
مرت ثلاث سنين...
ثلاث سنين كانت كفاية إنها تغيّر ناس كتير.
وتكسر ناس أكتر.
وتخلي حاجات كانت مستحيلة...
تبقى عادية.
وتخلي ناس كانوا فاكرين إنهم مش هيقدروا يكملوا...
يكملوا غصب عنهم.
في ألمانيا...
كان زياد واقف قدام المراية.
بدلة سوداء.
ساعة في إيده.
وشعره مرتب.
لكن أكتر حاجة اتغيرت فيه...
كانت عينيه.
مفيش فيها الشاب اللي سافر من مصر وهو شايل وجع وخوف وغضب.
كان فيه شخص تاني.
أهدى.
أقوى.
وأخطر.
حط ساعته.
بص للموبايل.
آخر رسالة وصلته كانت من دانيال:
"Everything is ready."
ابتسم زياد ابتسامة بسيطة.
ثلاث سنين.
ثلاث سنين وهو بيبني نفسه من الصفر.
بدأ بمهندس صغير في مكتب محدش يعرف فيه اسم عيلته.
وبعدها اشتغل على مشروع.
ومشروع تاني.
وبعدين بدأ اسمه يظهر.
مش اسم الألفي.
اسمه هو.
زياد حامد الألفي.
من غير شركة والده.
من غير فلوس والده.
من غير حماية والده.
كل حاجة عملها بإيده.
رفع شنطته.
وقبل ما يخرج...
وقف لحظة.
بص للمكان اللي عاش فيه أول سنة.
افتكر نفسه وهو داخل هنا أول مرة.
فاكر خوفه.
وحدته.
وغضبه.
ابتسم.
ـ الحمد لله.
وأقفل الباب.
في مصر...
كانت شركة الألفي مختلفة تمامًا.
المبنى نفسه.
لكن الروح مش زي زمان.
مازن كان واقف في مكتب الإدارة.
قدامه مجموعة ملفات.
قفل آخر ملف بعصبية.
ـ مش معقول.
دخل معتز.
ـ في إيه؟
مازن: ـ العقد الجديد اترفض.
معتز: ـ ليه؟
ـ العميل شايف إن الشركة مش مستقرة.
معتز سكت.
ثم قال:
ـ من ساعة ما زياد مشي وإحنا بنحاول نثبت إن الشركة لسه واقفة.
مازن: ـ وأنا تعبت.
معتز بصله.
ـ كلنا تعبنا.
في اللحظة دي...
دخل حامد.
كان واضح إن السنين أثرت عليه.
شعره شاب فيه أكتر.
وملامحه بقت أهدى.
لكن عينيه كانت شايلة حاجة تقيلة.
حامد: ـ إيه الأخبار؟
مازن: ـ مش أحسن حاجة.
حامد قرب.
ـ قد إيه؟
ـ لو خسرنا العقدين الجايين...
سكت.
ـ هنضطر نقلل حجم الشغل.
حامد أخد نفس طويل.
ـ وإيه رأي عمر؟
معتز: ـ هييجي بعد شوية.
حامد هز رأسه.
ـ تمام.
وقبل ما يكمل...
رن موبايل مازن.
بص للشاشة.
سكت.
معتز: ـ مين؟
مازن رفع عينه.
ـ المطار.
حامد عقد حواجبه.
ـ المطار؟
مازن بلع ريقه.
ـ في حد وصل من ألمانيا.
سكت لحظة.
ـ زياد.
الصمت نزل على المكتب.
ولا واحد فيهم اتكلم.
حامد ثبت عينه على مازن.
ـ متأكد؟
مازن: ـ أيوة.
حامد قعد على الكرسي.
كأنه لأول مرة من سنين...
نسي يتنفس.
معتز ابتسم رغم عنه.
ـ رجع.
مازن: ـ رجع.
لكن حامد ما ابتسمش.
كان عارف...
إن رجوع زياد مش مجرد رجوع ابن لأبوه.
ده رجوع شخص خرج من مصر مكسور...
وراجع وهو أقوى.
في نفس الوقت...
في مكان تاني في مصر...
كانت وتين قاعدة قدام مكتب كبير.
أوراق كتير حواليها.
ومجموعة تصميمات.
ثلاث سنين مروا.
ثلاث سنين غيروا شكل حياتها بالكامل.
بعد وفاة والدتها...
اختفت فترة طويلة.
بعدت عن الجامعة.
بعدت عن الشركة.
وبعدت حتى عن صحابها.
