رواية علي غير ميعاد الفصل الحادي والعشرون21والثاني والعشرون22 بقلم هبه الفحام

رواية علي غير ميعاد الفصل الحادي والعشرون21والثاني والعشرون22 بقلم هبه الفحام
بدأ الشغل.
بعد ما خرج الدكتور كمال من المرسم، فضلت وتين وميار وبسنت قاعدين قدام الملفات.
كل واحدة بدأت في الجزء المسؤول عنه.
وتين فتحت المخططات قدامها، وبدأت تراجع تفاصيل المنشآت واحدة واحدة.
ميار كانت جنبها، بتراجع القياسات والدراسات الخاصة بالمشروع.
أما بسنت، فكانت فاتحة اللابتوب وبتجمع كل التفاصيل اللي ممكن يحتاجوها في العرض النهائي.
بسنت وهي بتبص للشاشة:
ـ أنا حاسة إن الجزء بتاعي أسهل منكم.
ميار من غير ما ترفع عينها:
ـ استني لما تيجي تعملي العرض.
ـ لأ، أنا موهوبة.
وتين ضحكت.
ـ كملي بس شغلك يا موهوبة.
بسنت ابتسمت ورجعت للشاشة.
مر حوالي ساعتين...
والمرسم بدأ يهدى.
مفيش غير صوت الكتابة على الكيبورد، وتقليب الورق، وصوت الأقلام وهي بتتحرك على الرسومات.
وتين كانت مركزة جدًا.
كل شوية تعمل تعديل صغير.
ميار تبص على التعديل.
وتقول:
ـ كده أفضل.
وتين:
ـ أيوة.
ـ بس هنا محتاجين نراجع الحسابات.
ـ هراجعها بعد ما أخلص الجزء ده.
ميار هزت رأسها.
ـ تمام.
في نفس الوقت...
في شركة الألفي...
كان الوضع مختلف تمامًا.
من ساعة ما زياد سافر، الشركة فقدت الشخص اللي كان ماسك كل التفاصيل بنفسه.
مازن كان قاعد في مكتب الإدارة، قدامه مجموعة ملفات.
واحد ورا التاني.
عملاء.
عقود.
مشروعات متوقفة.
وحسابات محتاجة مراجعة.
دخل معتز.
في إيده ملف.
ـ مازن.
رفع مازن عينه.
ـ إيه؟
ـ العميل بتاع مشروع المدينة سأل عن زياد.
مازن سكت.
ـ قولتله إيه؟
ـ قولت إن الإدارة الحالية بتراجع المشروع.
مازن تنهد.
ـ كويس.
حط الملف قدامه.
ـ وفيه إيه تاني؟
معتز:
ـ اتنين من العملاء طلبوا تأجيل الاجتماعات.
مازن:
ـ ليه؟
ـ قلقانين من وضع الشركة.
سكت مازن.
كان عارف إن الموضوع بدأ يكبر.
الشركة كانت قوية.
لكن اسم زياد كان مرتبط بيها بشكل كبير.
غيابه بدأ يظهر.
مش في الشغل بس...
لكن في ثقة العملاء.
معتز:
ـ لازم نعمل حاجة.
مازن:
ـ عارف.
ـ طيب هنعمل إيه؟
مازن بص للملفات.
ـ هنشتغل.
معتز:
ـ بس ده مش كفاية.
مازن رفع عينه.
ـ عارف.
سكت لحظة.
ـ عشان كده لازم نثبت إن الشركة تقدر تكمل من غير زياد.
معتز:
ـ وإزاي؟
مازن:
ـ بالمشروعات اللي لسه شغالة.
فتح ملف قدامه.
ـ لو قدرنا نخلصها في معادها، محدش هيقدر يقول إن الشركة وقفت بعد سفره.
معتز هز رأسه.
ـ وأنا معاك.
في اللحظة دي...
دخل حامد الألفي.
الاتنين وقفوا.
حامد:
ـ اقعدوا.
قعد قدامهم.
وبص للملفات.
ـ الوضع إيه؟
مازن:
ـ مش أفضل حاجة.
حامد:
ـ عايز الحقيقة.
معتز بص لمازن.
