رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الثاني والتسعون92بقلم ميفو السلطان

رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل الثاني والتسعون92بقلم ميفو السلطان

كانت مليكه راحله عندما سمعت صوته كان عمار قد احني راسه وعاد به الزمن لايام اماتت قلبه الغض وقف قليلا وسهم في الافق وهيا تنظر اليه برهبه علي سكونه الغريب .تنهد عمار تنهيده اتت من اعماقه يتذكر تلك الطعنه التي اتته من من ظنها اعز الناس .


كان الكلام ينساب من بين شفتيه كقطرات دم تتساقط بغير وعي ولا إدراك كأن الحروف تُنتزع قهرا من جدار قلب ممزق .......

جلبي مش ميت يا مليكه جلبي كان ورده لسه بتتفتح ع الدنيا مالحجتش تتهنى بضيها. كنت أطيب إخواتي وأخاف عليهم حتى من نفحة الهواء . أنا وعمر كنا روحين في جسد واحد أما عامر فكان بعيد بحكم طباعه وصرامة شغله. كانت أمي دايما تجول مخلفة عيلين طيبين بس العيل الوسطاني ده كان كيف الملاك. تجعد تهزر وتجولي انت متربي من عند ربنا يا عمار .كنت احب كل الناس واتكلم مع اي حد .


توقف ومضت على شفتيه ابتسامة مريرة باردة ثم زفر بسخرية لاذعة  وكست وجهه بغيمة داكنة من القهر عيونه تلمع بدموع متحجره . مسترسلا في سرداب الذكريات المظلمة........

خلصت الثانوية العامة وطاير في السما دخلت كلية الشرطة وأنا لسا عيل في أول عتبات الشباب سافرت مصر لوحدي غريب في بحرها الواسع. كنت مشترك في نادي رياضي بروح أفرغ فيه طاجة الشباب وألعب رياضتي وهناك اندلعت شرارة المشكلة مع شاب غني من عيلة نافدة اتحلت المشكلة أو كده كنت مفكر وجتها غافل عن خبث الدنيا ومكايدها. مرت الأيام وأنا في حالي عيل غلبان من الصعيد مايعرفش لف ودوران ماشي بطولي ونيتي البيضا الناصعة. 


ومضت عيناه ببطء وتجهمت ملامحه كأنه يعيد رسم وجهها أمامه في هذه اللحظة بالذات........

مرت الدنيا هناك هاديه بس بعدها شفتها كانت بحراوية جميلة ملامحها تشبه نسمات النيل جميلة رقيقة وحنونة . أنا كنت ابن ناس وطيب ماليش في اللوع ودوغري طول عمري مابكلمش حد والبنات ماكانش ليا فيهم سكة أساسا لا ابَصّ لدي ولا اتلفت لدي شايف حالي ودراستي وبس. زمايلي في الكلية ظنوا من عزة نفسي وشغلي إني مغرور ومتكبر وكانوا بيجروني غصب لأسهر معاهم وكنت بصدهم في البداية بكل حزم وجوة.


تعاقبت الصور في ذهنه لتظهر في نبرته قهر العالم  وكأنه يعيد معايشة تلك الحقاره مره اخري اكمل بقهر ........

جت هيا بعد كده أيام ورا أيام تلف حواليا بلطفها المفتعل لحد ما بدأت واحدة ورا واحدة أحبها وأجرب منها .كانت شاطرة ذكية بتعرف تاخد عجل اللي قدامها وتستميله بحيل ناعمة .وأنا أنا كنت صغير وجاهل بلعبة الجلوب. عارفة زي ما بيجولوا القروي الساذج الذي بهرته أضواء المدينة و اللي اتخطف جلبه قدام لمعان سطحي .

صرفت عليها من روحي جبتلها هدايا الدنيا خروج وفسح وذكريات وكنت ناوي أخطبها رسمي مانا أصلاً مابعرفش في اللعب ولا الخبص ماشي على عُرف أهلي ونيتي الصافية .جه آخر يوم في السنة كلمت جدي وكان معترض بالبداية بس أنا صممت وكابرت عشانها.


