رواية حب علي حافة الهاوية الفصل الرابع4بقلم ملكة الروايات



رواية حب علي حافة الهاوية الفصل الرابع4بقلم ملكة الروايات 

​ساد الشحوب جدران المكتب الفخم، وتلاقت النظرات في صمتٍ أثقل من قطرات المطر التي تقرع زجاج النافذة. كانت جوان تحدق في الأوراق الدامغة بين يديها، ثم ترتفع بعينيها المترقرقين بالدموع لتلتقي بعيني فارس الحادتين. كانت لمسته الرفيقة لدموعها تناقض كل صور الانتقام والقسوة التي حاول رسمها لنفسه.
​"لماذا أقحمتني في هذا الصراع منذ اللحظة الأولى؟" سألته جوان بصوت يرتجف، متراجعةً خطوة إلى الخلف لتفلت من تأثير قربها منه، "إن كنت تبحث عن حقك، فلماذا جعلتني الطعم في سنّارة انتقامك؟"
​تنهد فارس ببطء، وتجلت في ملامحه مساحة نادرة من الشفافية والوجع القديم: "لأنني لم أكن أعلم من تكونين حقاً يا جوان... كنتُ أظنكِ امتداداً لجشع والدكِ، نسخة مخملية أخرى تتغذى على أموالٍ سُلبت منا بالباطل. لكنني حين رأيت عيونكِ وسبرت غور ذكائكِ واستقامتكِ، أدركت أنكِ الضحية الأكبر في هذا القصر."
​أغلقت جوان الملف بقوة وأعادت ضغطه على صدرها، وأجابت بصلابة منكسرة: "سأتحقق من كل حرف في هذه الأوراق بنفسي. وإن كانت حقيقة والدك كشفت سواد ماضي أبي، فهذا لا يعني أنني سأكون سلاحك لتدميره."
​"الحقيقة هي سلاحكِ أنتِ يا جوان، وليست سلاحي،" قال فارس بنبرة واثقة هادئة، "والدكِ لا يتهاوى بسببي فقط... بيته ينهار من الداخل وأنتِ أعمى من أن ترين ذلك. العاصفة بدأت بالفعل."
​في هذه الأثناء، كان القصر العائلي لآل عاصم يعيش خيانةً مكتملة الأركان في الخفاء.
​في جناحها الخاص، كانت شيرين تحزم حقائبها الصغيرة وتجمع كل المجوهرات والوثائق التي استطاعت استخلاصها من خزينة مراد. كانت الابتسامة الشيطانية لا تفارق شفتيها وهي تتحدث عبر الهاتف المشفر مع طبيبها الشريك في الجريمة:
"كل شيء تم كما خططنا... 'عاصم بك' وقّع على التنازل عن برج 'الشهب' السكني للحفيد الوهمي تحت وصايتي. الأموال حُوّلت إلى الحساب البحري في سويسرا، وسأغادر القصر قبل أن يكتشفوا أي شيء."
​رد الطبيب بتوجس عبر الهاتف: "وماذا عن زوجكِ مراد؟"
​ضحكت شيرين بسخرية جافة: "مراد رجل ضعيف، آمن بأسطورة 'الأب' والحفيد المنتظر لدرجة أعمته عن رؤية الحقيقة. اترك له أوهامه ليتحمل نتائج انهيار والده بمفرده."
​أغلقت الهاتف وخبأت الحقيبة السحرية خلف الأريكة، متصنعةً الأنين مرة أخرى حين سمعت خطوات مراد المترددة تقترب من الباب.
​دخل مراد والغضب والندم ينهكان ملامحه. جلب لها كوباً من الماء وقال بنبرة مكسورة: "شيرين... لقد أخذتُ الأوراق الموقعة وأرسلتها للمحامي. أبي لا يكلمني الآن، ويبدو كجسد بلا روح بعد معرفة موضوع ابن 'سليمان الشهاب'. هل أنتِ مطمئنة الآن؟ هل جنيننا بخير؟"