وبعدين قال:
ـ في ضغط.
حامد:
ـ منين؟
مازن:
ـ العملاء.
ـ كام عميل؟
ـ مش كتير.
حامد:
ـ بس؟
مازن سكت.
حامد بصله.
ـ في إيه تاني؟
مازن:
ـ الشركة محتاجة زياد.
ساد الصمت.
الجملة كانت تقيلة.
حامد نزل عينه على المكتب.
ـ عارف.
معتز:
ـ بس إحنا هنحاول نغطي غيابه.
حامد رفع عينه.
ـ مش تحاولوا.
سكت.
ـ اعملوا.
مازن هز رأسه.
ـ حاضر.
حامد قام.
وقبل ما يخرج...
وقف لحظة.
ـ وأي قرار كبير يخص الشركة...
بص لمازن.
ـ بلغني.
مازن:
ـ حاضر.
خرج حامد.
فضل معتز ومازن ساكتين.
معتز:
ـ أول مرة أحس إن الموضوع تقيل بالشكل ده.
مازن:
ـ هو تقيل.
ـ بس هنعديه.
مازن بص للباب اللي خرج منه حامد.
ـ لازم.
...
في قسم المنشآت...
كانت وتين خلصت جزء كبير من التصميم.
بصت لميار.
ـ إيه رأيك؟
ميار قربت من اللابتوب.
ـ استني.
راجعت التفاصيل واحدة واحدة.
وبعدين قالت:
ـ كده أفضل بكتير.
وتين ابتسمت.
ـ أنا حاسة إن المشروع بدأ ياخد شكل.
ميار:
ـ وأنا كمان.
بصت للرسومات.
ـ بس لسه قدامنا كتير.
وتين:
ـ عارفة.
ـ وإنتِ مستعدة؟
وتين ضحكت.
ـ إحنا بدأنا خلاص.
ميار:
ـ يبقى نكمل.
في الناحية التانية...
كانت بسنت خلصت أول جزء من العرض.
قامت من مكانها.
ـ أنا خلصت.
وتين بصتلها.
ـ ورينا.
بسنت قربت اللابتوب منهم.
بدأت تعرض اللي عملته.
ميار:
ـ حلو.
وتين:
ـ حلو جدًا.
بسنت ابتسمت بفخر.
ـ قولتلكم.
ـ بس...
بسنت وقفت.
ـ بس إيه؟
وتين:
ـ محتاجين نخليه أبسط.
ـ ليه؟
ـ عشان اللي هيشوف العرض يفهم المشروع من أول مرة.
بسنت فكرت شوية.
ـ عندك حق.
رجعت قعدت.
ـ هعدله.
ميار:
ـ كده الفريق شغال.
بسنت:
ـ طبعًا.
وتين ابتسمت.
لأول مرة من فترة...
حاسّة إن حاجة بتتبني قدامها.
مش مجرد مشروع جامعة.
لكن حاجة ممكن يكون ليها تأثير حقيقي.
...
في شركة الألفي...
كان مازن في اجتماع مع مجموعة من الموظفين.
مازن:
ـ كل مشروع شغال لازم يتراجع.
واحد من الموظفين:
ـ حتى المشروعات اللي لسه في أولها؟
ـ كلها.
ـ ومواعيد التسليم؟
ـ مفيش تغيير.
موظف تاني:
ـ بس الضغط كبير.
مازن:
ـ عارف.
سكت لحظة.
ـ بس الشركة مش هتقف.
الكل بدأ يكتب الملاحظات.
مازن كمل:
ـ وكل قسم يرفع تقريره آخر اليوم.
ـ حاضر.
انتهى الاجتماع.
خرج الموظفين.
دخل معتز.
ـ شددت عليهم أوي.
مازن:
ـ لو سيبنا الأمور تمشي لوحدها، الوضع هيخرج من إيدنا.
معتز:
ـ وأنت شايف إن ده هيكفي؟
مازن:
ـ مش عارف.
ـ دي أول مرة تقولها.
مازن ابتسم ابتسامة صغيرة.
ـ عشان أول مرة فعلًا مش عارف.
سكتوا.
ثم قال معتز:
ـ بس زياد كان هيعرف.
مازن بصله.
ـ عارف.
ـ وحشني وجوده.
مازن:
ـ كلنا.
...
في ألمانيا...
كان زياد في المكتب.
قدامه التصميم اللي اشتغل عليه.
دانيال دخل.
ـ خلصت؟
زياد:
ـ تقريبًا.