لكنها رجعت.
رجعت للدراسة.
ورجعت للشغل.
بس مش بنفس البنت.
بقت أهدى.
أقوى.
لكن جواها جزء لسه واقف عند اليوم اللي فقدت فيه أمها.
دخلت ميار.
حطت كوب القهوة قدامها.
ـ اشربي.
وتين بصتلها.
ـ أنا مش محتاجة.
ـ أنا مش بسألك.
ابتسمت وتين.
ـ إنتِ لسه زي ما إنتِ.
ميار: ـ وإنتِ لسه عنيدة.
سكتت وتين.
ميار قعدت قدامها.
ـ عندي خبر.
وتين: ـ إيه؟
ـ الشركة طلبت اجتماع معانا.
وتين: ـ شركة الألفي؟
ميار هزت رأسها.
ـ أيوة.
فضلت وتين ساكتة.
ميار لاحظت التغيير في ملامحها.
ـ لو مش عايزة نروح...
قاطعتها وتين.
ـ لأ.
رفعت عينيها.
ـ هنروح.
ـ متأكدة؟
ـ أيوة.
سكتت لحظة.
ثم قالت:
ـ إحنا بدأنا المشروع ده من تلات سنين.
ـ أيوة.
ـ ودلوقتي لازم نكمله.
ميار ابتسمت.
ـ رجعنا.
وتين: ـ رجعنا.
في شركة الألفي...
كان عمر الصياد داخل المكتب.
أول ما شاف حامد ومازن ومعتز...
عرف إن فيه حاجة.
عمر: ـ في إيه؟
مازن: ـ زياد رجع.
عمر وقف مكانه.
ثواني.
وبعدين قال:
ـ إمتى؟
ـ النهارده.
عمر بص لحامد.
ـ كلمته؟
حامد هز رأسه.
ـ لأ.
عمر: ـ وهتستناه؟
حامد: ـ مش عارف.
معتز: ـ لازم تتكلموا.
حامد بصله.
ـ بعد تلات سنين؟
معتز: ـ حتى لو بعد عشرين سنة.
عمر سكت.
ثم قال:
ـ زياد مش الشخص اللي سافر.
حامد رفع عينه له.
ـ عارف.
عمر: ـ يبقى خليك مستعد.
حامد: ـ لمين؟
عمر بصله بثبات.
ـ لابنك.
بعد ساعات...
وصلت عربية سوداء قدام شركة الألفي.
نزل منها رجل.
خطواته هادية.
دخل المبنى.
الموظف عند الاستقبال رفع عينه.
ـ حضرتك؟
الرجل شال نظارته.
ـ زياد الألفي.
اتجمد الموظف.
بصله مرة تانية.
ـ أستاذ زياد؟
زياد ابتسم.
ـ أيوة.
الموظف قام بسرعة.
ـ أبلغ الإدارة؟
زياد: ـ لأ.
سكت لحظة.
ـ أنا هطلع بنفسي.
مشى.
كل خطوة كان بيقرب فيها من الدور الأخير...
كانت ذكريات تلات سنين بترجع.
دخل الأسانسير.
الأبواب قفلت.
بص لانعكاسه في المراية.
ثم قال لنفسه:
ـ المرة دي...
مش ههرب.
الأسانسير وقف.
الأبواب اتفتحت.
خرج.
الممر نفسه.
لكن المكتب اللي كان بتاعه...
بقى مكتب الإدارة.
وقف قدامه.
مد إيده للمقبض.
لكن قبل ما يفتحه...
سمع صوت من الداخل.
صوت حامد.
ـ أنا عارف إنك هترجع.
اتجمد زياد.
فتح الباب.
دخل.
حامد كان واقف.
قدامه مازن ومعتز وعمر.
ثواني طويلة...
ولا واحد اتكلم.
حامد بص لابنه.
وزياد بص لأبوه.
ثلاث سنين...
اختصروا كل الكلام.
حامد: ـ عامل إيه؟
زياد: ـ كويس.
ـ رجعت ليه؟
زياد بص حواليه.
ـ عشان الشركة.
حامد: ـ الشركة بس؟
زياد سكت.
ثم قال:
ـ والشغل.
عمر كان واقف بعيد.
بص لزياد.
ـ اتغيرت.
زياد ابتسم.
ـ اتعلمت.
مازن قرب منه.
ـ وحشتنا يا صاحبي.
زياد بصله.
ثانية واحدة...
وبعدين حضنه.
معتز ضحك.
