رواية راكان زيدان واصحابه الفصل السادس6 بقلم داليا السيد محمد

رواية راكان زيدان واصحابه الفصل السادس6 بقلم داليا السيد محمد
لقيط
توقف راكان أمام المصنع القديم وقال "لا أظن أنه مناسب، لا يستحق المطلوب ولكن سيكون لي"
تحرك تجاهه رجل كبير بالخمسينات وخلفه رجل شاب بدا كحراسة وقال "أهلا راكان"
التفت راكان للرجل وضاقت عيونه من طريقة الترحيب والرجل يقف أمامه فقال "أهلا ياسين"
انتزاع الألقاب جعل الجو متوتر وراكان لا يعجبه ذلك ومع هذا ملامحه لا تدل على شيء، ياسين بدا حاد النظرات وهو يقول "لن أبيع"
لم يبدل راكان موضعه وهو يقول "لن تفعل بالفعل بل البنك سيفعل"
بدا الغضب على ياسين وهو يهتف "سأسدد الدين ولن يكون مصنعي من أملاك زيدان"
وضع راكان يداه بجيوبه ولف وجهه للمصنع وقال "لست أنت من يقرر أملاك زيدان ياسين"
هتف العجوز "ولا أنت، من تظن نفسك حتى تأتي هنا وتقيم أملاكي؟ لا أنت ولا عشرة من أمثالك يمكنهم الإيقاع بي، أنا أعلم أنك خلف خسارتي ولن أتركك"
بلحظة كاد سيف يتحرك لكن راكان رفع يده وأوقف سيف وهو يثبت بنظراته على ياسين وقال بهدوء "لو أردت خسارتك فلن تكون واقفا هنا أمامي وتتحدث هكذا، بل كنت ستكون بمكتبي راكعا على قدميك تترجاني أن أرحمك ومع ذلك سأتغاضى عن وقاحتك معي من أجل سنوات عمرك"
ثم تحرك واقترب من الرجل وأخفض رأسه ليقترب من وجه الرجل الشاحب وقال بصوت الرعد خاصته "راكان زيدان يغفر مرة واحدة فقط ولقد فعلت لذا نفد رصيدك عندي وبالمرة القادمة ستتعلم جيدا كيف تقف أمامي وتخاطبني باحترام وهذا المصنع سيكون لي شئت أم أبيت أكيد تسمعني جيدا أليس كذلك؟"
عندما جمدت ملامح ياسين ولم يرد ردد راكان سؤاله بنبرة تجمد الدم بالعروق "أليس كذلك ياسين؟"
النبرة هزت كيان ياسين ومع ذلك تراجع وقال "لا تجرؤ على تهديدي راكان، أنا لست ممن ينحني لأحد هل تفهم؟"
جرأة الرجل كانت غير جديدة على راكان فهو دائما ما كان يعلن عداوته له ولجده ومع ذلك ابتسم راكان وقال "هل تعلم ياسين لماذا أتركك تتحداني بكل مكان وتعلن تمردك علي؟ لأني لا أحب أن أنزل لمستوى الجبناء أمثالك ممن يتلاعبون بالخفاء"
قاطعه ياسين "احذر بكلماتك يا فتى.."
تلك المرة لم يتحدث بنبرة الرعد بل بصوت الرعد أيضا وهو يقول "احذر أنت عندما تتحدث مع العمدة ياسين، ولا تلعب على إنسانيتي معك لأنها انتهت وولت ومن الآن عندما تتحدث معي تتحدث باحترام لأني لن أسمح بأي تجاوز، أنت تعلم أن هذا المصنع لا يساوي ما تطلبه ولكن لأن لا أحد سينظر له لأسباب نعلمها نحن الاثنان فأنا من سيأخذه، بعد نصف ساعة المحامي الخاص بي سيكون بمكتبك يوقع عقد المصنع وسأسدد دين البنك ولا أريد رؤية وجهك بمكان أنا به بعد اليوم"
والتفت عائدا لسيارته وسيف يتبعه والسائق يفتح له وركب دون أن ينظر خلفه وسيف يركب بجواره وياسين ما زال بمكانه وإن كان جسده يرتجف والرجل الخاص به يقول
"سيدي هل لي بالتحدث؟"
أشاح بيده وقال "ستخبرني بحديثك السخيف عنه"
قال الرجل "ليس سخيف يا فندم وأنت تعلم من هو والجميع يعلم، طالما وضع نظره على المصنع فلن يكون سوى له ومن الأساس لا أحد بالفعل تقدم ليأخذ المصنع، هو دائما من يتدخل لحل كل الأزمات"
تحرك ياسين بغضب وقال "حتى لو، هو لم يكن يستحق لقب العمدة، أنا من استحقه بعد محمود وليس فتى لا يفقه شيء"
تحرك الرجل خلفه وقال "راكان ليس فتى، وهو يعرف كل كبيرة وصغير بمصر كلها سيدي والجميع يعلن ولاؤه له من أجل حمايته ومساعدته وهو نال اللقب بجدارة وليس فقط بالوراثة من جده"
توقف ياسين فجأة حتى كاد الرجل يصطدم به وهتف "هل أنت رجل من رجاله أم ماذا؟ أنت تعمل عندي وليس عنده"
تراجع الرجل وقال بارتباك "لأني رجلك أخبرك ذلك سيدي من باب النصيحة نحن لن نكسب عداوة العمدة، ليس بظروفنا الحالية"
شحب وجه ياسين وهو يدرك صحة كلمات الرجل ولكنه لم يستطع تجاوز غضبه من محمود الذي ترك كل شيء لحفيده دونا عنه وهو كان صديقه
لم يرد على الرجل والتفت مبتعدا لداخل المصنع المهجور
بالسيارة نظر له سيف وقال "أنت تتسامح معه كثيرا"
قال بهدوء "كان صديق جدي بيوم ما"
هز سيف رأسه وقال "وكان يطمع بالعمودية"
أبعد وجهه للنافذة وقال "ولكنه لم ينالها وهو لا يستطيع تقبل الأمر وأنا لن أعاقبه على ذلك سيف"
قال سيف "احترامك مفروض على الجميع، أنت العمدة"
نظر له وقال "الاحترام لا يكتسب بالعنف سيف أنا لست جدي، مشكلة ياسين أنه ظن بأحقيته بالأمر لمجرد أنه بيوم ما كان الأقرب لجدي والأكثر قوة من بعده ونسى أني حفيده وليس صديقه وكاد يتمادى ولكن وصية جدي للكبار أوقفته ووضعتني بالمقدمة ولم يعترض أحد سواه فلم يفز لأن الغالبية منحتني صوتها"
هتف سيف "لأنك تستحق راكان، أنت الأفضل"
نظر لسيف لحظة ثم عاد للنافذة وقال "وأنت صديق جيد"
صمت سيف وهو يعلم أن راكان ليس الوحش الذي يصوره الجميع بالصحافة وتعلم أن يصمت أمام إصرار رئيسه على عدم إنكار تلك الصورة عن نفسه فهو حقا لا يهتم وسيف وحده هو من يعلم الإنسان الحقيقي لراكان ومع ذلك لا يسمح له بالتلفظ بأي شيء وهو ما يزيده حبا وإعجابا به ولن يتراجع عن التضحية بنفسه من أجله كما اعتاد أن يفعل
****
رنين الهاتف أيقظ وافي، فتح عيونه بالظلام المحيط، من الذي سيهاتفه الآن؟
أضاء الضوء الجانبي وجذب الهاتف ليجد رقم لا يعرفه فأجاب بعد تردد "نعم؟"
جاء صوت غريب رجولي "وافي المعداوي؟"
ظل مكانه وهو يجيب "نعم، من المتحدث؟"
الصوت ليس جديد ولكن به نبرة غريبة وهو يجيب "شخص قد لا ترغب بالحديث معه"
اعتدل جالسا وأول شيء خطر بباله والده، أو بالأحرى من ظن أنه والده، هل يمكن؟
الأحلام لا تتحقق إلا نادرا وبخاصة معه هو
لم يرد والصوت يعود "وافي هل أغلقت؟"
الذكريات تقفز أمامه وتجمع بعضها البعض من هنا وهناك
كم سنة مرت؟
عشر؟
خمسة عشر؟
لقد توقف عن العد منذ فترة طويلة، طريق تم ردمه لأن به حفر وندبات كثيرة ستوقع من يمر به وتنهيه للأبد والآن ماذا؟
بلل شفتيه بلسانه واستوعب الواقع وهو يرد "لا، من المتحدث؟"
صمت هيمن على الطرف المتصل فلم يتعجله بل تمنى لو أغلق ولكن لا شيء به يستجيب والصوت يتحدث مرة أخرى "أعلم أنك تعرف من أنا وأعلم أيضا أنك لا تريد مواجهتي ولكني بحاجة لك"
لماذا لا يجد أي قوة لإبعاد الهاتف وإغلاقه؟
لماذا تجمد وكأنه رحل للقطب الشمالي أو الجنوبي؟
لم يجد رد لأن الرجل على حق، هو يعلم من يتحدث، رجل لن يجلب وجوده سوى العار ولكن ما فائدة الهروب الآن؟
تحدث أخيرا "ماذا تريد؟"
اهتز صوت الرجل وقال "رؤيتك، أنا على فراش الموت بني وربما مرة أخيرة قبل الرحيل تمنحني الراحة"
هل حقا يمكنه فعل ذلك؟ هل سيمكنه رؤية الرجل الذي...