دانيال قرب.
بص للتصميم.
ـ ممتاز.
زياد:
ـ محتاج تعديل هنا.
أشار لنقطة.
دانيال:
ـ سيبها.
ـ ليه؟
ـ العميل عايز الشكل ده.
زياد سكت.
وبعدين قال:
ـ تمام.
دانيال ابتسم.
ـ بتتعلم.
زياد:
ـ في إيه؟
ـ إن مش كل حاجة لازم تكون على مزاجك.
ضحك زياد.
ـ يمكن.
دانيال خرج.
رجع زياد للكمبيوتر.
كان شغله بيتقدم.
خطوة ورا خطوة.
من غير اسم الألفي.
من غير مساعدة من عيلته.
وكان ده بالضبط اللي هو محتاجه.
لكن رغم كل تركيزه...
كان في جزء منه لسه في مصر.
مع شركته.
مع أهله.
ومع الناس اللي سابهم.
فتح موبايله.
بص على قائمة الأسماء.
وقف عند اسم مازن.
فكر يتصل.
لكن في الآخر...
قفل الموبايل.
وقال لنفسه:
ـ لازم يتعودوا من غيري.
...
في مصر...
الساعة قربت على نهاية يوم العمل.
مازن كان لسه في مكتبه.
ومعتز دخل عليه.
ـ خلصنا تقارير النهارده.
مازن:
ـ والنتيجة؟
ـ في تحسن بسيط.
رفع مازن عينه.
ـ بسيط؟
ـ أيوة.
ـ كويس.
معتز ابتسم.
ـ يعني الشركة لسه واقفة.
مازن:
ـ الشركة مش هتقع.
سكت لحظة.
ـ حتى لو زياد بعيد.
في نفس اللحظة...
دخل حامد.
كان ماسك ملف.
حطه على المكتب.
ـ ده تقرير آخر المشروعات.
مازن أخده.
بص فيه.
حامد:
ـ في حاجة مهمة.
مازن:
ـ إيه؟
ـ المشروع اللي شغال عليه فريق الجامعة.
معتز قرب.
ـ فريق وتين؟
حامد:
ـ أيوة.
فتح الملف.
ـ الإدارة شايفة إن التصميم اللي هيشتغلوا عليه ممكن يكون له تأثير على المشروع الأساسي.
مازن:
ـ يعني لو نجح...
حامد:
ـ الشركة تستفيد.
معتز:
ـ وده هيساعدنا.
حامد:
ـ جدًا.
سكت.
ثم قال:
ـ عشان كده عايز المشروع ده يتاخد بجدية.
مازن:
ـ هنخليه أولوية.
حامد هز رأسه.
ـ كويس.
خرج.
فضل مازن ومعتز باصين للملف.
معتز:
ـ وتين وميار وبسنت بقوا جزء مهم من خطة الشركة.
مازن:
ـ أيوة.
قفل الملف.
ـ وعلينا نخليهم يشتغلوا براحتهم.
...
في اليوم التالي...
وصلت وتين وميار وبسنت الشركة لأول مرة ضمن فترة العمل على المشروع.
دخلوا من البوابة.
وتين بصت للمبنى.
نفس المكان اللي كان زياد بيشتغل فيه.
نفس الشركة.
لكن صاحبه مش موجود.
ميار:
ـ يلا.
وتين هزت رأسها.
دخلوا.
استقبلهم موظف من الإدارة.
ـ آنسات وتين وميار وبسنت؟
بسنت:
ـ أيوة.
ـ اتفضلوا.
طلعوا للدور المخصص لهم.
وفي طريقهم...
عدوا قدام مكتب زياد.
وتين وقفت لحظة.
بصت للباب.
كان مقفول.
ميار لاحظت.
ـ وتين؟
رفعت عينها.
ـ جاية.
وكملت معاهم.
من غير ما تعرف...
إن في نفس اللحظة...
كان اسم زياد لسه موجود على باب المكتب.
لكن صاحبه...
كان بيبدأ حياة جديدة على بعد آلاف الكيلومترات.
وكانت الشركة كلها بتحاول تثبت إنها قادرة تكمل.
خطوة...
وراء خطوة.
من غير ما حد يعرف...
إلى أي مدى هتوصلهم الأيام الجاية.

