رواية علي غير ميعاد الفصل الخامس5 والسادس6 بقلم هبه الفحام

رواية علي غير ميعاد الفصل الخامس5 والسادس6 بقلم هبه الفحام
بعض الأشخاص... أول ظهور ليهم في حياتنا بيبقى عادي جدًا، لكن مع الوقت بنكتشف إنه كان بداية حكاية كاملة."

من أول ما دخلت وتين الجامعة، وهي حاسة إن الجو مختلف.

المدرجات مليانة همس.

الطلبة كلهم لابسين شيك على غير العادة.

حتى الدكاترة باين عليهم اهتمام زيادة.

وقفت بسنت جنبها وهي بتبص حواليها.

- هو في إيه النهارده؟ حاسة إننا داخلين مؤتمر مش جامعة.

ضحكت ميار.

- ما هو تقريبًا مؤتمر فعلًا.

وتين عدلت شنطتها على كتفها.

- المهم نركز في مشاريعنا.

بصتلها بسنت وضحكت.

- انتي مستحيل تتغيري.

...

بعد أقل من نص ساعة...

كان كل الطلبة المشاركين في المسابقة موجودين داخل قاعة العرض.

المجسمات مترتبة على الترابيزات.

والرسومات متعلقة بعناية.

كل واحد واقف جنب مشروعه.

بعضهم بيحاول يراجع آخر ملاحظاته.

وبعضهم من التوتر مش عارف يقف ثابت.

أما وتين...

كانت راكعة على الأرض، بتثبت جزء صغير في المجسم بتاعها.

خصلة من شعرها كانت نازلة على وشها، وهي كل شوية تبعدها بإيدها من غير ما ترفع عينيها.

بسنت همست:

- يا بنتي ارفعي راسك شوية.

- استني... الجزء ده لو مال هيبوظ كل حاجة.

في نفس اللحظة...

دخل الدكتور المسؤول.

- يا جماعة...

القاعة كلها سكتت.

- اللجنة وصلت.

ثواني...

وباب القاعة اتفتح.

دخل الأول اتنين من مهندسي شركة الألفي.

وبعدهم شاب طويل، لابس بدلة رمادي غامق، وقميص أبيض من غير أي مبالغة.

خطواته كانت هادية...

لكن مجرد دخوله خلّى القاعة كلها تسكت.

الدكتور اتقدم بابتسامة.

- نورتنا يا باشمهندس زياد.

صافحه بهدوء.

- الشرف ليا يا دكتور.

صوته كان هادي وواثق.

لا عالي...

ولا فيه استعراض.

مجرد شخص متعود الناس تسمعه.

وراه كان ماشي معتز ومازن.

معتز بص للطلبة وابتسم.

- واضح إن الكل متوتر.

ضحك كام طالب بخفة.

أما زياد...

فكانت عينه بتلف على المشاريع.

مش على أصحابها.

كان بيبص لكل تفصيلة.

لكل مجسم.

لكل لوحة.

وكأنه بيدور على فكرة...

مش شخص.

...

وقفت ميار مكانها وهي بتحاول ترتب شعرها بسرعة.

وبصتلها بسنت بطرف عينها وهمست:

- شكلك اتوترتي.

ابتسمت ميار بخجل.

- شوية.

أما وتين...

فكانت لسه مركزة في المجسم.

لسه مشافتش اللجنة أصلًا.

...

بدأت اللجنة تلف على المشاريع واحد واحد.

زياد كان بيسأل أسئلة قليلة.

لكن دقيقة.

أي طالب يجاوب إجابة سطحية...

كان يعرف على طول.

وأي حد فاهم مشروعه...

كان يسمعه للآخر.

لحد ما وصلوا قبل مشروع وتين بمكان واحد.

وقتها...

وقع قلم الرصاص من إيدها.

اتدحرج على الأرض...

لحد ما وقف عند حذاء أسود لامع.

مدت إيدها تاخده...

لكن إيد تانية كانت أسرع.

رفعت عينيها لأول مرة.

ولثانية...

اتقابلت عيونهم.

زياد كان ماسك القلم.

ناولّه لها بهدوء.

- اتفضلي.

أخدته بسرعة.

- شكرًا.

- العفو.

وكمّل طريقه، كأنه الموقف عادي جدًا.

وتين بصت له ثانيتين.