​اعترت شيرين ملامح الأسى المزيف وشربت جشعةً من الماء، ثم قالت ببرود أذهل مراد: "المهم الآن هو حماية المستقبل يا مراد. والدك رجل انتهى تاريخه، وسوق الأعمال لن يرحمه بعد صدمة الغد."
​استغرب مراد من طريقة حديثها الجافة عن والده، وتملكته للمرة الأولى شكوك طفيفة حول اندفاعها المالي المحموم، لكنه كتمها في نفسه محاولاً تصديق خدعة الحب التي عاشها لسنوات.
​وفي ساعة متأخرة من الليل، عادت جوان إلى القصر، وذهبت مباشرة إلى جناح والدها. لم تفتح الباب باستئذان، بل دخلت لتجده جالساً في الظلام، يمسك بيده صورة قديمة تجمع بينه وبين "سليمان الشهاب" في بداية شبابهما.
​رفعت جوان الملف الذي أخذته من فارس وألقته على الطاولة أمام أبيها: "هذا تقرير الطب الشرعي الصادر قبل عشرين عاماً يا بابا... وهذه بصمات التنازل المزورة. هل فارس يكذب؟ أم أن الحقيقة أشد قسوة مما كنت أظن؟"
​رفع عاصم بك رأسه الشاحب نحوها، وكانت عيناه غائرتين وتفيضان بكسرة لا مثيل لها. لم يصرخ، ولم يدافع عن نفسه هذه المرة، بل أطلق تنهيدة طويلة ومسمومة:
"كانت الأيام سريعة يا جوان... وسليمان كان يريد سحب كل استثماراتي وإفلاسي في لحظة طيش منه. لم أقتله بيدي... لكنني رأيت حادثة سيارته، وتركت القدر ينفذ أحكامه دون أن أمد يدي لإنقاذه! واستغليت موته لأصنع هذا العرش كي تحيي أنتِ وأخوكِ ملوكاً!"
​سقطت دمعة باردة من عين جوان، وقالت بصوت همس خفيض: "بل صنعت هذا العرش لتجعل منا أبناءً للخطأ... أنت لم تحمنا يا بابا، أنت أطعمتنا من نارٍ ستحرقنا جميعاً اليوم."
​وفي تلك اللحظة بالذات، دوت في أرجاء القصر صرخة مدوية هزت الأركان!
​كان الصراخ ينبعث من غرفة مراد!
​اندفعت جوان وعاصم بك بخطى سريعة نحو طابق الغرف الفاخرة، ليجدا باب غرفة مراد مفتوحاً على وسعه، ومراد يجلس على الأرض ممسكاً بتقرير طبي حديث وسري سقط من حقيبة شيرين أثناء حزمها السريع!
​كان التقرير يثبت بوضوح قاطع أن شيرين غير حامل، وتستحيل إصابتها بالحمل لظروف طبية قديمة، وأن كل الفحوصات السابقة كانت زيفاً وتزويداً مقصوداً!
​وكانت شيرين قد اختفت من الجناح، تاركةً خلفها الحقائب الفارغة وباب الشرفة المفتوح على مصراعيه نحو طريق الفرار!
​"شيرين... لا يوجد طفل..." كان مراد يكرر العبارة كالمجنون وهو يمزق التقرير بيديه، والدموع تنهمر من عينيه بغزارة، "لا يوجد حفيد... لقد خدعتني! سرقت البرج والأموال وهربت!"
​انقض عاصم بك على الأوراق وهو يلهث بصرخة اكتتمت في حلقه، وأمسك بصدره من شدة الصدمة المزدوجة؛ خسارة أملاكه الكبرى بفخ زوجه ابنه، وعودة ديون الماضي على يد ابن غريمه. وترنح جسده ليسقط أرضاً فاقداً للوعي بين يدي جوان ومراد المصادومين.
​انهار قصر آل عاصم من الداخل بالكامل في ليلة واحدة، وجلست جوان بين أنقاض بيتها المتهاوي، مدركةً أن المعركة الشرسة مع فارس لم تعد مجرد تصفية حسابات تجارية... بل أصبحت صراعاً للبقاء وسط الخراب.

