما.
ـ طريقته في النظر إليها...
ـ خوفه عليها...
ـ اهتمامه بها حتى في أبسط التفاصيل...
ـ وكيف كان دائمًا يظهر في الوقت الذي تحتاج إليه فيه.
ـ ثم تذكرت كلماته.
ـ "أنا بحبك."
ـ شعرت بوخزة في قلبها.
ـ ليان : طب لو بتحبني... ليه مشيت؟
ـ لم تجد إجابة.
ـ ظلت صامتة للحظات، حتى قطعت أفكارها طرقة خفيفة على الباب.
ـ رفعت رأسها.
ـ ليان : ادخلي.
ـ دخلت إحدى الموظفات.
ـ الموظفة : آنسة ليان...
ـ ليان : نعم؟
ـ الموظفة : عندك اجتماع النهارده الساعة خمسة.
ـ نظرت ليان إلى الساعة.
ـ ليان : تمام... اتفضلي.
ـ أومأت لها الموظفة.
ـ الموظفة : حاضر.
ـ ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها.
ـ عادت ليان إلى أوراقها.
ـ حاولت أن تجبر نفسها على التركيز.
ـ لكنها لم تستطع.
ـ مدت يدها إلى هاتفها دون تفكير.
ـ فتحت الشاشة.
ـ توقفت عيناها عند اسم تميم.
ـ ظلت تنظر إليه للحظات.
ـ وكأنها تنتظر أن يظهر منه شيء...
ـ رسالة واحدة فقط.
ـ لكنها لم تجد شيئًا.
ـ أغلقت الهاتف ووضعته أمامها.
ـ ليان : لا يا ليان.
ـ أخذت نفسًا عميقًا.
ـ ليان : هو اختار يمشي... وإنتِ لازم تحترمي اختياره.
ـ لكنها لم تكن تعرف أن اليوم نفسه سيضعهما أمام بعضهما مرة أخرى...
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
عند تميم...
ـ توقفت سيارة أمام فيلا كبيرة تحيط بها أسوار مرتفعة.
ـ نزل تميم منها، ثم وقف للحظات أمام الفيلا.
ـ نظر إليها بصمت.
ـ كانت ملامحه هادئة، لكن الإرهاق كان واضحًا في عينيه.
ـ لم ينم جيدًا منذ الليلة الماضية.
ـ وربما لم يكن النوم هو المشكلة الوحيدة...
ـ كان عقله يرفض أن يتركه لحظة واحدة.
ـ كلما حاول أن يغلق عينيه...
ـ ظهرت ليان أمامه.
ـ صوتها.
ـ دموعها.
ـ سؤالها له.
ـ "ليه خليتني أحس إن في حد ممكن يفضل؟"
ـ أغمض عينيه للحظة.
ـ ثم تنهد ودخل إلى الفيلا.
ـ اتجه إلى الداخل حتى توقفت قدماه أمام المجلس.
ـ طرق الباب طرقًا خفيفًا، ثم دخل.
ـ وجد سيدة تجلس أمام التلفاز.
ـ كانت تبدو في الخمسينات من عمرها، وبمجرد أن رأته ارتسمت على وجهها ابتسامة دافئة.
ـ اقترب منها تميم وجلس أمامها.
ـ تميم : Добро пожаловать, моя мама.
ـ مرحبًا بك يا أمي.
ـ نظرت إليه والدته بابتسامة أكبر، ثم مدت يدها ووضعتها على وجهه بحنان.
ـ السيدة : Добро пожаловать, мой дорогой сынок... Я скучала по тебе.
ـ أهلًا بولدي العزيز... لقد اشتقت إليك.
ـ ابتسم تميم لها.
ـ كانت ابتسامته مختلفة هذه المرة...
ـ هادئة، لكنها تخفي خلفها الكثير.
ـ تميم : Это Джои?
ـ أين جوي؟
ـ السيدة : Он не поехал со мной; он решил остаться в России, как есть.
ـ قرر البقاء في روسيا.
ـ تميم : Хороший.
ـ تمام.
ـ وقف تميم من مكانه.
ـ كان على وشك المغادرة، لكنه توقف عندما سمع صوت والدته خلفه.
ـ السيدة : Что ты наделал, Тамим?
ـ ماذا فعلت يا تميم؟
ـ تجمد مكانه.
ـ لم يلتفت إليها مباشرة.
ـ بقي واقفًا للحظات، وكأن سؤالها أصاب شيئًا يحاول طوال الوقت أن يخفيه.
ـ ثم أدار رأسه إليها.
ـ تميم : ولا حاجة.
ـ نظرت إليه والدته طويلًا.
ـ السيدة : أنت متغير.
ـ لم يرد.
ـ السيدة : في حاجة حصلت.
ـ تميم : مفيش حاجة يا ماما .
ـ السيدة : تميم...
ـ كان يعرف تلك النظرة جيدًا.
ـ نظرة والدته التي تخبره بأنها لن تصدقه بسهولة.
ـ لكنه لم يكن مستعدًا للحديث.
ـ اكتفى بالصمت.