بعد ما دخلت وتين وميار وبسنت الدور المخصص ليهم، كان في انتظارهم واحد من مهندسي الشركة.
ـ أهلًا بيكم.
وتين: ـ أهلًا.
ـ أنا المهندس المسؤول عن متابعة المشروع معاكم.
مد إيده بالملف.
ـ ده آخر إصدار من المخططات اللي وصلنا من الإدارة.
وتين أخدت الملف.
فتحته.
ميار قربت منها.
وبسنت وقفت وراهم.
بدأت وتين تقلب الصفحات واحدة واحدة.
لحد ما وقفت فجأة.
ـ استنى...
المهندس بص لها.
ـ في إيه؟
وتين أشارت لجزء في المخطط.
ـ الجزء ده اتغير؟
ـ أيوة.
ـ إمتى؟
المهندس فكر لحظة.
ـ من فترة.
وتين بصت للرسمة تاني.
ـ بس النسخة اللي عندنا في الجامعة مختلفة.
المهندس: ـ طبيعي، دي نسخة أقدم.
وتين سكتت.
رجعت تقلب في الملف.
ـ مين عمل التعديل ده؟
المهندس: ـ كان ضمن التعديلات الأخيرة.
ـ باسم مين؟
سكت الرجل لحظة.
ـ مش مكتوب هنا.
ميار بصت لتين.
وتين قفلت الملف بهدوء.
ـ تمام.
المهندس: ـ في حاجة؟
ـ لأ.
ابتسمت ابتسامة بسيطة.
ـ بس محتاجة أشوف كل النسخ القديمة قبل ما نبدأ.
المهندس هز رأسه.
ـ هطلبهالك.
ـ شكرًا.
خرج المهندس.
بسنت بصت لتين.
ـ إنتِ ليه فجأة بقيتي محققة؟
وتين ضحكت.
ـ مش محققة.
ميار: ـ بس فعلًا الموضوع غريب.
ـ إزاي؟
ـ إن يكون عندنا نسخة، والشركة عندها نسخة مختلفة.
وتين: ـ عشان كده لازم نفهم الأول.
بسنت: ـ وإحنا مش جايين نصلح المشروع؟
وتين: ـ جايين.
سكتت لحظة.
ـ بس مينفعش نصلح حاجة وإحنا مش فاهمين اتعملت إزاي.
ميار هزت رأسها.
ـ عندك حق.
في الناحية التانية من الشركة...
كان مازن خارج من اجتماع طويل.
قابل حامد في الممر.
حامد: ـ الفريق وصل؟
مازن: ـ أيوة.
ـ قابلتهم؟
ـ لسه.
حامد: ـ تابعهم كويس.
مازن: ـ حاضر.
حامد وقف لحظة.
ـ المشروع ده مهم يا مازن.
ـ عارف.
ـ مش للشركة بس.
بصله مازن باستغراب.
لكن حامد كمل طريقه من غير ما يشرح.
فضل مازن واقف مكانه ثواني.
وبعدين دخل ناحية قسم المنشآت.
من بعيد شاف وتين وميار وبسنت.
وقف لحظة.
ثم كمل طريقه.
في نفس الوقت...
كانت وتين بتفتح أول نسخة من المخططات القديمة.
ظهرت قدامها الرسومات.
بصت لها بتركيز.
ميار: ـ لقيتي حاجة؟
وتين: ـ مش عارفة.
كبرت الرسم.
ـ بس في اختلاف هنا.
ميار قربت.
ـ فين؟
وتين أشارت للجزء السفلي.
ـ هنا.
ـ إيه؟
ـ النسخة القديمة كانت فيها دعامة إضافية.
ميار: ـ والنسخة الجديدة؟
ـ اتشالت.
سكتوا.
بسنت قربت منهم.
ـ وده معناه إيه؟
وتين: ـ لسه معرفش.
فضلت باصة للرسم.
ـ بس مش هغير أي حاجة قبل ما أعرف ليه اتشالت.
في اللحظة دي...
دخل مازن.
ـ مساء الخير.
التلاتة ردوا.
مازن: ـ أخبار الشغل؟
بسنت: ـ بدأنا.
مازن بص للمخططات.
ـ محتاجين أي حاجة؟
وتين رفعت عينيها.
ـ أيوة.
ـ إيه؟
ـ كل النسخ القديمة للمشروع.
مازن سكت ثانية.
ثم قال:
ـ هتحتاجوها ليه؟
وتين: ـ عشان نفهم التعديلات اللي حصلت.
مازن بص للرسمة.
ثم رجع بص لها.
ـ هتوصلكم.
وتين: ـ شكرًا.
مازن هز رأسه.
وقبل ما يخرج...
بص للمخطط مرة أخيرة.
كان عارف إن الدعامة دي...
اتشالت من المشروع من سنين.
وعارف بالضبط ليه.
لكن اللي مكنش يعرفه...
إن وتين بدأت تلاحظ حاجات المفروض محدش يلاحظها.
خرج من الغرفة.
وسحب موبايله.
فتح رسالة جديدة.
كتب:
"بدأوا يراجعوا النسخ القديمة."
فضل باصص للشاشة.
ثم أضاف:
"وتين بالذات مركزة جدًا."
ضغط إرسال.
وفي مكان آخر داخل الشركة...
وصلت الرسالة.
لكن الرد مكانش طويل.
كلمة واحدة فقط:
"خليها تكمل."
على غير ميعاد
الفصل الثاني والعشرون