انتشرت أضواء سيارة الإسعاف الحمرة فوق جدران القصر الشامخ، تعكس تحسراً صامتاً على امبراطورية أخذت تتداعى في ساعات. نُقل "عاصم بك" على وجه السرعة إلى المستشفى الإيطالي بعد إصابته بانسداد حاد في الشريان التاجي، أدى إلى غيبوبة مفاجئة وضعته بين الحياة والموت.
​في ممر المستشفى البارد، كان "مراد" يجلس على الأرض ومسنِداً رأسه إلى الحائط الرخامي، شاحب الوجه ومشتت الذهن. كانت صدمة خدعة شيرين وضياع البرج العقاري الحساس تُفقده القدرة على التفكير، بينما كانت جوان تقف عند النافذة الزجاجية، تنظر إلى المطر الذي ينهمر بغزارة، وتتحمل وحدها ثقل الانهيار الكامل لأسرتها.
​دخل "سليم"، مستشار فارس، إلى ممر المستشفى بخطوات موزونة، يحمل بيده حقيبة جلدية سوداء. توقف أمام جوان وقدم لها برقية رسمية بكل رقي ووقار:
"آنسة جوان... أنا هنا نيابة عن السيد فارس. يبلغكِ بأسفه العميق للحالة الصحية لوالدكِ، ولكن العمل لا يتوقف. هذه إخطارات رسمية ببدء الحجز التحفظي على أصول شركة آل عاصم بناءً على أوراق ملكية مجموعة 'الشهاب' ودعاوى التزوير المستعجلة."
​نظرت جوان إلى سليم بعينين تقدحان بشرار الغضب والحرقة، وقالت بصوت خفيض لكنه كالحديد: "والدي يصارع الموت في الداخل، وأنت وقائدك تطاردان الجثة قبل أن تبرد؟ هل هذه هي العدالة التي يتغنى بها فارس؟"
​رد سليم بنبرة هادئة: "السيد فارس لا يطارد أحداً يا آنسة... هو يحمي حق عائلته فقط. وبالمناسبة، السيد فارس يعرف مكان 'شيرين' والطبيب المرتشي، وقد تعقب تحركاتهما المالية وسحب ملكية البرج قبل أن تتمكن من التصرف فيه بالكامل خارج البلاد."
​اتسعت عينا جوان ومراد بذهول. نهض مراد ببطء وهو يتلعثم: "شيرين... هل يعرف مكانها؟"
​أردف سليم: "السيد فارس لم يترك تفصيلة واحدة للصدفة يا سيد مراد. إن أردتم استعادة ما سرقته تلك المرأة، فالطريق الوحيد يمر عبر مكتب فارس بك."
​مع حلول منتصف الليل، توجهت جوان بخطى مصممة نحو القصر المجاور. دخلت المكتب دون استئذان، لتجد فارس يجلس خلف مكتبه العتيق، يدرس بعض الخرائط المالية تحت أضواء خافتة.
​رفعت جوان رأسها بثبات وقالت: "لقد انتصرت يا فارس... أبي في غيبوبة بين الحياة والموت، وأخي تحطم نفسياً ومالياً، والعرش الذي طالما حاربت لأجله أصبح أثراً بعد عين. هل أنت سعيد الآن؟ هل استرحت؟"
​وقف فارس ببطء، وتطلع إليها بنظرة ملؤها التعقيد والغموض. لم تكن في عينيه نبرة الشماتة التي توقعتها، بل كان هناك ظل كئيب من الحزن المكتوم.
​خطى نحوها وتوقف على مسافة قصيرة: "أنا لا أبحث عن السعادة في الخراب يا جوان... استرداد الحق ليس نزهة ممتعة، بل هو واقِع مؤلم كان يجب أن يحدث منذ عشرين عاماً. لكنني لم أكن أتمنى أن تصل الأمور بوالدكِ إلى جهاز التنفس الصناعي."
​سألته جوان بنبرة تخنقها العبرات: "ولماذا تدخلت في قضية شيرين؟ لماذا تلاحق المرأة التي سرقتنا وتمنعها من بيع البرج؟ هل لتأخذه أنت لنفسك أيضاً؟"
​اقترب فارس أكثر، ومد يده ليمسك بيدها المرتجفة، وفي تلك اللحظة ساد حبس الأنفاس بينهما:
"تدخلتُ لأني لا أسمح للصوص الرخاص بابتزاز عائلتكِ يا جوان... حق والدكِ ودَيْن أبي بيني وبينه فقط، ولن أسمح لامرأة خائنة أن تستغل هذه الحرب لتدمر ما تبقى من كرامتكِ وكرامة أخيكِ."
​نظرت جوان في عينيه الحادتين، وشعرت للتناقض الصارخ الذي يمزق قلبها؛ فهذا الرجل هو الذي دمر عالمها الداخلي، وهو الوحيد القادر على إنقاذها من الشتات المطلق!
​سحبت يدها برفق وقالت: "ماذا تريد الآن يا فارس؟ ما هي خطوتك القادمة؟"
​انخفضت نبرة فارس لتصبح أكثر دفئاً وإرباكاً: "أريد منكِ أن تقفي معي... ليس ضد والدكِ، بل ضد السقوط. الحجز التحفظي سُيرفع عن منزلكم الخاص، وشيرين ستسلم كافة الأصول المسروقة للشرطة خلال ساعات. أما بالنسبة لشركة آل عاصم... فسأعرض عليكِ شراكة جديدة كلياً باسم مجموعة 'الشهاب'."
​اتسعت عينا جوان بذهول: "شراكة؟ بعد كل ما حدث؟"
​ابتسم فارس ابتسامة غامضة تحمل وعداً بتغيير القدر: "والدكِ سرق الماضي... ولكن المستقبل يا جوان، سنكتبه نحن معاً. بشرط أن تملكي الشجاعة لتكوني شريكتي الحقيقية، في العمل... وفي الحياة."
​وقفت جوان في منتصف المكتب، تتردد في أذنيها كلماته الكثيفة، بينما كانت عاصفة الانتقام تتحول ببطء إلى بداية حكاية حب معقدة تولد من بين الرماد.
اخذ يدها بين يديه وقال فكري في طلبي واذا رفضتي 
سوف اخذ حقي وانسحب من حياتك""
تري هل ستقبل عرضه ام ماذا يكون رده فعلها معه هذا ماسوف نعرفه الحلقه القادمه 💕👑

                 الفصل الخامس من هنا
تعليقات



<>