ـ أخيرًا.
زياد: ـ وحشتوني.
لكن اللحظة ما طولتش.
لأن موبايل زياد رن.
بص للشاشة.
ملامحه اتغيرت.
عمر لاحظ.
ـ مين؟
زياد قفل المكالمة.
ـ مفيش.
عمر: ـ زياد.
بصله.
ـ قلت مفيش.
سكت عمر.
لكن قبل ما حد يتكلم...
رن موبايل حامد.
بص للشاشة.
رقم مجهول.
رد.
ـ ألو؟
مفيش رد.
وبعدين...
صوت هادي جدًا.
ـ رجع ابنك.
حامد اتجمد.
زياد قرب خطوة.
ـ مين؟
الصوت كمل:
ـ المرة دي مش هتقدروا تبعدوه.
وقفل.
حامد بص لزياد.
وزياد فهم من عينيه...
إن الماضي ما كانش سايبهم.
بس المرة دي...
زياد مش هو الشخص اللي هرب.
رفع عينه لأبوه.
وقال بهدوء:
ـ مين اللي كلمك؟
حامد سكت.
زياد قرب أكتر.
ـ أنا بسألك يا بابا.
عمر بص لحامد.
ومازن ومعتز سكتوا.
حامد أخد نفس.
وبص لابنه.
ـ الشخص اللي كنا فاكرين إنه مات.
زياد عينيه ضاقت.
ـ محمود؟
حامد هز رأسه.
ـ لأ.
سكت.
ـ الشخص اللي كان معاه.
وفي نفس اللحظة...
وصلت رسالة على موبايل زياد.
فتحها.
صورة واحدة.
صورة قديمة جدًا.
لكن المرة دي...
كان فيها زياد وحامد ومحمود...
وشخص رابع واقف بعيد.
وتحت الصورة جملة:
"ثلاث سنين في ألمانيا علمتك تبني نفسك..."
وبعدها رسالة ثانية:
"دلوقتي نشوف هتعرف تحمي اللي بنيته ولا لأ."
رفع زياد عينه.
الهدوء اختفى من ملامحه.
ابتسم ابتسامة باردة.
ـ تمام.
عمر: ـ تمام إيه؟
زياد حط الموبايل على المكتب.
ـ الحرب بدأت.
وسكت.
ثم بص لأبوه.
ـ بس المرة دي...
أنا مش هسيبهم يختاروا النهاية.
على غير ميعاد
الفصل الرابع والعشرون
من بعد ما رجع زياد مصر...
حاجات كتير بدأت تتحرك من جديد.
الشركة رجعت تستعيد قوتها واحدة واحدة، وزياد بدأ يدخل في كل تفاصيل الشغل بنفسه.
ماكانش عايز يرجع كابن صاحب الشركة وبس.
كان عايز يرجع كمهندس أثبت نفسه بعيد عن اسم الألفي.
وفي الناحية التانية...
كانت حياة وتين خلال التلات سنين اللي فاتوا مختلفة تمامًا.
بعد وفاة والدتها، كانت في فترة صعبة جدًا.
اختفت عن الكل تقريبًا.
لكن الشخص الوحيد اللي فضل موجود جنبها كان خالها مصطفى.
مصطفى كان راجل مختلف.
سنين طويلة عاشها في إيطاليا، وبنى اسمه هناك من الصفر.
بدأ مهندس صغير، وبعدها اشتغل في مشاريع كبيرة، لحد ما بقى اسمه معروف جدًا في مجال البناء والتصميم.
ناس كتير في إيطاليا كانت بتطلبه بالاسم.
وكان ممكن يكمل حياته هناك بسهولة.
لكن بعد وفاة أخته...
رجع مصر.
ومن يومها، بقى قريب من وتين أكتر من أي وقت فات.
كان بيوديها الجامعة.
يستناها بعد المحاضرات.
يساعدها في شغلها.
ولو لقاها قاعدة بالساعات قدام الرسومات، يدخل يحط القهوة جنبها ويقول:
ـ كفاية شغل النهارده.
وتين ترفع عينها:
ـ لسه مخلصتش.
ـ بكرة تكملي.
ـ أنا لازم أخلص.
ـ وإنتِ لازم ترتاحي.
فتبتسم غصب عنها.
مصطفى كان عارف إنها بتحاول تعوض كل حاجة راحت منها بالشغل.
وعارف إنها رغم قوتها...
لسه جواها بنت صغيرة فقدت أمها.
في يوم...