بعد مرور ستة أشهر على سفر زياد...

كانت الحياة اتغيرت بشكل كبير.

مش بشكل مفاجئ.

لكن بالتدريج.

شركة الألفي اللي كانت في أول أيام سفر زياد بتواجه ضغط كبير، بدأت تستعيد توازنها.

المشروعات رجعت تتحرك.

العملاء اللي كانوا مترددين بدأوا يرجعوا.

والشركة بدأت تثبت من جديد إنها مش متوقفة على شخص واحد.

لكن رغم كل ده...

كان فيه مكان فاضي.

مكتب زياد.

لسه زي ما هو.

مفيش حد أخده.

مفيش حد غير ترتيب المكتب.

حتى الملفات القديمة كانت في أماكنها.

مازن كان أحيانًا يدخل المكتب، يقعد شوية، يراجع حاجة، وبعدين يخرج.

ومعتز كان بيعمل نفس الحاجة.

لكن محدش كان بيقعد فيه لفترة طويلة.

كأنهم كلهم كانوا مستنيين صاحبه يرجع.

في يوم من الأيام...

كان مازن واقف قدام شاشة كبيرة في قاعة الاجتماعات.

قدامه مجموعة من الموظفين.

مازن:

ـ المشروع اتراجع بالكامل.

واحد من الموظفين:

ـ والنتيجة؟

ـ كويسة.

فتح ملف جديد.

ـ والأرقام أحسن من الشهر اللي فات.

معتز ابتسم.

ـ كده الشركة بتتحسن فعلًا.

مازن:

ـ أيوة.

ثم سكت لحظة.

ـ بس لسه عندنا شغل كتير.

حامد كان قاعد في آخر القاعة.

بيسمع من غير ما يتكلم.

ولما الاجتماع خلص...

قام.

ـ مازن.

ـ أيوة؟

ـ كملوا بنفس الشكل.

مازن:

ـ حاضر.

حامد خرج.

لكن قبل ما يبعد...

وقف لحظة.

بص ناحية مكتب زياد.

وبعدين كمل طريقه.

...

في الناحية التانية من الشركة...

كانت وتين وميار وبسنت لسه مستمرين في شغلهم.

