رواية مهرة في عرين القحطاني الفصل السادس6بقلم اماني سيد
في مكان آخر
كانت رشا تجلس في غرفتها، تتصفح هاتفها بملل واضح، والحديث الذي دار بينها وبين صديقتها شهد ما زال يرن في أذنها:
(صفوان القحطاني مش الراجل اللي يقعد يستنى واحدة مترددة... افرضي ملّ وفركش الخطوبة؟!)
أغلقت هاتفها ووضعته جانباً، ثم أخذت نفساً عميقاً وبدأت تراجع تفاصيل علاقتها بصفوان بجدية لأول مرة.
كانت تعلم في قرارة نفسها أن صفوان رجلٌ يُحسب له ألف حساب؛ ملتزم، صاحب قيمة ونفوذ، ومحط أنظار الجميع. ورغم أن بروده وجفافه كانا يزعجانها ويشعرانها بالملل، إلا أن فكرة أن تفقده أو أن تخرج من حياته كانت تشكل لها صدمة لكبريائها لا تستطيع تحمّلها.
جلست على طرف الفراش وقالت لنفسها :
* أنا مش هسيب الموضوع يضيع مني... لازم أدي العلاقة دي فرصة مختلفة. يمكن أنا كمان اللي كنت بعيدة ومستنية منه هو كل حاجة. صفوان محتاج محاولة تانية مني عشان نقرب من بعض ونسد الفجوة دي.
مسكت هاتفها مجدداً، وترددت لثوانٍ قبل أن تطلب رقمه المباشر.
في تلك اللحظة، كان صفوان يجلس في مكتبه يتابع حركة التقارير بعد مغادرة "اليزيد". رن هاتفه، وعندما رأى اسم "رشا"، أخذ ثوانٍ قبل أن يجيب بنبرته الهادئة الرزينة:
ـ مساء الخير يا رشا.
أجابت رشا بصوت هادئ يحمل رقة متعمدة على غير العادتها:
ـ مساء النور يا صفوان... عارفة إنك مشغول وطول الوقت في الشغل، بس كنت حابة أطلب منك تقابلني النهاردة بعد الشغل... محتاجة نتكلم مع بعض شوية.
صمت صفوان لكسر من الثانية، ثم قال بعملية:
ـ خير يا رشا؟ في حاجة في الفيلا أو التعديلات؟
تنهدت رشا وقالت بصراحة ومباشرة:
ـ لا يا صفوان، مش موضوع الفيلا خالص... أنا بس حابة نخرج سوا ونقعد نتكلم شوية بعيد عن العمل والتجهيزات.
صمت صفوان لثوانٍ، يراجع جدول أعماله، ثم رد بنبرة عملية وهادئة:
ـ تمام يا رشا، اجهزي وهعدي عليكِ الساعة ٦.
وفي تمام الساعة السادسة مساءً، كانت سيارة صفوان تقف أمام الفيلا بالدقيقة. طلب رقمها، وما هي إلا لحظات حتى خرجت رشا بطلة أنيقة ولطيفة، وركبت إلى جواره بعد أن تبادلا تحية هادئة، ليتجها إلى كافيه هادئ.
بعد أن جلسا على الطاولة وطلبا المشروبات، ساد صمت قصير قطعه صفوان
ـ خير يا رشا، أدينًا قعدنا... اتفضلي أنا سامعك.
أخذت رشا نفساً عميقاً، وأمالت جسدها للإمام قليلاً وهي تنظر في عينيه بصدق ورقة تحاول بها كسر الجليد بينهما، وقالت:
ـ صفوان... أنا حابة علاقتنا تكمل بشكل مختلف، أنا بحبك وحابة أشاركك وتشاركني، وأشوف منك اهتمام بيا وبالتفاصيل اللي بينا، مش عايزاها تفضل مجرد رسميات وكلمنا يبقى محسوب
ابتسم صفوان واعتدل فى جلسته وتحدث معها بود
ـ يا رشا... أنا راجل عملي بطبعي، ومش بعرف أقول كلام حلو أو أهتم بالطريقة اللي في دماغك دي، بس أقدر أعملك كل اللي أنتِ عايزاه، وما أخليكيش محتاجة أي حاجة في الدنيا.
