
ساد الصمت داخل السيارة.
كان كل واحد غارق في أفكاره، وصوت المحرك هو الحاجة الوحيدة اللي بتكسر الهدوء.
زياد كان مركز في الطريق، لكن عقله كان بيرجع لكل كلمة قالها معتز.
"اللي بدأ الموضوع... مش يوسف."
يعني يوسف مجرد حلقة.
لكن مين أول واحد مد إيده على تصميم وتين؟
قبض على عجلة القيادة أكتر، وهو بيحاول يرتب كل الخيوط اللي قدامه.
أما وتين، فكانت قاعدة في المقعد الخلفي، حضنة شنطتها، وباصّة من الشباك.
من ساعة ما عرفت إن تصميمها اتسرق، وهي حاسة إن جزء من تعبها ضاع.
لكن رغم ده...
كان عندها يقين إن الحقيقة هتظهر.
قطع الصمت صوت مازن.
مازن: إحنا قربنا.
رفع زياد عينه، ووقف بالعربية قدام عمارة قديمة.
كانت العمارة هادئة بشكل غريب، والإضاءة فيها ضعيفة.
نزل التلاتة بسرعة.
وقبل ما يدخلوا، لقوا معتز واقف عند مدخل العمارة، وإيده في جيبه، وملامحه متوترة.
أول ما شافهم، اتحرك ناحيتهم.
معتز: اتأخرتوا.
زياد: في جديد؟
هز معتز رأسه.
معتز: الشقة قلبتها فوق تحت... بس لقيت حاجة غريبة.
بصتله وتين بترقب.
وتين: إيه هي؟
معتز أخرج الصورة اللي كان لاقيها، وناولها لزياد.
أخدها زياد وبص لظهرها.
الجملة المكتوبة كانت قصيرة...
لكن كفيلة تخلي أي حد يعيد حساباته.
"اللي بدأ الموضوع... مش يوسف."
مد مازن إيده وأخد الصورة.
فضل يبصلها ثواني.
مازن: واضح إن الرسالة مقصودة.
زياد: أو حد كان عايز يوجهنا لطريق معين.
وتين: يعني يوسف مكنش العقل المدبر؟
رد معتز بهدوء:
معتز: واضح إنه كان بينفذ أوامر وبس.
رفع زياد عينه ناحية باب الشقة.
زياد: ندخل.
طلعوا السلم في هدوء.
وقف معتز قدام الباب، وأخرجه مفتاح صغير أخده من صاحب العقار بعد ما عرفه إنه في تحقيق.
فتح الباب ببطء.
دخلوا واحد ورا التاني.
أول ما دخلت وتين، وقفت مكانها.
الشقة كانت شبه فاضية.
كنبة قديمة.
ترابيزة صغيرة.
دولاب مفتوح.
وهدوم مرمية على الأرض.
كأن صاحب المكان خرج في لحظة من غير ما يلحق يرتب أي حاجة.
بدأ زياد يلف بعينه في كل ركن.
خبرته كانت بتقوله إن أي تفصيلة ممكن تغير القضية كلها.
أما مازن، فاتجه ناحية المكتب الخشبي الموجود جنب الشباك.
فتح الأدراج واحد ورا التاني.
مفيش حاجة.
أوراق قديمة.
فواتير.
دفاتر.
لا شيء مهم.
في الناحية التانية، كانت وتين بتتأمل المكان.
وفجأة وقفت قدام حامل رسومات فاضي.
مدت إيديها ولمست التراب اللي عليه.
وتين: كان بيرسم...
بصلها زياد.
زياد: إيه اللي خلاكي تقولي كده؟
وتين: الحامل ده مستخدم من فترة قريبة... والتراب حواليه أقل من باقي الأثاث.
قرب زياد من الحامل، وبص له باهتمام.
لأول مرة...
لاحظ قد إيه البنت دي عينها دقيقة.
قال بهدوء:
زياد: ملاحظتك صح.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها اختفت بسرعة وهي فاكرة سبب وجودهم هنا.
في نفس اللحظة...
كان معتز بيفتش المكتبة الصغيرة.
شد كتاب، وبعده التاني.
لكن من غير فايدة.
أما مازن، فكان بيحاول يحرك المكتب من مكانه.
وفجأة...
وقف.
مازن: استنوا...
بصوا كلهم ناحيته.
