رواية عهود الطفولة الفصل التاسع9والاخيربقلم مي عيد


رواية عهود الطفولة الفصل التاسع9والاخيربقلم مي عيد

بعد مرور أسبوع على الليلة المرعبة اللي قلبَت حياتنا، كانت الدنيا هادية وبرَّة المطر بينزل بغزارة كأنه بيغسل كل وجع وخوف عشناهم.

​كنت قاعدة على السرير في أوضتنا، ضهري مرفوع على المخدات المريحة، ولابسة بيجاما قطنية ناعمة بلون وردي هادي. الأوضة كانت مترتبة بعناية، النور فيها خافت ودافئ، وعلى الترابيزة جنب السرير كانت في فازة ورد جابها بابا أول ما عرف إننا خرجنا بالسلامة، ومعاها علبة شوكولاتة كبيرة.

​بابا كان لسه ماشي من دقايق بعد قعده طويلة قضناها في الضحك والكلام عن شبه فريدة بيا، وإزاي هي منورة البيت كله.

​بصيت جنبي على السرير، لقيت "فريدة" نايمة في سريرها الصغير المبيت، ملفوفة في لفة بيضاء ناعمة، وشعرها الخفيف الناعم بيكسي راسها، وبتتنفس بانتظام وهدوء يخلّي قلبي يدوب من الحب. كنت باصة لها ومش مصدقة إن البنوتة القمر دي بتاعتي، وإن ربنا عوضني بيها عن كل لحظة قلق وتعب عشتها في الحمل والولادة.

​في اللحظة دي، فتح باب الأوضة ودخل تميم. كان لسه جاي من شغله، ملامح وجهه فيها تعب اليوم الطويل، بس أول ما عينه وقعت عليا وعلى فريدة، ابتسامة دافئة وواسعة زاحت كل الإرهاق ده من على وشه.

​قرب من السرير بهدوء شديد عشان ما يصحيش البنوتة، وباس راسي بحب بالغ، وبعدين نوط ووطى باس راس فريدة برقة كأنها زجاجة عطر خايف عليها تكسر.

​"عامله ايه دلوقتي يا قلبي؟ وحاسه بوجع لسه؟" قالها وهو بيقعد على كرسي جنب السرير ويمسك إيدي يبوسها بحنان.

​ابتسمت بسعادة وأنا باصة في عيونه اللي مليانة عشق واهتمام: "بقيت كويسة جداً يا تميم.. طول ما أنتم جنبي أنا في أحسن حال. بس كنت لسه بفكر.. سبحان الله إزاي الأيام الصعبة بتعدي وكأنها مكنتش، ويتبدلها إحساس بالدفء والراحة بالشكل ده!"
​تميم ضحك ضحكة هادية وقال وهو بيلمس خدي بأصابعه: "علشان ربنا بيعوض الصابرين خير يا مليكة.. وأنا ربنا رزقني بأغلى حاجة في الدنيا دي كلها.. إنتي وفريدة."

​سكت شوية وبصيت للباب اللي برة، وبعدين رجعت بصيت له وقلت بتساؤل:

 "صحيح يا تميم.. الشرطة عملت إيه مع الشخص ده؟ والتحقيقات وصلت لفين؟"
​ملامح تميم اتغيرت شوية للجدية، بس طمأنني بسرعة وهو بيطبطب على إيدي:

 "اطمني خالص يا مليكة، انسَي الموضوع ده تماماً.. الظابط كلمني النهاردة وأكد لي إن الشخص ده ورا قضبان السجن وهياخد عقابه كاملاً على كل اللي عمله، ومش هيقدر يقرب مننا تاني طول ما أنا عايش.. خلاص، الكابوس انتهى وإحنا في أمان تام."

​حسيت براحة رهيبة نزلت على قلبي زي المية الساقعة في يوم حر. هبطت أكتر على المخدة وأنا باصة لتميم بامتنان: "الحمد لله.. بجد ماكنتش هقدر أعدي الليلة دي ولا أكمل من غير ما تكون جنبي ودرع لينا."

​تميم مال وابتسم ابتسامة شقية كسر بيها الجو الجدي ده، وقال: "ده أنا ماصدقت لقيتكم! هو أنتي مفكرة إني ممكن أسيب بنتي حبيبتي وست الكل تروح مني بالساهل؟ ده أنا أقيم حرب علشان عيونكم."