شخصت رشا بعينيها فيه، وابتسمت بشرارة أمل بانت في ملامحها، وأمالت رأسها بثقة وقالت:
ـ وأنا هعلمك تهتم بيا ازاي يا صفوان... هعلمك خطوة بخطوة هقولك اللى بحبه وانت قولى اللى بتحبه
تأملها صفوان لثوانٍ، يعيد كلامها داخله فقد لمس حديثها شيئا بداخله
ـ خلاص... طالما ده هيقربنا من بعض ويخليكي مبسوطة، وليه لأ؟ نجرب يا رشا
ابتسمت رشا ابتسامة واسعة أضاءت ملامحها، وشعرت لأول مرة أن الجدار الثلجي بينهما بدأ يذوب، فأمالت رأسها قليلاً وقالت بحماس:
ـ بص بقى... أنا بحب الهدوء، بحب التفاصيل الصغيرة، وبفرح جداً لما تفتكر حاجة أنا قلتها بالصدفة. بحب الورد، والأماكن المفتوحة، وبحب إني أشاركك قرارنا في كل حاجة تخص بيتنا.
كان صفوان يستمع إليها بهدوء ورزانة، ونظراته ثابتة عليها دون أن يقاطعها، وكأنه يكتشف جانباً جديداً في شخصيتها.
تابعت رشا بذكاء وهي تستغل هذه اللحظة الدافئة:
ـ وعشان نترجم الكلام ده لخطوة عملية ونعرف ذوق بعض أكتر... إيه رأيك ننزل الأسبوع ده مع بعض نختار العفش بنفسنا؟ نختار غرفة النوم وبعض القطع للفيلا، بدل ما نسيب كل حاجة لمهندس الديكور. ده هيخلينا نقرب من أفكار بعض أكتر.
فكر صفوان لثوانٍ، ورغم أن وقته ضيق جداً والتزامات الشركة لا تتوقف، إلا أنه وجد منطقاً في كلامها؛ فهو رجل يفضل حسم الأمور بنفسه، ورأى في طلبها محاولة جادة ومحترمة لبناء بيتهما.
أومأ صفوان برأسه إيماءة خفيفة وقال بنبرة هادئة:
ـ فكرة معقولة يا رشا... معنديش مانع. هظبط موعد مع صاحب معرض أثاث كبير بنتعامل معاه، وننزل سوا نختار اللي يناسبك.
وفي نهاية الأسبوع، كان صفوان عند وعده. خرج معها متوجهين إلى واحد من أكبر وأرقى معارض الأثاث في العاصمة.
حين دخلا المعرض الضخم، كانت المعروضات تتسم بالفخامة والرقي. بدأت رشا تتنقل بين الأقسام بحماس ظاهر، وتتطلع إلى التنسيقات والألوان، بينما كان صفوان يسير إلى جوارها وتاركا لها المجال لتختار ما يعجبها ، يتابع خياراتها ويعطيها بعض الملاحظات من وجهه نظره
وقفا أمام جناح مخصص لغرف النوم المودرن الفاخرة، أشارت رشا إلى تصميم يجمع بين البساطة والرقي بألوان هادئة وقالت:
ـ إيه رأيك في دي يا صفوان؟ ألوانها مريحة جداً وأنا حساها دافية ومناسبة.
اقترب صفوان، تفحص جودة الخشب والإنهاءات بدقة رجل أعمال يعرف القيمة والتفاصيل، ثم نظر إليها وقال برضا وتفهم:
ـ خشبها ممتاز، وذوقها راقي وهادي... تمام يا رشا، طالما عاجباكي نعتمدها.
ارتسمت الفرحة على وجه رشا، وشعرت أن مشاركته لها ليست مجرد واجب، بل بداية حقيقية للتواصل بينهما. وواصلا جولتهما في المعرض يختاران بعض القطع الأساسية للفيلا وسط أجواء سادها التوافق والهدوء .