صوت الرجل قطع كل شيء "أنا بمشفى..، ليس أمامي الكثير أتمنى لو ترأف بحالي وتأتي لرؤيتي فأنا أتمنى رؤيتك قبل رحيلي من هذه الدنيا"
وأغلق وظل جامدا ولم يعرف متى تكونت دموع بعيونه وهو ما زال يمسك الهاتف ولم يبعده عن أذنه حتى سقط من بين أصابعه واصطدم بالأرض ليعيده الصوت للواقع فرمش بعيونه لتسقط أيضا دموعه وهو يرى كل الذكريات حية أمامه
الفيلا الكبيرة التي نشأ بها، الرجل الذي ظن أنه والده يطرده بحزم ويخبره أنه ليس ابنه..


خمسة عشر عاما وهو يناديه بابا وبذلك اليوم أخبره أنه ليس كذلك، بمجرد أن ماتت المرأة التي ظنها أمه حتى ظهرت امرأة أخرى بالحال وأرادت كل شيء ولم يجد له مكان والحقيقة طفت فجأة على السطح
"أنت لست ابني، لم تكن ابني بأي يوم"
وسقطت الحقيقة كحمم تحرق بلا رحمة..
"لقد تبنيتك دون علم والدتك لأننا فقدنا طفلنا الحقيقي يوم والدته وفقدت هي معه فرصتها الوحيدة للإنجاب وخشيت عليها من الصدمة فأحضرتك بدلا من الطفل الذي مات، كنت مولود جديد تم وضعه بملجأ ولا يعرف أحد شيء عن أهلك، فعلت ذلك من أجلها هي ولكن الآن هي رحلت ولم يعد لوجودك سبب"
الصدمة أسقطته بالجحيم.. جعلته يتلوى بنيران الألم بلا إنقاذ
الحقيقة كانت سكاكين تطعنه بقوة وبلا رحمة، لقيط..
هو لقيط وابن لقيط ليس له أهل وقد يكون ابن حرام لذا تخلصت منه من أحضرته للدنيا لتغتسل من عارها فتلصقه به هو
وعندما سقطت المعرفة أدرك أن شريف المعداوي يتأكد من وصمه بالعار لنهاية عمره، بل هو يريد التأكد من التخلص منه للأبد، حاول الاعتراض والترجي والدموع شاركته ولكن بلا فائدة
الرجل نزع أي رحمة من قلبه ودفع به بعيدا بكل قوته، قذف به بجحيم الدنيا بلا تفكير أو رحمة وهو استعر بلهب الحياة الحارقة
نام على الأرصفة، أكل من القمامة حتى حصل على عمل واثنان وثلاثة، باع كل شيء ونظف مراحيض وقطع خضار وتسلق السلم ببطء ولوثه بدمائه حتى اعتلى القمة وحده وأوجد لنفسه مكان بين علية القوم واليوم هو يبحث عنه!؟
أي تفكير هداه إلى أنه سيذهب له بعد ما فعله به؟
نفض الغطاء وجذب الهاتف ونهض حافيا وتحرك للشرفة وفتحها وتلقى الهواء البارد بصدره العاري وأغلق عيونه وما زال يرى المرأة التي ظنها أمه وهي تحتضنه بحب وتلعب معه وتذاكر له
كان حلمها أن يكون ضابط جوي ويطير بالطائرات الحربية، كان يحلم مثلها ولكنه تعلم أن لا مكان للأحلام بالحياة فهي ترفيه هو لم يعرفه ولن يعرفه
نظر للهاتف، كانت الثالثة صباحا ولم يجد سوى راكان ليهاتفه فهو الوحيد الذي لا ينام وبالفعل أجاب راكان من أول رنة وهو يهتف "هل أنت بخير وافي؟ هل أصابك شيء؟"
كان بصالة التدريب الخاصة به يمارس تمارينه القاسية ربما عندما يعاني جسده من الإرهاق يسقط نائما وهو يعلم أن ما يفعله بلا فائدة ككل مرة
أغمض وافي عيونه وقال "أنا بخير راكان فقط.."
جذب راكان منشفة وجفف عرقه وتحرك ليتناول زجاجة العصير وقال "فقط ماذا؟ هل حدث شيء؟"
نفخ وافي بقوة ومرر يده بخصلاته المبعثرة من أثر النوم وتردد بالكلمات..
لا أحد من أصدقائه يعلم شيء عن ماضيه، الرجل تركه يحتفظ باسمه وظل يتعامل مع العالم به ولكن هو يعلم أنه لا ينتمي للاسم والآن لا يعلم هل يخبر راكان أم لا؟
لو أخبره هل ينزل من نظره؟
هل سيريد معرفة رجل لقيط لا أصل له ولا فصل؟
ناداه راكان فانتبه وقال "لا شيء راكان فقط جافاني النوم فلم أجد سواك لأهاتفه"
توقف راكان بمكانه وهو يستوعب تراجع وافي المفاجئ والذي لا سبب له فقال "هل تريد أن نلتقي بمكان ما؟"
لف حول نفسه وقال "لا راك الوقت متأخر، أنا آسف راكان هل سأراك قريبا؟"
ضاقت عيون راكان ثم قال "لا أعلم، قد أسافر قريبا لرؤية رائد، كان يتحدث عن مشروع لديه هناك وأظن أني سأذهب خلال يومين، ما رأيك لو أتيت معي كنوع من التغيير وربما تشارك معنا؟"
أعجبته الفكرة ولكن الرجل طلب لقائه فهل سيذهب له؟
قال "ربما راكان، امنحني بعض الوقت لأرى مواعيدي من الجيد رؤية رائد ومزرعته الرائعة"
وافقه راكان وأنهى كلاهم اللقاء بلا معنى وبالطبع جافاه النوم وتحرك للحمام ربما الماء الدافئ يعيد له بعض الهدوء ويجعله يحسن التفكير
بينما خرج راك من الصالة ليرى سيف ينتظره واعتدل لرؤيته فقال "أخبرتك أن تذهب لتنام"
تحرك سيف بجواره وقال "تعلم أني لن أفعل طالما أنت لم تفعل"
لم ينظر له وقال "نحن لم نبحث بماضي وافي أليس كذلك؟"
توقف أمام السلم وقال سيف "أنت لم تطلب"
حدق بعيونه بهدوء ثم قال "كنت تفعل دون طلب سيف"
هز سيف رأسه وقال "ليس فيما يخص أصاحبك"
هز رأسه وقال "لتجد لي أي شيء حوله"
وتركه وتحرك للأعلى ولا يعلم لماذا شعر أن وافي يخفي عنهم سر قديم هو لم يعرفه قبل أن يأتي به ظافر ويعرفهم عليه ويجعلهم يثقون به
راكان لم يشك باختيار صديقه بل وتصرفات وافي كلها خلال السنوات الماضية كانت بلا أي جدال عليها بل كلهم يفضلون صحبته وكلماته التي تمثل المرآة لكل واحد منهم
لكن اليوم نبرة صوته كانت تخفي الكثير وراكان لا يحب أن يبقى شيء خلف الأبواب بعيدا عنه
****
أوقف وافي سيارته أمام تلك المشفى الهائل وظل يقبض على المقود بكلتا يديه وهو يحدق باسم المشفى
الرجل أخبره أنه يرقد هنا وينتظر ساعته الأخيرة وهو قاوم كثيرا رغبته برؤيته ولكن الرغبة تتحداه بأنه سيرفض وقد انتصرت..