انحنى وهو بيمرر صوابعه تحت الدرج الأخير.
مازن: الدرج ده...
مش طبيعي.
قرب زياد بسرعة.
وحاول يفتحه.
لكنه مرضيش يتحرك.
ركع زياد قدام المكتب، وبدأ يتفحص الدرج بهدوء.
مرر إيده على أطراف الخشب، وهو مركز في كل تفصيلة.
وفجأة...
سمع صوت "تك".
ضغط على جزء صغير ناحية اليمين.
وفي لحظة...
اتفتح درج رفيع كان مستخبي جوه المكتب.
بصوا الأربعة لبعض بدهشة.
معتز: أنا فتشت المكتب ده أكتر من مرة... إزاي مخدتش بالي؟
ابتسم زياد ابتسامة خفيفة.
زياد: اللي عمله، كان عارف يخبيه كويس.
مد إيده للدرج.
كان جواه فلاشة سوداء صغيرة...
وملف ورق متقفل بشريط مطاط.
أخد الفلاشة الأول.
مازن: معاك لاب؟
معتز: أيوة.
فتح اللاب توب بسرعة، ووصل الفلاشة.
ساد الصمت.
كلهم كانوا مستنيين اللي هيظهر.
ظهرت ملفات كتير.
أسماء مختلفة.
لكن ملف واحد لفت نظر زياد.
"WATEEN_FINAL.dwg"
قبضت وتين على إيدها.
وتين: ...ده اسم الملف بتاعي.
بصلها زياد.
زياد: متأكدة؟
هزت راسها بسرعة.
وتين: أنا اللي سميته كده... قبل ما أسلمه للدكتور.
فتح زياد الملف.
بدأ التصميم يظهر قدامهم.
كل التفاصيل...
كل الرسومات...
كل القياسات...
كانت مطابقة لتصميم وتين.
لكن المفاجأة...
كانت في تاريخ إنشاء الملف.
قبل تسليم المشروع بأسبوعين.
فتح زياد بيانات الملف.
وبعدين بص لوتين.
زياد: إمتى خلصتي التصميم؟
وتين: قبل التسليم بأسبوعين تقريبًا.
مازن قرب من الشاشة.
مازن: يعني التاريخ مطابق.
ابتسم زياد لأول مرة من ساعة ما بدأت الأزمة.
زياد: وده يثبت إن التصميم الأصلي بتاعك.
وقفت وتين مكانها وهي حاسة إن حمل كبير اتشال من على قلبها.
غمضت عينيها للحظة.
وأخدت نفس عميق.
وتين: الحمد لله...
قالها بصوت واطي...
لكن الكلمة وصلت لكل اللي في الأوضة.
ابتسم معتز.
معتز: أول نقطة اتحسمت.
قفل زياد الملف.
وبدأ يقلب في باقي الملفات.
لحد ما لقى ملف اسمه...
Transactions
فتحه.
ظهرت قدامه مجموعة تحويلات مالية.
كلها باسم يوسف مراد.
لكن اللي لفت انتباهه...
اسم الجهة اللي حولت الفلوس.
Future Vision للاستشارات الهندسية.
عقد مازن حواجبه.
مازن: هي دي شركة الصياد؟
هز زياد راسه بالنفي.
زياد: لأ.
معتز: ولا ليها أي علاقة بالألفي.
بصت وتين للشاشة.
وتين: يعني يوسف خد فلوس...
بس مش من شركة الصياد؟
زياد: بالظبط.
مازن فضل ساكت شوية.
وبعدين قال:
مازن: يبقى عمر مكنش هو اللي دفع.
أول مرة...
بدأت الشكوك تبعد عن عمر الصياد.
لكن في نفس الوقت...
فتحت باب سؤال أكبر.
مين صاحب الشركة دي؟
وليه مستخبي ورا اسمها؟
ساد الصمت من جديد.
وكان واضح...
إن كل إجابة بيلاقوها...
بتولد عشر أسئلة جديدة.
فضل معتز يقلب في الملفات واحد ورا التاني.
كل ملف كان بيجاوب على سؤال...
ويسيب وراه أسئلة أكتر.
وفجأة وقف.
معتز: استنوا...
قرب منه زياد.
زياد: في إيه؟
أشار معتز للشاشة.
كان فيه مجلد صغير اسمه:
Mail
فتحه بسرعة.
ظهر قدامهم مجموعة رسائل إلكترونية.