على الجانب الآخر، وفي أروقة شركة القحطاني، كانت مهرة تقضي أيامها الأولى بين أوراق أذونات التوريد، ومتابعة الاتصالات مع المصانع ومزارع الإنتاج. كانت تحاول بكل جهدها أن تفهم دورة العمل وتلتزم بالتعليمات التي وجهها لها صفوان وفريدة.
في صباح أحد الأيام، كانت تجلس خلف مكتبها تراجع جدول تسليم الشحنة الخاصة بمؤسسة الحاج عبد الجواد اليزيد.
طرقت فريدة الباب ودخلت بهدوء:
* أستاذة مهرة... أستاذ اليزيد على التليفون، وبيسأل عن موعد خروج الشحنة عشان يرتب عقود التوزيع عنده.
أومأت مهرة برأسها:
* تمام يا فريدة، حوليلي الخط.
رفعت السماعة وقالت بنبرة عملية هادئة:
* صباح الخير يا أستاذ يزيد... مع حضرتك مهرة القحطاني.
جاءها صوته عبر الهاتف، هادئاً ومهذباً:
* صباح النور يا أستاذة مهرة... بعتذر لو بعطلك، بس كنت حابب أطمن على ترتيبات الشحنة وهل المزارع أكدت معاكم الموعد ولا في أي تأخير؟
ردت مهرة بجدية وهي تطالع أوراقها:
* لا تمام، أنا تابعت مع المزارع وسيارات التبريد، الشحنة هتطلع في الميعاد المحدد، ومعانا مهلة الـ 48 ساعة أمان اللي اتكلمنا فيها عشان نكون في السليم.
صمت اليزيد لثانية، ثم قال بنبرة دافئة ومهذبة تحمل تقديرًا طبيعيًا:
* تمام جداً... شكراً لاهتمامك ومتابعتك يا أستاذة مهرة. الحقيقة مريح جداً إن التنسيق بيمشي بانتظام كده.
أجابت مهرة بأسلوب عملي وبسيط:
* العفو يا أستاذ يزيد، ده واجبي وده نظام الشغل هنا.
تابع اليزيد بكلام عابر ولبق قبل أن ينهي المكالمة:
* على فكرة، إحنا محضرين لافتتاح الفرع الجديد للمؤسسة الأسبوع الجاي، وبنبعث الدعوات لإدارة شركة القحطاني، وهيسعدنا جداً حضوركم.
كانت دعوة عامة ومغلفة بالذوق والحدود المهنية، لكن طريقة كلامه كان فيها احترام واهتمام هادئ ومريح.
ردت مهرة بثبات:
* ألف مبروك الافتتاح يا أستاذ يزيد... ودعوات الشركة بتترتب طبعاً مع صفوان بيه والإدارة.
قال اليزيد بابتسامة خفيفة ظهرت في صوته:
* أكيد طبعاً... الدعوة هتكون عند صفوان بيه. يومك سعيد يا أستاذة مهرة.
أغلقت مهرة الهاتف وهزت رأسها بابتسامة خفيفة،
وفي تلك اللحظة، طُرِق صفوان الباب و
دخل صفوان مكتب مهرة ، وضع الملف الذي كان بيديه على الطاولة وقال بنبرة عملية:
ـ صباح الخير يا مهرة... التنسيق مع مزارع الشحنة الجديدة ماشي تمام؟
اعتدلت مهرة في جلستها وأومأت برأسها بثبات:
ـ صباح النور يا صفوان... كل حاجة تمام، ولسه حالا كنت بكلم الأستاذ يزيد واكدت معاه على معاد الشحنع و إن الشحنة هتطلع في موعدها المضبوط.
ـ حلو اووى انا مبسوط من شغلك وأنك مركزه فيه ولو استمريتى كده ممكن فى المستقبل نعملك فرع لواحدك تمسكيه
ـ ابتسمت مهره على كلام صفوان وشعرت بسعاده داخلها لم تعرف لها تفسير هل لأن صفوان من يمدحها ؟؟
أم لأنها استطاعت أن تثبت نفسها فى العمل ؟
ثم تذكرت الدعوة وقالت بتلقائية ووضوح:
ـ أه صحيح... الأستاذ يزيد بلغني إن مؤسستهم مجهزة لافتتاح الفرع الجديد الأسبوع الجاي، وقال إنهم بيبعتوا الدعوات لإدارة الشركة وهيسعدهم وجودنا .