كانت وتين قاعدة معاه في البيت.
قدامها رسومات ومخططات.
مصطفى بص لها.
ـ رجعتي الشركة؟
وتين هزت راسها.
ـ أيوه.
ـ مرتاحة؟
ـ آه.
سكت شوية.
وبعدين قال:
ـ وزياد؟
إيد وتين وقفت لحظة.
لكنها كملت رسم.
ـ رجع.
مصطفى بص لها.
ـ شوفتيه؟
ـ لسه.
ـ هتقابليه.
وتين رفعت عينها.
ـ غالبًا.
مصطفى سكت.
ملامحه اتغيرت للحظة.
وتين لاحظت.
ـ في إيه؟
ابتسم.
ـ مفيش.
ـ خالو...
ـ قلتلك مفيش.
بصت له شوية.
لكنها ما ضغطتش عليه.
مصطفى رجع يبص للرسومات.
لكن جواه...
كان عارف إن رجوعه لمصر مش عشان وتين بس.
هو رجع عشان حاجة تانية.
حاجة بقاله سنين بيهرب منها.
المشروع القديم.
أول مشروع كبير اشتغل فيه زياد.
المشروع اللي انتهى بموت ناس كتير.
المشروع اللي كان مصطفى مسؤول فيه عن المواد وكل التفاصيل الخاصة بالتنفيذ.
وفي اليوم اللي حصل فيه تسريب المياه داخل المباني...
كان لازم يتحرك.
كان لازم يتصرف.
لكنّه ماعملش حاجة.
ساعتها...
حامد الألفي اتحمل المسؤولية.
واتحبس.
تلات سنين.
تلات سنين كاملة...
حامد دفع تمن حاجة مصطفى هو اللي كان مسؤول عنها.
ومن يومها...
مصطفى ماعرفش يعيش مرتاح.
نجح في إيطاليا.
بقى مشهور.
بقى عنده فلوس واسم وخبرة.
لكن كل ما حد كان بيمدحه ويقوله:
"إنت بنيت نفسك بنفسك."
كان بيفتكر الناس اللي ماتت.
ويفتكر حامد.
ويفتكر إنه ساب راجل يتحبس مكانه.
وعشان كده رجع.
مش عشان يهرب.
عشان يصلح.
---
في اليوم التالي...
شركة الألفي كانت في حالة شغل.
مازن في الإدارة.
معتز بيتابع المشاريع.
عمر مع حامد في اجتماع.
وزياد واقف في قسم المنشآت بيراجع مجموعة رسومات.
دخلت ميار.
وراها وتين.
ـ صباح الخير.
مازن رفع عينه.
ـ صباح النور.
ميار حطت الملفات على المكتب.
ـ دي التعديلات الجديدة.
زياد كان واقف بعيد.
رفع عينه.
شاف وتين.
المرة دي...
ماكانش فيه صدمة.
ولا مشهد كبير.
بس لحظة هدوء.
وتين بصت له.
ـ صباح الخير.
ـ صباح النور.
ميار بصت للاتنين.
وبعدين قالت:
ـ بما إنك رجعت، يبقى أنت هتراجع الجزء ده معانا.
زياد قرب.
ـ تمام.
وتين فتحت الملف.
ـ دي المنطقة اللي محتاجة تعديل.
زياد بص للرسومات.
ـ هنا؟
ـ أيوه.
ـ لأ، لو عدلناها بالشكل ده هنزود الحمل على الجزء التاني.
وتين بصتله.
ـ أنا كنت بفكر في حل تاني.
فتحت ورقة تانية.
ـ هنا.
زياد ركز فيها.
وبعد ثواني ابتسم.
ـ ده أحسن.
وتين:
ـ عارفة.
زياد ضحك ضحكة خفيفة.
ـ لسه زي ما إنتِ.
ـ وإنت لسه بتجادل كتير.
ميار بصتلهم وضحكت.
ـ حلو... رجعنا للشغل.
والثلاثة بدأوا يشتغلوا.
من غير عتاب.
من غير كلام عن الماضي.
بس شغل.
وزياد لأول مرة من سنين حس إن وجود وتين قدامه مش وجع زي زمان.
كان طبيعي.
وده كان غريب بالنسبة له.
---
بعد ساعات...
وصل مصطفى للشركة.
دخل بهدوء.
لكن أول ما الموظفين شافوه...
بدأت الهمسات.
ـ ده مصطفى؟
ـ مصطفى اللي في إيطاليا؟
ـ أيوه.