ـ ثم اتجه إلى الخارج.
ـ ظلت والدته تتابعه بعينيها حتى اختفى من أمامها.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في الشركة...
ـ مر الوقت ببطء.
ـ انتهت ليان من اجتماعها في الموعد المحدد، ثم عادت مرة أخرى إلى مكتبها.
ـ وضعت بعض الملفات أمامها وبدأت ترتب الأشياء الموجودة على مكتبها.
ـ كانت تحاول أن تشغل نفسها بأي شيء.
ـ أي شيء يمنعها من التفكير.
ـ لكنها لم تستطع.
ـ فجأة دخلت الموظفة مرة أخرى.
ـ الموظفة : آنسة ليان...
ـ رفعت ليان عينيها إليها.
ـ ليان : نعم؟
ـ الموظفة : في شاب بره عايز يقابل حضرتك.
ـ عقدت ليان حاجبيها.
ـ ليان : مين؟
ـ الموظفة : معرفش، بس شوفته قبل كده في التلفزيون.
ـ توقفت ليان عن ترتيب الأوراق.
ـ ثم قالت بهدوء:
ـ ليان : تمام... خليه يدخل.
ـ الموظفة : حاضر.
ـ أومأت لها وخرجت.
ـ عادت ليان إلى الأوراق أمامها.
ـ لكنها لم تمر سوى لحظات حتى فُتح الباب.
ـ رفعت ليان عينيها.
ـ وما إن رأته حتى تأففت بضيق.
ـ ليان : نعم؟
ـ ابتسم حمزة وهو يدخل.
ـ حمزة : مالك يا ليان؟ ليه بحس إنك مش طايقاني؟
ـ ليان : لا، ليه بتحس كده؟
ـ نظرت إليه ببرود.
ـ ليان : اتأكد.
ـ ابتسم حمزة.
ـ ثم اقترب وجلس أمامها.
ـ حمزة : ماشي يا ستي.
ـ ليان : ممكن أعرف عايز إيه؟
ـ حمزة : عادي... جاي أقعد مع خطيبتي شوية.
ـ رفعت ليان حاجبها.
ـ ليان : ياه... إنت عامل زي الشخص اللي لما صدق قشة صغيرة يتعلق بيها.
ـ ضحك حمزة بخفة.
ـ حمزة : بس القشة دي ممكن تنقذه.
ـ ليان : وممكن برضو تنكسر وتغرقه.
ـ وضعت القلم على المكتب.
ـ ليان : فاختصر الطريق يا حمزة، وألغي كل حاجة من نفسك قبل ما ألغيها أنا.
ـ اختفت ابتسامته للحظة.
ـ لكنه سرعان ما عاد لابتسامته المستفزة.
ـ حمزة : مستحيل أعمل كده.
ـ ليان : ليه؟
ـ حمزة : عشان أنا بحبك بجد... ومش عارف إنتِ إمتى هتقتنعي.
ـ ضحكت ليان بسخرية.
ـ ليان : ياه... تصدق اتأثرت؟
ـ ابتسم حمزة باستفزاز.
ـ حمزة : وده اللي عجبني فيكي يا ليان.
ـ ليان : إيه؟
ـ حمزة : إنك مهما حاولتي تبيني إنك مش فارق معاكي... بتفضلي زي ما إنتِ.
ـ نظرت إليه بضيق.
ـ ليان : خلصت؟
ـ حمزة : تقريبًا.
ـ سكت قليلًا.
ـ ثم نظر حوله.
ـ حمزة : بس في حاجة غريبة .... وأنا داخل مشفتش الحارس ده.
ـ توقف قليلًا وكأنه يحاول تذكر الاسم.
ـ حمزة : كان اسمه إيه؟
ـ ابتسم ابتسامة جانبية.
ـ حمزة : تامر... تميم.
ـ ما إن سمعت اسمه حتى تغيرت ملامح ليان للحظة.
ـ لكنها أخفت ذلك سريعًا.
ـ ابتسمت بسخرية.
ـ ليان : طيب كويس إن اسمه لسه في بالك.
ـ حمزة : ليه؟
ـ ليان : أنا بصراحة لو مكانك كنت هتكسف حد يشوف وشي بعد اللي عمله فيا.
ـ ليان : وبعدين متعملش نفسك مش عارف هو فين ...
ـ ضحك حمزة.
ـ حمزة : آه صح... نسيت.
ـ اقترب قليلًا.
ـ حمزة : عمو قالي.
ـ ليان : طيب عايز إيه؟
ـ حمزة : بس كنت متخيل إنك بتحبيه.
ـ ساد الصمت للحظة.
ـ نظرت ليان إليه.
ـ لم تحاول الإنكار هذه المرة.
ـ ليان : مش مكسوف وإنت بتقول كده؟
ـ حمزة : ليه؟
ـ ليان : لأنك عارف الإجابة.
ـ حمزة : يعني بتحبيه؟
ـ أخذت نفسًا عميقًا.
ـ ثم قالتها بوضوح:
ـ ليان : أيوه.