فها هو هنا يجلس ملتصقا بمقعده بالسيارة ولا يستطيع أن ينزل كما لا يستطيع أن يدير السيارة ويستدير عائدا
لحظة وراء الأخرى حتى سمع ضجيج حوله، سيارة اسعاف تدخل وتثير ضوضاء جعلته يعود للواقع ويرتد بالمقعد وهو يهتف "ماذا تفعل هنا وافي؟ أنت تستحق ما فعله بك لأن لا شخصية لك، ها أنت تقف هنا وتريد رؤيته رغم قسوته وطرده لك، ابتعد، هو لا يستحق، لا بل لابد أن أذهب وأراه وأخبره أني لست بحاجة له، لقد نجحت ووصلت وحققت كل شيء دون وجوده بحياتي، نعم لابد أن يدرك أني لم احتاج أبوته لأحقق نجاحي ويدرك أنه هو من خسر وليس أنا"
أقنع نفسه بذلك ونزل من السيارة وتحرك للداخل حيث سأل عن اسمه ورقم غرفته حتى وصل..
ظل واقفا أمام باب الغرفة والتردد يدفعه للتراجع، لا يريد الدخول ولا المواجهة، لا يريد أن يسمع كلمة بني التي ألقاها على مسمعه بالأمس
التفت ليرحل لكن الباب انفتح ورأى عيون زيتونية منتفخة من الدموع تحدق به، وجه طويل شاحب، فم صغير، أنف طويلة، جسد نحيف ملتف بقميص وردي على جينز قاتم، شعر أسود مشدود للخلف ومع ذلك جميلة حقا
تراجعت الفتاة التي لم تتجاوز السادسة أو السابعة عشر وهي تحدق بعيون وافي البنية وقوامه العملاق أمامها
شعره البني القاتم قصير جدا ومصفف للخلف بدلة أنيقة وربطة عنق ملائمة، بدا كالرجال الذين اعتادت رؤيتهم بحفلات زوج أمها ولكنه مختلف
وسيم، وسيم جدا وجذاب بشكل لم تعرفه من قبل، تجاوز الثلاثين من تلك الخطوط التي ترتسم بجوار فمه الغليظ
كلاهم ظل يحدق بالآخر حتى قالت بصوت رقيق "هل تريد شيء؟"
جذبه رقة صوتها وأعادته لما كان يريده وهو يقول "شريف المعداوي"
هزت رأسها وقالت "نعم، تفضل"
وابتعدت للخلف لتفسح له فحسم الأمر وتحرك للداخل حتى رأى الغرفة الواسعة والشمس تمنحها كل النور وبعض الدفء، رائحة العقاقير والمطهرات بكل مكان
بحث عن الفراش وماذا؟ جسد لا يكاد يظهر بين الأغطية، أنابيب متصلة بالجسد من كل مكان
تشنجت عضلاته وهو يبحث عن الرجل الذي كان يعرفه جيدا بجسده الطويل الممتلئ بتناسق، الآن ليس أمامه سوى هيكل إنسان
ثقلت أقدامه وهو يقترب من الفراش ورأى الوجه الذي كان يعرفه
لا!
ليس هو، بالتأكيد أخطأ المكان..
التفت للفتاة التي ظلت ثابتة بمكانها تتأمله وجذب صوته من حنجرته المسدودة وقال "أين شريف المعداوي؟"
لم تفتح فمها ورأى الدموع بعيونها وسمع الصوت الذي يعرفه يقول "لم أمنح نفسي الأمل أنك ستأتي"
التفت ليجد العيون السوداء تحدق به، هي والصوت فقط ما تبقوا بلا تغيير
اتسعت عيونه وهو لا يصدق ما يراه وعاد الرجل يقول "اقترب، اشتقت لك بني، اشتقت لك جدا وخشيت أن أرحل دون رؤيتك"
ارتجف جسد وافي وتألم قلبه لذلك الرجل الذي كان والده لخمسة عشر عاما ثم ألقاه بالشارع بلا رحمة وهو الآن بلا حول ولا قوة
رفع الرجل يده وقال "تعالى، دعني أراك جيدا أنت تبدو أفضل كثيرا من الصور"
لم يجرؤ على رفض طلب الرجل الضعيف الذي يرقد أمامه فتحرك مقتربا ومد يده ليد الرجل ليلمسها وكانت باردة..
قبض الرجل على يد وافي وقال "تبدو بأفضل حال بني"
وأخيرا شعر بقسوة زائفة تناطحه من الداخل، لماذا لا يكون قاسيا بحق ويلقي بوجهه تلك الكلمات التي أعدها؟
لماذا ارتجف قلبه لرؤيته وشعر بألم وحزن من أجله؟
فقط كل ما استطاع قوله "أنا لست ابنك"
لم يترك يد وافي وهو يبدو متألما وهو يرد "أعلم أنك لن تغفر لي بأي يوم"
لم يستطع منحه أي شفقة وهو يقول "أغفر ماذا بالضبط؟ أنك منحتني حياة كاذبة ثم انتزعتها مني بلا رحمة؟ أم أنك ألقيت بي بالشارع ولم تفكر يوما كيف سأعيش بتلك الحياة التي لم أكن أعرف عنها شيء؟"
رأى تلك الدموع التي تكونت بعيون شريف ومع ذلك لم يوافق على رقة قلبه بل وجذب يده من قبضته وشريف يقول
"لك كل الحق فأنا لا أستحق أي رحمة، منذ رحلت لم أرى يوما جيدا، أعلم أنك لن تصدق أيا مما سأقول ولكني سأفعل، أنا حقا ندمت على طردك، ربما لم تكن ابني من دمي ولكن أنا من ربيتك منذ أحضرتك وكنت لم تتجاوز عدة ساعات، أنا وفوزية تعلقنا بك وأحببناك لكن عندما دخلت ميسرة حياتي بعد رحيل فوزية وتبدل كل شيء"
تحركت عيون الرجل للفتاة التي ظلت مكانها وقال "ليان حبيبتي هل تتركينا قليلا؟"
لف وجهه للفتاة الباكية والتي لم تتردد في الخروج وأغلقت خلفها فارتد للرجل الذي قال "ليان ابنة ميسرة من زوجها الأول هو ألقاها لها بعد زواجنا، ميسرة كانت تحمل حقد لكل من حولها لم أعرفه إلا بعد فوات الأوان، خسرت الكثير بسببها ولكن موتها رحمني ورحم ابنتها منها ولم يمكنني التخلي عن الفتاة فقد كانت بمثابة تعويض بسيط عن ضياعك مني، لم أعرف عنك إلا العام الماضي عندما ظهرت أخبارك بذلك المشروع الكبير مع العمدة وقتها لم أصدق أنه أنت رغم الاسم، أنت احتفظت باسمي ورؤيتك جعلتني فخورا بك وأكثر ندما على ضياعك مني"
أبعد وافي وجهه والتفت مبتعدا فأكمل الرجل "أنا أعلم أني لا أستحق الغفران ولكني أردت رؤيتك وإخبارك أني ندمت"
التفت ليواجه نظرات الرجل الذي أكمل "بكل لحظة بعد ذهابك كنت أتمنى أن تعود أو أن أجدك، بحثت عنك كثيرا ولكن بلا فائدة، لم أفكر أنك تركت المدينة ورحلت للقاهرة"
ابتلع وافي تلك الغصة التي تكونت بحلقه وقال "لماذا أردت رؤيتي؟"
بدا التعب على وجه الرجل ولكنه كان يقاوم وهو يقول "لأخبرك أني أحببتك وما زلت حقا أحبك وأيضا من أجل ليان"
عاد وافي ليقترب من الفراش وتجاوز مرحلة الحب وهو يردد "ليان!"