وبعدين بصت لبسنت وهمست:

- هو ده؟

هزت بسنت راسها بسرعة.

- أيوة...

زياد الألفي.

تنهدت وتين بهدوء.

- شكله هادي.

ابتسمت بسنت.

- وهيبته تخوف.

...

وقف زياد قدام مشروع الطالب اللي قبله.

سأله كذا سؤال.

وبعدين شكره وتحرك خطوة...

لحد ما بقى واقف قدام مجسم وتين.

رفع عينه للّوحة...

وبعدين للمجسم.

فضل ساكت.

ثانية...

واتنين...

وتلاتة.

لدرجة إن وتين بدأت تتوتر لأول مرة.

بص للورقة اللي عليها اسم المشروع.

ثم قرأ الاسم المكتوب في الركن الصغير.

"وتين علي."

رفع عينه عليها.

وقال بهدوء:

- المشروع ده بتاعك؟

هزت راسها.

- أيوة.

فضل باصص للمجسم لحظة.

ثم قال:

- اشرحيلي فكرتك.

أخدت نفس عميق...

وبدأت تتكلم.

ولأول مرة...

زياد الألفي...

كان بيسمع لطالبة، من غير ما يقاطعها بكلمة واحدة.

أما في آخر القاعة...

فكان عمر الصياد واقف بيتابع لجنة التحكيم بعد ما جه بدعوة من الجامعة بصفته ممثلًا لشركة الصياد في مشروع مشترك.

ابتسم وهو شايف زياد واقف قدام مشروع وتين.

وقال لنفسه بهدوء:

- واضح إن البداية هتبقى ممتعة.

على غير ميعاد
الفصل السادس

وقفت وتين قدام مشروعها، وهي حاسة إن كل الأصوات اللي حواليها اختفت.

رغم إن القاعة كانت مليانة طلبة ودكاترة ومهندسين، إلا إنها كانت حاسة إن تركيزها كله بقى في الشخص اللي واقف قدامها.

زياد الألفي.

كان ماسك ملف المشروع، وعينه بتتنقل بين الرسومات والمجسم.

ثواني طويلة مرت وهو ساكت.

وده كان كفيل يخلي أي حد يتوتر.

بصت وتين للمجسم، وبعدها رفعت عينيها له.

وأخيرًا قال بهدوء

اشرحيلي فكرتك.

أخدت نفس عميق.

في البداية كانت متوترة، لكن أول ما بدأت تتكلم عن التصميم... رجعت وتين اللي بتحب شغلها.

فكرة المشروع بدأت من سؤال بسيط...

سكتت لحظة وهي بتبص للمجسم.

هل المكان بيتصمم عشان شكله بس؟ ولا عشان الناس اللي هتعيش فيه؟

رفع زياد عينه لها باهتمام.

كملت:

أنا حاولت أعمل مجمع سكني مش مجرد مباني جنب بعض، لكن مكان الناس تحس فيه بالراحة والانتماء.

قرب زياد خطوة من المجسم.

وضحي أكتر.

أشارت وتين لأجزاء التصميم.

قسمت الوحدات بطريقة تخلي فيه خصوصية لكل أسرة، وفي نفس الوقت عملت مساحات مشتركة زي الحدائق والمناطق المفتوحة، لأن الإنسان محتاج مكان يعيش فيه مش بس مكان ينام فيه.

فضل ساكت وهو بيسمعها.

لم يقاطعها مرة واحدة.

وده خلّى وتين تكمل بثقة أكبر.

كمان اهتميت بالإضاءة الطبيعية والتهوية، لأن التصميم الناجح مش لازم يكون جميل بس، لازم يكون عملي ويوفر راحة للسكان.

بص زياد للوحة مرة تانية.

ليه اخترتي الألوان دي؟

ردت بسرعة:

لأن الألوان الهادية بتدي إحساس بالراحة، خصوصًا في الأماكن السكنية. أنا مكنتش عايزة أعمل تصميم ملفت للنظر بس، كنت عايزاه مريح للعين.

هز زياد رأسه قليلًا.

ولو العميل طلب منك تغيري جزء من التصميم لأنه شايف إن شكله مش مناسب؟

فكرت ثواني قبل ما ترد.