كلها متشفرة تقريبًا.
لكن آخر رسالة كانت محفوظة بصيغة PDF.
ضغط عليها.
ساد الصمت.
بدأت الكلمات تظهر على الشاشة.
"الملف وصل."
"أول ما تتأكد إنه في المكان المطلوب، هيتحول باقي المبلغ."
"وأوعى تجيب سيرتي لأي حد... لأنك أول واحد هتدفع التمن."
بصت وتين للشاشة بعدم استيعاب.
وتين: يعني... كان بيهدده؟
معتز: واضح كده.
مازن: والمرسل؟
فتح معتز بيانات الرسالة.
فضل يدور فيها ثواني.
وبعدين زفر بضيق.
معتز: إيميل وهمي.
زياد: يعني؟
معتز: متعمل مخصوص للمهمة دي... ومتمسح بعد الإرسال.
قبض زياد على فكه.
زياد: يعني الشخص ده مخطط لكل خطوة.
في اللحظة دي...
رن موبايل عمر الصياد.
بص للشاشة...
كان المتصل سكرتير الشركة.
رد بسرعة.
عمر: أيوة.
فضل ساكت وهو بيسمع.
وبعدين قال:
ابعتلي النسخة حالًا.
قفل المكالمة.
وبص لزياد.
عمر: في حاجة لازم تشوفها.
زياد: إيه؟
فتح عمر التابلت، وقلب كام صفحة.
وبعدين حطه قدامه.
كان عبارة عن نسخة من خطاب رسمي.
موجه لإدارة الجامعة.
زياد قرأ أول سطر.
واتغيرت ملامحه.
الخطاب كان بتاريخ قبل إعلان النتيجة بيومين.
ومكتوب فيه:
"نحيط سيادتكم علمًا بوجود تشابه واضح بين التصميم المقدم للمسابقة وأحد التصميمات المعروضة علينا، ونطلب مراجعة الأمر حفاظًا على نزاهة المسابقة."
رفع زياد عينه ببطء.
وبص لعمر.
زياد: إنت اللي بعت الخطاب ده؟
هز عمر رأسه.
عمر: أيوة.
مازن اتكلم بعدم تصديق.
مازن: يعني... إنت بنفسك اللي فتحت الموضوع؟
عمر: لو كنت أنا اللي سرقت التصميم...
كنت هبلغ الجامعة بإيدي؟
ساد الصمت.
الكلمة كانت منطقية.
لدرجة إن محدش عرف يرد.
بصت وتين لعمر لأول مرة بنظرة مختلفة.
يمكن كانت شايفاه منافس...
لكن دلوقتي بدأت تحس إن هو كمان اتورط في لعبة أكبر منه.
قطع الصمت صوت زياد.
زياد: يبقى الصورة وضحت.
بصوا كلهم له.
وقف في نص الأوضة، وقال بهدوء:
زياد: دلوقتي عندنا أربع حقايق.
رفع صوابعه وهو بيعد.
زياد: أولًا...
التصميم الأصلي بتاع وتين، وده اتثبت.
ثانيًا...
يوسف قبض فلوس مقابل تسليم الملف.
ثالثًا...
الفلوس مجتش من شركة الصياد.
رابعًا...
اللي بعت الفلوس مستخبي ورا شركة وهمية وإيميل وهمي.
سكت لحظة...
ثم كمل بنبرة حاسمة:
زياد: وده معناه...
إن يوسف مكانش صاحب الخطة.
كان مجرد وسيط.
وقبل ما حد يرد...
رن موبايل معتز.
بص للشاشة باستغراب.
رقم مجهول.
رد بحذر.
معتز: ألو؟
جاله صوت متغير، كأنه خارج من جهاز إلكتروني.
"بلاش تدوروا أكتر..."
اتجمد مكانه.
الصوت كمل:
"لأن اللي هيكمل في الطريق ده... هيندم."
وانقطع الخط.
نظر معتز لزياد.
كانت ملامحه لأول مرة...
بتحمل قلق حقيقي.
أما زياد...
فكان متأكد من حاجة واحدة.
إن اللي بدأ اللعبة...
لسه بيراقبهم.
يتبع...
ابتسم ابتسامة بسيطة.
زياد: يبقى فيه حاجة مستخبية.
جلس الجميع في صمت.
كان كل واحد بيحاول يستوعب اللي وصلوله.