هز شريف رأسه بتعب وقال "الفتاة ليس لها أحد وأظن أنك أكثر الناس دراية بذلك الشعور، أنا راحل بني وأخشى من تركها وحدها، كانت بمثابة الابنة البارة لي ولم تتركني بمرضي وهي صغيرة ومنغلقة لا تعرف عن العالم الخارجي شيء ولن يحميها من القروش المفترسة أحد، أنا تركت وصيتي وأرجو أن تنفذها وتمنحني وعد بأنك لن تترك الفتاة"
هز وافي رأسه غير مصدق ما يطلبه منه وقال "أنا لن أقوم برعاية فتاة لا تربطني بها صلة، هي ابنة المرأة التي جعلتك تلقي بالحقيقة بوجهي وتخرجني من حياتك، أنت لا تجرؤ على طلب ذلك مني، لا لن تفعل"
أغمض شريف عيونه وبدت تفاحة آدم تتحرك بعنقه وهو يبتلع ريقه بصعوبة وبدا متألما وهو يعود ويفتح عيونه لينظر لوافي برجاء ويقول
"هي لا ذنب لها وافي، صدقني هي مختلفة ولا تحمل من ميسرة أي شيء، نقية كالمياه الصافية، بيضاء كاللبن، لا تعرف عن العالم الخارجي أي شيء، أرجوك وافي لا تتخلى عنها"
صمت قليلا ثم عاد وأكمل "لو أمكنك أن تسامحني بني فأرجوك افعل فما زلت أندم حتى الآن على أني تركتك تذهب، سامحني وافي، أرجوك بني دعني أرحل وأنا أشعر بالراحة، أعلم أني كنت قاسي وبلا قلب ولكني عرفت أنك طيب القلب ومتسامح لذا أرجوك سامحني"
طبيعته السمحة بالفعل جعلته ينتفض من داخله ويشعر بالأسى للرجل الذي منحه سنوات جميلة بحياته
ربما ألقاه بالشارع ولكنه ودون أن يدري صنع منه رجل ناجح، قوي، يعرف جيدا كيف يدير حياته لذا قال بلا جدال "حتى لو سامحتك فذلك لن يمحي ما عانيته طوال سنواتي حتى أحقق ما وصلت له"
هز الرجل رأسه وقال "أعلم، ومتأكد من أنك عانيت الكثير لتصل ولكن هذا كله لم يغير من طبيعتك وقلبك الطيب وأنا أحتاج طيبتك هذه لتشفع لي عندك لتسامحني فقط لأنام بهدوء، من أجل والدتك التي رحلت وهي تظن أنك ابنها، من أجل السنوات الجميلة التي عشناها كأسرة سعيدة ، من أجل كل شيء جميل مر بنا ونحن معا سامحني وافي، أنا انتهيت ولن تبخل علي بأن أهنأ بساعات قليلة من السعادة بوجودك ومسامحتك قبل ذهابي"
لم يمكنه المقاومة أكثر وهو يمنع الدموع من أن ترتفع لمقلتيه وأبعد وجهه لحظة بعيدا مقاوما عقله الرافض لكل ذلك وسامحا لقلبه المتألم بالانتصار
عاد لنظرات الرجل المترجية وقال "حسنا"
ابتسامة باهتة ظهرت على وجه الرجل وقال "هل سامحتني بني؟"
هز رأسه وقال "نعم، سامحتك، الماضي لن يفيد بشيء فقد مضى وانتهى"
تنهد الرجل ولم يرحل شحوب وجهه وهو يقول "معك حق وحاضرك أفضل ومستقبلك أيضا سيكون أفضل لأنك تستحق، فقط هي، هي من ما زلت أقلق عليها، هل سترعاها وافي؟ ستضيع لو لم تفعل بني"
ظل جامدا لا يعرف ما الذي عليه قوله أو فعله بينما عاد شريف يقول "عدني بني، لم يعد هناك وقت، عدني أنك لن تتركها، اعتبرها أختك الصغرى"
أغمض الرجل عيونه مرة أخرى فاقترب منه وانحنى وهو لا يعلم بماذا يناديه ولكن لسانه لم يخضع لعقله المتمرد وهو يهتف "بابا هل أنت بخير؟"
فتح الرجل عيونه والدموع تسقط منها وهو يبتسم ابتسامة باهتة وخفض صوته وهو يقول "لكم تمنيت أن أسمعها منك مرة أخرى، دعني أسمعها مرة أخيرة قبل أن أرحل، أسمعها وأنت تعدني برعاية ليان حتى تمنحها لزوج صالح، أرجوك"
لم يستطع منع دموعه أن تشاركه لحظته وهو يقول "أعدك بابا، أعدك أن أرعاها وألا أتركها أبدا"
ابتسم الرجل بتعب وأغمض عيونه وقال "والآن يمكنني أن أنام وأنا أشعر بالراحة أخيرا، شكرا بني، الحمد لله أنك آخر من رأيته"
وانتظمت أنفاسه ورفع وافي يده المرتجفة لوجه ليرى ما الذي يبلله ليكتشف أنها دموعه، هو لا يصدق أنه هنا وفعل ما فعل
أدرك أن الرجل نام والأجهزة هادئة ولم تتبدل وتيرتها
نهض وتحرك للخارج ليرى ليان تقف مستندة على الحائط وتمنحه ظهرها وكأنها لا تشعر بما حولها..
شعر بالأسى من أجلها وربما فكر أنها أصبحت مثله عندما خرج للشارع وحيدا ليس له أحد، هي أيضا ليس لها أحد، كلاهم متشابها، لا لن يترك فتاة مثلها تلقى ذلك المصير، هو رجل يمكنه تحمل ما كان لكن هي لا
لو تحملت فالشارع ووحوشه لن ترحمها خاصة وهي تبدو هزيلة وضعيفة ولن يمكنها مواجهة أي شيء
تحرك تجاها ووقف خلفها ثم قال "ليان!"