بلغ المشهد ذروته اهتزت نبرته حزنا وقهرا وهو يستعيد الفخ الأخير........اشتريت خاتم الخطوبة ورحت وأنا كلي شوج عشان أجدمهولها اتجابلنا في النادي فضلت تجولي إنها مبسوطة وفرحانة بيا . طلعتني سابع سما بكلماتها المعسولة بس عشان توجعني في الشرك بتاعها .جالت لي بصوتها الهادئ عشان أحس إني غالية عندك بجد اطلبني قدام الشباب والبنات ع مسرح النادي عشان أفتخر بيك قدام الكل وأنا مستنياك هناك.


في تلك اللحظات كانت دموعه تسيل ويمسحها بعفويه بكف يده كالاطفال ساهما كانه في زمن اخر ومليكه متجمده قلبها يدق من منظره ليكمل ......

جولت انها رايده حركات البنات وكده . افتكر روحت جبت بوكيه ورد ماكتش جادر اشيلو اصلا وطلعت علي مسرح النادي .طلعت وهيا وجفت جدامي وانا زي الاهبل ركعت علي رجلي وطلبتها بقه وفرحان صعيدي طيب و البندريه اللي مافيش منها وافجت .وفي عز فرحتي وانا رافع يدي بالخاتم وجلبي بيهفف كني طولت السما .انطبقت السما فجاه عليا. لجيت انصب عليا جردل ميه واغش علي طين بسبغه غرجت هدومي كلها . اتشليت مانطجتش ولا اتحركت عيوني مبرقه وجتتي بتترعش وماعرفش فيه ايه توهت وفضلت مبرق زي الممسوس  . وفجاه سمعت صريخ ضحك الكل بيضحك وهيا بتضحك .بقيت واجف مصروع  مافاهمش فيه ايه ولسه مش حاسس بالنصيبه اللي انحدفت عليا .هدومي كانت كلها واغش وجرف وريحه تغم البطن .


مش يسكتو بقه ويرحمو لا يكملو عليا جهر الدنيا صبو عليا جردل ريش اه والله .بقت شكل الديك المنفوش بس منفوش جهر وحزن. كنت متغطي وساخه وريش وشكلي مسخره .فوجت علي ومضات كاميرات وهواتف منوره كأنها ومضات برق بتطعن في الظلمة وتكشف الفخ اللي عملوه. اتاريهم كانو بيصوروني وظهر اصحابنا كلهم وجعدو يضحكو ويصوروني بلا رحمة .فضلت واجف من الجهر وشدته كأن الصخر غرز في رجلي .مسامير كن حديد ملجمني وكانت اول مره دموعي تنزل حارقة خايف ومرعوش ومهزوز .ضميت يدي بالخاتم لحضني زي العيل الصغير مالاجيش نسمه رحمه تدفي خوفه ولا ايد تطبطب علي وجعه ببص حواليا مذعور وخايف كأن الدنيا سجطت عليا وبعيط زي العيال من الخضه .


بصتلها لعل وعسى اكون بحلم حلم سيء وهصحى منه لجيتها بتجرب مني مربعه يدها في ثقة واستعلاء وبتضحك بشماته مسموعة وتجول.......

عشان تعرف انك عبيط ومغفل لفيتك علي صباعي يا صعيدي يا ياهبل وسيطرت عليك وخليتك تلف عليا زي العبيط انت اه معاك فلوس بس مابصلكش استعر منك حد بيبص لصعيدي عبيط زيك .


هنا جه الواد اللي كنت مخانجه ومشاكلنا زمان وحضنها جدامي في مشهد مقزز وانا حسيت اني عايش بجهنم تحرج روحي وطلعت هيا اصلا متفجه معاه من الاول واتخطبت ليه وبتنتجم مني كذب وزور مع اني ماعملتش حاجه وحشه معاه وصوروني وجلبوها مسخره للكل .


جومت منهار ماعرفتش اعمل اي حاجه ولا اتحرك حسيت اني جليل جوي اني ولا حاجه ومحشور في قاع جهنم. زقيته بكل ما بقا في جسمي من جوة وطلعت اجري بريشي ووساختي ودموعي ماعارفش بجري لفين ولا رايح لمين كنت بجري وخلاص كأني بجري من جهنم وبتهرب من لهيبها .