قطع زياد الصمت، وقفل اللاب توب قدامه.
زياد: "كفاية لحد هنا."
بصله معتز باستغراب.
معتز: "هنعمل إيه؟"
زياد: "كل اللي لقيناه هيتسلم للجهات المختصة والجامعة."
مازن: "وده كفاية يثبت حق وتين."
هز زياد رأسه.
زياد: "وأي خطوة بعد كده هتبقى قانون."
تنهدت وتين وهي سندت ضهرها على الكرسي.
لأول مرة من أيام...
حست إن حمل كبير اتشال من فوق كتفها.
مكنتش فرحانة بقدر ما كانت مرتاحة.
كل اللي كانت عايزاه...
إن حد يصدقها.
وده حصل.
نظر لها زياد للحظة.
زياد: "حقك هيرجع."
رفعت عينيها ناحيته.
وتين: "أنا كنت واثقة."
ابتسم ابتسامة بسيطة.
زياد: "والواثق من شغله... عمره ما يخسر."
ساد الصمت بينهم.
لكن الصمت المرة دي...
مكنش مليان توتر.
كان مليان راحة.
...
بعد يومين...
أعلنت الجامعة نتائج التحقيق.
وثبت رسميًا إن التصميم الأصلي ملك للطالبة وتين علي.
وإن ما حدث كان نتيجة تسريب غير قانوني خارج الجامعة.
الجامعة قدمت اعتذار رسمي.
وشركة الألفي أعلنت استمرار تدريب وتين ضمن البرنامج بدون أي تغيير.
أما باقي الطلبة...
فاستقبلوا الخبر بتصفيق كبير.
بسنت حضنت وتين بقوة.
بسنت: "قولتلك... حقك مش هيضيع."
ابتسمت وتين وعينيها لمعت.
وتين: "الحمد لله."
ميار قربت منها ومدت إيدها.
ميار: "مبروك يا وتين."
صافحتها بابتسامة صادقة.
وتين: "الله يبارك فيكي."
ومن بعيد...
كانت عائشة بتتابع المشهد.
ملامحها كانت متغيرة.
مكنتش متوقعة إن الأمور تنتهي بالشكل ده.
...
في شركة الألفي...
دخل زياد مكتبه.
حط الملف فوق المكتب.
بص لمعتز.
زياد: "اقفل الملف."
رفع معتز حاجبه.
معتز: "تقصد..."
زياد: "قضية التصميم انتهت."
سكت لحظة.
ثم كمل بنبرة هادئة.
زياد: "لكن الشخص اللي بدأ كل ده... هيوصل له دوره."
هز معتز رأسه.
وأخد الملف.
كتب عليه بخط واضح:
"مغلق."
في نفس الوقت...
داخل مكتب مجهول...
كانت إيد شخص بتقلب في الجريدة.
العنوان الرئيسي كان:
"تبرئة الطالبة وتين علي وإثبات ملكيتها للتصميم."
ابتسم ابتسامة باردة.
قفل الجريدة.
فتح درج مكتبه.
طلع صورة قديمة...
فيها زياد.
وشخص واقف جنبه.
لكن وشه كان متقطع من الصورة.
حط الصورة مكانها.
وقال بهدوء:
"الجولة الأولى انتهت..."
"لكن الحرب... لسه مبدأتش."
أطفأ نور المكتب.
وغرق المكان في الظلام.
على غير ميعاد
الفصل الرابع عشر
استيقظت وتين بدري على غير عادتها.
فتحت عينيها وبصت للسقف ثواني، قبل ما تمد إيدها تمسك موبايلها.
ابتسمت أول ما افتكرت...
إن كل اللي حصل خلال الأيام اللي فاتت انتهى.
حقها رجعلها.
واسمها اتبرأ.
خرجت من أوضتها وهي لابسة هدوم الجامعة، لقت بسنت واقفة في المطبخ بتحضر الفطار.
أول ما شافتها، ابتسمت.
بسنت: صباح الخير يا باشمهندسة.
ضحكت وتين وهي قعدت.
وتين: صباح النور.
بسنت: ها... إحساس البطلة بعد ما بقت حديث الجامعة؟
لفت وتين عينيها وهي بتضحك.
وتين: يا بنتي بطلي مبالغة.
بسنت: والله ما ببالغ... امبارح وأنا ماشية سمعت بنتين بيتكلموا عليكي.