التفتت له بفزع وعيونها الزيتونية الجميلة تحدق به من وسط دموعها التي مسحتها فقال "لقد نام"
لم تترك عيونه وقالت "أنت وافي؟"
هز رأسه وقال "تعرفيني؟"
هزت رأسها وقالت "نعم، كان يتحدث عنك كثيرا ورأيتك بالصور التي كان يشاهدها وبالأمس طلب مني مهاتفتك، لقد أحبك كثيرا"
أبعد وجهه وهو يحارب دموعه وتنفس بقوة والفتاة تقول "كان فخور بالنجاح الذي حققته وكثيرا ما كان يبتسم لصورك ويقول، هذا هو ابني"
لم يلف وجهه لها وسيطر على مشاعره وهو يرفع يده لوجهه ويمررها على وجنته قبل أن يقول "ماذا قال الأطباء؟"
قالت من وسط دموعها الكثيرة "لم يعد أمامه الكثير"
استجمع نفسه ليواجها وقال "ألم يفكر بالسفر للخارج؟"
أخفضت وجهها وقالت "لقد فعلنا العام الماضي وبالنهاية عدنا، أراد أن ..، أراد أن يكون هنا"
هز رأسه متفهما وهي تخفض وجهها والبكاء يوقف كلماتها فلم يعرف ماذا يفعل ليواسيها فقط قال "ربما هناك خطأ ما أو علاج بمكان آخر"
مسحت دموعها الكثيرة وهدأت وهي تقول "الجميع أجمع على نفس الرأي"
استسلم وقال "سأرى الطبيب، عودي للداخل، هل لديك طعام أو ما شابه؟"
هزت رأسها وقالت "السائق يحضر لي طعام"
لم يرد وهي تتحرك للغرفة وهو للطبيب ربما هناك أمل
أنهى ظافر الاجتماع بعد ساعات طويلة من الجدال والمناقشات حتى خرج من غرفة الاجتماعات وعاد لمكتبه وتبعته نرمين بملابسها الصارخة وقالت "ما زال هناك اجتماعك مع شركاءك"
هز رأسه وهو يجلس خلف مكتبه وقال "أعلم، هل هناك مواعيد أخرى قبل أن أذهب؟"
قالت "لا، والدتك هاتفتك وترغب بأن تهاتفها"
رفع وجهه لها وسألها "متى؟"
جذب هاتفه من جاكته وهي تقول "منذ نصف ساعة"
كان يبحث عن رقمها وهو يقول "أريد قهوة"
تحركت خارجة ووالدته تجيب "أهلا حبيبي كيف حالك؟"
قال باهتمام "بخير ماما، هل هناك شيء؟"
أجابت "لا شيء، فقط أردت إخبارك أني حصلت على جائزة بمناسبة تكريمي بالنادي الاجتماعي الذي أقوم بإدارته"
ابتسم وقال "هذا رائع ماما بالطبع تستحقين، وإلى أين ستكون رحلتك؟ وهل سيتركك زوجك العظيم وحدك؟"
ضحكت وقالت "تركيا واليونان وإيطاليا وبالطبع والدك يرفض ذهابي وحدي لذا أطلبك"
دق الباب ودخلت نرمين بالقهوة ووضعتها بطريقتها المغرية وهو لم يهتم وهو يقول "وماذا لدي لأقدمه لك أميرتي؟"
ضحكت والدته وقالت "أظن أن شركة السياحة التي تنظم الرحلة تابعة لراكان ويمكنه الحصول لنا على تذكرة أخرى، لقد حاولت أنا وفشلت"
قال بهدوء "حسنا ماما ارسلي لي اسم الشركة وسأجد حل"
شكرته وأغلقت وسرعان ما وصلت الرسالة ليفتحها ويصطدم باسم الشركة
كانت تلك التابعة لابنة مرزوق وليس لراكان، لقد تناسى أمرها ودفعها بقوة خارج حياته وأوقف أفكاره عنها بصعوبة فهل تمزح معه الأقدار وتلقيها بطريقه مرة أخرى؟
لم يفكر كثيرا وهو يبحث عن رقم الشركة لتجيبه السكرتيرة فقال "أرغب بلقاء مع الآنسة مي"
طلبت الاسم فقال "ظافر، ظافر الحلواني"
الموعد كان بالغد وهو لم يمانع، سيتبع الطريق الطويل والرسمي ولن يتجاوز معها بالنهاية هي لا تذكره وهو لم يتابع أخبارها منذ لقائهم بالمطعم ولا يعلم ما الذي جد بحياتها؟
العمل فقط ما سيربطه بها
رن هاتفه فرأى اسم راكان فأجاب "هل تبدل موعد الاجتماع؟"
أجاب راكان بجدية "بل تم إلغاؤه ظافر، وافي لديه ظرف طارئ"
اعتدل وقال "ماذا به؟"
أجاب راكان "قصة طويلة ستعرفها فيما بعد، هو الآن بمشفى.. ليستلم جثمان والده أنا ذاهب لهناك، أخبر الباقين"
وأغلق ونظر ظافر للهاتف وهو لا يفهم أي شيء..
وافي لم يتحدث يوما عن والده أو أي أحد من عائلته وكأنهم ليسوا بالوجود والآن يتواجد جثمان لرجل هو والده؟
هو لا يفهم شيء ومع ذلك نهض وتحرك للخارج وهو يدير رقم سفيان
****
انتهى الموجودين من المعزيين وظل وافي واقفا يحدق بالقبر التي وضع فيه جثمان الرجل الذي يحمل اسمه ولم تمنحه الأقدار سوى تلك الدقائق التي قضاها معه قبل رحيله فلم تمضي ساعات قليلة حتى رحل الرجل وكأنه كان ينتظر رؤيته ليرحل من بعدها
لمسة على ذراعه أعادته ليرى سفيان يقول "هل أنت بخير؟"
هز رأسه ولفها وقال "أين ليان؟"
اندهش سفيان وقال "ليان من؟"
اقترب راكان وسيف خلفه وقال "لقد رحل الجميع وافي هل نذهب؟"
لكن وافي كان ينظر حوله حتى رآها كنقطة سوداء متكومة بجوار القبر فتحرك مخترقا أجساد أصحابه حتى وصل لها وانحنى ليحيطها بذراعيه وهتف
"ليان هيا"
ولكنها كانت منهارة بالبكاء ولا تنتبه لأي أحد من حولها وهتفت "دعوني معه، لمن سأذهب من بعدك بابا؟ أرجوك لا تتركني، بابا عد، لن يأخذك التراب مني، خذني معك"
لم يشعر بالرجال التي التفت خلفه ولكن صوت ظافر قال "أخته؟"
لم يجيبه أحد ووافي يهتم بها ويقول "ليان كفى، تعالي لن تبقي هنا"
ظلت تبكي وهي تعيد كلماتها "لا، لن أذهب من هنا، لن أتركه، سيعود" ثم رفعت وجهها الملطخ بالدموع له وهتفت "سيعود من أجلي، لن يتركني، سيأتي ليأخذني، فقط دعني معه"
هتف راكان "برفق وافي هي بصدمة"
هز رأسه وهو يقول بحنان "سنعود مرة أخرى ليان لكن الآن لابد أن نذهب، هيا وجودك لن يفيد بشيء"
نظر سفيان لظافر وقال "كيف أخته وهو لم يتحدث عنها يوما؟"
هز ظافر أكتافه وقال "لا أعلم"
بينما قال راكان "دعني أحملها فيبدو أنها أضعف من أن تنهض"
ولكن وافي لم ينتظر وهو بالفعل ينحني ليحملها وهي قاومته وهي تصرخ وتنتحب وهو يحكم ذراعيه عليها وأفسح له أصحابه حتى تعبت هي من المقاومة وسكن جسدها بين ذراعيه ولكنها لم تتوقف عن البكاء حتى وضعها بسيارته
التفت لهم فقال راكان "أين ستأخذها؟"
قال وافي وقد بدا متعب "البيت لقد وعدته أن أرعاها"
هز راكان رأسه وقال "الرجال ستعد للعزاء، اذهب الآن كي تمنحها بعض الراحة، أراك بالعزاء"
اقترب منه ظافر قبل أن يتحرك وقال "هل تشرح لنا ما الذي يحدث؟"
نظر وافي له بعيون دموية وقال "هو الرجل الذي كنت أحمل اسمه ظافر وهي ابنة زوجته المتوفية وليس لها أحد سواي"
كان سفيان قد لحق بهم فقال "وإلى أين ستأخذها؟"
نظر لسفيان وقال "البيت"
حدق به الرجال ورد ظافر "ليس بيتك بالتأكيد، هي لا تمت لك بصلة فكيف ستضعها ببيتك وأنت رجل أعزب؟"
قال بلا تفكير "ولن أتركها وحدها ظافر هي مجرد طفلة ولا أحد لها"
قال سفيان "وأنت رجل بالغ ونزواتك لا تخفى عن الجميع ووحدك معها والشيطان ثالثكم"
تدخل راكان بحزم "ليس الآن سفيان"
هتف سفيان "بل الآن راكان، نحن لا ننكر أن الأمر صعب ولكن هناك أصول وقواعد لن نحيد عنها ليعد بها لبيتها وضع بعض من رجالك لحراستها ويمكنه رعايتها كيفما يشاء وهو ببيته"
كان يعلم أنهم على حق فالتفت له راكان وقال "هو الصواب وافي، سأرسل رجالي خلفك"
هز وافي رأسه وتحرك للسيارة بينما ألقى راكان أوامره على سيف وعاد لأصحابه فقال سفيان "من أي جحيم خرج والده وابنة زوجته هذه؟"
تابع راكان السيارات وهي تذهب وقال "وافي لم يحكي أي شيء عن ماضيه سفيان وعلينا أن نحترم رغبته، شريف المعداوي رجل الإنشاءات المعروف له اسم يزن الكثير بالسوق وكون وافي احتفظ بالأمر لنفسه فأكيد لديه أسبابه"
نظر ظافر له وقال "عليه أن يشرح لنا"
عاد راكان له وقال "لن نجبره ظافر، هي حياته"
تنهد سفيان وقال "لم نخفي شيء عن بعضنا البعض راك"
واجهه راكان "لأننا عشنا سويا منذ الصغر سفيان لكن هو انضم لنا كبيرا وما تركه خلفه لم نكن جزء منه"
صمت الرجل فعاد وقال "لابد أن أذهب، سأراكم بالعزاء"
بينما قال سفيان "سأتبعه لن أتركه وحده هو بحاجة لوجود أحد معه"
ما أن حملها لداخل الفيلا التي انفتح بابها له حتى تحرك للداخل، كانت فيلا جديدة بحي راقي، لم يعرف أن من كان يحمل اسمه انتقل لهنا ولكنه فعل
وضعها على الأريكة وسمع صوت امرأة تقول من خلفه "ابنتي المسكينة ماذا بها؟"
اعتدل وقد بدا بحالة سيئة وما زالت عيونه على ليان التي انكمشت بالمكان وقال "ستكون بخير، هي فقط منهارة بسبب موته"
كانت المرأة تتأمله دون أن ينتبه لها إلا عندما قالت "وافي!؟ أنت وافي؟"
التفت ليصطدم بالمرأة والتي كانت مربيته عندما كان صغيرا
كان تقدم العمر واضحا عليها والدموع تغطي وجهها وهي تقترب منه وترفع يدها لوجنته وتلمس وجهه وتهتف بحزن "أنت وافي، لا يمكن أن أخطئ بملامحك رغم أنك أصبحت رجلا كبيرا ووسيما"
كل تلك الأحداث كثيرة عليه بأقل من يومان ومع ذلك انشرح قلبه لرؤية صفية، مربيته التي كانت بجواره منذ أدرك الحياة وحتى رحل والدموع بعيونها..
