مرت الشهور بسرعة...
وأنا ما كنتش أعرف غير الشغل.
كنت أول واحد يدخل الورشة، وآخر واحد يخرج منها.
حتى في يوم إجازتي، كنت أنزل أتأكد إن كل حاجة ماشية كويس.
وكان صاحب الشركة يراقبني من بعيد، من غير ما أحس.
في يوم، كنت شغال على عربية فاخرة، وفجأة لقيت ظرف صغير وقع من داخلها.
فتحته علشان أعرف لصاحبه...
اتفاجئت إنه مليان فلوس، ومعاه ساعة غالية جدًا.
أي حد مكاني كان ممكن يقول:
"محدش هيعرف."
لكن أنا افتكرت كلام أمي:
"يا وحيد... الجنيه الحلال، حتى لو قليل، فيه بركة. أما الحرام، عمره ما يدوم."
قفلت الظرف زي ما هو، وروحت على طول لمكتب المدير.
قلت له:
– "الظرف ده كان في العربية."
فتح الظرف، وبصلي باستغراب، وقال:
– "إنت فتحت الظرف؟"
قلت:
– "فتحته علشان أعرف صاحبه، أول ما عرفت إنه مش بتاعي، جبته لحضرتك."
ابتسم المدير، لكنه ما قالش حاجة.
بعدها بكام ساعة...
عرفت إن العربية كانت لرجل أعمال كبير جدًا، وإن الظرف كان فيه مبلغ كبير من المال.
لما عرف إن الفلوس رجعت كاملة، قال جملة فضلت محفورة في دماغي:
– "الناس الشاطرة كتير... لكن الأمين قليل."
ومن اليوم ده...
كل الناس في الشركة بدأت تبصلي بطريقة مختلفة.
بقوا يثقوا في كلامي.
ولو في شغل صعب، أو عربية محدش عرف يصلحها...
كانوا ينادوا:
– "هاتوا وحيد."
كنت أشتغل بكل تركيز، وأقول لنفسي:
"اشتغل كأن ربنا شايفك... قبل ما الناس تشوفك."
وفي يوم...
حصل عطل كبير في معدات الشركة.
كل المهندسين حاولوا يصلحوه، لكن محدش عرف.
صاحب الشركة كان متوتر جدًا، لأن كل ساعة تأخير كانت بتخسره فلوس كتير.
وقفت أبص للمعدة شوية...
وبعدها طلبت منه فرصة.
بصلي باستغراب وقال:
– "إنت متأكد؟"
قلت بثقة:
– "بإذن الله هتشتغل."
اشتغلت ساعات طويلة، من غير ما أقوم من مكاني.
إيديا اتجرحت...
وهدومي اتبهدلت...
لكن ما استسلمتش.
وفجأة...
اشتغلت المعدة.
المكان كله دوّى بالتصفيق.
أما صاحب الشركة...
فكان واقف يبصلي، والابتسامة مالية وشه.
قرب مني، وربت على كتفي، وقال:
– "أنا ما خسرتش فلوس النهارده... أنا كسبت راجل."
الكلمة دي...
كانت عندي أغلى من أي مكافأة.
ومن بعدها...
بدأ يقربني منه أكتر.
بقى ياخد رأيي في الشغل، ويكلّفني بمشروعات أكبر، وكل يوم كانت ثقته فيّ بتزيد.
وساعتها...
بدأت أحس إن ربنا بيعوضني عن كل يوم تعبت فيه، وعن كل دمعة نزلت من عين أمي.
لكن...
(العوض الجميل)
بعد الموقف ده، بقيت أقرب واحد لصاحب الشركة.
كان كل يوم يناديني أقعد معاه، ويسألني عن رأيي في الشغل، ويكلّفني بأعمال أكبر من سني.
وفي يوم، بعد ما خلصنا اجتماع مهم، قال لي:
– "يا وحيد... اقعد، عايز أكلمك في موضوع بعيد عن الشغل."
استغربت، وقعدت قدامه.
فضل يبصلي شوية، وقال:
– "أنا لفيت الدنيا، وقابلت ناس كتير... لكن قليل لما الواحد يقابل شاب يجمع بين الأخلاق، والأمانة، والاجتهاد، وبر الوالدين."
سكت لحظة، ثم ابتسم وقال:
– "أنا عندي بنت... وهي أغلى ما أملك. ولو فكرت أختار لها زوج، والله ما هلاقي أفضل منك."
في اللحظة دي حسيت إن الزمن وقف.
ما كنتش مصدق اللي سمعته.
أنا... ابن العامل البسيط... اللي كان بيشتغل في ورشة صغيرة، يتعرض عليّ الجواز من بنت رجل أعمال كبير!
نزلت دموعي من غير ما أحس، وقلت له:
– "ده شرف كبير ليا يا فندم... لكن لازم آخذ رأي أمي."
ابتسم وقال:
– "وده اللي كنت متوقعه منك... لأن اللي يبر أمه، يعرف يحافظ على بيته."