وتين: خير؟
بسنت: واحدة بتقول للتانية: "هي دي صاحبة التصميم."
تنهدت وتين.
وتين: كنت أتمنى الناس تعرفني بسبب شغلي... مش بسبب المشكلة.
ابتسمت بسنت وهي بتحط الأكل قدامها.
بسنت: المهم إنهم عرفوا إن الحق رجع لصاحبه.
هزت وتين راسها بابتسامة هادية.
...
بعد نص ساعة...
كانوا داخلين الجامعة.
الحياة رجعت لطبيعتها.
الطلبة في كل مكان.
ضحك.
محاضرات.
دكاترة.
وصوت الكافتيريا اللي عمره ما بيهدى.
أول ما دخلت وتين الكلية، لقت أكتر من حد بيبصلها ويبتسم.
فيه اللي باركلها.
وفيه اللي اكتفى بهزة راس.
أما هي...
فكانت بتحاول تتعامل مع الموضوع ببساطة.
لحد ما سمعت صوت بينادي عليها.
ميار: وتين!
لفت ناحيتها.
كانت ميار جاية بسرعة وهي شايلة رول رسومات كبير.
ميار: أخيرًا شوفتك.
وتين: صباح الخير.
ابتسمت ميار.
ميار: مبروك مرة تانية.
وتين: الله يبارك فيكي.
سكتت ميار شوية، قبل ما تقول بابتسامة:
ميار: على فكرة... انتي كنتي قوية جدًا.
بصتلها وتين باستغراب.
وتين: في إيه؟
ميار: أي حد مكاني كان ممكن ينهار.
ابتسمت وتين بهدوء.
وتين: يمكن عشان كنت واثقة من نفسي.
هزت ميار راسها بإعجاب.
وفي اللحظة دي...
دخل الدكتور المحاضرة.
الكل بدأ يدخل المدرج بسرعة.
...
بعد المحاضرة...
كان الطلبة متجمعين حوالين لوحة الإعلانات.
بسنت: هو في إيه؟
قربوا هما التلاتة.
كان الدكتور معلق إعلان جديد.
"بدء التدريب الصيفي للطلبة المقبولين في الشركات المشاركة."
قلب وتين دق بسرعة.
بدأت تدور بعينيها على اسمها.
ولما لقيته...
وقفت لحظة.
وتين علي — شركة الألفي للتطوير الهندسي.
ابتسمت من غير ما تحس.
بسنت: لقيتيه؟
هزت راسها.
وتين: أيوة.
ميار: مبروك.
بسنت: أول يوم تدريب إمتى؟
قربت وتين من الورقة تاني.
وتين: يوم الأحد... الساعة تسعة الصبح.
ضحكت بسنت.
بسنت: يعني هنصحى الفجر.
ضحكوا التلاتة.
ولأول مرة من فترة...
كان ضحك وتين خارج من قلبها.
مش خوف.
ولا توتر.
ولا قلق.
بس إحساس إن صفحة جديدة بدأت.
...
في آخر اليوم...
خرجت من الجامعة وهي ماسكة النوتة بتاعتها.
وقفت دقيقة قبل ما تركب العربية.
فتحت آخر صفحة.
وكتبت بخط صغير:
"كل نهاية صعبة... ممكن تكون بداية أحسن."
قفلت النوتة.
ورفعت وشها للسما.
كانت حاسة إن الطريق اللي قدامها لسه طويل...
لكن المرة دي...
كانت ماشية فيه وهي مطمنة.
...
بعد المحاضرة الأخيرة...
كانت وتين وبسنت وميار نازلين سلالم الكلية ببطء.
الجو كان حر، والكافيهات اللي حوالين الجامعة مليانة طلبة.
وقفت بسنت فجأة.
بسنت: أنا جعانة... وجعانة بطريقة تخوف.
ضحكت ميار.
ميار: انتي جعانة من أول محاضرة.
بسنت: عشان الدكتور خلاني أستهلك كل الطاقة اللي عندي.
ضحكت وتين.
وتين: خلاص... نروح ناكل.
قفزت بسنت بفرحة.
بسنت: أخيرًا حد حس بيا.
...
بعد شوية...
كانوا قاعدين في مطعم صغير قريب من الجامعة.
الأكل لسه موصلش.
وبسنت كانت ماسكة المنيو من عشر دقايق.