ما زالت يدها تربت على وجهه وهي تقول "هل نسيت من أنا؟"
نطق بلا تفكير "لم أنساكِ لحظة دادة صفية، كنتِ بمثابة أمي الثانية"
جذبته المرأة لأحضانها وهي تبكي بقوة وهو لم يرفض ذراعيها بل انحنى واحتضنها بقوة وأغمض عيونه ليرى سنواته وهو صغير يجري هنا وهناك وهي تجري خلفه بالطعام أو تلعب معه أو تسهر بجواره وقت مرضه حتى تنام بجوار فراشه من التعب، أحبته بالفعل كابنها وهو أحبها كأمه
هدأت عاصفة الحزن وأبعدها وهو يقول بحنان "لم أظن أن تبقي معهم وتأتي هنا"
قالت "ليس لي سواهم، وليان تحتاج لي حبيبي تماما كما كنت أنت"
تذكر الفتاة فالتفت ليجدها نائمة وبدت صغيرة جدا وجميلة، رقيقة ولا يمكن لمسها..
قال "لقد نامت من التعب والبكاء، هل أحملها لغرفتها؟"
ربتت صفية على ذراعه وقالت "نعم حبيبي لتفعل فهي تحتاج للراحة حقا"
حملها وصفية ترشده للمكان حتى وضعها بالفراش ومد يده ليبعد خصله من على وجهها ثم ابتعد وصفية تجذب عليها الغطاء
تحرك للخارج وتبعته صفية فقال "سيقام العزاء بالمساء سأعود لأخذها"
تبعته للأسفل وقالت "ألن تبقى؟"
التفت لها وقال "لا أنا بحاجة للاغتسال واستبدال ملابسي، سأراكِ بالمساء"
ما أن وصل للأسفل حتى رأى سفيان يدخل فقال "ما الذي أتى بك؟"
قال سفيان وهو يتابع الأجواء "لم أرد تركك وحدك"
التفت وافي للمرأة وقال "سفيان صديقي المقرب، دادة صفية هي من ربتني وأنا صغير سفيان"
أحنى رأسه بالتحية وقال "أهلا دادة"
قال وافي "أنا راحل دادة وهذا هو الكارت الخاص بي، سأمر بالمساء لأخذها للعزاء"
هزت رأسها فانحنى وطبع قبلة على جبينها ونظر لسفيان الذي حيا المرأة برأسه وتحرك مع صديقه كلا لسيارته حتى وصل لبيته
بيت وافي لم يكن فيلا أو قصر مثلهم، بل مجرد شقة بسيطة بحي هادئ، من الداخل امتلأت بالورود الجميلة بالشرفة والعصافير بالأقفاص تملأ المكان بأصواتها وبالداخل كان الأثاث بسيط ولكن مريح جدا
خلع كلاهم جاكته وقال سفيان "تبدو متعب، يمكنك النوم سأطلب طعام هل أطلب لك؟"
فك ربطة عنقه وقال "لا، أحتاج لحمام"
ألقى سفيان جسده على الأريكة وقال "لم تخبرنا عن والدك من قبل"
توقف قبل أن يتحرك لغرفته وتردد قبل أن يقول "كنت طفل غير مطيع وعندما تزوج والدة ليان جعلته يطردني ولم أحاول رؤيته من وقتها"
لم يستطع إخبار صديقه الحقيقة، بالنهاية ما زال يحمل اسم الرجل والذي لم ينكره وقت موته بل وطلب منه الغفران وشاركه لحظة موته ووضع ليان بين يديه
نظر له سفيان وقال "ألم ترغب برؤيته بأي يوم؟"
السؤال أصابه بالصميم فارتد للبار وجذب كأس وسكب مشروب تجرعه دفعة واحدة ورفع وجهه لسفيان وقال "بلى تمنيت ولكن لم أستطع أن أفعل"
لن يتفهم أحد ما يشعر به لأن لا أحد عاش ما عاشه
نهض سفيان وجذب كأس من جواره وقال "لأنك لم تسامحه على ما فعل؟"
هز رأسه وهو يخفض نظراته ويسكب مشروب بكأس سفيان الذي تناوله وقال "تماما مثلما أفعل مع ميرفت، لم يمكنني أن أغفر لها رغم أنها ألقت بكلمات قاسية بوجهي منذ فترة قريبة وربما، أعني أني تعاطفت معها"
تحرك وافي للأريكة وسقط عليها وهو يقول "الغفران يبدو صعب من أول وهلة لكن عندما تنطق به تشعر بالراحة تحتل مكان الألم بصدرك سفيان"
حدق سفيان به بصمت طال حتى نظر له وافي فتحرك له وجلس أمامه وقال "أشعر أنها لا تستحق"
تناول وافي مشروبه وقال "لأنها امرأة؟"
ضغط سفيان على الكوب بأصابعه وهو يسمع صوت ميرفت تنطق بنفس الكلمات فقال "هل كنت ستغفر لو كانت أمك فعلت المثل؟"
عيون وافي الحمراء والمجهدة تحركت للمشروب الذهبي بالكأس وهو يبحث عن رد قبل أن يقول "كنت سأبحث عن سبب ما فعلت وأفكر ما إذا كان يستحق أم لا، نحن لا نغفر للمرأة سفيان لكن نخلق لأنفسنا أسباب واهية لتبرير أخطاءنا ونجبرهم على مسامحتنا ولا نمنحهم نفس الفرصة"
ما زال سفيان جامدا وهو يقول "أنت تتحدث مثلها"
ابتسم بمرارة وقال "لأنها الحقيقة، هذا هو مجتمعنا، الرجل دائما صاحب الحق بكل شيء والمرأة لا معنى لها، رغم أن المرأة هي أمي وأختي وابنتي، أي بيوم ما سأكون بوضع مختلف ووقتها سأبحث لها عن مبررات لتبرأتها لكن وهي زوجتي لا أراها سوى متهمة"
وأخيرا تحرر من الجمود وتناول المشروب ربما يعيد له القوة على مواجهة الحقيقة وقال "أنت تريد المزيد من وراء كلماتك هذه"
أنهى وافي المشروب وقال "أبدا، أنا فقط أجيب الأسئلة التي تدور بعقلك وعقل كل رجل وقع فريسة لظلم امرأة"
وافي دائما يجد الكلمات الصائبة وهي مؤلمة بلا قصد منه، تحدث قائلا "تريدني أن أسامحها"
نهض وافي وقال "أريدك أن تسمعها وتعرف أسبابها ومبرراتها ربما تقتنع وتستعيد الأم التي تفتقدها، الحياة فارغة بدون أب وأم سفيان، تشعر وكأنك تقف وحدك، صغير جدا بعالم كبير وأنت تحتاج ليد لتأخذك وترشدك ولكن لا تجد، فهما وحدهما من لا يبخل عليك بالمساعدة"
تحرك للبار وترك الكأس وسفيان يفكر جيدا بكلمات صديقه وقبل أن يختفي وافي بغرفته رفع سفيان وجهه له وقال "تظن أني ظلمت ندى؟"
توقف وافي مكانه لحظة قبل أن يلف وجهه لصديقه وقال "هي ظلمت نفسها يوم اندفعت بذلك الطريق سفيان، وأنت لم ترحمها وكأنك تعاقبها على موافقتها على الخطأ، فقط لو كان هناك طفل هو من سيظلم بينكم"
وتحرك لغرفته دون أن يزيد وسفيان عاد لدائرة الحيرة التي تتلاعب به