المشروع اللي بدأوه من ستة شهور كان خلص.

والنتيجة كانت أفضل مما توقعوا.

وتين دخلت قسم المنشآت بشكل أكبر.

بقت بتتعامل مع مشروعات حقيقية.

ميار بقت جزء أساسي من الفريق.

وبسنت بدأت تاخد شغل أكتر في قسم الديكور.

التلاتة كانوا بيتغيروا.

بس مع بعض.

في يوم...

كانت بسنت قاعدة قدام الكمبيوتر.

ـ أنا تعبت.

ميار:

ـ لسه بدري.

ـ بدري إيه؟

ضحكت.

ـ أنا بقالي أربع ساعات قاعدة.

وتين:

ـ وإحنا بقالنا ستة.

بسنت بصتلها.

ـ عشان كده إنتِ مش طبيعية.

ضحكوا.

ميار بصت لتين.

ـ إنتِ ناوية تكملي هنا بعد التخرج؟

وتين سكتت لحظة.

بصت للمخططات قدامها.

ـ مش عارفة.

بسنت:

ـ يعني إيه مش عارفة؟

ـ يمكن.

ـ يمكن إيه؟

وتين ابتسمت.

ـ يمكن أكمل.

ميار:

ـ أنا شايفة إن مكانك هنا.

وتين:

ـ لسه بدري.

بسنت:

ـ مفيش بدري.

ـ لما تلاقي حاجة بتحبيها، متسيبيهاش.

وتين بصت لها وابتسمت.

ـ عندك حق.

...

في ألمانيا...

كان زياد واقف في نفس المكتب الصغير اللي بدأ فيه من ستة شهور.

لكن المكان مبقاش غريب.

بقى جزء من حياته.

الكمبيوتر اتغير.

المكتب اتغير.

حتى طريقته في الشغل اتغيرت.

بقى عنده مشروعات باسمه.

مشروعات صغيرة في البداية...

وبعدين أكبر.

دانيال دخل عليه.

ـ عندي خبر.

زياد رفع عينه.

ـ إيه؟

ـ العميل وافق على المشروع الجديد.

ابتسم زياد.

ـ أخيرًا.

دانيال:

ـ وكمان طلب إنك تكون المسؤول عن المرحلة الجاية.

زياد:

ـ تمام.

دانيال بصله.

ـ أنت اتغيرت.

زياد ضحك.

ـ للأسوأ؟

ـ بالعكس.

سكت لحظة.

ـ بقيت أهدى.

زياد بص للشاشة.

ـ يمكن عشان بقيت عارف أنا عايز إيه.

دانيال:

ـ وعايز إيه؟

زياد سكت.

وبعدين قال:

ـ أبني نفسي.

دانيال ابتسم.

ـ وده اللي بتعمله.

...

في مصر...

كانت وتين خارجة من الشركة مع ميار وبسنت.

بسنت:

ـ ناكل؟

ميار:

ـ كالعادة.

وتين ضحكت.

ـ إنتِ مبتفكريش غير في الأكل.

ـ دي طاقة الشغل.

ميار:

ـ طب يلا.

مشيوا التلاتة مع بعض.

كانوا بيتكلموا ويضحكوا.

حياة بسيطة.

هادية.

وكل واحدة فيهم كانت فاكرة إن الأيام الجاية هتفضل شبه كده.

لكن...

في يوم واحد...

كل حاجة اتغيرت.

...

كان الصبح عادي جدًا.

وتين كانت في الكلية.

قاعده قدامها أوراق.

موبايلها كان على الترابيزة.

رن.

بصت للشاشة.

رقم من البيت.

ردت.

ـ ألو؟

سكتت.

الصوت اللي على الناحية التانية كان متردد.

ـ وتين...

ـ أيوة؟

سكت لحظة.

ـ تعالي البيت.

وتين عقدت حواجبها.

ـ في إيه؟

مفيش رد.

ـ بابا فين؟

الصوت اتغير.

ـ تعالي بس.

ـ في إيه يا حازم؟

سكت.

ثم قال بصوت مكسور:

ـ ماما...

وتين وقفت.