ـ ظهرت ابتسامة صغيرة على وجه حمزة.
ـ ليان : واطلع بره بقى يا حمزة.
ـ وقف حمزة وهو يعدل ملابسه.
ـ حمزة : ماشي... همشي.
ـ اتجه نحو الباب.
ـ لكنه توقف فجأة.
ـ ثم انحنى قليلًا ناحية ليان وقال:
ـ حمزة : بس أوعدك يا ليان...
ـ رفعت ليان عينيها إليه.
ـ حمزة : هقتله قريب.
ـ اتسعت عيناها قليلًا.
ـ حمزة : أو ممكن النهارده.
ـ نظر إلى ساعته.
ـ حمزة : أتلاقيهم في الطريق دلوقتي.
ـ حاولت ليان إخفاء توترها.
ـ ليان : تمام... هنشوف.
ـ ابتسم حمزة، ثم استقام.
ـ حمزة : أشوفك بعدين يا خطيبتي.
ـ خرج من المكتب وأغلق الباب خلفه.
ـ بمجرد أن اختفى من أمامها...
ـ تغيرت ملامح ليان تمامًا.
ـ اختفت السخرية من وجهها.
ـ وأمسكت هاتفها بسرعة.
ـ ليان : تميم...
ـ فتحت قائمة الأسماء.
ـ ضغطت على اسمه واتصلت.
ـ انتظرت.
ـ مرة...
ـ مرتين...
ـ ثلاث مرات...
ـ لكن الهاتف كان مغلقًا.
ـ ليان : يا رب!
ـ حاولت مرة أخرى.
ـ نفس النتيجة.
ـ أغلقت المكالمة.
ـ ثم اتصلت بأحمد.
ـ لم تمر سوى لحظات حتى جاءها الرد.
ـ ليان : أيوه يا أحمد؟
ـ أحمد : هو في حاجة؟
ـ ليان : تميم فين؟
ـ أحمد : معرفش.
ـ ليان : طيب إنت عارف بيته؟
ـ أحمد : أيوه.
ـ ليان : طيب اسمعني.
ـ أحمد : اتفضلي.
ـ بدأت تخبره بما حدث.
ـ كانت تتحدث بسرعة، وكلماتها تخرج متلاحقة من شدة القلق.
ـ لكن فجأة...
ـ انقطع الخط.
ـ نظرت ليان إلى الهاتف بصدمه.
ـ ليان : هو ده وقته؟!
ـ حاولت الاتصال مرة أخرى.
ـ لم تجد ردًا.
ـ وقفت من مكانها بسرعة.
ـ أخذت حقيبتها وهاتفها.
ـ وخرجت من المكتب.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في الأسفل...
ـ نزلت ليان مسرعة.
ـ اتجهت ناحية سيارتها.
ـ مدت يدها لتفتح الباب...
ـ لكنها توقفت عندما سمعت صوتًا خلفها.
ـ أحمد : آنسة ليان!
ـ التفتت إليه.
ـ وجدته يقترب منها بسرعة.
ـ أحمد : هو في إيه؟
ـ ليان : بص... اللي حصل إن حمزة جه المكتب وقال...
ـ بدأت تحكي له كل ما حدث.
ـ كان أحمد يستمع إليها بتركيز.
ـ وما إن انتهت حتى قال:
ـ أحمد : طيب أنا هروح حالًا أشوفه.
ـ ليان : هاجي معاك.
ـ أحمد : لا طبعًا.
ـ ليان : ليه؟
ـ أحمد : عشان الموضوع مش مضمون، وإنتِ مش هتروحي.
ـ ليان : أنا هاجي.
ـ أحمد : آنسة ليان...
ـ لكنها لم تستمع إليه.
ـ فتحت باب السيارة وصعدت.
ـ نظر أحمد إليها بحيرة.
ـ لم يعرف ماذا يفعل.
ـ ثم تنهد وصعد إلى السيارة.
ـ أدار المحرك وانطلق.
ـ ظلت ليان طوال الطريق تنظر أمامها بصمت.
ـ كانت تحاول الاتصال بتميم مرة أخرى.
ـ لكن هاتفه ظل مغلقًا.
ـ قبضت يدها حول الهاتف.
ـ ليان : يا رب يكون بخير.
ـ لم يجبها أحمد.
ـ كان هو الآخر يقود بصمت.
ـ حتى وصلا إلى منزل تميم.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
ـ توقفت السيارة أمام الفيلا.
ـ نزل أحمد أولًا.
ـ ثم نزلت ليان.
ـ رفعت عينيها إلى المنزل.
ـ كانت خطواتها بطيئة هذه المرة.
ـ لم تعرف لماذا شعرت بهذا التوتر.
ـ ربما لأنها لم تكن تعرف ماذا ستجد بالداخل.
ـ تقدمت خطوة...
ـ ثم أخرى.
ـ حتى وصلت إلى البوابة.
ـ وما إن رفعت عينيها إلى الداخل...
ـ تجمدت قدماها في مكانهما.
ـ كان تميم يقف هناك...
ـ يتحدث مع هيثم.