فقط ضميره هو ما يؤلمه من أجلها، ولكن للأسف قلبه فارغا ولا يشعر تجاها بأي شيء
ربما لو أخبرته يوما بأن له ابن سيعترف به ولن يتركه يتألم كما قال وافي، لن يتركه وحيدا بالعالم
ولكن من يدري؟؟
****
العزاء انتهى بوقت متأخر لوجود العديد من الشخصيات الهامة والتي أتت لاسم المعداوي وكثيرين تفاجأوا بوافي كابن له ولكنه لم يهتم وهم لم يعبروا عن دهشتهم خاصة لوجود العمدة بجواره
المحامي أخبره برغبته برؤيته لسماع الوصية وهو وافق على موعد
التف أصحابه حوله وقال ظافر "ما زلت لا أصدق أنه كان والدك"
زاغت عيون وافي ولم يرد بينما قال راكان "ألا نذهب؟ تبدو متعب"
نظرات راكان له كانت تعني الكثير ولكنه فر منها وهو يقول "سأرى ليان أولا"
سأله سفيان "ماذا ستفعل معها؟"
كانوا يتوجهون لمكان السيدات وهو يقول "كما قلت، سأعيدها بيت والدي ومعها دادة صفية وسأرعاها من هناك، لن أتخلى عنها"
لم يرد سفيان وتوقف ثلاثتهم خارج مكان السيدات بينما تقدم هو ولم يكن هناك أحد وهي تجلس وحيدة وبجوارها صفية التي نهضت لرؤيته وقالت
"هل انتهى الأمر؟"
هز رأسه ونظراته على الفتاة التي لم تكن تتحدث منذ مر عليها وأتى بها هنا وحتى الآن..
وقف أمامها وقال "ليان هل نذهب؟"
رفعت عيونها الباكية له وقالت "إلى أين؟"
لا يعلم لماذا تمزق قلبه من أجلها وذلك الحزن بعيونها يؤلمه؟ خاصة وهو لا يمكنه أن يساعدها على تجاوزه
انحنى عليها وقال "لبيت والدك، شريف سيظل والدك ولن يبدل موته أي شيء"
سقطت الدموع وقالت "ولكني لست ابنته وليس لي حق بأي شيء، أنت وريثه الوحيد"
قال بحنان "ليس الآن ليان، هيا لنعد للبيت وترتاحي وتأكدي أن البيت سيظل بيتك مهما كان الثمن، وأنا سأظل أخيكِ وبجوارك لنهاية العمر فثقي بي"
ظلت ثابتة بعيونها الباكية على وجهه الصادق ومد يده لها فسقطت عيونها عليها فلم تفكر وهي تضع أصابعها الرقيقة بين قبضته القوية وهو يساعدها لتنهض وتتحرك معه للخارج حيث أصدقائه
نطق وافي بالتعرفة "سفيان، ظافر، راكان هما الإخوة والأصدقاء، ليان ابنة زوجة أبي وبمثابة أختي الصغرى وأمانة بعنقي"
رفعت وجهها له ولكنه كان يواجه أصحابه الذين تبادلوا التحية معها وهي عادت لهم وشعرت بتعاطفهم معها وهم يتبادلون معه الحديث وهي تتابعه
لا تعلم لماذا كانت سعيدة بوجوده معها وترى بنبرته وتصرفاته حنان شريف الذي أغرقها به
هل ستجد الحنان مرة أخرى؟
هل كان شريف على حق عندما أخبرها أن وافي هو الذي سيمنحها الأمان؟
****
صوت السكرتيرة رد "تفضل سيد ظافر"
تحرك ظافر لمكتب مي بموعده المحدد
المكتب كان أنيق وبسيط وبه لمسة نسائية من الألوان الرقيقة والديكور الحالم
أما هي فكانت تنظر لجهازها، وهو يتأمل ملامحها الرقيقة التي جذبته والآن أدرك أنه ما زال منجذب لها
عندما أغلق الباب انتبهت له وتوقفت عيونها عليه وهو يتقدم حتى وقف أمامها وقال بهدوء "صباح الخير"
بسرعة طبعا تذكرت رؤيته بالمطعم يوم لقائها بفادي فقالت "انا رأيت حضرتك من قبل"
ابتسم ابتسامته الجذابة التي تأخذ النساء وقال "بالمطعم، يوم لقائك بفادي"
وافقته وقالت "نعم، أهلا سيد ظافر تفضل"
فك جاكته وجلس أمامها وعيونهم متواجهه، الآن تراه جيدا
هي لم تنسى نظراته بذلك اليوم ولا جسده الشاهق ولا وسامته ولكنها لم تكن بحالة تسمح لها بالتركيز إلا برغبتها بالبعد عن فادي بكلماته عن الإعجاب والزواج
لا هو ولا أي رجل
عادت تقول "هل تفضل قهوة أم عصير؟"
قال بجدية رغم انجذابه لعيونها وهو يدرك أنه ما زال يهتم بها "لا شيء حقا، تمنيت لو تعارفنا بظروف أفضل"
هزت رأسها وبدا وجهها جامدا، لا ابتسامة ولا أي تعبيرات، ذكرته براكان لا أحد يعرف ماذا يدور داخله
كانت فاتنة، بلوزتها القاتمة تخفي جمال جسدها ولكنها أنيقة جدا، شعرها المرفوع يدل على أنها امرأة عملية
أجابت بثقة "ما زلنا لم نفعل سيد ظافر وها نحن نفعل"
لبقة بالحديث أيضا..
قال "لم أكن أعرف أن فادي ابن عمتك"
قالت بنفس الهدوء "أنتم شركاء؟"
قال بهدوء "لا ولكن لدينا أعمال مشتركة كنا نتناقش بها يومها وكدت أتدخل عندما رأيتكم تحتدون بالمناقشة"
كانت تذكر بالطبع فقالت "نعم أذكر، هو فادي من يظن أن له الحق بالتدخل بحياتي لمجرد أنه ابن عمتي"
لمعت عيونه عليها وهو يقول "ولكنك تبدين مستقلة، أنتِ حتى لا تتبعين مسار والدك؟"
دقت بأظافرها المطلية بلون وردي هادئ على ذراع المقعد وقالت "لا أظن أنك هنا من أجل حياتي الشخصية سيد ظافر؟"
كان يعلم أنها لن تنجرف معه بحديث شخصي ومع ذلك حاول ولكنه الآن عاد لمساره وقال "لا، والدتي حصلت على رحلة تابعة لشركتكم كنوع من التكريم مع النادي الذي ترأسه، وهي ترغب بمكان آخر لوالدي ليصحبها فهو يعترض على ذهابها وحدها، هي حاولت مع الشركة وفشلت وطلبت مني أن أحاول"
عادت العملية على وجهها وقالت وهي تلتفت لتواجه شاشة جهازها "هل لي ببيانات الرحلة؟"
منحها البيانات وهي تراجعها على جهازها وما زال يتابعها وجمالها يأخذه حتى عادت له وقالت "نعم للأسف العدد مكتمل"
ظل ثابتا وهو يقول "ولا حل للأمر؟ هذا قد يعني إلغاء الرحلة لها"
ظلت تنظر له للحظة ثم عادت للجهاز وعبثت به بمهارة ثم نظرت له وقالت "تعلم أننا نحتفظ بأماكن شاغرة للطوارئ وهناك بالفعل مكان ولكن التكلفة.."