​ضحكت بصوت عالي على طريقته، وفريدة اتحركت حركة خفيفة في نومها من الصوت، فجرينا احنا الاتنين وطينا صوتنا بسرعة وحطينَا إيدينا على بؤنا واحنا بنكتم ضحكتنا، وقعدنا نبص لبعض ونضحك بهمس زي الأطفال.
​مد إيده وشال فريدة بحذر شديد ومهارة اتعلمها في الأسبوع ده بس، وحطها على كتفه وهو بيمشي بيها في الأوضة بخطوات خفيفة، وبدأ يدندن لها بصوت واطي وحلو قوي. منظر تميم وهو البطل الشجاع اللي حما بيتنا، وهو نفس الشخص الحنين اللي شايل بنته بحب

 وبيضحي براحته عشانها، كان مخليني حاسة بفيض من الأمان لا يمكن يوصف.
​بعد دقايق، فريدة دخلت في نوم عميق تاني، فرجع حطها في سريرها بعناية، وجه نام جنبي على السرير، وخدني في حضنه الدافي. حسيت برأس فريدة بتتنفس في سريرها، حسيت فعلاً إن اسم "فريدة" على اسم ماما الله يرحمه كان فال خير كبير علينا، وإن ريحة ماما لسه ماليّة البيت وبركتها عيشانا في رضا وسعادة ما بعدها سعادة.

​________________________________
بعد مرور سبع سنين.. 

، وفي يوم ربيعي هادي، الشمس كانت دافية وبتبعث النور في كل مكان، كنت ماشية بخطوات هادية بين ممرات المقابر، وماسكة إيد "فريدة" اللي بقت كبرت وبقت تقف على رجليها واياس ابننا تلت سنين بيجرو حوالينا في شقاوة وبراءة، وشعرها الكيرلي بيلعب مع الهوا وهي ماسكة في إيد أبوها بإيد، وفي الإيد التانية اياس

​قربنا من مقبرة ماما الله يرحمها، ووقفنا قدام الشاهد بهدوء. بصيت لفريدة اللي كانت باصة للمكان بفضول طفولي، ونزلت لمستواها واديتها جردل المياه، وقولت بصوت دافئ:

​"يلا يا حبيبتي، تعالي رشي مياه لتيتا.. دي بتحب الورد والمياه النضيفة."

​قبل ما فريدة تتحرك، لقيت تميم بيوطي بحماس طفولي وبيقول وهو بياخد منها الجردل بدلع:

​"تعالي يا فريدة يا حبيبتي.. تعالي يا بابا أنا أرش لتيتا الميّة بنفسي، عيب أنتي لسه صغنونة!"

​بصيت له وضحكت بصوت هادي، وبعدين بصيت لفريدة اللي كشرت بلطف وقالت بدلع مصطنع وهي بتشد الجردل منه:

​"وسع بقا يا بابا! ارشلـها تيتا حبيبتي.. دا أنا اللي هرش!"
​تميم رفع إيديه باتساع وهو بيمثل الاستسلام، وقال بضحكة عالية رنّت في المكان: "يا سيدي يا سيدي! ماشي يا ست فريدة، اتفضلي يا هندسة، بس ما تغرقيش جزمتي!"

​فريدة ضحكت بكسرة صوتها الجميلة، وبدات ترش المياه بحذر حوالين الزرع اللي حوالين المقبرة، وهي بتبص لشاهد القبر وتقول بصوت بريء: "ازيك يا تيتا.. أنا فريدة جيت أزورك ومعايا ماما وبابا."

​في اللحظة دي، حسيت بغصة فرح في زوري، ودمعة دافية نزلت على خدي بس كانت مكسورة بالرضا والسلام. بصيت لتميم اللي كان واقف حاضن كتفي بإيد، وبيبتسم لبنته بعيون مليانة حب وافتخار.

​بصيت للسماء وكلمت ماما جوايا: "شايفة يا ماما؟ فريدة كبرت وبقت تيجيكي بنفسها.. عيشت لحد ما شوفت أمان بيتي وعوض ربنا في بنتي وجوزي، وروحك دايماً حاضرة بينا."
​خلصت فريدة ورشت المياه كلها، وجريت حضنت رجلينا الاتنين وهي بتضحك، وقمنا كلنا سوا، إيدي في إيد تميم، وإيده التانية ماسكة إيد فريده واياس وراجعين بيتنا واحنا عارفين إن روح ماما دايماً منورة حياتنا ومأمانة خطوتنا.

                        تمت
تعليقات



<>