دخلت السكن وجفلت علي روحي الباب بتنفض خايف .عيل صغير اتعمل فيه كده وهو لوحدو . جعدت اعيط يومين كاملين لا اكل ولا شرب ولا كلمه تطلع مني غير الأنين .بقي يغمي عليا واصحي منفوض اتخيلهم حواليا بيضحكو .حسيت اني هنجن خدت بعضي وروحت الصعيد هارب بكسرتي .جعدت سنه كامله ماخرج من البيت جاتلي حاله نفسيه دمرتني ماجولتش لحد بحرف واحد كتمت الوجع بصدري وكل اللي يسالني عن السبب اجول انها خانتني وبس عشان استر علي فضحتي. كنت خزيان وحاسس اني جليل جوي وناجص قدر وكرامة.


تنهد بمرار وقهر......لحد ماعامر اخوي ماتحمل وضعي المكسور دخلي وعلمني ازاي ادوس علي جلبي واقتلع ضعفه .بدا يسجيني من غروره وكبره ويصب في روحي جفاه وصلابته .كان بيجعدني جدامه بالساعات اجول جدامه اني عالي وماحدش يطولني ولا يكسر لي هيبه.بقيت اجف زي الممسوس جدام المرايا كل يوم اتخيلها واجول كلام جاسي .انا عمار الراوي انا ماحدش يطولني انا كتير علي اي حد .


لحد ما واحده ورا واحده جلبي نشف تماما ولحد ما ماتت مشاعري الاصلية ومن ساعتها عندي حاجه جوايا مابتهداش ولا عارف اعمل فيها ايه ولا الاجي لها دوا.بقيت اعرف بنات كتير اعوض بيهم النجص اللي جوايا والكسرة الجديمه . وكل اما اضعف اروح لعامر لحد ماجه يوم بقيت افظع من عامر اه والله عامر عنده كبر ومغرور وواثق بحاله بس ماعندوش غل انا بقيت مغلول بنتقم من الدنيا من اللي جرالي .كنت بستمتع البنات تجري ورايا وارميهم مانا ماحدش يطولني .


تنهد بقهر ...وانا الحجيجه غلبان ومريض مستخبي ورا شكل مش شكلي .كلامك اني مريض كلو صح اني خايف كلو صح اني مايتجربش مني كلو صح اني مانفعش ابقي راجلك ولا سند ولا حاجه من اساسه كلو صح . اني اتخلجت عشان اوجع الناس كلو صح. عمار الراوي مريض وماحدش يطوله فعلا لانه ماينفعش حد يطوله .


في تلك الاثناء كانت مليكه أمامه مسمرة لا تستطيع حراكا ومع كل تفصيلة من تفاصيل الخديعة والريش الذي غطى جسده المقهور كانت ترتجف في مكانها كأن الريش لصق بروحها هي لا به وحده وكأن الوخزات تغرز في جلدها الرقيق .ومع اعترافه الأخير بمرضه وكسرته وخوفه ووجعه الحارق غرقت عيناها بدموع حارة وهي تراه يجلد نفسه بلا رحمة ولا هوادة. لم تكن تراه مجرد رجل حكایته قاسية بل كانت ترى طفلاً ضائعاً يبكي في منتصف طريق مظلم لا يجد يداً تمتد إليه .شعر قلبها بتمزق خفي وهي ترقب ذلك الجدار الصلب الذي بناه حول نفسه لسنوات ليواري خلفه طفلاً طيباً ذبحه لؤم الغدر .


تراجعت للخلف خطوتين وهي تضع كفها على صدرها كأنها تحاول منع قلبها من القفز من بين ضلوعها من شدة الهول والوجع وهي تستعيد المشهد كابوسياً وكأنها تراه مجسداً أمام عينيها الآن. كيف عاش اللحظة كيف استهانو بروحه الطاهرة وكسرت تلك الحقيره وعوده وهو يكلمها بقلب أبيض بكل جحود وقسوة .


كان ساهماً يكلم نفسه كأنه غريب عنها وتناساها تماماً في غمرة الوجع ولكنه انتفض حين احتضنته من الخلف فجأة كانت تبكي بمرارة لا تتخيل تلك القسوة البشعة التي تجرعها وكان قلبه في أصله كبرعم عاشق حاني يرجو الحياة فنهشوه بلا رحمة وقضوا عليه تماماً.كانت تبكي وبدات تتعالي شهقاتها الحارقة فعاد لنفسه من بعيد واستدار مسرعا واحتضنها بلهفة وقلق.......