تأملها صفوان لثوانٍ بنظرة هادئة وفاحصة، ثم هز رأسه برزانة وقال:
ـ تمام... الدعوة وصلت المكتب عندي فعلاً وهتكون فى فندق كبير وبيكون هدفها انهم يعرفوا رجال اعمال اكتر منهم اللى بيستوردوا منه ومنهم بيوردلهم وأنا رايح الافتتاح ده أنا ورشا.
ثم صمت لكسر من الثانية، وتابع بنبرة جادة تحمل توجيهاً عملياً:
ـ وبما إنك مسؤولة التنسيق والتوريد ومتابعة ملف اليزيد بنفسك، فدي فرصة كويسة جداً ليكي... تجهزي عشان تيجي معانا الافتتاح وتتعرفي على السوق والتجار الكبار في المجال ده، وده هيساعدك كتير في شغلك الفترة الجاية.
نظرت إليه مهرة بثبات، وسجلت في عقلها هذه الخطوة الجديدة؛ فهي لم تعد مجرد متدربة خلف الجدران، بل أصبحت تخطو بثقة نحو وسط الأعمال، وإلى جوار صفوان القحطاني شخصياً!
أومأت مهرة برأسها بثبات، وقالت بنبرة عملية جادة:
ـ تمام يا صفوان، مفيش مشكلة... هجهز نفسي وهكون معاكوا في الميعاد.
خرج صفوان من المكتب بعد أن أومأ لها برأسه، بينما أخذت مهرة نفساً عميقاً وأسندت ظهرها للمقعد. ساد صمت قصير في عقلها ، ورغم حماسها المهني للخطوة الجديدة، إلا أن فضولاً أنثوياً خفياً بدأ يتسلل إلى داخلها؛ كانت تتساءل في سرها عن شخصية رشا وشكلها... ما هي طبيعة الفتاة التي اختارها صفوان القحطاني لتكون شركته وخطيبته؟
بعد انتهاء ساعات العمل، توجهت مهرة مباشرة إلى عيادة الطبيبة المتابعة لحالتها.
خلال الزيارة، صعدت على الميزان ببعض التردد، لكن الشاشة أظهرت نتيجة ممتازة؛ خسرت عدة كيلوجرامات أخرى بثبات واستقرار. ابتسمت الطبيبة برضا وهي تسجل النتيجة وقالت لها بأسلوب مشجع:
ـ برافو يا مهرة، التزامك بالعلاج والنظام الغذائي جايب نتيجة ممتازة جداً. الفترة الجاية دي بالذات هتبدأي تلاحظي إن الهدوم أصبحت واسعة عليكي بشكل ملحوظ وحركتك أسهل بكثير. بس عندي شرط مهم... مش عايزاكي توزني نفسك في البيت خالص، الميزان مش هيكون غير هنا في مواعيد الزيارة بس عشان ما تضغطيش نفسك نفسياً.
تبدد أي توتر داخل مهرة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة وواثقة؛ لشعورها أن جهد الشهر الماضي بدأ يؤتي ثماره الحقيقية.
بدات تسالها عن حقن تزيد الحرق واوضحت لها الدكتوره أن تلتزم بخطوات العلاج ولا تتسرع
عادت مهرة إلى الفيلا في المساء بقلب خفيف ومعنويات مرتفعة. صعدت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها، ثم فتحت خزانة ملابسها تبحث عن فستان سواريه أنيق ومناسب للحفل المقبل.
وقفت أمام المرآة تُمسك الفستان وتتفحص قصته؛ كان الفستان ينسدل بنعومة ويُبرز التغير اللطيف في قوامها ونضارة وجهها. ابتسمت لنفسها بثقة هادئة؛ فهي لن تذهب إلى الحفل لمجرد الحضور، بل لتثبت حضورها في أول اختبار عملي واجتماعي لها بشخصيتها الجديدة.
مرّت الأيام سريعة، وجاء يوم الحفل المنتظر...