ـ مالها؟

صمت طويل.

ـ ماما ماتت.

كل حاجة حواليها اختفت.

الصوت.

الناس.

الكلية.

حتى نفسها.

فضلت ماسكة الموبايل.

مش قادرة تتكلم.

ـ وتين؟

مردتش.

ـ وتين، إنتِ سامعاني؟

نزلت الموبايل من إيدها.

وبصت قدامها.

دموعها نزلت من غير ما تحس.

ميار كانت أول واحدة لاحظت.

قربت منها.

ـ وتين؟

وتين بصتلها.

لكن مفيش كلمة خرجت.

بسنت قامت بسرعة.

ـ في إيه؟

وتين حاولت تتكلم.

صوتها خرج ضعيف جدًا.

ـ ماما...

سكتت.

وبعدين قالت:

ـ ماتت.

ميار اتجمدت.

بسنت حطت إيدها على بوقها.

ـ إيه؟

وتين بدأت تبكي.

المرة دي...

من غير ما تحاول تمنع نفسها.

ميار حضنتها.

بسنت قربت منهم.

ومحدش عرف يقول حاجة.

...

من اليوم ده...

وتين اختفت.

من الكلية.

من الشركة.

من كل حاجة.

الأيام الأولى كانت كلها بيت وعزاء وناس داخلة وناس خارجة.

وبعدها...

بدأ البيت يهدى.

لكن وتين مكانتش بتهدى.

كانت بتقعد بالساعات في أوضتها.

تبص لحاجات أمها.

هدومها.

صورتها.

الحاجات الصغيرة اللي كانت بتستخدمها كل يوم.

كل حاجة كانت بتفكرها بيها.

وفي يوم...

دخل عليها أبوها.

علي:

ـ وتين.

مردتش.

قعد جنبها.

ـ حبيبتي.

فضلت ساكتة.

ـ عارف إنك موجوعة.

نزلت دموعها.

ـ مش عايزة أرجع.

ـ للكلية؟

هزت رأسها.

ـ ولا الشركة.

علي:

ـ ليه؟

وتين:

ـ مش قادرة.

سكت.

ـ كل حاجة كانت ماما عارفاها.

بصت قدامها.

ـ كانت بتسألني عن الكلية.

ـ عن شغلي.

ـ عن صحابي.

صوتها اتكسر.

ـ دلوقتي هعمل كل ده لمين؟

علي قرب منها.

ـ اعملي لنفسك.

وتين:

ـ مش قادرة.

حط إيده على كتفها.

ـ مش لازم دلوقتي.

سكت لحظة.

ـ خدي وقتك.

...

ميار وبسنت حاولوا يتواصلوا معاها.

رسائل.

مكالمات.

زيارات.

لكن وتين كانت بتبعد.

مش لأنها مش بتحبهم.

لكن لأنها مكانتش قادرة تتعامل مع أي حد.

بسنت بعتت لها رسالة:

"أنا مش هضغط عليكي، بس أنا موجودة."

ميار بعتت بعدها:

"خدي وقتك، وإحنا مستنيينك."

وتين قرأت الرسالتين.

فضلت باصة للشاشة.

لكنها مردتش.

...

في شركة الألفي...

وصل لمازن خبر غياب وتين.

معتز:

ـ وتين مش هترجع الفترة دي.

مازن:

ـ عرفت.

ـ حصل لها ظرف كبير.

مازن سكت.

ـ خلي مكانها محفوظ.

معتز:

ـ أكيد.

ـ ولما تكون جاهزة ترجع، ترجع.

...

مر شهر.

ثم شهرين.

وتين لسه غايبة.

الدراسة كملت.

المشروعات كملت.

الشركة كملت.

لكن مكانها فضل موجود.

ميار كانت بتشتغل.

بسنت كانت بتشتغل.

لكن كل واحدة فيهم كانت بتحس إن فيه حاجة ناقصة.

في يوم...

كانت بسنت قاعدة جنب ميار.

ـ وحشتني.

ميار عرفت تقصد مين.

ـ وأنا.

ـ نفسي ترجع.

ـ هترجع.