ـ سمعت إنه ماسك مشاريع ضخمة هناك.
مصطفى ابتسم للناس من غير اهتمام.
كان عايز يوصل لمكتب حامد.
لكن قبل ما يتحرك...
شاف وتين.
كانت واقفة مع ميار وزياد.
ابتسم.
وتين أول ما شافته جريت عليه.
ـ خالو!
حضنته.
ـ وحشتني.
ـ وإنتِ كمان.
زياد كان واقف مكانه.
بص لمصطفى.
في البداية...
ماكانش يعرفه.
لكن حاجة في ملامحه شدت انتباهه.
مصطفى قرب.
وتين قالت:
ـ زياد، ده خالي مصطفى.
مد مصطفى إيده.
ـ أهلًا.
زياد صافحه.
ـ أهلًا بحضرتك.
مصطفى بص له شوية.
ثم قال:
ـ زياد الألفي؟
ـ أيوه.
مصطفى ابتسم.
ـ سمعت عنك كتير.
زياد رد بابتسامة بسيطة.
ـ وأنا سمعت عن حضرتك أكتر.
ميار بصت لهم.
ـ طب أنا حاسة إن كل الناس هنا تعرف بعض إلا أنا.
ضحكوا.
لكن...
إيد زياد وهي بتسلم على مصطفى كانت لسه ثابتة في مكانها.
لأن الاسم...
مصطفى.
والملامح...
كان فيها حاجة مألوفة.
حاجة مش عارف يحطها فين.
مصطفى لاحظ نظراته.
وقال:
ـ نتكلم بعدين.
زياد هز راسه.
ـ أكيد.
مصطفى مشي مع وتين.
لكن قبل ما يدخل مكتب حامد...
لف وبص لزياد.
نظرة قصيرة.
وبعدين دخل.
زياد فضل باصص عليه.
عمر قرب منه.
ـ مالك؟
زياد قال:
ـ مفيش.
عمر:
ـ متأكد؟
زياد بص لباب مكتب حامد.
ـ أيوه.
لكن جواه...
حاجة بدأت تتحرك.
مش عارف إيه.
ومش عارف ليه.
---
داخل مكتب حامد...
مصطفى وقف قدامه.
سنين طويلة عدت.
ولا واحد اتكلم.
حامد كان أول واحد كسر الصمت.
ـ رجعت.
مصطفى هز راسه.
ـ رجعت.
ـ ليه؟
مصطفى بص له.
ـ عشان أصلح اللي عملته.
حامد ضحك ضحكة قصيرة مليانة وجع.
ـ بعد كل السنين دي؟
ـ عارف إني اتأخرت.
ـ تلات سنين يا مصطفى.
مصطفى سكت.
ـ أنا اتحبست تلات سنين.
ـ عارف.
ـ وإنت؟
مصطفى بص للأرض.
ـ أنا عشت التلات سنين دول كل يوم.
حامد رفع عينه.
ـ وإيه اللي عايز تعمله؟
مصطفى قال بهدوء:
ـ أرجع كل حاجة لمكانها.
حامد:
ـ والحقيقة؟
مصطفى سكت.
حامد كمل:
ـ لو الحقيقة ظهرت... مش أنا بس اللي هتأذي.
مصطفى بص له.
ـ عارف.
ـ زياد؟
ـ عارف.
حامد أخد نفس طويل.
ـ يبقى سيبها مدفونة.
مصطفى هز راسه.
ـ أنا حاولت أدفنها تلات سنين.
وبص له بثبات.
ـ بس المرة دي... مش هقدر.
وخارج المكتب...
كان زياد واقف بالصدفة قريب من الباب.
ماسمعش كل الكلام.
لكن سمع جملة واحدة.
"أنا حاولت أدفنها تلات سنين."
رفع عينه ناحية الباب.
وبدأ يحس...
إن رجوعه لمصر في نفس الوقت اللي رجع فيه مصطفى...
مش مجرد صدفة.
وفي الجهة التانية...
كانت وتين واقفة مع ميار، بتراجعوا الرسومات.
ولا واحدة فيهم كانت تعرف...
إن الشغل اللي بدأ بينهم النهارده بشكل عادي جدًا...
هيجمعهم تاني.
وهيخلي وتين وزياد يقربوا من بعض من غير ما ياخدوا بالهم.
وفي نفس الوقت...
الحقيقة اللي مصطفى رجع عشان يصلحها...
كانت لسه مستنية اللحظة المناسبة عشان تظهر.