ايه فيه ايه يمليكه مالك فيكي ايه يا جلبي .


نظرت اليه بعينين دامعتين وارتمت في احضانه تحتضنه بقوة وتبكي بحرقة وهو حاوطها بذراعيه ........

جلبي بس بس انا اسف والله اسف متبكيش عشان خاطر .


ظلت تبكي لا تتخيل تلك البشاعه التي فعلوها .كانت تشعر من داخلها طوال الوقت ان خلف تلك القسوه الظاهرة وجع دفين وقلب حاني لكنها لم تتخيل يوماً ان بداخله طعنة عميقة لا تغتفر .علمت الآن يقيناً لماذا كل تصرفاته كانت عنيفه وحادة وقاسية كان خائفاً علي قلبه البريء ان يطعن مره اخري فيترك بلا روح .


ظل يهدهدها ويملس علي شعرها بحنان دافئ.لتبتعد اخيرا ببطء وتنظر اليه بنظرة حانايه فاتسعت ابتسامته المتعبة فهمست من بين أثر الدموع........


عمار انا قلبي بيوجعني عليك قوي قوي كأن الوجع مسني انا كمان.


اقتربت بخطوات بطيئة وقبلت خده بحنان بالغ وقالت بنبرة تفيض رقة........

عمار انا اسفه علي كل اللي الدنيا عملتو فيك وعلي كل وجع نزل علي روحك من غير ما اعرف.


نظر اليها وقلبه يخفق من جديد من جمال مشاعرها الناعمه وكأن يداً حانية مسحت علي ندوب روحه فقبل يدها بامتنان .ابتسمت هي بلين دامعه من عذوبة لمسته وهمست بنعومة ........

انا مسمحاك يا عمار علي كل حاجة بس أوعدني بقا انك ماترجعش تاني .لازم تحارب جواك وتبطل تجلد نفسك انت حد طيب والله العظيم وقلبك ده اصفى قلب شوفته.


اقترب اكثر واحتضن يديها الاثنتين بين كفيه بحياة وروعة وكأنه يمسك بطوق نجاة اخير........

وحياة مليكة ما هزعلك تاني ابداً وحياتك لاموت روحي واكتم حالي ومش هخلي اي حزن يطولك. جلبك انت اللي مافيش منو انا اصلا ماعتش حاسس بحاجه من اللي فاتو ولا زعلان اصلا زي مايكون حكاويا ليكي لما طلعتها كنت بحكي وبخرج وارمي برات جلبي كل الهموم . عارفه يمليكه انا حاسس دلوقتي ان جلبي فاضي وبراح يساع الدنيا بحالها حاسس ان عمار الطيب الغلبان اتولد وطلع برات نعشه اللي مات جواه .وحودك بحياتي هو السبب هو علاجي .والله العظيم انا اسف اني كت وحش في يوم من الأيام وكان علي عيني وجلبي غشاوه عمتني عن النور بس خلاص النور جه وريح جلبي .


ابتسمت هامسه ودموعها تسيل ...بس خلاص بقه يا عموري  هعيط اسكت .انت بقيت قمر اهوه وفضيت اللي بقلبك كلو .


اتسعت ابتسامته بسعادة فقام وشدها وقال بسعاده .....وعشان كده عندي ليكي بقا مفاجأة حلوة.


فأخرج من جيبه تذكرتين........تذكرتين للملاهي هنقضي اليوم كله .


قفزت صارخه من الفرحة واحتضنته وهو يلف بها في الهواء........يا الله مامصدجش ان الجمر راضي عني .


ظل يدور بها بسعادة ثم أنزلها بحنان هامسا ........فاكرة مش جولتِي نفسك واتخانجنا . وأنا هعملك اللي في نفسك كله.


اتسعت ابتسامتها وضحكت بمرح صارخه ........طب يلا يلا نلحق النهار من أوله.


مسك يدها وشبكها واتجه معها بعد أن شعر براحة قربها مرة أخري وأقسم بنفسه أنه لن يغضبهما عمرًا آخر قبل يديها هامسا .......يلا بينا يا جلبي.

                الفصل الثالث والتسعون من هنا

لقراءة باقي الفصول اضغط هنا

تعليقات



<>