ميار: هتطلبي المطعم كله؟
بسنت: اسكتي... دي قرارات مصيرية.
ضحكت وتين وهي بتشرب العصير.
كان بقالها فترة طويلة مضحكتش بالراحة دي.
من غير ضغط.
ولا مشاكل.
ولا تحقيقات.
مجرد يوم عادي...
وده كان كفاية يخليها مبسوطة.
قطع الجو صوت موبايلها.
بصت للشاشة.
بابا ❤️
ابتسمت وردت بسرعة.
وتين: ألو يا بابا.
علي: عاملة إيه يا حبيبتي؟
وتين: الحمد لله... إنت عامل إيه؟
علي: الحمد لله... قولت أطمن عليكي.
ابتسمت وهي بتبص في الأرض.
وتين: أنا بخير.
علي: سمعت إن التدريب هيبدأ قريب.
وتين: أيوة... من الأسبوع الجاي.
سكت علي لحظة.
وبعدين قال:
علي: أنا عارف إنك قدها.
دمعت عينيها من غير ما تحس.
الكلمة كانت بسيطة...
لكن طالعة من أبوها.
وده كان ليها طعم تاني.
وتين: إن شاء الله يا بابا.
علي: أهم حاجة متضغطيش على نفسك.
وتين: حاضر.
علي: وسلميلي على البنات.
ضحكت.
وتين: حاضر.
قفلت المكالمة.
بصتلها بسنت.
بسنت: باباكي؟
هزت راسها بابتسامة.
وتين: أيوة.
ميار: واضح إنه بيشجعك جدًا.
ردت وتين وهي سرحانة.
وتين: طول عمره أول واحد بيصدقني.
...
في نفس الوقت...
في الشرقية...
كان حازم واقف في الصيدلية بيراجع طلبية أدوية جديدة.
دخلت أسماء وهي شايلة كوبايتين شاي.
حطت واحدة قدامه.
أسماء: ريح خمس دقايق.
ابتسم.
حازم: خمس دقايق بس.
قعدت قدامه.
أسماء: سمعت إن وتين رجعلها حقها.
رفع راسه بابتسامة فخر.
حازم: أهو ده اللي كنت متأكد منه.
أسماء: البنت دي تستاهل كل خير.
ابتسم وهو بيبص لصورة صغيرة للعيلة كانت محطوطة على الرف.
حازم: من وهي صغيرة... عمرها ما استسلمت.
دخل زبون الصيدلية.
قام حازم بسرعة يخدمه.
أما أسماء...
ففضلت تبصله وهي مبتسمة.
كل يوم كانت تقتنع أكتر...
إن اختيارها ليه كان أحسن قرار خدته في حياتها.
...
قبل المغرب بشوية...
رجعت وتين الشقة.
رمت شنطتها على الكنبة.
ودخلت أوضتها.
وقفت قدام مكتبها.
كل الرسومات القديمة كانت مترتبة.
مدت إيدها وفتحت درج صغير.
طلعت منه أول اسكتش رسمته وهي في أولى كلية.
ابتسمت وهي بتفتكره.
وقتها كانت بتحلم...
إنها بس تنجح.
دلوقتي...
بقى عندها حلم أكبر.
وقفت قدام المراية.
وبصت لنفسها.
وقالت بابتسامة هادية:
"لسه المشوار طويل... بس أنا جاهزة."
وفي نفس اللحظة...
كان في مكتب زياد الألفي...
زياد واقف قدام الشباك، بيبص على القاهرة من الدور الأخير.
دخل مازن بعد ما خبط على الباب.
مازن: أخبار التدريب؟
لف زياد ناحيته.
زياد: كل الأسماء اتبعت.
فتح مازن الملف اللي في إيده.
مازن: ومن ضمنهم... وتين.
سكت زياد لحظة.
وبعدين قال بهدوء:
زياد: من أول يوم... هتتعامل زيها زي أي متدرب.
ابتسم مازن.
مازن: كنت متوقع غير كده؟
رد زياد وهو رجع يبص من الشباك:
زياد: الشغل مفيهوش مجاملات.
ابتسم مازن وهو خارج من المكتب.
أما زياد...
فكان عنده إحساس غريب.
حاسس إن البنت دي...
لسه هتعمل حاجات كتير.
لكن المرة دي...
مش بسبب مشكلة.
إنما بسبب موهبتها.
...