خرجت من عنده، وأول حاجة عملتها إني اتصلت بأمي.
أول ما سمعت صوتها، قلت:
– "يا أمي... عندي خبر كبير."
ضحكت وقالت:
– "خير يا حبيبي."
حكيت لها كل حاجة.
سكتت شوية، وبعدها سمعت صوت بكاها.
قالت:
– "الحمد لله... كنت واثقة إن ربنا هيعوضك عن كل يوم تعبت فيه."
وبعد أيام...
تمت الخطوبة في جو مليان فرحة.
أصريت إن الشبكة تكون من تعبي، ورفضت إن والدها يدفع عني أي حاجة تخصني.
لأن الكرامة عمرها ما كانت بالفلوس...
الكرامة إن الإنسان يعتمد على نفسه.
وكان صاحب الشركة ينظر إليّ بفخر، ويقول لكل من حوله:
– "أنا اخترت راجل... قبل ما أختار زوج لبنتي."
وبعد انتهاء المشروع، رجعت إلى مصر.
وأول حاجة عملتها...
إني نزلت من العربية، وروحت حضنت أمي.
فضلت أبوس في إيديها ورأسها، وأقول:
– "كل اللي وصلت له... بعد ربنا، بسبب دعواتك."
كانت تبكي وهي تقول:
– "أنا كنت بدعي ربنا كل ليلة إنه يفرح قلبي بيك... والحمد لله شفت اليوم ده."
بدأت أخطط لمستقبلي.
استثمرت كل اللي جمعته في شركة استيراد وتصدير.
وفي البداية، كانت الخطوات صعبة.
لكن الخبرة اللي اكتسبتها، وثقة الناس فيّ، كانوا أكبر رأس مال أملكه.
وبفضل الله...
نجحت الشركة.
ويومًا بعد يوم، كبرت، واتعرف اسمي في السوق.
اشتريت عربية كنت زمان أقف أبص لها من بعيد.
واشتريت فيلا صغيرة، كانت بالنسبة لي قصرًا.
لكن أجمل لحظة في حياتي...
ما كانتش يوم شراء العربية.
ولا يوم شراء الفيلا.
كانت لحظة لما مسكت إيد أمي، وقلت لها:
– "يلا يا أمي... ده بيتك."
بصت حواليها وهي مش مصدقة.
وقالت والدموع في عينيها:
– "هو إحنا هنعيش هنا؟"
ابتسمت وقلت:
– "أيوه... ده أقل حاجة أقدر أعملها علشان الست اللي ضحت بعمرها كله عشاني."
حضنتني وهي بتبكي، وقالت:
– "ربنا ما يحرمنيش منك يا نور عيني."
والله...
في اللحظة دي حسيت إني ملكت الدنيا كلها.
وبعد سنة...
تم زفافي وسط فرحة الأهل والأحباب.
وكانت زوجتي نعم الزوجة.
سند حقيقي، تشاركني كل خطوة، وتقف جنبي في كل نجاح.
وبعد فترة، رزقنا الله بطفل جميل.
أول ما شلته بين إيديا...
افتكرت أبويا.
افتكرت تعبه، ومرضه، وحنانه.
ومن غير تردد قلت:
– "اسمه أحمد."
على اسم أبويا... رحمه الله.
ودعيت من كل قلبي:
"اللهم اجعل مرضه وتعبه في ميزان حسناته، واجمعني به في الفردوس الأعلى."
وأقمنا له أسبوعًا كبيرًا، وكانت الفرحة يومها لا توصف.
وقفت أبص لأمي وهي شايلة حفيدها، وابتسامتها منورة وشها.
وقلت في نفسي:
"الحمد لله... أخيرًا شوفت الضحكة اللي كنت بحارب السنين كلها علشان أشوفها."
💫 الخلاصة
أنا ما حكيتش قصتي علشان أقول إني نجحت...
أنا حكيتها علشان أقول لكل شاب بيأجل حلمه:
ابدأ...
حتى لو البداية كانت صعبة.
وتعب...
حتى لو محدش شاف تعبك.
واصبر...
حتى لو الطريق طال.
وافتكر دايمًا...
إن دعوة أم من قلبها، ممكن تفتح لك أبواب كانت مقفولة.
وإن بر الوالدين رزق.
وإن الأمانة كنز.
وإن الاجتهاد عمره ما بيروح هدر.
أما الوقت...
فهو أغلى نعمة ربنا وهبها للإنسان.
الوقت كالسيف... إن لم تقطعه، قطعك.
دي كانت حكايتي...
حكاية طفل فقد أبوه، لكنه ما فقدش إيمانه.
وشاب تعب، فكرمه الله.
ورجل عرف أن النجاح الحقيقي...
هو إنك تفرّح قلب أمك، قبل ما تفرّح نفسك.
والحمد لله على كل نعمة، والحمد لله على كل عوض جميل.
تمت