هسمع رأيه الأول، لأن التصميم في النهاية معمول عشان يخدم الشخص اللي هيستخدم المكان... لكن لو التغيير هيأثر على وظيفة المكان أو فكرته الأساسية، هشرحله السبب وأحاول أوصل لحل يناسبنا إحنا الاتنين.

لأول مرة ظهرت ابتسامة بسيطة على وجه زياد.

مش ابتسامة إعجاب شخصي...

لكن إعجاب بإجابة ذكية.

قال:

إجابة كويسة.

كتبت إحدى المهندسات الملاحظات في دفترها.

أما معتز فبص لمازن وهمس:

واضح إنها فاهمة هي بتعمل إيه.

رد مازن:

أيوة... مش مجرد طالبة عايزة تكسب.

رجع زياد يسألها:

إيه أكتر حاجة ممكن تواجه المشروع ده لو اتنفذ؟

ردت من غير تردد:

التكلفة.

رفع حاجبه.

ليه؟

لأن استخدام بعض الخامات اللي اخترتها ممكن يكون أغلى في البداية، لكن على المدى الطويل هيوفر في الطاقة والصيانة.

بصلها لحظة.

يعني انتي فكرتي في المستقبل؟

ابتسمت وتين.

أيوة... لأن المبنى مش بيخلص يوم ما يتبني، هو بيبدأ وقتها.

سادت لحظة صمت.

كانت جملة بسيطة...

لكنها خلت زياد يبص للمشروع مرة تانية باهتمام أكبر.

قفل الملف وقال:

شكرًا يا باشمهندسة وتين.

ابتسمت باحترام.

العفو.

تحرك زياد ناحية المشروع اللي بعده.

وكأن الحوار انتهى.

لكن بالنسبة لوتين...

كان كفاية إنها حسّت إن فكرتها وصلت.

مش إنها اتشافَت.

لكن شغلها هو اللي اتشاف.

...

بعد ما ابتعدت اللجنة، قربت بسنت منها بسرعة.

وتين!

بصتلها.

إيه؟

انتي كنتي بتتكلمي عادي كده إزاي؟

ضحكت وتين.

عادي إيه؟ أنا كنت بموت من التوتر.

لا والله، شكلك مكنش باين عليكِ.

جت ميار وهي مبتسمة.

بصراحة مشروعك قوي.

ابتسمت وتين.

شكرًا.

بجد، طريقة تفكيرك مختلفة.

ردت وتين:

كلنا تعبنا في مشاريعنا.

هزت ميار رأسها.

صح.

وكان واضح في صوتها إنها بتتكلم بصدق.

مش منافسة.

...

في آخر القاعة...

كانت عائشة واقفة تتابعهم.

من أول دخول اللجنة وهي حاسة إن كل الأنظار راحت ناحية وتين.

حتى زياد الألفي وقف عند مشروعها وقت أطول.

وده كان مضايقها.

قالت لنفسها:

دايمًا هي.

لكنها لم تكن تعرف...

إن الأيام القادمة هتخلي كل واحدة فيهم تمشي في طريق مختلف.

...

بعد انتهاء اليوم، خرجت وتين من الجامعة وهي شايلة رسوماتها.

كانت متعبة...

لكن سعيدة.

رن هاتفها.

نظرت للشاشة وابتسمت.

"ماما ❤️"

ردت بسرعة:

ألو يا ماما.

جالها صوت نادية بحنان:

طمنيني يا حبيبتي، اليوم كان عامل إيه؟

ابتسمت وهي ماشية.

كان طويل أوي... بس حلو.

لجنة التحكيم جات؟

أيوة.

وعملتي إيه؟

سكتت لحظة.

وبعدين قالت:

شرحت مشروعي.

ضحكت نادية.

يعني أكيد كنتي شاطرة.

ابتسمت وتين.

ادعيلي يا ماما.

ربنا يوفقك يا قلب أمك ويحققلك اللي نفسك فيه.

قفلت المكالمة وهي مبتسمة.

كانت فاكرة إن اليوم خلص هنا.

لكنها لم تكن تعرف...

إن اسمها بدأ يظهر في مكان مكنتش تتوقعه.

وإن الخطوة الصغيرة اللي حصلت النهارده...

كانت بداية لطريق طويل.

طريق مليان نجاح...
وتحديات...
ولقاءات لم تكن في الحسبان.

تعليقات



<>