ابتسمت بسنت وهي بترجع شنطتها على كتفها.
بسنت: طب أنا هسبقك الكافتيريا... عشان لو استنيتك هتفضلي واقفة ترغي مع الدكتور ساعة.
ضحكت وتين.
وتين: امشي إنتي... وأنا جاية.
خرجت بسنت، وفضلت وتين واقفة مع الدكتور كمال.
بصلها بابتسامة هادية.
الدكتور كمال: عارفة أكتر حاجة عجبتني فيكي؟
وتين: إيه؟
الدكتور: إن بعد اللي حصل... أول حاجة عملتيها إنك رجعتي للمرسم. مش للسوشيال ميديا، ولا للمقابلات، ولا للكلام.
ابتسمت وتين بخجل.
وتين: معرفش أعمل غير كده.
الدكتور: وده اللي هيخليكي تنجحي.
سكت ثانية، وبعدها كمل.
الدكتور: بس عندي طلب.
وتين: اتفضل.
الدكتور: من أول الأسبوع الجاي، هتساعديني مع طلبة سنة أولى في ورشة التصميم.
اتسعت عينيها.
وتين: أنا؟
الدكتور: أيوة... متقلقيش، مش هتشرحي المنهج. بس عايزهم يشوفوا طريقة تفكيرك وإنتي بتشتغلي.
وقفت وتين لحظة مستوعبتش.
وتين: حضرتك واثق إني أقدر؟
ابتسم.
الدكتور: لو مكنتش واثق... مكنتش طلبت.
نزلت عينيها وهي مبتسمة.
وتين: إن شاء الله قدها.
ربت على كتفها بخفة.
الدكتور: وأنا متأكد.
خرجت من المكتب وهي حاسة إن اليوم ده بقى مختلف تمامًا.
في الكافتيريا...
كانت بسنت وميار قاعدين مستنيينها.
أول ما وصلت، بصتلها بسنت.
بسنت: ها؟ قعد يحاسبك؟
ضحكت وتين.
وتين: بالعكس... زودني شغل.
ميار رفعت حاجبها.
ميار: شغل؟
حكتلهم على موضوع الورشة.
ابتسمت ميار.
ميار: تستاهلي.
أما بسنت فشهقت.
بسنت: يعني من النهارده هنبقى نقولك "مس وتين"؟
ضحكت وتين وهي زقتها في كتفها.
وتين: بطلي رخامة.
بسنت: لا والله... أنا هاجي أقعد في الورشة أقول للطلبة: دي صاحبتي.
ضحكوا التلاتة.
وبعد شوية...
سكتوا وهم بياكلوا.
قطعت ميار الصمت.
ميار: بالمناسبة... التدريب هيبدأ بعد أسبوعين.
رفعت وتين عينيها.
وتين: صح... كنت نسيت.
بسنت: أنا لحد دلوقتي مش عارفة هتقبل فين.
ميار: كله رزق.
هزت وتين رأسها.
وتين: أهم حاجة نستفيد... مش اسم الشركة.
بصتلها بسنت وهي بتضحك.
بسنت: انتي لما بتتكلمي بتحسسي الواحد إنه في مؤتمر.
ضحكت وتين.
وتين: معلش بقى.
بعد انتهاء اليوم الدراسي...
خرجت وتين من بوابة الجامعة.
كان الجو بدأ يميل للغروب.
وقفت تستنى العربية اللي هترجعها.
ولأول مرة من أيام...
وقفت تبص للجامعة من بعيد.
ابتسمت لوحدها.
كمية الأحداث اللي حصلت في المكان ده خلال كام أسبوع...
كانت كفاية تغير شخص كامل.
طلعت النوتة الصغيرة من شنطتها.
فتحت آخر صفحة.
وكتبت بخطها الهادي:
"النجاح مش بيخلي الطريق أسهل... بس بيخليك مؤمن إنك تقدر تكمله."
قفلت النوتة.
وفي اللحظة دي...
وصلها إشعار على الموبايل.
رسالة من والدها.
"هتتأخري؟ أمك عاملة أكلة بتحبيها."
ابتسمت تلقائي.
كتبت بسرعة:
"نص ساعة وهكون عندكم."
حطت الموبايل في شنطتها.
وركبت العربية.
وهي مبتسمة...
من غير ما تعرف...
إن الأيام الهادية دي...
مش هتطول كتير.