قاطعها بلا تفكير "سآخذه بالطبع"
هزت رأسها وضغطت الأزرار وقالت "الحجز باسم؟"
قال "محمد حسين الحلواني، والدي"
رفعت وجهها والدهشة بعيونها وهي تسأل "أنت حفيد الحلواني؟"
هز رأسه بالموافقة فقالت "كان لابد أن أعرف لكني لم أربط الاسم"
ضاقت عيونه وهو يسألها "لا أفهم"
قالت "اسم ظافر الحلواني، الجميع يعرف الاسم والسمعة جيدا"
جز على أسنانه من معنى كلماتها وانخفض صوته وهو يقول "الشائعات تتلاعب بأمثالنا جيدا"
أنهت ما كانت تفعله وعادت له وهي تقول "هل تقصد أن كل ما تناولته الميديا عن علاقاتك شائعات؟"
إذن هي تعرفه، بل وتواجه بما يقال عنه
شعر بالغضب من اللا شيء وهو يرد "ما زلت عازب ولي الحق بأن أعيش حياتي كما أشاء، لم أرتبط بفتاة ثم خنتها"
تجمدت ملامحها من معنى كلماته وتلميحاته هو الآخر
وهو أدرك ما قاله بعد فوات الأوان فأسرع يقول "مي أنا.."
قاطعته بقوة "لقد انتهى الحجز سيد ظافر، السكرتيرة ستمنحك التذكرة، أتمنى أن يستمتع والديك بالرحلة"
نهض غاضبا وهتف " كيف تجرؤين؟"
رفعت عيونها له وقالت بثبات "لقد انتهيت من طلبك"
أسند ذراعيه على حافة مكتبها وواجها وهو يقول "معكِ حق، فلا أحد يرغب بالبقاء أكثر من خمس دقائق مع امرأة باردة مثلك، الآن عذرت شاكر"
وأغلق جاكته ونزع عيونه منها وتحرك للخارج وهو سعيد أنه رد لها الإهانة
من الجيد أنه لم ينجرف معها بعلاقة، امرأة مثلها لن تليق برجل مثله لا ينتقي سوى المرأة الحارقة لا باردة مثلها
لكن هل هي بالفعل باردة أم كلماته هي ما دفعها لتكون كذلك؟
لم يعد يهم هي صفحة وانطوت..
****
انتهى الاجتماع المؤجل بين الشركاء ونهض ظافر وقال "حسنا راكان، لديك الحق لتبدأ بالعمل طبعا، أنا ذاهب"
سفيان أيضا نهض وقال "انتظر ظافر خذني معك، عمي دعاني للعشاء"
وتحرك الاثنان بعد خروج الباقين وظل راكان صامتا وهو يعود لوافي الذي ظل صامتا
بالأيام الماضية لم يحاول التحدث معه، تركه يراعي ليان وبالطبع الوصية بأن وافي له كل الأملاك، وليان لها البيت ومال كثير بالبنك ومع ذلك ما زال حتى الآن يحاول أن يداوي أحزانه
قال راكان "هل أنت بخير وافي؟"
استعاد وافي وعيه وانتبه إلى رحيل الجميع والتقى بوجه راكان الذي عاد يقول "ما رأيك بالغداء، سأطلب منهم إحضاره هنا"
رد وافي "لست بحاجة لتعطل نفسك من أجلي راك، أنا ذاهب"
ونهض ولكن راكان نهض وسد طريقه وهو يقول "أنا حقا سأتناول غداء فلم أتناول أي شيء منذ الأمس"
الصدق بدا بعيونه فوافق وافي، تراجع راكان وطلب طعام لهما فتحرك وافي للنافذة ووقف ساكنا حتى وقف راك بجواره وقال
"كيف حالها؟ ليان؟"
نظر له وقال "ما زالت تعيش بالأحزان"
قال راك بهدوء "وأنت؟"
من نظرات راكان أدرك وافي ما يريده فقال "أنت تعرف أليس كذلك؟"
تراجع راكان للأريكة وجلس وهو يقول "ليس لي الحق بالتدخل إلا لو سمحت لي"
وضع وافي يداه بجيوبه وقال "وما زلت تريدني شريك بعد أن عرفت حقيقتي؟"
أجاب راكان بهدوء "لأني أعرف حقيقتك أتمسك بشراكتك"
لم يتحرك وافي وهو ينظر لصديقه الذي عاد يقول "لو سننسب نفسنا لماضينا فلن نكسب أحد وافي، الكل يعرف من هو جدي ولو لم تكونوا تعرفوني جيدا ما اتخذتموني صديق وأنا أفعل المثل، لا يهمني من هو والدك ولا أمك، المهم أنت وكلنا نعرفك جيدا منذ دخلت بيننا ولن يمثل ماضيك أي فارق"
تحرك وافي حتى جلس أمام راكان وقال "من حقهم أيضا أن يعرفوا الحقيقة"
لم يبدل راك مكانه وهو يقول "ومن حقك الاحتفاظ بماضيك لك طالما لم يضر أحد"
رفض وقال "ولكني أريد إخبارهم، تعبت من الهروب"
وافقه راك وهو يقول "افعل ما تراه يناسبك، بالنسبة لي الأمر لا يمثل أي فارق، ومن رأيي أن ما مات يظل ميت ولا يجوز نبش قبره"
أخفض وجهه وهو يفكر بكلمات راكان حتى قال "شكرا راك، شكرا على وجودك بجواري وتفهمك للأمر وربما معك حق برأيك"
انحنى راك للأمام وقال "أنا لا أفعل لأنال كلمات الشكر وافي، بل لأني مقتنع بما أقول، وفاءك وإخلاصك لنا يجعلنا لا نهتم"
هز وافي رأسه بتفهم ثم قال "فقط لا أعلم ماذا أفعل مع ليان، لم أتولى مسؤولية أحد من قبل"
عاد راك للخلف وأسند ذراعيه على ظهر الأريكة وقال "فقط تصرف بطبيعتك معها وتعامل كأنها أختك الصغرى، وحاول جرها خارج أحزانها"
قال بتفكير مرهق "حاولت، ولكنها تدفن نفسها بها، هي حتى ترفض إكمال دراستها"
رد راكان "هي بحاجة للوقت، هل فكرت بأن تأتي معي لرؤية رائد؟"
عاد لوجه راكان وقال "هو أيضا طلب مني ذلك بعد الوفاة ولكن لا يمكنني ترك ليان وحدها"
دق الباب ودخل سيف بأكياس الطعام ووضعها على المائدة وفرغ الطعام منها وراكان يقول "لنأخذها معنا، هي بحاجة للتغيير وربما لو تعرفت على سارة أختي تخرج من حالتها"
ونهض للطعام ووافي يتبعه بدهشة وهو يقول "أختك؟ أنت لك أخت؟"
ابتسم وهو يجذب الطعام من العلب وسيف يتحرك للخارج وقال "أحمد زيدان تزوج بإيطاليا وأنجب فتاة عنيدة وليس من السهل قيادتها"
نهض وافي وانضم له بالطعام وهو يقول "متى عرفت بها؟"
تناول الطعام وقال "بعد رأس السنة، رائد من عرف بأمرها ورحلت معه لرؤيتها ورفضت أن تعود معي، تعشق حياة العذاب بالمزرعة هناك"
تناول وافي الطعام وقال "غريب أنك تركتها"
رفع عيونه له بنظرة جانبية وقال "أحتاج لكسب ودها وافي لا خسارتها"
وافقه وهو يقول "معك حق، متى سترحل؟"
قال بتفكير "يومان وسأذهب، سأكون سعيد بانضمامكم لي"
يتبع 
تعليقات



<>