كانت مهرة تقف داخل غرفتهت أمام المرآة تضع اللمسات الأخيرة على هيئتها. ارتدت فستاناً سواريه أنيقاً وراقياً باللون الكحلي الداكن، ينسدل بنعومة ووقار، ونسقت معه حجاباً من القماش الحريري الفاخر بأسلوب مرتب يُبرز ملامحها الشرقية الأصيلة ونضارة وجهها. كان التغير في قوامها يظهر بوضوح وهدوء، مما أعطاها ثقة وثباتاً يفيضان من عينيها.
ساعدتها خديجه فى وضع مساحيق التجميل كانت مهره تنظر لنفسها وهى تضحك بصوت عالى وخديجه تضحك على ضحكها
ـ انا اول مره ابقى حلوه كده يا خديجه انتى ممتازه فى المكياج انا مش عارفه نفسى
ـ انتى حلوه يا مهره والمكياج بس ظهر ده وبرز ملامحك
ضمتها مهره وهى بتبتسم رينا يخليكى ليه يارب
خديجه بضحك
ـ طيب الحق انزلى لحسن صفوان يسيبك ويمشى
ضحكت مهره وتركتها وذهبت لصفوان
في الأسفل، كانت سيارة صفوان تقف في انتظارها. نزلت مهرة بخطوات هادئة وركبت في المقعد الامامى بجانب صفوان . كان صفوان يجلس في الأمام ببدلته التوكسيدو السوداء الفاخرة وهيبته الطاغية. نظر إليها بنظرة خاطفة، لمس فيها الرزانة والأناقة المتزنة، فأومأ برأسه وقال بنبرة هادئة:
ـ مساء الخير يا مهرة... جاهزة؟
ـ مساؤك بالخير يا صفوان... جاهزة، اتفضل.
تحركت السيارة نحو فيلا الجمال لتمر على رشا. وما هي إلا دقائق حتى خرجت رشا بطلة سواريه مبهرة؛ ارتدت فستاناً محشماً وأنيقاً للغاية باللون الذهبي المطفي مع حجاب باللون العاجي. فتحت الباب الخلفى
وهي تبتسم ابتسامه لطيفه
ـ مساء الخير يا صفوان... بعتذر لو أخرتكم.
ثم التفتت إلى الخلف فوراً، وابتسمت بلباقة ورقة وهي تتفحص مهرة:
ـ مساء الخير... أكيد أنتِ مهرة؟ صفوان حكالي إنك مسؤولة ملف التوريد والتنسيق الجديد في الشركة.
ابتسمت مهرة ابتسامة هادئة ومحترمة، وأجابت بثبات:
ـ مساء النور يا رشا... أه مظبوط، الشرف ليا إن أتشارك معاكم النهاردة.
طوال الطريق إلى الحفل، دار حوار ودي ولطيف بين الثلاثة؛ بدأت رشا تحكي بحديث خفيف عن الترتيبات والديكورات والطقس، وكانت مهرة تجيب وتشارك بحدود اللباقة دون كلفة، بينما كان صفوان يتابع الطريق ويشارك بين الحين والآخر بكلمات عملية هادئة، يراقب من خلال مرآته الأمامية .
وصلت السيارة إلى مقر الحفل المقام في قاعة فاخرة بإحدى الفنادق الكبرى.
حين دخلوا، وضعت رشا يدها في ذراع صفوان بتمسك خفيف وثقة، وهي تسير إلى جواره بكبرياء أنثوي محبب، بينما كانت مهرة تسير خلفهما بخطوات واثقة وقريبة منهما، دون أن تفقد وقارها أو شعورها بكيانها المستقل.
وما هي إلا لحظات من دخولهم البهو الرئيسي، حتى لمحهم "اليزيد بن عبد الجواد". كان يرتدي بدلة رسمية كلاسيكية شديدة الأناقة، وقدم بخطوات متزنة .
اقترب اليزيد ورحب بصفوان بحرارة:
ـ أهلاً صفوان بيه... نورتنا الحفلة، حضورك شرف كبير للمؤسسة.