بسنت:

ـ إمتى؟

ميار بصت قدامها.

ـ لما تكون جاهزة.

...

مر الوقت.

وتين بدأت ترجع للحياة ببطء.

مش زي الأول.

لكن بدأت.

بدأت تخرج من البيت.

وبعدين رجعت تكمل دراستها.

لكنها مكنتش زي وتين القديمة.

بقت أهدى.

أقل كلامًا.

وأكتر انعزالًا.

رجعت للكلية...

لكن علاقتها بالشغل في الشركة اتغيرت.

قررت توقف الفترة دي.

قالت لنفسها إنها محتاجة تبعد عن كل حاجة تفكرها بالأيام اللي فاتت.

ميار وبسنت احترموا قرارها.

ومحدش ضغط عليها.

...

في ألمانيا...

كان زياد واقف قدام مشروع جديد.

ست شهور عدوا عليه.

وهو كل يوم بيبني حاجة جديدة.

وفي يوم...

دانيال قال له:

ـ عندي عرض.

زياد:

ـ إيه؟

ـ الشركة عايزاك تمسك مشروع أكبر.

زياد ابتسم.

ـ أكبر قد إيه؟

دانيال:

ـ كبير كفاية يخليك تنسى إنك بدأت من مكتب صغير.

ضحك زياد.

ـ أنا مش ناسي.

دانيال:

ـ واضح.

زياد بص للشاشة.

ـ أنا لسه في البداية.

...

ومرت الأيام.

الشهور.

والسنين.

الحياة مشت في طرق مختلفة.

زياد في ألمانيا...

بنى نفسه.

كبر شغله.

وبقى اسمه معروف في مجاله من غير ما يعتمد على اسم عيلته.

شركة الألفي في مصر...

رجعت أقوى.

مازن ومعتز بقوا ماسكين جزء كبير من الإدارة.

حامد فضل موجود.

وعمر الصياد فضل قريب من الشركة.

أما وتين...

فكانت بتبني نفسها من جديد بعيد عن كل شيء.

ميار وبسنت كملوا طريقهم.

لكن صداقتهم مع وتين فضلت موجودة...

حتى لو بشكل مختلف.

...

ثلاث سنوات مرت.

ثلاث سنوات كاملة.

ثلاث سنوات من غير ما أي حد فيهم يعرف إن الأيام الجاية...

هتجمع طرق اتفرقت من زمان.

في صباح جديد...

كانت مصر مختلفة.

وشركة الألفي أكبر.

أقوى.

وأكثر استقرارًا.

مازن دخل مكتب الإدارة.

حط ملف على المكتب.

معتز:

ـ إيه ده؟

مازن:

ـ مشروع جديد.

ـ كبير؟

مازن ابتسم.

ـ كبير جدًا.

في الناحية التانية...

كانت بسنت واقفة قدام مراية مكتبها.

بصت لنفسها.

ثلاث سنين غيروا حاجات كتير.

لكنها لسه محتفظة بنفس روحها.

ميار دخلت.

ـ جاهزة؟

بسنت:

ـ دايمًا.

ميار:

ـ يلا.

خرجوا مع بعض.

وفي مكان تاني...

كانت وتين واقفة قدام الشباك.

ثلاث سنين عدوا.

لكن بعض الذكريات...

لسه مكانها.

بصت لصورة قديمة على الترابيزة.

صورة تجمعها بوالدتها.

لمست الصورة بإيدها.

وابتسمت ابتسامة صغيرة.

ـ وحشتيني.

ثم سابت الصورة.

وأخذت مفاتيحها.

وخرجت.

أما في ألمانيا...

كان زياد واقف في مكتب كبير.

قدامه مجموعة من الموظفين.

الاسم المكتوب على باب المكتب...

مكنش "الألفي".

كان اسم جديد.

اسمه هو.

زياد بص للشاشة.

ثم للموظفين.

وقال:

ـ نبدأ.

ثلاث سنوات...

غيرت كل واحد فيهم.

لكن محدش كان يعرف...

إن الصدفة اللي جمعتهم في البداية...

كانت لسه مخبية لهم ميعاد جديد.

تعليقات



<>