رد صفوان بإيماءة وقار وصافحه بقوة:
ـ أهلاً بك يا يزيد... مبروك الفرع الجديد، ومن نجاح لنجاح دايماً.
التفت اليزيد بنظرة لبقة ونحسّة نحو رشا ومهرة، وسلّم باحترام:
ـ أهلاً يا أستاذة رشا... نورتينا.
ثم وجه نظره وميله نحو مهرة بنبرة تحمل تقديراً خاصاً وهادئاً:
ـ أهلاً يا أستاذة مهرة... سعيد جداً إنك لبيتي الدعوة وحضرتِ بنفسك.
ابتسمت مهرة بثبات إيجابي:
ـ مبروك الافتتاح يا أستاذ يزيد... بالتوفيق إن شاء الله.
وفي تلك الأثناء، لمح صفوان أحد رجال الأعمال الكبار في مجال التطوير والاستيراد—وهو عميل مشترك تربطه صفقات ممتدة مع شركة صفوان ومع عائلة رشا أيضاً—. وبشكل لا إرادي وبطبيعة رجال الأعمال الحاسمين، التفت صفوان نحو العميل وقال لرشا:
ـ رشا... أستاذ فاروق هناك، تعالِي نسلم عليه ونراجع معاه ترتيبات المعرض الجاي.
استدار صفوان واتحرك ومعه رشا المتمسكة بذراعه نحو العميل، مستغرقين في حديث تجاري وثيق، وترك مهرة واقفة في مكانهما... لتجد نفسها في مواجهة هادئة ومباشرة مع اليزيد، الذي لم يبتعد خطوة واحدة، بل استغل الفرصة ليبقى إلى جوارها!
كانت مهرة تُطالع أثر خطى صفوان وهو يبتعد بخطواته الثابتة ، ويد رشا الملتفه حول ذراعه بكل أريحية وثقة.
تسمّرت نظراتها عليهما لثوانٍ معدودة، وغرقت في لحظة شرود عميقة لم تشعر بها... كانت تتأمل تلك الألفة بينهم ، وذلك الكبرياء المتناسق
، فتسللت إلى أفكارها همسة صامتة من أعمق نقطة في قلبها: "يا بختها... يا بختها بصفوان، بهيبته وحمايته تمنت لو اصبحت هى مكان رشا تمنت لو هى من كانت تمسك بيد صفوان
تمنّت في تلك اللحظة الخاطفة لو كانت هي من تقف إلى جواره، لو كانت هي من تحمل اسمه وتسير بثبات بجانبه دون أن تخشى شيئاً في هذا العالم... تمنّت لو كان كل هذا الاهتمام والتواجد المرموق من نصيبها هي.
وفي زحمة هذا الشرود الدافئ والمؤلم في آنٍ واحد، كان اليزيد يقف إلى جوارها، يلاحظ نظرتها الخاطفة المسترسلة نحو صفوان ورشا، لكنه تغاضى عنها ،
أمال اليزيد رأسه قليلاً بابتسامة هادئة ودافئة، وقال بصوته الرخيم ليقطع صمتها:
ـ أستاذة مهرة... الدكتور عبد الجواد والدي حابب جداً يسلم عليكي ويشكرك بنفسه على متابعتك الدقيقة لشحنات المؤسسة... تسمحيلي أعرفك عليه؟
كانت مهرة ما زالت تحت تأثير تلك الافكار وأمنيتها الدفينة، فلم تستوعب تفاصيل عرضه تماماً، وأومأت برأسها بشرود وتلقائية دون أن تشعر بالكامل بما وافقت عليه:
ـ هـ... اه طبعاً يا أستاذ يزيد... اتفضل.
ابتسم اليزيد بثقة ورضا، واستغل موافقتها الفورية، ليشير لها بلباقة متقدماً إياها بخطوة، متوجهاً بها نحو والده الحاضر في صدر القاعة، بينما كان صفوان في الناحية الأخرى يتحدث مع العميل، لكن عينيه الحادتين لم تكتفيا بالحديث... بل التقطتا تحرك مهرة الهادئ بجوار اليزيد في تلك اللحظة بالذات!
